زفرت زاهي بضيق ونظرت لساعتها بملل، فهي عالقة بزحمة السير تلك لأكثر من ساعة. ما إن تقدمت ببطء خلف ذلك الصف الطويل من السيارات حتى أخذت تتلفت يميناً ويساراً في محاولة منها لتبين سبب ذاك الزحام الخانق، خاصة وهي على طريق سريع مؤدٍ لمدينة برج العرب وليست بقلب البلد لتعلق بهكذا زحام. بدأت ترى العديد من سيارات الشرطة والإسعاف، وتهادت لسمعها تعليقات ركاب السيارات حولها. "إنه حادث!
" ظنته حادثاً مرورياً، ولكن مع كمية سيارات الشرطة وتلك الرتب التي تراشقت بكل مكان، تهادت لسمعها أنها حادثة إطلاق نار على أحد رجال الأعمال. هزت رأسها بعدم اكتراث وتابعت تقدمها، ولكنها وجدت أن ضباط الشرطة يفتشون السيارات وينظرون في رخص السيارات. فتحت حقيبتها وأخرجت رخصتها، ما إن قاربت على الوصول للكمين ليلقي الضابط عليها نظرة ثم يشير لها بالتقدم. لتنطلق مسرعة، فهي تأخرت على العودة كثيراً، ولابد أن علياء قد قلقت عليها.
بينما على الجانب الآخر، كان هذا حادثاً كبيراً قلب الوسط كله لرجل الأعمال الكبير شريف المهدي، الذي انقلبت تلك المشفي الضخمة على أثر وصول سيارة الإسعاف التي تحمله إليها، ليهرع الأطباء تجاهه في محاولة إسعافه من ذلك الطلق الناري الذي أصابه قبل قليل بالطريق الصحراوي وهو وحراسته. أسرع رجاله حوله يركضون بجوار سريره النقال، بينما يجاهد هو للحفاظ على قوته وهيبته الواضحة ولا ينهار، ولكن دون إرادته بدأت عيناه بالتهاوي ويشعر بأنه قد لا ينجو، لذا ينظر تجاه محاميه المقرب مردداً اسم ابنه الوحيد...
جلال! "كلم جلال." أومأ له صديقه ومحاميه. "حاضر يا شريف." ظل يردد بصوت واهن قبل أن يختفي داخل غرفة العمليات. "جلال! عاوز جلال يا وحيد." في غضون ساعة كان الخبر يطير للولايات المتحدة، ليصمت جلال دقائق طويلة شارداً في الفراغ، قبل أن يخرجه صوت آدم ابن عمه وصديقه المقرب من شروده. "إيه يا جلال، رحت فين؟ " هز رأسه بنبرة خالية. "معاك يا آدم." "طيب أنا هستناك في المطار."
أغلق الهاتف وهو ينظر حوله، لا ينكر بأن الخبر أثر به مهما حاول إبداء العكس، ولكنه أبيه بالرغم من كل شيء. تعالى رنين هاتفه بينما كان يعد حقيبته، ليبدأ بإعطاء بعض التعليمات لتسيير أعماله لحين الاطمئنان على والده وعودته. يشعر بالاختناق للعودة منذ الآن ويريد إنهاء ذلك اللقاء بأسرع وقت مع شريف المهدي!
ابتسمت زاهي لعلياء التي فتحت لها الباب وهي تحمل ذلك الصغير الجميل الذي ابتسم لها. "حمد الله على السلامة يا زاهي، اتأخرتي كده ليه؟ " حملت الصغير لتطبع قبلات كثيرة على وجنته الحمراء الجميلة وهي تقول: "الطريق زحمة جداً يا لولو." "طيب يلا غيري هدومك وتعالي بسرعة عشان العشا جاهز." هزت رأسها لتدخل إلى غرفتها وهي ما تزال تحمل ذلك الصغير تداعبه.
ارتدت بيجامتها ورفعت خصلات شعرها البنية للأعلى بمشبك شعرها، وحملت صغيرها وخرجت من الغرفة لتصادف عاصم الذي كان يدخل للمنزل عائداً من عمله. ابتسمت له قائلة: "حمد الله على السلامة." بادلها الابتسامة وهو يلقي بسترته على الأريكة ويحمل من يدها ذلك الصغير الذي ما إن رآه حتى أخذ يردد: "بابا بابا." ليحمله قائلاً: "تعالي يا حبيب بابا." قبّله عاصم بحنان لتقول زاهي: "هروح أساعد علياء." أومأ لها وحمل الصغير للتوجه نحو المطبخ.
