عند وحش يا جلال... زفر بضيق قائلا: يبقى بطلي تعانديني في كل كلمة أقولها... ومش عاوز نقاش تاني في الموضوع ده. احتقن وجهها بالغضب، فها هو تمطأ جلال المهدي بداخله وظهر... بغرورة وكبره الذي لا يقبل نقاش أو حوار. إنها محقة ويجب أن يستمع إليها، ولكنه قرر إنهاء الحوار. نظرت إليه بغضب قائلة: أنت حر، اعمل اللي انت عاوزه. ازدادت نبرتها غضبًا وحدة
وهي ترفع إصبعها في وجهه: بس أنا بحذرك يا جلال، لو حاجة حصلت لولادي بسبب اختك أنا..... اندفعت الدماء الغاضبة لوجهه حينما بدأت بلهجتها التهديدية، ليقطع المسافة الفاصلة بينهما ويمسك ذراعها بقوة، لين يقطعها قائلا: إنتي إيه يا زاهي؟ هتعملي إيه؟ بتهدديني كمان؟ نظرت ليداه التي تمسك ذراعها، ورفعت عيناها نحوه، فها هو بأول موقف لا يتردد بفرد عضلات عصبيته. لتنزع يدها منه بعنف تزجره: قلت لك متفكرش تمد إيدك عليا تاني.
قال بتحذير: أنا ممدتش إيدي عليكي يا زاهي، ومتنرفزنيش. أنا ماسك أعصابي بالعافية وإنتي اللي عمالة تستفزيني فيا. موضوع سالي ده مالكيش أي دعوة بيه، ولو فكرتي مجرد تفكير تروحي لها أو تتكلمي معاها هتشوفي مني وش عمرك ما تخيلتيه يا زاهي. تنفست بغضب وتعالت نبرة صوتها تهتف له: متهددنيش. صاح بانفعال: أنا أعمل اللي يعجبني. واوعي تنسي إني جوزك وصوتك ما يعلاش عليا تاني.
احتقن وجهها بالغضب، ونظرت إليه بحدة قبل أن توليه ظهرها وتتوجه لباب الغرفة. فهو لن يتغير... عصبي مغرور! لن تتعب نفسها بالحديث معه. لقد كانت محقة بتمسكها بقرارها بالبعد عنه. ما إن تحركت خارج الغرفة حتى وقف أمامها وأمسك بذراعها يوقفها: رايحة فين؟ دفعه بصدره بقوة: مالكش دعوة بيه. توجهت لغرفة زين لتجلس بجواره وتنحني، طابعة قبلة على جبينه، وتمسك يده الصغيرة ترفعها لشفتيها تقبلها بحنان وهي تشكي له وتخبره بحزنها
قائلة بصوت يشوبه البكاء: عمره ما هيتغير... يا زين... مش بيسمع غير رأيه وكلامه وبس... أبوك مش هيتغير أبدا وأنا تعبت. كل كلمة بينا بتتحول خناقة. أنا خايفة يا زين... خايفة عليك وعلى أختك وعليه. خايفة من نار الانتقام اللي هو مصمم ميحاولش ينهيها. أنا تعبت ومش هقدر أستحمل أي حاجة توجع تاني. تعبت ومش قادرة أبعد عنه ولا قادرة أقرب منه. كل مرة يقول لي انسي ونبدأ من جديد بس هو مش بيحاول. أنا خايفة أكرهه.
مسحت دموعها والتفتت إلى الباب حيث وقف بقامته المديدة وقد استمع لكلامها، لتهتز نبرته وهو يسألها: ممكن تكرهيني في يوم من الأيام؟ أشاحت بوجهها دون قول شيء، ليتجه ناحيتها ويقف أمامها قائلا: للدرجة دي بقيتي شايفاني راجل وحش؟ نظرت إليه وزفرت بضيق قائلة: أنا مش شايفة كده. ما إن أنهت كلمتها حتى باللحظة التالية وجدت نفسها محموله بين ذراعيه. بتعمل إيه؟
قال وهو يتجه بها لغرفتهم: إحنا قلنا هنحل مشاكلنا في أوضتنا. تعالي نتكلم هنا. أنزلها برفق ووضعها على الفراش وجلس بجوارها، ورفع ذقنها إليه لتنظر إليه بعيون معاتبة. ليقول بصوت هادئ: أسف إني اتعصبت عليكي، بس يا زاهي أنا بني آدم. مش هينفع كل موقف تحكمي عليا بالطريقة دي. أنا وعدتك عمري ما ههينك أو أمد إيدي عليكي. بس غصب عني بتعصب. اللي حصل من شوية نقاش بينا، ليه عاوزة تعمليه خناقة وتبعدي؟
عشان أنت مش عاوز تسمع غير نفسك. مفيش عندك حاجة اسمها تفاهم. تنهد قائلا: ماشي يا زاهي. عندك حق، أنا مش عاوز أسمع غير نفسي. ممكن بقي تستحمليني شوية. صمتت لحظة ثم هزت رأسها دون قول شيء، لتزحف إلى طرف الفراش. تمدد جلال على ظهره إلى جوارها ينظر إلى سقف الغرفة، حتى شعر بانتظام أنفاسها، ليجذبها برفق ويضع رأسها على صدره ويحيطها بذراعه.
