الفصل 13 | من 28 فصل

رواية حب بطعم الانتقام الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رونا فؤاد

المشاهدات
20
كلمة
8,335
وقت القراءة
42 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

دخلت نجلاء الغرفة لتتفاجيء بزاهي تساعد شريف ليتمدد على الفراش. "انتي بتعملي إيه هنا؟ تجاهلتها زاهي، فهي بعد ما فعلته بجلال مصدومة وضائعة لا تعي شيئًا. قال شريف بصوت متحشرج: "زاهي أنقذت حياتي يا نجلاء." هزت نجلاء رأسها بسخرية: "أنقذت إيه؟! جاية تضحك عليك بعد ما جوزها ضيع كل حاجة." هتف شريف بحدة: "بس يا نجلاء." التفت لزاهي التي كانت الدموع تتجمع في عينيها، فهي السبب في كل شيء والجميع سيلقي اللوم على جلال بسببها.

"مش مهم أي حاجة يا بنتي، جلال أغلى عندي من أي حاجة." التقطت عيناها عيون ذاك الرجل الذي لم تكره بحياتها أحد مثله، لتبعدها على الفور وتغادر الغرفة. فهل يتحول إلى ملاك؟ حتى لو، فهذا لا يمحي ذنوب الماضي، وحتى إن ساعدته فليس معناه أنها سامحته. قالت نجلاء بغضب: "يعني إيه مش مهم؟ وبعدين إيه بنت السواق خدتك في صفه؟ نظر شريف لنجلاء بغضب: "مش عاوز أسمع كلمة عليها. بقولك أنقذت حياتي بعد اللي عملته فيها وفي أبوها."

"عملت كده أكيد عشان تداري على عملة جوزها اللي أكيد قاصدها." قال باستنكار: "ابني هيقصد يدمرني." "عشان خاطر مراته يعمل أي حاجة." "إلا إنه يبيع أبوه." لوت شفتيها باستنكار: "وانت فجأة افتكرت إنك أبوه يا شريف. إيه؟ هتنسي الكارثة اللي احنا فيها وتشوف علاقتك بابنك؟ اخترق وجهه الغضب: "الكارثة دي كارثتي أنا لوحدي. محدش له دعوة بيها." "يعني إيه؟ قال بانفعال: "يعني فلوسي أنا اللي ضاعت. ودلوقتي اطلعي وسيبيني لوحدي."

تتمدد شريف في فراشه بعد أن ساعدته زاهي، يحاول استيعاب ما يحدث حوله. أخته وأقوالها. وتلك الفتاة التي دمرها. إنها من أنقذته وهو من فعل بها كل هذا في الماضي. وليس هذا فقط، بل إنه كان يخطط لها ولابنها لهذا المصير. ليتذكر ما فعله قبل عدة ساعات هذا الصباح حينما اتصل بأحد رجاله لتنفيذ خطته لإجبار جلال على إعادة أملاكه باختطاف زوجته وابنه. "عذب." "أفندم يا شريف باشا." "في موضوع عاوزك تنفذه بالحرف." قال عذب: "تفاصيلك يا باشا؟

"هتنفذ هنا عندي في البيت." قال عذب ببلاهة: "ها؟ قال شريف: "اللي سمعته. جلال والباقيين هيبقوا في الشركة كمان كام ساعة. أنا هقلل الحراسة على البوابة ومش هيبقى في البيت غيري أنا وكم شغالة في الدور اللي تحته. تدخل انت ورجالتك، تخطف الولد الصغير وأمه وتخليهم في مخزن من المخازن لغاية ما أبلغك تعمل إيه." قال بعدم تصديق: "انت بتقول إيه يا باشا؟ لا كده خطر أوي." هتف شريف بحدة: "خطر في إيه يا حيوان أنت؟ "أدخل بيت سيادتك إزاي؟

"ماهو عشان كده مضمون، أنا مرتب كل حاجة." زم شريف شفتيه بخزي، فهو جعل البيت فارغًا ليسهل عملية اختطافها هي وابنها، في حين أن فعلته كادت تتسبب في موته حينما باغتته الأزمة القلبية وكان وحده. ولولا وجودها لكان لفظ أنفاسه الأخيرة. لا يعرف شريف ماذا حدث ولا ماذا أوقف عذب، ولكنه سعيد. فلم يكن ليسامح نفسه إن حدث مكروه لها أو لحفيده بعدما ظهر معدنها الأصيل وقت ضعفه. لم تثأر منه مع أنه يستحق، بل ساعدته وأنقذت حياته.

سخر من نفسه، هل تذكر أنه حفيده الآن؟ لهذه الدرجة الثروة أعمت عن تلك الحقيقة؟ لا، إنه لم يكن يخطط لإصابتهم ضرر، وخصوصًا زين، فهو ابن ابنه مهما كان. هو فقط أراد الضغط على جلال ليعيد ثروته. وجد تبريرًا كما فعل قبل سنوات مع جلال حينما أبعده عن المرأة التي يحبها ظنًا منه أنه يحميه. يجب أن يتحدث مع ابنه ويخبره بندمه على ما حدث بينهما. لا يهم ضياع الثروة، ولكنه لا يريد فقدان ابنه.

حاول أن يقوم من مكانه وهو يضع يده على قلبه الذي يؤلمه داخل جنبات صدره. لتدخل سالي باهتياج بعد أن علمت ما حدث: "كل حاجة ضاعت خلاص؟! تجاهل ثورتها قائلاً بوهن: "ساعديني يا سالي أقوم، عاوز أشوف جلال. اطلبي حسن يوصلني الشركة حالا، عاوز أتكلم مع ابني." هاجت سالي بغل وحقد: "تتكلم معاه في إيه؟ بقولك ابنك ضيع كل حاجة، ربنا ياخده." قال بغضب: "سالي! "أنتِ بتدعي على أخوكي؟

هتفت بحدة: "بلا سالي بلا زفت. أنت حالا تتصرف. ثروتنا لازم ترجع بأي طريقة. بلغ عنه إنه أخد كل حاجة غصب عنك واستغل حالتك الصحية وكده كل العقود اللي مضيتها هتبقى باطلة." اتسعت عيناه بعدم تصديق: "انتِ بتقولي إيه؟ عاوزاني أسجن ابني؟ قالت بجبروت صدم شريف: "ما يتسجن ولا يروح في ستين داهية، مش أحسن ما ثروتنا تضيع." قال شريف باستنكار مصدوم: "انتِ إزاي بتقولي كده على أخوكي؟

قال بتهكم: "أخويا، أخويا الغبي اللي ضيع ثروتنا. أنت عارف الشرط الجزائي كام؟ زمجر بغضب: "مالكيش دعوة." قالت باستنكار: "يعني إيه ماليش دعوة؟ أنا ليا في الثروة دي زيه بالظبط." قال بانفعال شديد وتعالت أصواتهم بأرجاء المنزل: "لما أموت يا سالي تسألي عن حقك، مش دلوقتي. آآآه." قالها شريف وهو يضع يده على قلبه الذي لم يتحمل كل تلك الصدمات. فكل من حوله لا يهتمون سوى بالمال والثروة. "آآآه... مش قادر أتنفس."