لتجد علياء كعادتها تدندن على أنغام الموسيقى وهي تعد الطعام. أخذت قطعة من الفراخ الساخنة التي أخرجتها علياء للتو من الفرن لتأكلها بتلذذ قائلة: "ممم، قلت شيف يا ناس. تسلم إيدك يا لولو، الأكل تحفة." ابتسمت لها علياء. "طيب يلا خدي معايا الأطباق على السفرة لأن عاصم أكيد جعان." ابتسمت لها وحملت الأطباق لتتجمع تلك العائلة الصغيرة حول طاولة العشاء الدافئة بأحاديثهم الودودة.
بينما على طاولة عشاء أخرى، كانت تلك السيدة ذات الخمسين عاماً تتراس تلك الطاولة الفخمة بوسط ذاك المنزل المهيب، وهي تعطي تعليماتها للخدم الذين يضعون الطعام. كانت طاولة باردة على النقيض تماماً بالرغم من فخامتها. التفتت نجلاء المهدي تجاه ابنها عامر قائلة: "في أخبار عن خالك؟ قال بهدوء: "حالته استقرت." نظر لساعته الأنيقة قائلاً: "ساعة وهروح تاني المستشفى أطمن عليه." هزت شفتيها قائلة: "وجلال عرف؟
قال وهو ينظر لوالدته: "أكيد آدم كلمه طبعاً." تنهدت وسألته: "ومراتك فين؟ قالت: "هتنام ساعة وهتنزل معايا تاني نروح المستشفى." هزت رأسها وتركت شوكتها قائلة: "أنا هطلع أوضتي أرتاح، لو في جديد كلمني." هز رأسه ليصعد هو الآخر إلى غرفته ليجد سالي واقفة تكمل ارتداء ملابسها ليقول: "خلاص يا سالي، جهزتي؟ " هزت رأسها وهي تتناول قرطها الماسي تضعه بأذنها قائلة: "لسه يا عامر، مش شايفني بجهز؟
" لو شفتيه، تنهد بغيظ فهي لن تتغير. ليسخر وهو يتوجه للخارج يشعل سيجارة ينفث فيها غضبه: "أبوها في المستشفى وواقفة قدام المراية ساعة." بعد قليل، كانت سالي المهدي تطرق بكعب حذائها السلم الرخامي لهذا المنزل الفخم قائلة: "أنا جاهزة يا عامر! ***
باشتياق كبير احتضن آدم صديقه العزيز جلال الذي غاب طويلاً. "حمد الله على السلامة يا صاحبي." "الله يسلمك." اتسعت ابتسامته وربت على كتفه بسعادة وهو يسير برفقته للخارج، ليخفي ابتسامته على الفور ما إن سأله جلال باقتضاب: "حالته إيه؟ قال آدم: "حالته استقرت بس في العناية المركزة." أومأ له ليعود يسأله بجمود: "في أي أخبار عن اللي عمل كده؟
هز رأسه: "البوليس بيحقق، إحنا كل اللي شغلنا الكام ساعة اللي فاتوا حالة عمي." هز رأسه ليلتفت تجاه الأستاذ وحيد الواقف بجوار سيارته بانتظار خروج جلال ليسرع ناحيته: "حمد الله على السلامة يا ابني." "متشكر يا أستاذ وحيد." "والدك من وقت الحادثة مفيش على لسانه غيرك." هز رأسه بوجه خالٍ، فهل تذكر بعد عامين أن له ابن!
بين أحضان عاصم الحنونة كان زين يغفو، ليبدأ عاصم بتباطؤ بخطواته التي كان يسيرها ذهاباً وإياباً ليجعل الصغير ينام ككل ليلة. لينظر تجاه علياء التي همست: "نام." أومأ لها لتقول بهمس: "هاته، أدخله جنب زاهي." عقد حاجبيه متسائلاً: "هي نامت؟ هزت علياء رأسها قائلة: "آه من شوية، كان شكلها تعبانة." هز رأسه لتسأله أخته وهي تحمل الصغير: "وأنت مش هتدخل تنام؟ " هز رأسه قائلاً: "لا، عندي شغل، في ملف قضية معايا هقرأه وبعدين أنام."