شعرت زاهي به من بين نومها ولم تعترض، فهي تحبه ولا تستطيع أن تبتعد عنه، ولا ترد سوى أن تكون حياتها سعيدة ويبتعدوا عن كل ألم الماضي. إنه محق.
لا بد أن تسامحها وهي لا تريد تذكرها، ولكنها تخاف. نعم، تلك هي الحقيقة التي خشيت أن تخبره بها. تخاف من كيان الشر المتمثل بتلك الفتاة. والتي أثبتت أنها أقوى من الجميع. تخاف وهي تتذكر كل ما فعلته بها، تخاف وهي ترى نفسها كل مرة تتعرض لظلم على يده أكثر مما سبقه. من كثرة ما ظلمتها تلك الفتاة بقدر ما هي تخاف من ظلم جديد.
حينما مد شريف يده بالسلام قابلتها، لأنها تطمع في سلام يكتنف عائلتها. وكذلك الأمر مع سالي. تعرف أنها شيطان وتريد أن تؤذيها، ولكن ماذا تفعل؟ إنها عاصفة قوية يجب أن تنحني أمامها لتحافظ على حياتها. لم يعد لديها قوة للحرب. نامت وامتلأت أحلامها بالماضي، ليمر كل ما حدث أمامها كشريط لفيلم سينمائي خلال نومها. زاهي (التفتت بابتسامة واسعة لهذا الصوت الذي هز كيان قلبها) قالت بصوت مهزوز: بابا.
لاحَت ملامح والدها الحنونة أمامها وقد ارتدى الأبيض، لتتجه إليه بخطوات مرتجفة تناديه. بابا، إنت سامعني؟ ابتسم لها، لتنهمر الدموع من عينيها وتسرع بخطواتها تجاهه، ولكن كلما اقتربت كان يبتعد، لتقول ببكاء حارق: بابا... إنت بتبعد عني ليه... سامحني يا بابا. ابتسم لها بطيبة وسماحة قائلا: مسامحك يا بنتي. قالت من بين دموعها وهي تمد يدها إليه: إنت مش ماسك إيدي ليه يا بابا؟ قال بابتسامة: خدي بالك من نفسك يا زاهي.
اختفى والدها لتنادي عليه: بابا... إنت رحت فين... بابا... سامحني. ظهرت أمامها سالي تضحك ضحكتها الشيطانية وهي تحمل زين، لتصرخ زاهي بقوة وينخلع قلبها حينما رآها تضع تلك السكين على رقبة طفلها لتصرخ: زييييين ابني... حرام عليكي. أخذت تهز رأسها بقوة وهي تهمهم بصوت مختنق: جلال الحق ابني... جلال... زين... لا.
انتفض جلال من نومه على صوتها وارتجاف جسدها، ليري حبات العرق فوق جبينها وهي تهز رأسها بقوة، بينما يسيطر عليها ذلك الكابوس المرعب. هتف بقلق وهو يحضنها: زاهي... زاهي... حبيبتي. انتفضت من مكانها وفتحت عينيها التي طفرت بها الدموع التي انسابت فوق خدها، بينما كانت يداها تتمسك به بقوة. ابني... هتموت زين... جلال... ابني... زيين الحق زين. ضمها إليه مطمئنا: حبيبتي متخافيش، أنا جنبك. وزين بخير. ده كابوس. اهدي... اهدي يا روحي.
حاولت أن تتنفس، ليمد يداه إلى جواره ويمسك بكوب الماء يقربه إلى شفتيها المرتجفتين لترتشف قليلا. مسح على شعرها بحنان وهو يهمس لها بحنان: أنا جنبك، متخافيش.
كان تأثير الكابوس مزعجًا للغاية، لتردد ذكرياته برأسها. صورة والدها وصوته الذي جعل قلبها يبكي شوقًا له. كم تمنت لو يطول الحلم قليلا لتطلب منه المزيد من السماح ولتشبع معه ومن صوته الحنون. تلك الشيطانة التي ظهرت أمامها صورتها لاحت في خيالها وهي تمسك بطفلها. عقدت حاجبيها بقوة وتزداد ارتجافة جسدها الذي اجتاحه الألم الشديد. آه... أفلتت منها تلك التأوه، لينخلع قلب جلال قلقا. مالك يا حبيبتي؟
صرخت ووضعت يداها بألم على ظهرها الذي شعرت به يكاد ينقسم من ذلك الألم الذي هاجمها فجأة. آه... أمسكت به ودمعت عيناها من الألم، وهي تصرخ بألم شديد: آه جلال... أنا تعبانة أوي. ابتسم عامر بحنان لعليا حينما عادوا من المشفي بعد أن فكت الغرز، وانحنى يقبل جبينها قائلا: حمد الله على سلامتك يا روحي. ابتسمت له قائلة: الله يسلمك يا حبيبي.
لمعت عيناه بسعادة وهو يستمع لتلك الكلمة منها. تقابلت عيناه بعيونها، لتنساب نظرات الحب بينهما لحظات قبل أن تخفض علياء عيونها بخجل. قالت بتعلثم وهي تحاول أن تهرب من نظراته: أنا... أنا هروح أطمن على الولاد.