قالت سالي بجبروت وهي ترى أباها يتألم ولكنها لا تهتم: "قوموا... قوم نفذ حالا اللي قلتلك عليه. اتصل بوحيد يعمل البلاغ." نظر إليها بصدمة وهو يصارع ذلك الألم الذي اشتد على صدره. ابنته تتركه ليموت ولا تهتم لوجعه، ومن تنفذه هي زاهي. زاهي التي فعل بها أفعاله المشينة. ابنته تريد أن تسجن أخيها ولا تهتم لأحد غير لنفسها ومستعدة لفعل أي شيء فقط لأجل الثروة. صرخ فيها من بين نبضات قلبه الواهنة: "اطلعي برا، مش عاوز أشوف وشك."

كان آدم قد وصل قبل قليل ليبلغ عمه بآخر التطورات وانتهاء المحنة بأعجوبة، ليستمع لتلك الأصوات العالية. ركض للغرفة ليرى شريف في حالة سيئة، بينما سالي تصيح وتصرخ. "انت لازم ترجع كل حاجة منه. اتصرف وإلا مش هسكت." هتف فيها آدم بحدة: "انتي اتجننتي؟ إزاي بتكلمي عمي بالطريقة دي؟ "مالكش دعوة انت." هتف شريف بغضب: "طلعها برا يا آدم، مش عاوز أشوف وشها."

هتفت بحدة: "مش طالعة قبل ما أعرف هتعمل إيه. ولعلمك لو مقدمتش البلاغ هقدمه أنا وهفضحكم." "براااااا... امشِ." سحبها آدم من ذراعها بقوة ليدفعها خارج الغرفة، لتمسك بها نجلاء: "تعالي هنا، إيه اللي بتعمليه ده؟ قالت باهتياج: "أمال عاوزاني أعمل إيه؟ وابن ال... ضيع كل حاجة بغباوته." قالت نجلاء من بين شفتيها بغيظ: "مفيش حاجة راحت." اتسعت عيناها بعدم تصديق: "انتِ بتقولي إيه؟

قالت نجلاء بغضب: "اللي سمعته يا غبية. آدم لسه مبلغني، جلال اتصرف وقدر يهرب من موضوع الشرط ده. وبغباءك وغبائي كشفنا نفسنا قدام شريف. ودلوقتي انتي خليتي أبوكي يشوفك طماعة ومش فارق معاكي حاجة غير الفلوس. فضحتِ نفسك قدامهم كلهم. دلوقتي هيسيب كل حاجة لجلال، خصوصًا بعد ما أنقذ الشركة وبنت السواق مراته أنقذته." قال شريف بعدم تصديق: "انت بتقول إيه يا آدم."

"زي ما سمعت يا عمي. الحمد لله جلال اتصرف واتفق مع الشركة الأمريكية ودفعت التعويض بدلنا." *** اختلت كل الموازين ما إن أفاق جلال بعد انتهاء موعد إمضاء العقود لتبدأ الشركة على الفور بأخذ الإجراءات ضدهم. اعتصر عقله يبحث عن حل وهو يقود بلاهدى، فما حدث ضربة موجعة لشركاتهم أن تدفع قيمة ذلك الشرط الجزائي. تحدث إلى محاميه بعد أن وصل لفكره ربما تنقذهم إن تمت: "وحيد، تعالي على العنوان ده فورًا. وهات معاك العقود."

كان قد وصل الأوتيل حيث ينزل الوفد الأمريكي والذي قد سبق وعرضوا عليه نفس الشراكة ولكن بشروط مختلفة. جلال كان يراها أفضل ولكن والده أراد الربح السريع. تحدث إلى موظفة الاستقبال: "بلغي مستر جون إن جلال المهدي يريد مقابلته." ابتسم الرجل ذو الأربعين عامًا بسعادة بعد حديث مختصر بينه وبين جلال لشرح الوضع ليقول: "ظننتك لا تريد شراكتنا مستر جلال." قال جلال بثقة: "أنا رجل بالسوق، أبحث عن أفضل عرض مقدم لي." "وهل نحن الأفضل؟

"ليس كثيرًا، ولكن قانون السوق يفرض علينا النفع المتبادل. أريد تدخلكم مقابل الشراكة بيننا." قال جون بثقة: "بالطبع، عقدنا سيحميكم وسيدفع تعويض الشركة الأخرى بدلاً عنكم. في المقابل ستكون شراكتنا." قال جلال: "عظيم، ويمكن أن نتنازل عن بعض من مكاسبنا مقابل هذا الاتفاق."

هز الرجل رأسه: "بالتأكيد لا مستر جلال، فهدفنا ليس الربح بقدر أن تفتح لنا شراكتكم أسواق جديدة. فسوق الحديد بمصر تابع لعائلة المهدي منذ سنوات طويلة. فيكفينا أن نكون جزءًا منه، وعن نفسي أتحدث، أعتز بشراكة رجل مثلك يعرف جيدًا أين يضع قدمه." اتسعت عيون وحيد بعدم تصديق وهو يرى توقيع تلك العقود.

هذا الغبي شريف، معه ابن كجلال بهذه العقلية التي استطاعت إخراجه من تلك السقطة بربح أكبر وشراكة أفضل مما كان يسعى إليها وهو كان يبعده عن إدارة أعماله. انتهى آدم من إخبار شريف بدخول جلال لهذا الاجتماع المنعقد ليتفاجأ الجميع بعد أن ظنوا أن أمرهم انتهى. قال محامي الشركة الخصم: "العقود صحيحة يا جلال بيه. أنتم تأخرتم بالتوقيع وهذا تسبب بمشاكل يجب التعويض عنها."

قال جلال بثقة: "تعويض طبعًا. ندفع تعويض وليس شرط جزائي وقيمته بآخر بند بالعقد." بوغت الجميع، فهو تلاعب بالألفاظ بالبنود لصالحهم ليكمل بثقة: "اقرأ البنود. كما أننا اتفقنا مسبقًا مع الشركة الأمريكية وهي ستدفع التعويض بدلاً عنا. وليس الشرط الجزائي." لمعت عيون جلال بالنصر بينما قفز آدم مهللاً: "معلم!! هب صالح وعامر واقفين بابتسامة واثقة: "عفارم عليك يا ابن عمي. تعويض وليس شرط جزائي."