برفق وضعت علياء الصغير بجوار والدته وأطفأت الأنوار لتعود للخارج تنظر لأخيها الذي جلس بباحة المنزل يستنشق الهواء وينظر في الأوراق المفتوحة أمامه. أعدت القهوة وحملتها لتتجه للجلوس برفقة أخيها تنظر للهدوء حولها. فذاك المنزل الملحق بحديقة صغيرة بتلك المدينة الهادئة كان اختيار عاصم أخيها الذي عاد قبل 3 سنوات من إحدى الدول العربية حيث كان يعمل كمحامي لأحد الشركات، ولكن بعد انفصاله عن زوجته الأولى قرر العودة والاستقرار هنا
لتمكث معه حيث كانت تعيش بمنزل والديها المتوفين وحدها. تزوج بزاهي ابنة خالتهم التي كانت تعيش برفقة والدها بالقاهرة، ولكن بعد وفاته الأليمة عرضت عليها علياء المجيء للعيش برفقتهم خاصة وأن لا أحد لها بالقاهرة لينتهي الأمر بزواج أخيها من زاهي وها هم أسرة سعيدة برفقة ذلك الصغير. "زين!
" قال عاصم وهو يرتشف من قهوته: "تسلم إيدك يا علياء." ابتسمت لها ليصمت لحظة ثم يسألها: "في حاجة حصلت النهارده؟ " "ليه؟ هز كتفه: "أبدا، أصل زاهي شكلها متغيرة." تنهدت علياء قائلة: "أكيد عشان النهاردة سنوية عمو محمود، الله يرحمه." هز رأسه وشردت عيناه بالفراغ وهو يتذكر وفاة ذلك الرجل الطيب بتلك الذكرى الأليمة. *** خرج جلال من المصعد متجهاً لغرفة العناية حيث والده، ليسرع عامر
ابن عمته وزوج أخته تجاهه: "حمد الله على السلامة يا جلال." "الله يسلمك." اجتذبت سالي ابتسامة على شفتيها وهي تقول: "أهلاً يا جلال." هز رأسه لها ببرود يماثل برودها، فهي أخته التي تكبره بخمسة أعوام، ولكن ما يجري بدماءها مؤكد جليد وليس دماء. قالت وهي تشير له بيدها: "الدكاترة مانعين حد يدخله." تجاهل يدها الممدودة وتابع طريقه لتزم شفتيها بغضب كانت على وشك تفجيره لولا تدخل الأستاذ وحيد قائلاً: "سالي هانم...
الباشا هو اللي طلب جلال بيه." تنفست بغضب ليمسك عامر يدها يجذبها بعيداً قائلاً بغضب من بين أسنانه: "وبعدين يا سالي! " "وبعدين أنت... يعني سيادته جاي بعد سنتين وافتكر أن له أب... ولا عارف أبو بابا هيموت جاي يكوش على كل حاجة! هدر بها بغضب: "إيه اللي بتقوليه ده؟ في واحدة تقول على أبوها وأخوها كده؟ زفرت بحدة ساخرة: "وده من امتى يا سي عامر؟ مش سيادتك برضه الخسران في الليلة دي لما جلال يرجع وياخد منك الشركة؟
هز كتفه بغضب: "سالي! مش عاوز كلام في الموضوع ده." "وبعدين دي شركته وشركة أبوه ما ياخدها." قالت بغضب: "وشركتي أنا كمان ولا نسيت؟ " هز رأسه بنفاد صبر، فطمعها بلا حدود أو تهذيب، حتى لاحترام الوضع حولهم، ليقول عامر بغضب: "كفاية بقى! أظن ميصحش أبوك يبقى في الحالة دي وأنتِ بتفكري في شركة وفلوس." تركها وسار بضعة خطوات مبتعداً لتضرب الأرض بكعب حذائها وهي تحدث نفسها: "لو فاكر إنك هتتهني بحاجة يا جلال تبقى غلطان."