ابتسم لها ورفع يداها لشفتيه يقبلها بحب وحنان لا تصفه كلمات، فهي تحنو على أطفاله وتراعيهم كأبنائها. في وقت قصير بنت روابط أسرة محبة بينهم، ليشعر بأطفاله ويفهمهم لأول مرة منذ سنوات. قويت علاقته بسليم واميراته الصغيرات، يغدقهم دلالا وحبا. تنهد مطولا: يا الله... أيمكن أن واحد مثله يستحق أن يهبه الله فتاة مثلها؟ انحنت فوق جبين لينا قائلة بهمس: تصبحي على خير. قالت لينا بصوت ناعس: تصبحي على خير يا لولو.
احتضنت عروستها ونامت، لتسحب علياء الغطاء فوقها وتقبلها مجددا وتنصرف. فعلت المثل مع سليم وسيدرا لتعود لغرفتها. سحبت بيجامتها الحريرية وتوجهت للاستحمام، بينما كان عامر بالشرفة يتحدث هاتفيا مع الممرضة التي ترعى نجلاء ليطمئن على حالتها. اطمن يا عامر بيه... الهانم بخير. هي فين؟ عاوز أكلمها. هزت نجلاء رأسها لتقول فاتن: هي نامت للأسف. تمام... خدي بالك منها. وأنا هكلمها الصبح.
أغلقت الفتاة الهاتف لتهز نجلاء رأسها بألم، فليس لها أي وجه أو عين لتتحدث بها مع ابنها الذي حولت حياته لجحيم. فتاة كسالي لم تكن تصلح لتكون زوجته. طمعها في الثروة جعلها توافق سالي على خطتها الشريرة الإيقاع بعامر والزواج به. هي من وافقتها دوما على تخطيطها. وقد نالت جزاءها.
عاد عامر إلى الغرفة لتقع عيناه على علياء وقد وقفت أمام المرآة تصفف خصلات شعرها الأسود الطويل. ارتسمت ابتسامة على شفتيها وهو يتأمل جمالها بتلك البيجامة الحريرية ذات اللون الوردي والتي لاأمت بشرتها الناعمة، ليتقدم ناحيتها بنظرات جعلت نبضات قلبها تتخبط بصدرها خجلا من نظراته المحدقة بها بتلك الطريقة. اضطربت أوصالها واندفعت الدماء لوجهها لتعض على شفتيها خجلا حينما توقف أمامها وقد لمعت عيناه بشغف وحب،
بينما همس بخفوت: بحبك يا أحلى بنت شفتها في حياتي. ارتجفت ساقيها حينما شعرت بيداه تحيط بخصرها يقربها إليه، لتشعر بأنفاسه الساخنة على وجهها. قالت بتعلثم وهي تشعر بساقيها كالهلام لا تقوى على حملها: لا... لا عامر إنت... إنت بتعمل إيه؟
تركزت نظراته على شفتيها الممتلئة لحظة قبل أن ينحني تجاهها ويلتقط شفتيها بين شفتيه يقبلها باشتياق وحب، اندفع بدماؤه ما إن لامست شفتاه شفتيها التي لم يتذوق في حلاوتها وهو قد تذوق الكثير. أيمكن أن تكون مثالية بكل شيء بتلك الطريقة؟ أيمكن أنه لم يعد يرى بالنساء سواها؟
تجمدت علياء مكانها بذهول وهي تشعر بدفء جسده يحيط جسدها، بينما شفتيه تلتهم شفتيها باستكشاف لا تفهمه، فتلك المشاعر تشعر بها لأول مرة. لم تكن تدري أن القبلات تكون هكذا. اكتسى وجهها بالحمرة حينما شعرت بأصابعه تزحف لازرار بيجامتها يفكها الواحد تلو الآخر، كاشفا عن كتفها ومقدمة صدرها، ماخوذا بتلك المشاعر التي تتدفق بعروقه، ما إن لامست يداه بشرتها الناعمة، ليترك لسيل مشاعره العنان، فها هي وأخيرا بين يديه.
حملها وهو كالمغيب، لا يشعر بشيء سوى تلك المشاعر المشتاقة إليها والتي سيطرت عليه. شهقت علياء وتمسكت بأطراف بيجامتها ما إن وضعها فوق الفراش وجثا فوقها وشفتيه تتحرك على عنقها وكتفها طابعة عليه قبلاته العاصفة. عاام...
خرج صوتها متقطعا بتاثير دقات قلبها المرتجفة وهي تضع يداها فوق صدره تحاول أن تبعده. ليفيق عامر قليلا من دوامة مشاعره ويرى وجهها المذهول الذي اشتعل احمرار وعيناها المتوترة، ليدرك أنه تسرع قليلا فأخافها منه. حاول أن يهديء من ثورة مشاعره ليضمها إليه بحنان ويدفن رأسه بعنقها يقبلها بنعومة هامسا: أنا بحبك يا عليا... مش عاوزك تخافي مني أبدا.