قال عامر: "إيه يا جلال، أنت لو قاصد تتأخر ما كنتش هتنجح كده! هز رأسه بأسى مرددًا: "لو قاصد فعلاً." وقد عاد لواقعه وفقد الانتصار لذته حينما تذكر كيف استخدمته زوجته لتثأر من أبيه. قال آدم لشريف: "شفت بقى يا عمي جلال عمل إيه." لمعت الدموع في عينيه: "فها هو ابنه من دمره بيده، هو من بناه الآن." "هو فين؟ جلال فين؟

قال آدم: "كان راجع ورايا بعد ما خلصنا توقيع العقود. أكيد بيطمن على مراته وابنه. كان شكله تعبان ومتضايق، النهاردة كان يوم صعب." قال شريف بوهن: "طيب اسندني يا آدم، خدني أشوفه. أنا لازم أتكلم معاه." "طيب خليك مرتاح وأنا هخليه يجيلك." هز رأسه وتمسك بيد آدم: "لا، أنا عاوز أروحله. لازم أعتذرله على كل اللي عملته فيه، هو ومراته. أنا كنت عاوز أخطف ابنه ومراته."

لم يكمل كلمته التي نزلت كالصاعقة على آدم، وما إن خطى شريف بضع خطوات للخارج حتى انسلت يداه من بين يد آدم وسقط على الأرض. تعالى الصراخ بأرجاء المنزل. ليتزامن مع آخر كلمة نطقها جلال: "انتي طالق يا زاهي." ليتركها ويركض يرى ما حدث. حاول شريف فتح عينيه يريد أن يرى ابنه ولو لآخر مرة ويعتذر منه، ولكنه لم يستطع لتبتلعه تلك الدوامات السوداء.

تعالت صافرة الإسعاف التي نقلت شريف للمستشفى لتوقظ زاهي التي كانت ما تزال غارقة بصدمتها. لقد تركها! كانت تعرف أنه لن يسامحها، ولكنها لم تتوقع أن يتركها بتلك البساطة، وهو من حارب من أجلها. لقد طلبتها منه كثيرًا ولم ينفذها، والآن يفعلها بتلك البساطة. مجرد كلمة نطقها كانت أشد من أن يغرس سكينًا في قلبها. نادمة أشد الندم على خيانتها لثقته، ولكن دون إرادتها. فقط أرادت الانتقام لأبيها. إنهارت باكية، فحتى هذا لم تستطع فعله.

لم يكن الأمر بتلك البساطة. إنها روح بني آدم تزهق، فكيف تحتمل أن تعيش بذنب كهذا؟ ألا يكفيها ما تحمل من ذنوب؟ بعيون تغشاها الدموع كانت زاهي تحمل طفلها وتغادر ذلك المنزل الذي لم يحمل بين جنباته لها إلا كل ذكرى مريرة. ركعت على الأرض بجوار قبر أبيها تبكي بحرقة وتتلو كلمات الأسف والاعتذار.

"مقدرتش يا بابا. سامحني. معرفتش آخد حقك. بالرغم من اللي عملوه بس مقدرتش. مش عارفة إزاي بالسهولة دي عملوها. سامحني يا بابا، حاولت أنتقملك عشان أرتاح بس اتعذبت أكتر. أنا خنت ثقتك وثقته. ضيعتك وضيعته. أنا بتعب وبموت كل لحظة يا بابا. سامحني عشان أعرف أرتاح وأعيش. أنت كنت أطيب وأحن أب في الدنيا. ما كنتش تستاهل مني اللي عملته، بس غصب عني يا بابا، كنت بحبه." ازداد بكاؤها حرقة وهي تضم زين لصدرها.

"ولسة بحبه ومقدرش أعيش من غيره. أنا غلطت وضيعتك وضيعت نفسي وحياتي زمان وبقيت ضايعة من بعدك. ودلوقتي ضيعته وبرضه مش عارفة أعيش وأرتاح. أنا مش عارفة أعمل إيه ومش عاوزة حاجة غير إنك تسامحني يا بابا. سامحني على اللي عملته وسامحني على اللي معرفتش أعمله." تحشرج صوتها بالدموع وغابت في نوبة بكاء حارة. أفاقت منها على تلك اليد التي تربت على كتفها.

رفعت رأسها لتنظر من خلال عيونها التي غشتها الدموع لتلك المرأة العجوز التي كانت تقرأ الفاتحة لزوجها وجذبها صوت زاهي المنهار لينفطر فؤادها لحالتها. قالت بحنان: "حرام عليكي يا بنتي، أنتِ كده بتعذبيه." قالت زاهي ببكاء يمزق القلوب: "غصب عني. معنديش حد أكلمه غيره. نفسي يسامحني." "هيسامحك يا بنتي." "تفتكري؟ "طبعًا يا بنتي. ادعي له ودعاكي هيوصله. هو أكيد حاسس بيكي وزعلان لزعلكم."

مدت لها يدها بحنان: "قومي يا بنتي. اسم الله عليكي. قومي عشان ابنك اللي على إيدك ده حرام." ضمت زاهي طفلها إليها وقامت تمسك بيد تلك المرأة التي صممت أن توصلها لمحطة القطار لتتجه إلى الإسكندرية. وقف جلال أمام العناية المركزة ولا يعرف حتى لماذا هو واقف. فهذا الرجل دمر كل ما هو حلو بحياته. حتى أنه أضاف برصيد أفعاله السيئة ما علمه قبل قليل من محاولته لخطف ابنه وزوجته. ولكنه أبيه بالنهاية.

ليسخر بمرارة، فأبيه وأخته طعنوه بظهره. وحتى زوجته هي من خدرته وطعنته هي الأخرى. إنه في عالم كله كذب وخيانة. ظنها هي الوحيدة التي سيهرب بها من ذلك المستنقع القذر لتغدر به بالنهاية مثلهم. الجميع كان يخطط وينفذ من وراء ظهره. ليتذكر مؤامرة أبيه التي عرفها من ناصر. عرف ناصر بخطة شريف مع عذب وحاول الوصول لجلال، ولكن حارس جلال الذي كان برفقته بالشركة أخبره أن هذا مستحيل الآن بعد انقلاب الأوضاع.