وقف جلال لحظة متردداً قبل أن يدخل لتلك الغرفة التي تطن بها الأجهزة الموصولة بوجهه أبيه الشاحب، ليتقدم منه بضع خطوات. فتح شريف على أثر سماعها عيونه ناظراً له. "جلال... " خرج صوته متهدجاً. قال جلال باقتضاب: "أنا هروح." رفع شريف يده تجاه ابنه ليقترب منه ويمسك بيده قائلاً: "كان لازم يحصلي كده عشان ترجع يا جلال." أشاح جلال بوجهه قائلاً بهدوء: "مفيش داعي للكلام ده." هز شريف رأسه فبالفعل لا يريد
أن يتفتح الماضي ليقول: "أنا كنت خايف أموت وتضيع كل حاجة تعبت وشقيت فيها من بعدي." نظر إليه جلال لحظة عاقداً حاجبيه... هذا هو ما يهتم له! الأموال... إذن أنه شريف المهدي كما هو ولم يتغير. "جلال." رفع رأسه تجاه أبيه الذي قال: "أنا عاوزك تتابع كل حاجة يا جلال كأني موجود. أوْعى تسيب أعدائي اللي عملوا فيا كده يخلالهم الساحة." أشاح جلال بوجهه متهكماً، فأبيه كما هو، الإله للعمل وجمع الأموال فقط!
قال ببرود: "عامر وآدم موجودين، متقلقش." قال شريف بوجهه مكفهر متألم: "لا... أنت عاوزك أنت... أنت ابني مش هما. أنت ابني اللي من صلبي. أنا خلفتك عشان تكمل مسيرتي مش عشان تسيب كل ده لولاد عمك." زفر جلال بضيق لا يريد إطالة الحديث أكثر وهو يقول بسخرية: "وهو مش أنت اللي طردتني من سنين؟ " نظر إليه شريف بامتعاض وهو يقول: "أنا عملت اللي عملته عشانك... عشان أحميك." اندفع جلال بغضب: "أحميني!
قال شريف وهو يسعل بوهن: "آه أحميك. مكنش ينفع أسيبك تربط اسم عيلة المهدي ببنت السواق." تغيرت ملامح جلال ليكمل شريف وضع الملح على الجرح وهو يقول بقساوة: "وياريتها كانت تستاهل... إلا أنها باعتك بملاليم أول ما عرضتهم عليها." انفتحت فجأة كل الجروح التي ظن أنها انتهت، لينظر بملامح متوحشة تجاه أبيه وللحظة نسي وضعه الصحي، فهو ما زال بنفس الجبروت. ليفتح فمه على وشك نفث النيران التي اشتعلت بداخله،
ولكن دخول الطبيب منعه: "متأسف يا جلال بيه... بس كفاية كده، الباشا لازم يرتاح." *** هز رأسه قائلاً: "لا، اطلع على أي أوتيل." قال آدم بجبن مقطب: "ليه؟ ما الكل في فيلا برج العرب." هز رأسه: "مش عاوز أقابل حد." أومأ له قائلاً وهو ينظر لملامح وجهه والتي تنذر بعاصفة: "تمام." نظر آدم بعد لحظات تجاه جلال بطرف عينه قائلاً: "إيه رأيك نسهر شوية في أي حتة؟
" أومأ له جلال ليقود آدم تجاه أحد الأماكن ليسهروا سوياً كالايام السابقة، فطوال عمره ابن عمه المقرب والصديق العزيز له. حتى بعد سفر جلال كانت علاقتهم ما تزال قوية، فآدم كثيراً ما كان يسافر للقاء ابن عمه جلال. شرب جلال من أحد الكؤوس الموضوعة أمامه وهو يحكي بتهكم لابن عمه: "إيه؟ وأنا اللي فاكرة اتغير." هز آدم كتفه. "العالم يتغير وعمي لأ." هز رأسه موافقاً لينظر إليه آدم بتوجس، فهل ما زال يتذكرها؟ ***
فتحت زاهي عيناها صباحاً على صوت استيقاظ طفلها لتبتسم له، ولما لا تبتسم ويشرق يومها وهي ترى ذلك الملاك أمامها والذي كان التعويض لها عن ما عانته. حملته وتوجهت لإعداد الطعام الخاص به ووضعته على مقعده بالمطبخ تطعمه برفق وعيناها تنظر من نافذة المطبخ الزجاجية التي تطل على الفراغ. "صباح الخير." التفتت تجاه عاصم الذي قال وهو يفرك عيناه من أثر النعاس: "صباح النور." قبّل صغيره الذي
أخذ يلوح بيده له ليحمله: "صباح الخير على عيون بابا." قالت وهي تخرج الأشياء من الثلاجة: "هحضر الفطار حالاً." أومأ لها وجلس على طاولة المطبخ يلاعب الصغير لتبدأ زاهي بإعداد الإفطار الذي لحقت به علياء. قال عاصم: "أنتي مش نازلة يا زاهي؟
نظرت لساعتها قائلة: "آه، هقوم ألبسه." هز رأسه قائلاً: "طيب وأنا كمان عشان عندي محكمة." استقلت سيارتها الصغيرة التي تركها لها عاصم حينما اشترى سيارة أخرى أكبر له، ما إن بدأت بعملها بأحد الشركات كمحاسبة لتساعدها على التنقل بالوسط حيث سكنهم البعيد. ***
نظرت بملل لتلك الإشارة الحمراء لتنظر لساعتها كل لحظة والأخرى، فها هي تتأخر من جديد. أدارت رأسها للجهة الأخرى وهي تعد الثواني مع الإشارة الحمراء ليتوقف عقلها عن العمل ما إن التقت عيناها بتلك العيون القاتمة بالجهة الأخرى المقابلة لها. بينما تهادت تلك التعبيرات إلى وجهه شيئاً فشيئاً ما إن تقابلت عيناه بتلك العيون التي ملأت أحلامه المخمورة ليلة أمس. "إنها هي!