أغمضت علياء عيونها باستسلام لتلك القبلات التي داعبت عنقها، بيننا شفتاه لم تتوقف عن الهمس بكلمات الحب والغزل، ليستخدم خبرته في جعلها تهديء وتستسلم له ولجنون مشاعره. لا تعرف كيف وصلت يداه لملابسها مجددا لتتجاوب معه بخجل، بينما تتحرك يداه بجراءة فوق جسدها وشفتاه لا تتوقف عن تقبيلها. كانت ليلتها الأولى تحمل نشوة يشعر بها عامر لأول مرة وفتاة بين ذراعيه، فقد كانت مشاعرها من أولوياته ولم يكن يبحث عن متعته فقط، لترتسم ابتسامة خجلة على شفاه عليا المتورمة من أثر قبلاته، حيث راعاها وأغدقها بحبه وحنانه، لتكون بداية حياتهما الزوجية سعيدة.
قال جلال بلهفة وهو يقود الطبيب خارجا بعد أن فحصها: طمني يا دكتور. قال الطبيب: عملت مجهود أو اتعرضت لضغط كبير وتوتر. وده زود انقباضات الرحم واتسبب في الألم الكبير اللي هي حاسة بيه. ناوله الروشتة قائلا: عموما الأدوية دي هتقلل انقباضات الرحم وإن شاء الله الألم هيروح. وأنا مع حالتها بنصح أننا مع أول دخولها الشهر السابع ندخلها العمليات تولد بدل ما نستني للتاسع وتتعرض لحاجة زي دي تاني.
قال جلال بتوتر: بس هيبقي في خطر عليها أو على البيبي. هز الطبيب رأسه: لا يا جلال بيه، السابع زي التاسع وطبعا هنكون مستعدين. ده الأفضل لها عشان لو دخلت ولادة مبكرة في التامن هيكون خطر، إنما في السابع الأمور في إيدينا. هز رأسه قائلا: تمام، بس مش عاوزها تعرف عشان متقلقش. مفيش مشكلة. أهم حاجة... راحة تامة. وأهم من الراحة الجسدية الراحة النفسية. حاضر يا دكتور. متشكر تعبتك. مفيش تعب، ده واجبي.
دخل إلى الغرفة لينظر إلى وجهها المتألم ونعمة تساعدها على الجلوس. روحي إنتي يا نعمة. قالها وهو يقترب منها ليحيطها بذراعيه ويساعدها على الجلوس، طابعا قبلة على رأسها وهو يقول بحنان: سلامتك. قالت بقلق وهي تنظر لملامح وجهه: البنت... بنتي كويسة. ربت على شعرها بحنان: اطمني يا روحي، هي بخير. إنتي اللي تعبانة شوية. قالت وهي تنظر لعيناه القلقة: احلف إنك مش مخبي عليا حاجة. ابتسم قائلا: وهخبي إيه يا روحي...
الدكتور قال لازم راحة وتبعدي عن التوتر. واضح إنك لما اتضايقتي ده اتسبب في الوجع اللي كنتي حاسة بيه. وضع وجهها بين كفيه قائلا بعتاب حان: عاجبك كده يا زاهي؟ طول الوقت عناد معايا وخلاص. بتخليني أتعصب عليكي غصب عني وتتضايقي وتتعبي وأنا أموت من الندم إني ضايقتك. أنا تعبت وخلاص مش عارف أعمل إيه عشان أرضيكي. انسابت الدموع بصمت من عيونها بسبب نبرته المعذبة، فهو محق، فهي أحيانًا تضغط عليه بعنادها. ليقول برفق وهو
يمسح دموعها برقة بأنامله: بتعيطي ليه دلوقتي يا حبيبتي؟ مش عارفة... بس عاوزة أعيط. نظر إليها ورفع حاجبه ليقول بخفوت: الهرمونات اشتغلت. قطبت جبينها قائلة: إنت مش بتحبني؟ أفلتت ضحكته الحلوة ليضمها إليه قائلا: فعلا أنا مش بحبك... أنا متنيل على عين أهلي بموت فيكي وبعشقك. نظرت إليه لتتسرب الابتسامة لوجهها الجميل: بجد يا جلال، لسة بتحبني؟ رفع يداها إلى شفتيه: بموت فيكي يا قلب وعقل جلال.
نظر لعيونها الجميلة وتابع: زاهي يا روحي... إحنا أه بنتخانق كثير وحصلت بينا مشاكل أكتر، بس حبنا مكمل. أنا مفيش حاجة بتكسرني ولا توجعني إلا بعدك عني. تراقصت دقات قلبها من كلماته، لتنسي كل ما حدث قبل قليل. ذلك الكابوس المرعب وتلك الفتاة. وذاك العالم. كل شيء ضاع من عقلها ولم يبق به سوى نظراته وكلمته المشتاقة إليها، فقلبه بحاجة إليه. تمدد على الفراش وهي فوق صدره: أنا من أول ما شفتك يا زاهي وقلبي بقى بتاعك إنت...