"أنا لازم أوصل لجلال باشا يا علي بأي طريقة." "يا ناصر، انسى الدنيا مقلوبة." ليجتهد ناصر ويحاول أن يتصرف هو، فليس أمامهم متسع من الوقت. "نعمة، اسمعي." شهقت نعمة وناصر يبلغها بالوضع قائلاً: "طيب يا ناصر، هتتصرف إزاي؟ ماتبلغ الباشا." "مش عارف أوصله يا نعمة ولازم أتصرف أنا. إن شاء الله مش هيوصلوا لباب البيت. أنا بقولك لو أنا والرجالة فشلنا هتتصرفي زي ما قلتلك. مش بعيد حرس شريف يبقوا معاهم، مش عاوز أثق في حد."

"ما تبلغ البوليس يا ناصر." قال باستنكار: "هبلغ عن أبو الباشا؟ لا. أنا كل دوري أحميهم وبس. إحنا هنعمل كمين أنا ورجالتي وإن شاء الله هنخلص منهم قبل ما يوصلوا. المهم انتي جنب الهانم والباشا الصغير، متسيبيهومش لحظة." توجه لرجاله قائلاً: "اسمعوا يا رجالة. مرات جلال باشا وابنه أمانة في رقبتنا. اللي هيقرب منهم هيعدي على جثتنا الأول." قص ناصر على جلال قبل قليل بتلك المؤامرة.

"متقلقش يا باشا، مسكناهم وحطيتهم أنا والحالة في مخزن أكتوبر. لغاية ما سيادتك تشوف هتعمل معاهم إيه." أومأ جلال له وهو لا يندهش تلك المحاولة من أبيه. ليتفاجأ أكثر بما أخبره به ناصر عن إنقاذ زاهي لأبيه. ألم تكن تريد أن تنتقم؟ خرج الطبيب قائلاً: "حالته استقرت بس هيفضل في العناية المركزة." بخطى مهزومة خرج جلال من المستشفى يقود بلاهدى. يتذكر كل ما مر عليهم. لم يستغرب الخيانة من أبيه بالرغم من أنها قتلته حينما جاءت منها.

يلتمس لها العذر بكل ما فعلت، ولكن قلبه لا يجد لها أي عذر في خيانته وطعنه بظهره واستغلاله لتصل ل انتقامها. ابتسامتها كانت مزيفة، كلامها، حبها، كل شيء مزيف لتحصل على انتقامها. ضياع هو ما يصف حالته. كل ما حوله حتى الهواء ملوث بالكذب والخيانة. "إيه مالها زاهي؟ انتفض صوت عاصم بقلق وهو يجيب على اتصال أخته بينما كان جالسًا برفقة نور التي حاولت إخفاء نظراتها الحزينة. فحتى إن انفصل عن زوجته، فها هو ينتفض قلقًا عليها.

"طيب أنا هرجع حالا." حاولت أن تكون نبرة صوتها طبيعية وهي تسأله: "إيه يا عاصم خير؟ قال وهو يعتدل واقفًا ويضع بضعة أوراق مالية على الطاولة: "متأسف يا نور، لازم أسافر إسكندرية حالا." ومات له ليغادر ويخطف قلبها الذي يتمرد على عقلها الذي طالما أخبره أنه لا أمل. نظر عامر للهاتف وعاود الاتصال بها بقلق، لتجيب أخيرًا. "إيه يا علياء، قلقتيني عليكي مش بتردي ليه؟ "أبدا.. بس.. أصل زاهي...

اختنق صوتها بالبكاء: "زاهي جت وحالتها وحشة أوي بعد ما جلال طلقها. كنت معاها بحاول أخليها تهدى." قال بدهشة: "زاهي؟ طلقها؟ انتِ بتقولي إيه يا علياء." استمع عامر إليها لترتب الأوضاع برأسه، فها هو عرف سبب تأخر جلال وتلك الكارثة التي كانت على وشك الحدوث، وبالتأكيد سبب اختفاء جلال بعد خروجه من المستشفى حينما استقرت حالة شريف. ليقول بضيق: "ليه بس عملت كده؟ ده جلال كان ناوي ياخدها ويبعدها عن كل ده. ليه بس اتسرعت؟

هتفت علياء بغضب: "أهو بقى يا عامر اللي حصل. وبعدين ليه يطلقها؟ كانت عملت إيه يعني؟ ماهي استحملت منه كتير ومفكرتش تطلق منه. بصراحة زودها أوي، ماهو عارف إنها موجوعة من أهله." قال عامر بعدم رضا: "يعني تغدر بيه بالطريقة دي ويسكت؟ دي خدرته يا علياء." "لا... بس برضه متوصلش للطلاق." تنهد عامر: "أكيد جلال اتسرع. جايز من الصدمة. بس عمومًا هو بيحبها وأكيد هيردها بس يهدى."

لوت شفتيها: "وهي هتفضل في الحالة دي لغاية ما سيادته يهدى. هما انتوا كده يا رجالة، تعملوا فينا كوارث وعلي غلطة صغيرة نعملها تعلقوا المشنقة." قال عامر: "الله... وهو أنا ذنبي إيه؟ قالت بغضب: "مش ابن خالك ده." "وأنا مالي أهلي." "طيب خلاص اتكلم معاه." "حاضر." "دلوقتي." "دلوقتي إزاي يا علياء؟ "شفت بقى إنك في صفه."

"ياستي ولا في صفه ولا حاجة. بالعكس أنا زعلان عشان زاهي أوي وعارف إنها معذورة في اللي عملته. بس هو كمان معذور. ده طبعًا غير إنه هيتجنن لما يرجع البيت وما يلقاها." قالت بضيق: "طيب وبعدين؟ دي حرام متدمرة. مش كفاية كل اللي حصلها كمان يسيبها ويطلقها." "متقلقيش أنا هتكلم معاه لما يرجع. انتي بس أهم حاجة خلي زاهي تتفاهم معاه بالعقل عشان خاطر ابنهم قبل أي حاجة. وهو أكيد هيهدى ويفهم الوضع وأنها ما كانتش تقصد." "تفتكر يا عامر؟

"طبعًا يا روحي ومتقلقيش، وغلاوتك عندي هكلمه ومش أنا وبس، أنا وآدم. بس يهدي ويرجع ونتكلم معاه إحنا كلنا في صفها وعارفين إنها معذورة. انتي مش متخيلة الوضع عامل إزاي. الشركة كانت هتفلس وكمان حالة عمي اللي وقع ده وفي العناية المركزة." "انت مش بتقول جلال قدر يعوض الخسارة؟ "آه طبعًا. دي معجزة. كان أذكى من الكل ومضى مع شركة أكبر." "يعني أهو زاهي ملهاش ذنب."