" قبل أن يتأكد كانت زاهي تقود هاربة من تلك العيون القاتمة تتمنى ألا يكون قد رآها! *** عقد آدم حاجبيه وهو يرى ملامح وجه جلال الغير مفسرة منذ أن وطأت قدماه مقر شركة أبيه بالإسكندرية، ليظن أنه بسبب الماضي لذا ظل صامتاً، بينما بدأ الأستاذ وحيد بأخبار جلال بالعموم عن سير الأعمال التي قرر بالأمس بعد حديثه مع ابن عمه الموافقة على إدارتها لحين استعادة والده لصحته. وتجاوز الماضي الذي انتهى! رفع هاتفه قائلاً
باقتضاب: "ها، وصلت لأيه؟ قال ناصر رجله: "رقم العربية اللي سيادتك بعتهولي متسجل باسم محامي اسمه عاصم عز الدين." للحظة ظن أنها تهيأت له رؤيتها هذا الصباح ليكمل ناصر: "وجبتلك شوية معلومات عنه." كان على وشك إنهاء المكالمة حينما أكمل ناصر: "عنده 35 سنة، عايش في برج العرب مع مراته وابنه وأخته... راجل في حاله مفيش عليه أي تعليق يا باشا." قاطعه صوت جلال القاتم: "بس؟ " صمت ناصر باستفهام ليقول جلال: "عايش مع مراته وأخته بس...
عرفت عنهم حاجة؟ " "ده اللي عرفته يا باشا... أخته اسمها علياء عز الدين ومراته زاهي محمود.... الو... الو جلال باشا." اصطدم آدم بذلك الغضب الذي اشتعل فجأة حينما ألقى جلال الهاتف بالحائط ليسقط متحطماً لآلاف القطع. "جلال، إيه؟ إيه اللي حصل؟ " أزاح جلال ما على المكتب بغضب مشتعل وهو يزمجر: "مراته!
" حاول آدم تهدئته، لا يفهم شيئاً، ولكنه أكيد أمر متعلق بزاهي، تلك الفتاة التي كان يحبها قبل سنوات وكانت السبب بالقطيعة بينه وبين والده الذي رفض تماماً زواج ابنه جلال المهدي بابنة سائقه! ليتطور الوضع مع إصرار جلال على الزواج بها وينتهي بتهديد أبيه له بحرمانه من كل شيء، ليترك جلال كل شيء خلفه ويسافر!
حاول آدم التحدث وهو ينظر لجلال الذي منذ أن أتته تلك المكالمة وهو يقطع المكتب ذهاباً وإياباً بغضب مستعر، ليتنحنح قائلاً: "إيه اللي فكرك بيها أصلاً؟ ما اتجوزت يا جلال؟ مالك بيها؟ " تعالت أنفاس جلال الغاضبة وهو يصيح باندفاع: "اتجوزت وهي على ذمتي؟ " اتسعت عينا آدم بصدمة ليردد: "ذمتك؟ إزاي؟ جلال، أنت سايبها من سنين." صاح جلال بغضب وهو يضرب بقبضته ظرف المكتب: "سايبها وهي مراتي!