مش بيدق ولا يحس إنه عايش إلا وهو جنبك. بحبك لدرجة الوجع. عارف إني بقسي ساعات عليكي، بس غصب عني. إنتي مش متخيلة إنتي إيه بالنسبالي. إنتي روحي وقلبي والنفس اللي بتنفسها. اجتاحت السعادة وجهها وزينت ملامحها، لتستند بيدها إلى صدره ناظرة إليه بعدم تصديق: بجد يا جلال... بتحبني أوي كده؟ داعب خصلات شعرها بمرح قائلا: وأنا إيه يعني اللي مصبرني على عمايلك دي إلا قلبي المتخلف اللي بيحبك. قطبت جبينها: متخلف؟
بعد كل اللي قلته تقول قلبك المتخلف. جذبها إليه لتبعد يداه بحب، مقطب كالاطفال: أوعي كده... والله إنت بايخ على فكرة. وإنتي نكدية؟ التفتت إليه بعيون تطلق شررًا، ليتفجر ضاحكًا على تعابير وجهها. أنا نكدية؟ ازدادت ضحكته صخبًا لتلكمه بصدره: بطل ضحك أحسن لك. رفع حاجبه وبقايا ابتسامته على شفتيه التي داعبتها ابتسامة ماكرة وهو يقول: أحسن لي. شهقت وأفلتت ضحكتها حينما بدأت يداه تدغدغها. جلال... جلال بغير. تعالت ضحكتها وهو
يستمر بدغدغتها قائلا بعبث: مش إنتي بتهدديني؟ وريني بقى هتعملي إيه. أفلتت ضحكتها الناعمة مجددا ويداه تتحرك على الأماكن التي يعرف كيف تغار منها يدغدغها ويضحك عاليا عليها وهي تتوسله ليتوقف. بس... جلال كفاية. توقفت يداه، ولكنها أحاطتها بنعومة لتجده متمددا فوقها يطل عليها بهيئته الوسيمة، ليميل تجاه شفتيها هامسا أمامها وعيناه متركزة فوق تلك الشفاه التي أسكرته بضحكتها
التي غابت عنه طويلا: أوعي تبطلي ضحك أبدا. وعد مني ضحكتك عمرها ما تفارق شفايفك الحلوة دي.
بغمضة عين كانت شفتيها بين شفتيه يقبلها قبله عصفت بكيانها. قبله ناعمة ألهمت حواسه. قبله امتزجت بكلماته التي يحملها بين طيات قلبه. أغمضت عيناها تاركة له المجال ليأخذها لتلك السحابة الوردية التي لا يوجد بها حزن أو هموم أو انتقام. يكفي حزنا ووجعا وألما. يكفي بعد. همس عقلها لقلبها الذائب بين يديه. تريد تلك السعادة التي لا يستطيع سواه منحها لها. نعم تريدها وبشدة.
أغمض جلال عيناه غائبا عن العالم بقبلته التي طالت كثيرا، وقد شعر بها تترك له زمام مشاعرها. تعذبت كثيرا وتريد السعادة، وهو تلك المرة سيغدقها بها ولو كلفه الأمر حياته. رفع وجهه واسند جبينه على جبينها، ينظر لوجهها الذي تحول لكتلة نارية من آثار قبلته التي عصفت بكيانها، ليهمس أمام شفتيها بحبك. تمتمت من بين أنفاسها اللاهثة: وأنا كمان. يعني خلاص سامحتيني؟ هزت رأسها، فلاحت ابتسامته على شفتيه التي تكاد تلامس شفتيها،
ليهمس بخفوت: بحبك وهتجنن عليكي. مش قادر أبعد. بس خايف عليكي. تخبطت دقات قلبها المتعالية بصدرها وهي تهمس له: وأنا مش خايفة طول ما إنت جنبي. يا الله. صرخ قلبه الذي كادت تتوقف دقاته وهو يستمع لكلماتها التي أفقدته صوابه. لن يبتعد. سيقضي ليلة من الجنة برفقتها ويجعلها أسعد امرأة. سيكون رفيقا بها، ولكنه لن يبتعد بعد أن نطقت بتلك الكلمات.
في الصباح فتحت عيناها على تلك القبلات التي ترفرف فوق كل إنش بوجهها، لتتقابل عيناها الناعسة بعيناه التي لمعت بالسعادة. صباح الخير على أحلى نكدية. زمّت شفتيها بغيظ ودفعته من فوقها. بارد. قال ببراءة: أنا يا زوزو. مال تجاه أذنها وهمس بخبث: أما لوح الثلج الجبارة اللي كانت بتنام جنبي كل ليلة وأنا بتحرق مش قادر أقرب لها، تبقي إيه؟ رفعت حاجبيها قائلة: تبقي بتربيك يا جلال يا مهدي. تعالت ضحكته الصاخبة ولمعت عيناه
بالعبث وهو يقول بوقاحة: عندك حق. أنا محتاج تتربي فعلا. ربيني يا زوزو. وقالها وهو يدفن رأسه بعنقها يلتهم جلدها الناعم بشفتيه. آه. تاوهت بخفوت لتسلب عقله وتزداد عنف قبلته وتزحف يداه إلى جسدها الذي يثير جنونه. بطل قلة أدب بقى. همس من بين قبلاته التي تدغدغ عنقها: مش أنا محتاج تربية. ربيني. وقالها واندفع يسحبها مجددا للغرق بسيل مشاعره التي لا تتوقف.