"وأنا قلتلك، هو زعلان عشان الفلوس. هو زعلان من اللي عملته فيه. برضه يا علياء في واحدة تعمل كده في جوزها." "معذورة. موت أبوها بالطريقة دي كان صعب عليها أوي." "عارف. وكمان جلال معذور. اتصدم في كل اللي حواليه." قالت زاهي من بين دموعها بعدم تصديق: "انتِ بتتكلمي جد يا علياء؟ "أيوه يا زاهي. عامر قالي إن جلال الحمد لله عرف يخرج من الورطة دي." ابتسمت وانهمرت دموعها بنفس الوقت وهي تقول بامتنان: "الحمد لله. الحمد لله." ربتت

عليها على كتفها قائلة: "متقلقيش، كل حاجة هتتصلح." "تفتكري هيسامحني؟ "أكيد." "تعالي رنين هاتفها لتقول... ده جلال." قالت علياء: "طيب ردي عليه، أكيد عاوز يعرف انتِ فين. وأنا هدخل أطمن على زين." جاءها صوته الغاضب: "انتي فين؟ قالت بصوت متحشرج: "في إسكندرية." قاطعها بغضب: "وانتي مين سمحلك تسافري؟ ابتلعت لعابها بصدمة، فهي لم تتوقع هذا الغضب والثورة بصوته. "مكانك لغاية ما أجيلك."

كانت تلك كلماته المقتضبة لتغلق زاهي الهاتف وتطفو الدموع في عينيها، فقد توقعت عتابًا منه وليس مجرد أوامر غاضبة. صفق جلال باب السيارة بعنف بعد أن أوقفها بفناء ذلك المنزل واندفع يطرق الباب بعنف. كانت زاهي بالتأكيد تتوقع قدومه. تعرف أنها أخطأت بحقه وأنه لم يستحق منها أن تغدر به بتلك الطريقة ولم يكن عليها أن تدع الانتقام يعمي عيونها، لذا دورها بأن تتفهم موقفه ورد فعله العنيف بطلاقها.

هذا ما تحدثت به مع علياء طوال الساعتين الماضيين لتهدأ وتتقبل رد فعله على غلطتها. إنها تستحق انتقامها ولكن دون استغلاله. بينما جلال طوال الطريق وهو يغلي، فهي ركضت لتحتمي بعاصم. "ألا يكفي فعلتها؟ أبعد حزنه ووجع قلبه جانبًا واكتفى بنظراته الغاضبة ما إن رآها أمامه ليقول: "انتي بتعملي إيه هنا؟ وإزاي تاخدي ابني وتسيبي البيت من ورايا؟ تجمدت الدموع في عينيها وهي تنظر إليه لتري ذلك الغضب في عينيه التي تخبرها.

ألا تحاول، فهي أمام طريق مسدود. أبعدت عينيها عن عينيه التي تحاصرها بتلك النظرات المليئة بالاتهام وتلك الطريقة الجافة التي يتحدث بها إليها. لتقول لنفسها إن طلاقه لها لم يكن مجرد رد فعل أو لحظة انفعالية، بل هو قصدها. إنه لم ولن يسامحها واتخذ قراره ولم يعد يريدها بحياته. أشاحت بوجهها قائلة: "انت مش طلقتني." قال بانفعال: "وكنتي عاوزاني أعمل إيه بعد اللي عملتيه؟ بتغدري بيا؟ وبتخدريني وعاوزاني استأمنك على حياتي بعد كده؟

هز رأسه بأسى: "أنا أصلًا مش مصدق إنك تقدري تعملي كده بعد كل اللي بينا. بعد ما وهمتيني إنك نسيتي وبدأنا حياة جديدة مع بعض." "أتاريكي ولا نسيتي ولا حاجة وكنتي لسة بتخططي عشان تنتقمي! خفضت عيونها دون قول شيء، فما الجدوى من التبرير. أمسك ذراعها بقوة هاتفا: "... وبعدين لما انتي عاوزة تنتقمي أوي كده مسبتيش شريف يموت ليه؟ ها؟ ما أخدتيش حق أبوكي منه ليه وجريتي أنقذتيه؟ نزعت ذراعها من يده

ونظرت إليه بتحدي قائلة: "كنت هتعمل إيه لو سبت أبوك يموت؟ قول. كنت هتعيش معايا ولا كأن حاجة حصلت؟ كنت هتنسي زي ما كل شوية تقولي انسى. حط نفسك مكاني وقولي كنت هتعمل إيه؟

هتف بحدة: "حطيت، وسكت. عرفت اللي عملتيه في سالي وسكت. أخدت من شريف كل حاجة عشانك، وقفت قدامه واتحديته. جايز لو حطيت نفسي مكانك واثق إني مش هنسى وهنتقم. بس اللي واثق منه أكتر إني استحالة أستخدمك في انتقامي. استحالة أغدر بيكي. أنا مش متخيل إنك توصلي لكده. خطط ومؤمرات.. نايمة في حضني وانتي بتفكري إزاي تغدري بيا وتستغليني. أثق فيكي إزاي بعد كده؟ تحشرجت الدموع في حلقه، فهو محق بكل ما نطق به، فكم ترى نفسها حقيرة.

رفعت عينيها نحوه قائلة بصوت مختنق بالدموع: "صدقت بقى إن كان عندي حق لما قلتلك إننا مينفعش نكمل مع بعض." زمجر قائلاً بعصبية وهو يمسك ذراعها بعنف: "كان ينفع قبل اللي عملتيه. بس انتي اللي صممتي تهدي كل حاجة. عشان انتقامك حرقتي حياتنا." تطايرت دموعها قائلة: "هما اللي بدأوا." أمسك ذراعها قائلاً

بغضب: "بس انتي اللي فتحتي في اللي فات يا زاهي. انتي اللي غدرتي بيا. انتي اللي وجعتيني وأنا بفكر دلوقتي إن كلامك وابتسامتك وحبك ليا كان كذب وتمثيل عشان توصلي للانتقام. انتي للأسف اللي جرحتيني أوي أكتر منهم لأني ما اتوقعتش إنك اللي تطعني في ضهري وتستخدميني بالطريقة دي." هزت رأسها ونكست عيونها: "عارفة إني غلطت." قال بجمود يخفي انهيار قلبه: "يبقى تتحملي نتيجة غلطتك." كبتت انهمار دموعها وتحاملت على طعنة