" حاول أدهم استيعاب شيء وتساؤلات كثيرة تطن برأسه، ولكن وجه جلال الغاضب لم يسمح له بالكثير: "اهدي بس يا جلال وفهمني." زمجر بغضب، فتلك الحقيرة تزوجت وهي ما تزال بعصمته. "أفهمك إيه؟ بقولك مراتي... اتجوزتها قبل ما أسافر بشهرين." اشتعل الغضب بعينيه: "بنت ال... تتجوز وهي على ذمتي... ده أنا هقتلها! حاول آدم تهدئته: "جلال...
اهدي." صاح بصوته الجهوري على ناصر قائلاً: "هاتيلي العنوان بتاعه فوراً." أسرع ينصرف ناصر من أمامه، بينما جاهد آدم السيطرة عليه، ولكن مجرد تفكيره أنها لم تتخل عنه فقط، بل هي ساقطة تزوجت وهي على ذمته كافٍ لإشعال فتيل غضب جحيمي لا تقوى على مواجهته! ***
افترشت زاهي الأرضية تلاعب طفلها الجالس وسط ألعابه بغرفته، وعيناها ما تزال تتذكر تلك العيون القاتمة التي وقعت في غرامها الكاذب قبل سنوات، لتفيق على جراح غائرة بعد أن وجدت نفسها لم تكن إلا تسلية لجلال باشا المهدي الذي أغدقها بحبه وكلامه المعسول طوال سنوات. لقد كانت في عامها الثاني بالجامعة حينما التقت به لأول مرة حينما تعب والدها الذي يعمل سائق لدى أسرته. إنها أول مرة تلتقي به بالرغم من سماعها كثيراً عنه وعن عائلته من
والدها الذي أبعدها تماماً عن محيط عمله حتى لا تخجل من عمله كسائق. فقد كان أب حنون يوفر لها كل ما تحتاج ويرعاها ويهتم بها بعد وفاة والدتها. كان منزلهم بسيطاً ولكنها لم تحتاج لشيء بوجود والدها الذي تعب ونقل للمشي لتهرع إليه، وهناك كان لقاؤها بذاك الشاب الوسيم الذي كانت تسمع عن نبله وشهامته من والدها دائماً. بينما كانت نظرته الخاطفة لها كافية لحفر ملامحها برأسه التي ظلت تتذكرها طوال الليل. فلم يرَ جميلة بعيون باكية
مثلها، وكأن البكاء أضاف لجمالها البريء ولامس أوتار قلبه. توالت اللقاءات التي لم تفكر أن كان يقصدها أم لا، فقد كان يأتي يومياً للاطمئنان على والدها. ولاتعرف أنها حجة لرؤيتها، فقد جذبته من أول نظرة، بينما الأمر كان لها أشبه بالحلم كلما رأته. أيعقل أن يكون هناك رجال مثله؟
تلك العينان السوداء ذات النظرة العميقة، خطواته الواثقة، وسامته ورجولته. إنه بالتأكيد حصل على قلبها من أول نظرة لينقاد قلبها الغر خلف تلك المشاعر التي تفتحت على يده طوال عام يفتح بها عالم وردي لا تراه إلا على يده! تلك اليد التي أشارت لها بباب الجنة برفقته ما إن عرض عليها الزواج! وهل لها أن ترفض؟ بالتأكيد تعرف أن زواجها به درب من دروب المستحيل، فهل يتزوج الأمير من ابنة السائق؟
سهرت وهي تتذكر وعوده لها بأن لا شيء سيقف بطريقهم وأنها له. سيتزوجها رغم أنف العالم بأكمله! ولكن العالم اجتمع للتفريق بينهما!
والده رفض بشدة وفجأة بنفس الوقت قادت الرياح إليها خاطب اهتدى الطريق إليها ليطلبها من والدها. شاب بوظيفة جيدة ولديه مؤهلات الزواج كما ظل والدها يقنعها، فهو لا يريد سوى الاطمئنان على وحيدته. لن تستطيع نسيان تلك النظرة المرعبة في عينيه حينما علم من والدها الذي قال له بسعادة عن ذلك الخاطب لابنته والذي أخفت أمره عنه حتى لا يظن أنها تضغط عليه الإسراع بزواجهم. نظر محمود لتغير ملامح وجه جلال: "إيه يا جلال بيه، حاجة ضايقتك؟
قال جلال من بين أسنانه: "أبدا يا عم محمود، كمل... كنت بتقول في عريس متقدم لبنتك." صاح فيها بغضب: "ليه مقلتليش؟ قالت بخوف من غضبه: "اصل... أصل... قاطعها بغضب: "اصل إيه؟ كنت ناوية تخبي عليا لغاية امتى؟ ولا كنتي ناوية توافقيه؟ " هزت رأسها وتراجعت لتلتصق ظهرها بنافذة السيارة بخوف: "لا...