فتح عامر عيناه على تلك الأنامل الرقيقة التي تداعب خصلات شعره، ليبتسم باتساع لجميلة ذات الابتسامة الحلوة. مبروك يا مدام عامر المهدي. اخفضت عيناها بخجل، ليجذبها إليه لتقع فوق صدره العاري، يلتهم شفتيها بقبلة طويلة لم يقطعها سوى تلك الطرقات على الباب، ليقول بانزعاج: أيوه. قالت أم الحسن: الفطار جاهز يا بيه. قال وهو يعود لشفتيها: فطري الولاد. قالت عليا وهي تضع يداها على صدره توقف اقترابه: لا... تعالي نفطر مع الولاد.
لا أنا عاوز أفطر هنا. قالت بجهل: وهتفرق إيه هنا من برا؟ قال بمكر ويداه تسير بنعومة مدروسة على طول ظهرها تداعب مشاعرها: تفرق كتير. تعالي أفهمك. وقالها وهو يعكس الوضع ليصبح فوقها وتعود شفتاه لتناول شفتيها التي تفوق حلاوتها حلاوة أي طعام. نظرت نور بعدم تصديق لعاصم الذي وضع أمامها ذلك الإفطار الذي أعده بنفسه. يلا يا روحي عشان تفطري. إنت اللي عملته؟ قال بابتسامة: طبعا. وليه الدلع ده كله؟ غمز لها بشقاوة: كل ده ومش بدلعك.
قالت بدلال: مش أوي. رفع حاجبه: والله؟ هزت رأسها ليقبل جانب شفتيها قائلا: ماشي يا ستي نزود جرعة الدلع. عشان خاطر عيون عاصم الصغير. ضحكت بنعومة: وليه مش نور الصغيرة؟ داعب وجنتها الجميلة: نور يا روحي. وأنا أطول. وضع لقمة صغيرة بفمها وانحنى يقبل بطنها بحنان: أنا نفسي في بنوتة جميلة شبهك. أمسك جلال بيد زاهي التي حاولت أن تنهض من الفراش. على فين يا روحي؟ هروح أشوف زين. هز رأسه: لا يا قلبي خليكي مكانك وأنا هجيبه لحد عندك.
دقائق وكان يحمل زين عائدا إليها قائلا وهو يضمه إليه بحنان: الأستاذ زين القمر. ما إن مدت يدها له حتى جلس بجوارها وعلى ساقه زين قائلا: بلاش تشيليه يا زاهي. قالت بتساؤل: ليه بس؟ أهو يا ستي أنا جنبك وهو كمان. بلاش بقى تشيليه عشان ظهرك ما يوجعكيش. أنا كويسة. داعب شعرها بخفة قائلا: حاضر. قولي حاضر وبس. ومات له ليحيطها هي وصغيره بذراعه بحنان ويقبل جبينها: ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي. أسندت رأسها إلى صدره قائلة: ويخليك ليا.
دخلت نعمة تحمل الإفطار ليقول جلال: نعمة مش عاوز الهانم تقوم من السرير لأي ظرف. أومأت له نعمة ووضعت الإفطار على الطاولة الزجاجية بجوار الفراش وانصرفت، لتسأله زاهي: جلال في إيه؟ مش عاوزني أقوم ليه؟ أكيد في حاجة؟ قبل جبينها قائلا: ولا أي حاجة. قلت لك راحة تامة. بدأ يطعمها ويطعم طفله بنفس ذات الصبر والدلال، لتنظر له بعيون تفيض حب تشعر بالندم لأنها كانت تعذبه كثيرا وقد نست تماما أي شيء سيء حدث بينهما.
أسبوع وهو بجوارها لا يفعل شيئا سوى الاهتمام بها. كان جالس بجوارها يطالع بعض أوراقه الخاصة بالعمل، لتتمتم: جلال. أجاب بنعومة: نعم يا قلب جلال؟ أنا زهقت. نظر إليها قائلا: من إيه؟ من القعدة في السرير. أنا بقيت كويسة وعاوزة أتحرك. قال وهو يحيطها بذراعه: لا مفيش أي حركة. جلال أنا مش أول مرة أبقى حامل على فكرة. وبعدين أنا بقيت كويسة والله. هز رأسه قائلا: عارف، بس يا ستي ريحيني وارتاحي. قالت
نجلاء وهي تخفي دموعها: اطمن يا عامر، أنا كويسة. قال عامر باعتراض: بس هبقى مطمئن أكتر وإنتي عايشة معايا. ربتت على يده بحنان افتقده كثيرا منها: لا يا حبيبي، أنا مرتاحة هنا. يا ماما. قاطعته بحزم: طول ما إنت مبسوط، أنا مرتاحة ومبسوطة. وفاتن بنت حلال واخده بالها مني. وشريف مش بيسيبني أطمن عليا وعيش حياتك. بس... يا أمي. مفيش بس. عيش واتبسط. كفاية اللي راح من عمرك.