قلبها لتنظر إليه قائلة: "اتحملتها وانت طلقتني عشان الغلطة دي." هز رأسه وضغط على قبضه يده وهو يقول بجمود: "انتِ اللي اخترتي تضيعي كل اللي بينا." هزت رأسها ووضعت حجرًا على قلبها تنتظر كلماته التالية، فهي لن تتوسل بعد ما نطق به، فواضح أنه اتخذ قراره ولن يتراجع. ليقول: "بس متنسيش إنك لسه أم ابني. وأن في زين لسه بينا وهو مالهوش ذنب في أي حاجة." توقعت أن يردها بتلك اللحظة ولو من أجل طفلها،

ولكنه أكمل بجمود: "أنا مش هحرم ابني من أمه ولا أبعده عنك. زين هيفضل معاكي بس في المكان اللي أنا أحدده." عضت على شفتيها بقوة تمنع دموعها من الانهمار، فتلك النهاية بينهما بلا رجعة. لتقول بصوت حاولت أن يكون بلا مشاعر: "يعني إيه؟ "يعني أنا اللي أقرر ابني يبقى فين. وأظن إنك عارفة ومتأكدة إن بيت عاصم آخر مكان هبقى عاوز إن ابني يكون فيه." نظرت إليه قائلة: "ابني هيكون في المكان اللي أنا فيه."

رفع حاجبه باستهزاء: "وبيت عاصم هو المكان اللي هتكوني فيه؟ هزت رأسها: "أنا مقلتش كده. أنا هبقى هنا فترة مؤقتة لغاية ما أظبط أموري وبعدها هوفر مكان." قاطعها: "ابني هيعيش في بيتي." "ناصر هياخدك دلوقتي يوصلك لفيلا برج العرب. مش عاوز أعرف إنك فكرتي ولو تفكير تجي هنا تاني." "معتقدش إن من حقك تتحكم فيا بعد ما طلقتني." رفع حاجبه يطالعها بنظرات

غاضبة وهو يقول بتحذير: "من حقي أعمل أي حاجة أنا عاوزها. لو مش عاوزاني آخد ابني منك، أحسنلك تنفذي اللي أقول عليه." قال عاصم بانفعال حينما علم أن جلال أخذ زاهي وزين: "انتِ إزاي تخليها تروح معاه؟ قالت علياء: "وفيها إيه يا عاصم؟ "فيها إنه طلقها. ما كانش ينفع ياخدها." "معلش يا عاصم. بلاش تتدخل انت بالذات." "يعني أسيبها لوحدها وبلاش أقف جنبها."

"حاليًا قربك جايز يضرها. لأن جلال بيغير عليها جدًا وموضوع طلاقهم طبعًا هيخليه يتضايق زيادة من قربك." "أنا ميهمنيش غير زاهي." قال علياء بدهشة: "عاصم. انت بتحب زاهي؟ هز رأسه بدهشة: "إيه اللي انتي بتقوليه؟ انتِ اتجننتي يا علياء؟ لا طبعًا." "أمال متضايق ليه؟ "خايف عليها زي ما بخاف عليكي. مينفعش أسيبها تقف لوحدها قُصاده." تنهدت علياء قائلة: "معلش يا عاصم. أنا بس كنت بسأل."

"مش محتاجة سؤال. أنا من أول يوم وأنا معتبرها زيك بالظبط. آه، أنا بحب زين وكان نفسي يفضلوا معانا ويبقي ابني زي ما تمنيت، بس عمري ما فكرت في زاهي. ولا في غيرها. خصوصًا بعد طلاقي، استحالة أظلم واحدة معايا وأنا مش بخلف." قطبت علياء جبينها: "إيه اللي انت بتقوله ده يا عاصم؟ لا طبعًا. وانت عشان واحدة طلعت أنانية ومصبرتش معاك تبقى خلاص مش هتتجوز تاني؟

مشكلتك مش مستحيلة يا عاصم والدكاترة أكدوا إنك في احتمال كبير تبقى أب مع العلاج." تنهد بشجن: "مش مستعد أظلم واحدة معايا على احتمالات." "لو بتحبك مش هيفرق معاها." نظر إليها لحظة لتهز رأسها مؤكدة: "وانت عارف إنها بتحبك وفعلاً مش هيفرق معاها." "مستحيل أظلمها." نظر بعيدًا وأكمل: "كفاية إني بقالي سنين بظلمها." "يا عاصم، نور بتحبك ومش بتتمنى حاجة إلا إنك تكون معاها. يعني موضوع الولاد ده...

قاطعه عاصم: "عليا، أنا واخد قراري. مش هتجوز تاني. متتكلميش في الموضوع ده. وبعدين أنا أصلًا بفكر إني راجع تاني دبي." كانت نظرات ذلك الرجل العربي تتفحص سالي وهو يقول بثقة: "موافق أن اتنازل عن أموالي. انتِ مقابل الفلوس." اتسعت عيون سالي لتهب واقفة: "انت مجنون؟ إيه اللي بتقوله ده؟

قال بهدوء: "سالي هانم، أنا رجل أعمال. أدير صفقات ناجحة. وضعت ملايين بشركتك وخسرتها، لذا يجب أن أبحث عن حل. أنا أقضي إجازة بمصر أسبوع كل بضعة أشهر تكونين فيها تحت أمري." نظر إليها بنظرات متفحصة، فهي امرأة جميلة بالرغم من أي شيء، كما وأنها من عائلة مشهورة وليست مجرد فتاة عادية ممن يقضي معهم أوقات مقابل المال. فاكهة تعجبه وقرر أن يتذوقها. قال بهدوء: "...

أعتقد عشرة ملايين مقابلِك صفقة أكثر من رابحة. سأنتظر ردك. إما أن تقضي ليلتك في السجن أو أن تقضيها معي." وقفت زاهي أمام تلك النافذة الزجاجية شارده بحزن. هل انتهى حبه لها وأصبحت بالفعل مجرد أم ابنه؟ لقد مر أسبوع منذ أن أحضرها لهذا المنزل لتعيش فيه برفقة ابنها. انحنى وقبل جبين زين قائلاً: "هبقى أجي أطمن عليك كل كام يوم يا بطل."

اعتدل واقفًا دون أن ينظر إليها قائلاً: "نعمة هتفضل معاكي وهتلاقي قدام الباب ناصر لو محتاجة أي حاجة. هيبقي معاكي." انصرف وتركها دون أن يودعها حتى. لهذه الدرجة أصبح يكرهها؟ أسبوع مضى ولم تره، وكم اشتاقت له حتى أوجعها قلبها وفقد طعم كل شيء. لم يكن جلال أفضل، فهو كالآلة طوال هذا الأسبوع. أنهى كل الأعمال التي كانت معلقة ووقع على تلك الأوراق وأعاد كل شيء لأبيه. بدأ بنقل أعماله مع حاتم الريدي للاسكندرية وبقي بأحد الفنادق.