لا طبعاً مكنتش هوافق، أنا مش هتجوز غيرك." الوحيدة القادرة على إخماد نيران غضبه بلحظة كانت هي. بتلك النبرة والنظرة البريئة بعينيها وهي تراه رجلها الوحيد. ليغمض عينيه لحظة ثم يفتحها ناظراً إلى خوفها وتوجسها من غضبه ليرفع يداه نحو وجنتها يمررها عليها برفق: "متزعليش مني... أنا اتجننت لما عرفت... خفت توافقيه." هزت رأسها لتشتبك عيناه بعيونها الجميلة بينما رددت مجدداً: "متخافش...
أنا استحالة أكون غير ليك." تهادت ابتسامة لشفتيه وكذلك لشفتيها الوردية التي اجتذبت عيناه الولهة التي مررها ببطء فوق تلك الكرزيتان بتوق جعله يقترب منها بلا إرادة. أغمضت عيناها لحظة قبل أن تفتح عينيها سريعاً ما إن شعرت بأنفاسه الساخنة بهذا القرب منها لتتراجع للخلف: "جلال! " أفاق من لحظته لينظر لعيونها ويغيب كلاهما لحظة عما حولها تائهين بحديث العيون الدائر بين عيونها الصافية وعيناه القاتمة ليردد: "تتجوزيني يا زاهي؟
" لم يكن بحاجة لجوابها المعتاد، فقد ترك جملته بلا تكملة. "تتجوزيني في السر." كان هذا تكملة جملته وأغبى صمت ندمت على أثره ندماً دامياً ودفعت ثمنه غالياً. فكم تتمنى لو تعود تلك اللحظة لترفض ولاتصمت! ذلك الصمت الذي اعتبره موافقة وساعده براءتها وانقيادها خلف مشاعرها نحوه لتجد نفسها زوجته!
غص حلقها بالدموع وعادت من ذكرياتها تهز رأسها ككل مرة تتذكر بها هذا الماضي وتجبر نفسها عن التوقف عند تلك النقطة، فهي لا تريد تذكر المزيد. فما حدث تالياً لا يجلب لقلبها سوى الألم والندم القاتل. داعبت وجنة زين الجميلة وهي تلاعبه بهذا الديناصور الذي يحبه كثيراً ليضحك وهي تقلد صوته. نظرت تجاه رنين جرس الباب المتعالي. فقد عادت علياء التي خرجت قبل ساعات لشراء بعض مستلزمات المنزل لأن عاصم سافر بعد العصر للقاهرة وسيبقى يومان لحضور إحدى الجلسات.
"أنت... " تراجعت خطوة للخلف حينما توقف أمامها بقامته المديدة وجسده الضخم. نظر إليها باحتقار وهو يقول وقدماه تخطو تجاهها كل خطوة تتراجعها: "إزيك... يا...
يا مدام." حاولت التنفس أو إيجاد صوتها أو التفكير بأي شيء ولكنها ظلت واقفة مكانها عاجزة مسلوبة الروح والتفكير، فلن تتخيل أن تراه مجدداً ولم تفكر بتلك اللحظة أبداً. بينما هو على النقيض، فطوال الطريق الذي قطعه بسرعة غاشمة كان يفكر بكيفية إطفاء لهيب قلبه وكرامته ورجولته التي تجرأت على التلاعب بها والارتماء بأحضان رجل وهي بعصمته. سيذيقها الويلات ولن يكتفي أبداً. "يا بنت ال...
إيه كنتي فكراني مش هعرف باسمي وشرفي اللي لعبتي بيهم! " أمسك فكها بعنف وزمجر بغضب أعمى: "أول ما لفت ضهري رميتي نفسك في حضن راجل تاني." حاولت انتزاع نفسها من بين قبضته القوية وهي تصيح: "مالكش دعوة بيا." اشتدت قبضته على فكها بقوة وتابع بعيون تنفث نيراناً وهو يقول بتهكم: "ماليش دعوة بيكي!