كانت زاهي جالسة بالفراش وزين بجوارها، تنظر لجلال الذي وقف يرتدي ملابسه استعدادا للخروج. برضه مش هتقولي رايح فين؟ قال بهدوء: عندي شغل هخلصه بسرعة وراجع يا حبيبتي. قالت بعدم تصديق وهي تنظر لحالة الطقس الذي لا يتوقف عن المطر: شغل إيه في الجو ده؟ انحنى يقبل جبينها وهو يرتدي معطفه الأنيق: شغل مهم. مش هتأخر عليكي. قبل رأس طفله الضاحك وغمز لها: أوعي تنامي. ابتسمت له ونظرت إلى زين الذي لم يعد يبكي كالسابق قائلة: ربنا معاك.
ابتسم لدعوتها له وانصرف لهذا المشوار الذي أجله طويلا، ولكن لم يعد يستطيع تأجيله أكثر. رق قلبه وانكسر جليده حينما وقعت عيناه على أخته التي كانت بحالة سيئة وقد أنهكتها المهدئات، والتي أبدا لن تستطيع تهدئة لهيب قلبها وهي ترى نفسها كالعلقة المنبوذة من الجميع. ما إن رأته حتى ركضت إليه بلا تفكير، يراها جلال تبكي بصدق ولأول مرة. جلال.
ضمها إليه بحنان وقد هدرت الدماء التي تسري في عروقه كعروقها. ليشير للطبيبة بالابتعاد عنها وتركه برفقتها. انهارت سالي باكية: أنا مش مجنونة يا جلال. خليهم يخرجوني من هنا. بعد وقت طويل استطاع أخيرا أن يتحدث بعد أن هدأت: سالي، أنا مش عاوز أعيش في قلق. قالت بعيون باكية: وأنا القلق ده. هز رأسه قائلا: آه. عاوزة الثروة، خديها. أنا مش عاوز حاجة. قالت بصوت مختنق: كل ده عشانها. أيوه. اجتاح الألم قلبها لتقول بنبرة
كسيرة وليس بحقدها السابق: ليه؟ فيها إيه زيادة عني؟ ليه تحبها وأنا محدش حبني زيها؟ عامر عمره ما حبني زي ما أنت حبيتها. عمري ما كنت مبسوطة. أنا حتى معنديش أصحاب. قال بحنان وهو يدرك مقدار الوجع والحزن الذي طالما اختفى خلف حقدها وغلها ليقودها لطريق الشر: جربي تحبي عشان تلاقي الحب. إنتي عمرك ما حبيتي عامر. إنتي بتحبي سالي وبس. جربي تفتحي قلبك وتحبي من غير ما تستني مقابل وشوفي هتلاقي السعادة ولا لأ.
رفع وجهها إليه قائلا: أنا هاخدك مكان تبدأي فيه من جديد. مكان الكل محروم فيه من الحب والحنان زيك. أوقفها أمام ذلك الملجأ الذي أسسه لذكرى والد زاهي قائلا: الولاد دول محرومين من كل حاجة، مش بس الحب. جربي وشوفي هتعيشي معاهم إزاي.
ارتاحت أوصاله حينما لم يجد منها رفضا، كما لم يجد منها ترحيبا أيضا، فقط تقبلت البداية التي منحها لها بصمت. لن يندم، فهو قدم لها يد الأخ قبل يد الانتقام. إن قبلتها فهم رابح، وإن لم تقبلها فلن يخسر شيئا، بل ستكون هي ككل مرة الخاسرة الوحيدة. قال آدم بانزعاج وهو يفتح عيناه ككل صباح على صوت نورا. أنا حاسة إني هولد. التفت إليها ينظر إليها بغيظ، فهو لا يهنيء بنوم متواصل منذ أن أصبحت حامل. أولدي! نظرت له بصدمة: نعم؟
قال بمكر: اللي سمعتيه. مش حاسة إنك هتولدي؟ أولدي بقى وريني هتعمليها إزاي وإنتي في الشهر الرابع. انفجر كلاهما ضاحكا، لتقول نورا بدلال: الله واعمل إيه يعني؟ ما إنت مش مهتم بيا خالص. قال بغيظ: أنا يا مفترية. هزت رأسها وتابعت بنعومة: آه. بتسيبني وبتنزل. أذابه دلالها ليقول بنظرات عاشقة: مش بروح الشغل يا روحي. واشمعنى جلال سايب شغله وقاعد جنب زاهي؟
ضحك آدم وهز رأسه قائلا: أنا عرفت الغلبانة زاهي بيحصلها كده ليه. من قرك عليها. عقدت نورا حاجبيها: أنا بقر؟ أيوه. وبعدين جلال ده محدش يستحمله أصلا. كتر خيرها إنها مستحملاه. غمزه لها وتابع: إنما جوزك... واد حليوة ودمه خفيف كده. والله؟ قال بغرور مشاكس: طبعا. ده أنا مفيش مني. مشوار غامض أصر جلال أن يصطحبها إليه منذ الصباح الباكر. نظرت زاهي إليه باستفهام وهو يوقف السيارة أمام تلك المشفى. إحنا جايين هنا؟
قال ببساطة وهو يمسك بيدها يدخل بها من تلك البوابة الزجاجية: جايين ناخد زين. تسمرت مكانها والتفتت إليه بعدم تصديق: نعم؟ رأسه وتابع ببساطة أذهلتها: آه. أنا بصراحة خلاص هتجنن وعاوز بنتي دلوقتي، فا يلا عشان تجيبهالي. ظلت واقفة مكانها تحدق به بعدم تصديق، فهو يمزح أكيد. وهو لم يجد طريقة أفضل، فلم يرد أن يقلقها إن علمت أن حملها خطر، لذا رتب كل شيء مع الأطباء وبمجرد أن أخبره الطبيب أن عليها دخول المشفي أحضرها. جلال...