يعمل طوال اليوم ليعود منهكًا يلقي نفسه على الفراش يستدعي النوم لعيونه دون تفكير فيها، ولكن عبثًا. فكيف ينام وتلك البرودة تسيطر على قلبه المجروح منها بشدة والذي بالرغم من وجعه ونزيفه إلا أنه يئن اشتياقًا لها. نظر شريف لعامر الذي أخبره برغبته بترك كل شيء والعمل مع جلال. "انت كمان هتسيبني يا عامر؟ "معلش يا خالي، كده أحسن."

هز شريف رأسه برجاء: "طيب اتكلم معاه يا عامر. قوله أبوك ندمان وعنده استعداد يعمل أي حاجة بس تسامحه." "معتقدش جلال هيسمع حد. على الأقل الفترة دي." هز شريف رأسه باستسلام ليتذكر آخر مرة حاول أن يجعله يتراجع عن قراره. "جلال اسمعني." قال بلهجة قاطعة: "مش عاوز أسمع حاجة. كفاية اللي سمعته وشوفته منك سنين. أنا مشفتش أب قادر يدمر ابنه زيك." اجتاح الضعف نبرة

جلال لأول مرة وهو يقول: "ارحمني. انت خلاص وصلت للي كنت عاوزه وهديت بيتي وبعدت عنها. ودمرتني. كفاية بقى." قال شريف بصدمة: "طلقتها؟ هتف جلال بغضب: "مش هو ده اللي كنت عاوزه." "لا يا ابني. أنا غلطان وخلاص مش عاوز حاجة غير إنك تسامحني انت ومراتك." نظر إليه جلال بسخرية مريرة: "إيه؟ في خطة جديدة يا شريف بيه ناوي تعملها عليا؟ قال شريف بخزي: "يا ابني اسمعني."

قال جلال بحدة: "أنا مش عاوز أسمع منك الكلمة دي تاني. شركاتك رجعتلك خلاص وبالنسبالي اعتبرني ميت." "دعست نورا مكابح السيارة حينما أوقف آدم سيارته بالعرض أمامها." "هتفت بحدة: انت مجنون." "قال وهو يفتح باب السيارة ويمسك بذراعيها ينزلها: آه مجنون. كنتي بتعملي إيه عنده؟ "نزعت ذراعها بحدة منه: وانت مالك؟ "قال بجدية: نورا. رجوع لسالم مش هيحصل." "نظرت إليه بتهكم: نعم. وانت مالك أصلًا." "رفع حاجبه قائلاً: مالي إنك بتاعتي أنا."

"سخرت: والله." "آه. واسمعي بقي انتِ مش هتتجوزي حد غيري ده على جثتي. واسمعي بقي إن أنا والزفت ابن أعماك ده أصلًا مش ناقصين عداوة فمتزوديهاش وتخليني أطلع أقتله حالا." "هزت كتفها بعدم تصديق: لا ده انت اتجننت رسمي." "آه. وأحسن لك يا نورا متجننينيش زيادة وتوافقي نرجع لبعض." "قلتلك مستحيل." "مش مستحيل. هتسامحيني." "رفعت حاجبيها باستنكار: هسامحك بالعافية والجنان اللي بتعمله دلوقتي. واللي بيأكدلي إنك زي ما أنت متغيرتش. طايش!

أغاظته كلماتها ليقول بتحدي: "آه هتسامحيني. عشان انتي بتحبيني زي ما أنا. وياستي لو عاوزة ورد وأنزل على ركبتي قدامك عشان تسامحيني مستعد." "أبعدت عينيها عنه وهي تتمسك بموقفها قائلة: بتحلم." "اسرعت زاهي لغرفة طفلها الذي تعالت بكاؤه." "لتجد وجهه أحمر بشدة ويبكي بلا توقف." "انتفضت بقلق حينما وضعت يدها على وجنة زين الحمراء بشدة لتجد حرارته مرتفعة." "ضمته إليها بخوف واضح وهي تقول بحزن: إيه يا حبيبي مالك."

"اسرعت تمسك بالهاتف وتتصل به بلا تفكير بينما لمعت الدموع في عيونها كلما تعالت بكاء طفلها." "أجاب جلال بجمود: في إيه؟ "سالت الدموع من عيونها وهي تقول ببكاء: زين سخن أوي، الحقني يا جلال." "تغيرت نبرته الجامدة للقلق وهو يقول: آهدي كده وفهميني في إيه." "بقولك زين سخن وتعبان." "طيب أنا هجيب الدكتور وجاي على طول." بالفعل لم تمر نصف ساعة ووجدته يدلف من الباب وخلفه الطبيب.

"تاع قلبه لرؤية عيونها باكية وهي تضم زين إليها تبكي كما يبكي." "حمل الصغير من بين ذراعيها وجلس إلى الفراش بجواره بينما انحنى الطبيب لفحصه." "تعالى بكاء زين ليحمله جلال بجنان يربت على ظهره حينما انتهى الطبيب من فحصه قائلاً: اطمن يا جلال بيه. عنده احتقان بسيط في الحلق وده من تغيير الفصول. أنا هكتبله شوية أدوية مع الكمادات هيبقي كويس." "أومأ له جلال. ليتابع الطبيب: هيبقي محتاج ياخد تطعيم موسمي." "مفيش مشكلة."

"سيادتك تجيبه العيادة في أي وقت." "هز رأسه ليأخذ الروشتة من الطبيب ويخرج برفقته يوصله ويرسل أحد لإحضار الأدوية." "عاد للغرفة ليجدها جالسة تحتضن زين وتمرر يداها بحنان على رأسه." "نظر زين بعيونه الجميلة الباكية لأبيه ليقترب جلال منه يحمله." "تركته له وهي تزم شفتيها بأسى، فهو حتى لم ينظر إليها." "قطع جلال الغرفة ذهابًا وإيابًا يحمل زين بحنان ويهدهده إلى أن نام أخيرًا."

"انحنى ووضعه في فراشه وقبل جبينه ليتاكد أن حرارته انخفضت." "كانت زاهي جالسة ورأسها منكسة للأسفل وحزن وكآبة مسيطرة على قلبها." "خرج من غرفة طفله لتعتدل واقفة تنظر إليه ولكنها اصطدمت بنبرته الجافة الخالية من المشاعر وهو يقول: بقي كويس. حرارته نزلت." "جفاءه مزق قلبها لتحاول كبت الدموع بمقلتيها بينما تابع: هبقى أجي بكرة أطمن عليه." "تركها وسط غيمتها الكئيبة وانصرف." "إيه يا ناصر؟ "عاوز الهانم يا نعمة." "خرجت إليه زاهي."