ده انتي اتجوزتي وانتي على ذمتي." التهبت عيناه بالنيران المستعرة وهو يتوعدها بانتقام. ثارت مستقبلات عقلها، فهو من يحتقرها ويقذفها بتلك الألفاظ والاتهامات. ألا يستحق هو كل لفظ ينم عن ندالته معها؟ انتفضت حينما وجدت ذراعها بيده يقبض عليها بغضب عانق عيناه بلا رحمة قائلاً باحتقار: "مش لاقي لفظ يناسب واحدة فاجرة زيك...
بتتجوز وهي على ذمة واحد تاني." اشتعل فتيل غضبها واستعرت النيران بعيونها التي انتفضت ثائرة تنظر إليه بغضب مماثل وهي تنزع ذراعها من يده: "اخرس." باغتها بصفعة قوية على وجنتها وهو يزمجر بغضب: "أنتي اللي تخرسي. ليكي عين تتكلمي يا بنت ال...
" تسمر مكانه حينما بكى ذلك الصغير الذي زحف تجاه تلك الأصوات التي أفزعته، لتنفض زاهي صدمتها وتسرع تنحني تجاه طفلها تحمله وعيناها تشتعل ولكن عقلها الحائر متوقف عن العمل وكأنها مشلولة. فهو أمامها يهاجمها وهي كالصنم. لماذا لا تصرخ بوجهه أو تطرده؟ لماذا لم تصفعه بدلاً من الكف مائة، فهو يستحقها؟ وجود الصغير أربك تفكيره وأجبره على احتواء غضبه الذي كان سيفجره بها ليحول الغضب لاحتقار ناظراً نحوها: "وكمان مخلفة!
" هز رأسه وركل تلك الطاولة الزجاجية بقدمه بقوة ليتطاير الزجاج بالأنحاء مصدراً ضجيجاً قوياً جعلها تحتضن صغيرها وتتراجع بخوف. فهي أمام عاصفة من عواصف غضبه المشتعل ستحرق ما بطريقها. "هتهربي مني تروحي فين؟ " أوقفها صوته وخطواته التي توجهت نحوها ببطء مدروس. جمّد تفكيرها أكثر، فهي وحدها بمواجهة ذلك الغضب. لتضم طفلها إليها أكثر وكأنها تحتمي به. توقف أمامها مباشرة بطوله الفارع
لينظر إليها بنظرات متوعدة: "من النهاردة أنا عملك الأسود. هدفعك تمن لعبك باسم جلال المهدي غالي أوي." انحنى تجاهها وشدد على كلمته المحتقرة: "مش واحدة و... زيك اللي تستغفلني." هدرت به بغضب وهي تتراجع حاملة طفلها: "اخرس واطلع برا بدل ما... " قاطعها ساخراً وهو ينظر لرجاء المنزل: "بدل ما إيه؟ إيه بتهدديني؟ ولا فاكرة البيه هيحميكي مني؟
" نظر إليها بسخرية ممزوجة بالاحتقار، فتلك البريئة تلاعبت به كما لم يجرؤ أحد من قبل. ليقول وعيناه تغرقها بنظرات المزدرية: "ولا لعبتي عليه هو كمان؟
فهمتيه إنك البكر الرشيد وإنتي كنتي مقضياها في حضني." ما إن نطق كلمته حتى اندفعت نحوه ورفعت يداها لتصفعه ولكنها اصطدمت بيداه القوية قابضاً عليها بقوة كانت تحطمها ليقول من بين أسنانه وهو ينظر لطفلها الذي تمسكت به بقوة بيد واحدة وعيناها تواجهه عيناه بنظرات تحدي لا يعرف من أين أتتها الجرأة لها. "إيدك اللي اترفت عليا دي أنا ممكن أكسرها. بس أنا هسيبك دلوقتي عشان خاطر ابنك... اللي أكيد مالوش ذنب في و...
أمه." ترك يدها بقوة لتترنح للخلف، بينما قال بوعيد: "اشبعي منه قبل ما تتسجني وتسيبيه عشان أنا هسجنك بعقد الجواز اللي معايا." ضربت دقات قلبها بقوة في جنبات صدرها ليس لتهديده، ولكن لرؤيتها علياء واقفة لدى عتبة الباب تتابع ما يحدث بعيون مشتتة تجاهد لإخراج صوتها الذي سكت دهراً ونطق كفراً. "هتسجن أم ابنك؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!