إنت أكيد بتهزر. هز كتفه وتابع السير ويداها بيده: وأنا هزر ليه؟ بقولك يا زوزو عاوز بنتي بقى. إنت مجنون. وهو كل حاجة عاوزها تحصل. هز رأسه ومال تجاهها هامسا بعبث: بصراحة بقى يا زوزو أنا في أفكار منحرفة كتير ومش هينفع أعملها وإنتي حامل. فا يلا بقى. وكزته بجنبه: إنت قليل الأدب. أنا غلطان إني بتكلم معاكي بصراحة. مش أحسن ما أقل أدبي برا؟ عشان كنت قتلتك. غمز لها: ما إحنا بنغير أهو.
آه طبعا بغير عليك. ومن غير تفكير ممكن أقتلك لو بصيت لغيري. يبقى طاوعيني بقى وهاتيلي بنتي عشان تفضيلي. أحسن ما الشيطان يلعب بدماغي وتبقي نهايتي أموت على إيديكي الحلوين دول. بعد الشر عليك يا حبيبي. ابتسم لها بحنان وقبل رأسها قائلا: يلا بقى، أنا مجمد الدكاترة من الفجر. عقدت حاجبيها باعتراض: يا جلال... يعني... يعني إزاي هولد كده فجأة؟ قال بابتسامة: زي الناس. وبعدين قلقانة ليه؟ أنا أصلا داخل معاكي العمليات.
انحنى فجأة ليحملها بين ذراعيه لتهتف به: بتعمل إيه يا مجنون؟ نزلني. هز رأسه وتابع طريقه: لا. أحاطت عنقه بذراعيها وابتسمت وهي تنظر لعيناه التي أنستها كل ما حولها. شهر مضى على سالي وهي بهذا المكان، لا تنكر أنها أصبحت تشعر بالراحة والصفاء قليلا. لم تتكيف أو تحاول الاقتراب من هؤلاء الأطفال، واكتفت بمشاهدتهم يلعبون بالحديقة أثناء جلوسها هناك أغلب يومها. تنظر إليهم وينظروا إليها، ولكن التحفظ بنظراتهم متبادل.
كانت واقفة خلف نافذة غرفتها الزجاجية شاردة، ونسمات الهواء تتلاعب بخصلات شعرها، تفكر بكلام جلال وموقفه معها. تتذكر لقطات من حياتها السابقة. كلام أبيها منذ أيام الذي لم يصدق حالتها الهادئة: أنا كويسة يا بابي، اطمن. نظر إليها شريف بعدم تصديق: يعني إنتي حابة المكان؟ هزت كتفها: مش كارهاه. هز شريف رأسه: طيب مدام ماجدة مديرة الملجأ قالتلي إنك بتساعديها في إدارته. هزت رأسها: آه. في شوية حاجات إدارية بتسلي وأنا بعملها.
حلو يابنتي. طيب عاوزة حاجة؟ هزت رأسها. لينظر إليها شريف لحظة قبل أن يغادر، ليتفاجيء بها توقفه: بابي... جلال عامل إيه؟ هز رأسه بابتسامة: كويس. أومأت له وانصرفت ولم تجرؤ على التساؤل عن عمتها أو أولادها. خرجت من شرودها على تلك الطرقات على الباب. مدام سالي... دنيا تعبانة أوي. عقدت حاجبيها بتساؤل: مين دي؟ قالت إحدى العاملات: دي بنت من الملجأ عندها ربو وجات لها النوبة وتعبانة أوي. قالت سالي
وهي تتبعها لغرفة الطفلة: طيب هاتي الدكتور بسرعة. للأسف الدكتور مش موجود وتليفونه مقفول. نظرت سالي الطفلة التي تسعل بحدة ولاتستطيع التقاط أنفاسها. صاحت بها: إنتي بتتفرجي عليا؟ روحي اتصرفي شوفي دكتور. يعني إيه مكان زي ده مفيش فيه غير دكتور واحد. قالت العاملة بتوتر: أعمل إيه يا مدام دلوقتي. فركت سالي وجهها لحظة تسيطر على أفكارها لتقول: هاتيلي مفتاح عربية أي حد بسرعة وأنا هاخدها المستشفى. بسرعة.
ترددت سالي لحظة قبل أن تترك العنان لمشاعرها وتحمل تلك الصغيرة التي تكاد تنقطع أنفاسها وتسرع بها في رواق تلك المشفي. عاوزة دكتور بسرعة. قالت موظفة الاستقبال: خديها الأوضة دي ودكتور أمجد هييجي حالا لحضرتك. وقفت تتابع الطبيب الذي أسرع يتفحص الطفلة ويأمر الممرضات بوضعها على جهاز التنفس، بينما حقنها ببعض الأدوية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!