"فقال ناصر بتهذيب: جلال باشا بلغني آخد سيادتك لعيادة الدكتور عشان تطعيم الباشا الصغير." "إذن هو لن يأتي." "واضح كيف أنه أصبح لا يريد رؤيتها حتى." "انتهى تطعيم زين وكانوا بطريق عودتهم حينما تعالت رنين هاتف ناصر الذي توترت ملامحه ما إن استمع لتلك الكلمات." "أوقف السيارة جانبًا واستأذن منها: متأسف يا هانم هعمل مكالمه." "تجاهلت الأمر ولكن استمعت لصوت ناصر وهو يقول بجدية: جلال بيه في حاجة مهمة لازم تعرفها." "ابتعد ناصر

فلم تستمع لباقي المكالمة: سالي هانم طلعت بيت." "ألقى جلال الهاتف بغضب مستعر. أنا جي." "ما عاد ناصر للسيارة حتى قالت زاهي: ناصر في إيه؟ "قال وهو يتظاهر بعدم الفهم: أبدا يا هانم مفيش." "قالت بجدية: بسألك في إيه. ماله جلال؟ "مفيش، يا هانم." "قالت بجدية: لو مقلتش حالا أنا هروحله وأفهم بنفسي." "قال ناصر بتعلثم: يا هانم." "انطق ماله جلال." "قال ناصر بتعلثم: هو مش الباشا. دي... دي سالي هانم. وصلني من رجالي إن سالي هانم."

بعد أن أخبرها قال بتحذير: "يا هانم أنا مقلتش حاجة ليكي. أبوس إيدك. لو جلال باشا عرف إني قلت حاجة زي دي هيخلص عليا." "متقلقش يا ناصر. بس أنا عاوزة أطمن عليه." "هطمنك يا هانم أول ما أعرف حاجة." "لم تصدق ما استمعت إليه وهي تدور حول نفسها بقلق أهوج. ماذا سيحدث؟ ماذا سيفعل جلال بشيء كهذا؟ ماذا إن تهور جلال وقتلها؟ سيضيع نفسه بالتأكيد. لا، ستموت قلقًا عليه. هل تذهب إليه؟ لا، عليها أن تخفي معرفتها بشيء كهذا."

"صفعات متتالية كانت تتلقاها سالي بلاهوادة من جلال بعد أن وجه عدة لكمات لهذا الرجل ما إن اقتحم تلك الشقة ووجد أخته جالسة برفقته، ولكنه وصل قبل أن تتدنس كليًا." "سقط الرجل مغشي عليه. ليسحبها من شعرها بقوة ويلقيها أرضًا لتقول من بين دموعها باستعطاف: جلال اسمعني." "زمجر بغضب جحيمي: اخرسي يا فاجرة يا كلبة يا زبالة. مش لاقي لفظ أقوله عليكي. يا و.... أقذر واحدة متعملش اللي عملتيه. يا بنت ال..... "قالت

ببكاء عنيف: أنا معملتش حاجة." "ركلها باحتقار: رايحة تبيعي نفسك يا واطية." "مكنش قدامي حل. كنت هتتسجن." "ما تتسجني أشرف لك. يا ش..... "انت وعامر وبابي اتخليتوا عني." "وانتي كنتي عملتي إيه عشان نقف جنبك؟ طول عمرك أنانية وقلبك أسود. قذرة وزبالة." "جلال... أنا اختك." "تتف بصوت جهوري وهو يمسكها من خصلات شعرها بقوة: اخرررسي يا و.... أنا هقتلك." "قالت بتوسل: لا يا جلال أبوس إيدك. عشان ولادي." "وهو انتي تعرفي ولادك أصلاً؟

دول خسارة فيكي. آه يا بنت الكلب يا وس.... مش عارف أعمل فيكي إيه ولا إيه. لولا خايف على الراجل اللي متستهالوش كنت ذبحتك. بس عامر ذنبه إيه يعيش بسمعتك وولادك يعيشوا بعارك." "سحبها بقوة من شعرها وألقاها بسيارته وهو يقول: كلمة واحدة وتنفذيها. انتي تطلبي تطلقي من عامر ومن غير نقاش وحتي ولادك تسيبهم وتنازلي عنهم. ولو فكرتي مجرد تفكير بس تأذيه ولا تقربيله هقتلك فاهمة." "دفعها بقوة أمام بوابة المنزل هاتفا: غوري من وشي."

"ارتجفت أوصالها وهي جالسة تنظر لحركة الساعة التي تمر ببطء شديد." "تريد أن تطمئن عليه وتتساءل عما حدث." "طمئنها ناصر أنه أخذ أخته من منزل هذا الرجل وانصرف ليهدئ قلبها قليلاً ولكنها لن ترتاح إلا حين تراه." "ليتها تكون بجواره بهذا الوقت وهي تعلم جيدًا أنه بأمس الحاجة إليها." "ألا يكفيه كل تلك الصدمات لينصدم بأخته بتلك الطريقة." "رفعت عينيها التي لمعت بالدموع تنظر لسواد الليل الحالك، فهذا انتقام ربنا الذي يمهل ولا يهمل."

"أبدًا لا تشعر بالشماتة ولكن تشعر بالعدل، مع أن تحقيقه أصاب حبيبها بالصميم." "ولم تتمنى يومًا أن يوضع بمثل هذا الموقف أبدًا." "أسرعت للنافذة حينما استمعت لهدير تلك السيارة بالفناء لتنزل الدرج بسرعة." "التقطت عيناها بعينيه التي ملئها الحزن والوجع وتمنت لو يسمح لها أن تأخذه بحضنها، ولكنه قال بصوت خالي: أنا جيت أطمن على زينا." "خفتت مشاعرها الحزينة من أجله وهي تقول: ده بيتك، تيجي في أي وقت."

"هز رأسه وأسرع يذهب لغرفة طفله حتى لا تبدو عليه صدمته أكثر، لينحني أمام فراش طفله ينظر إليه وتلمع الدموع في عينيه قائلاً بصوت هامس منكسر: أبوك اتكسر أوي وخلاص مش قادر يقف على رجله." "دمعت عيون زاهي التي وقفت خلف الباب تستمع إليه وما كسرها أكثر وحدته ولجوءه لصغيره يخبره بمقدار وجعه وألمه الذي لن يستطيع التحدث به مع أي شخص آخر."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...