الفصل 14 | من 28 فصل

رواية حب بطعم الانتقام الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رونا فؤاد

المشاهدات
25
كلمة
8,659
وقت القراءة
44 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

اقترب جلال منها قائلاً وعيناه تنظر لعيونها بعتاب: ليه عملتي كدة فيا... أنا حاولت أعمل أي حاجة ترضيكِ. تفتت بحدة: مفيش حاجة من اللي عملتها هترجع أبويا. ولا اللي عملتيه هيرجعه. بس على الأقل هيبقى مرتاح إني أخدت حقه. ودوستي على إيه وإنتي بتاخدي حقك... دوستي عليا... دوستي على حياتنا وهديتي الثقة اللي بينا. ولا إنتي فاكرة إني هقولك إنك معذورة في اللي عملتيه... كان ممكن أعذرك في أي حاجة إلا إنك تخوني ثقتي فيكي وتكذبي عليا.

أشاحت بوجهها بجمود: مش مستنية منك أعذار... أنا أصلاً بكرهك ومش ندمانة في حياتي على حاجة قد إني شفتك وعرفتك... وكويس أوي إنك طلقتني لأني أنا خلاص مبقتش محتاجاك في حاجة. اللي كنت عايزاه وصلتله. رفعت عيناها نحو دماره من كلماتها بتشفٍ وهي تكمل: لعلمك يا جلال أنا مش بكره في حياتي حد قدك... ولما كنت معاك أنا كنت كارهة نفسي وقرفانة... بس كنت مضطرة أعمل كدة وأمثل عليك عشان أعرف أنتقم من أبويا.

انتفض جلال من نومه وضربات قلبه تعلو بصخب، ينظر حوله بكل اتجاه بتشتت... ليتأكد أنه حلم. لا... هز رأسه فهي لم تقل شيئاً كهذا. إنها لا تكرهه... هز رأسه ومرر يداه على وجهه يبعد ذلك الكابوس السيئ الذي راوده. نظر حوله ليجد أن الشمس قد بدأت بالبزوغ. لقد نام بجوار طفله ليلتفت إليه بابتسامة ممتنة، فأخيراً وجد ملاذه وملجئه من تلك الحياة الغادرة.

إنه صغيره وابنه وسنده بالحياة. لقد اشتكى له همومه التي لا يستطيع التحدث بها مع أحد. "أبوك اتكسر أوي ومبقتش قادر أقف على رجليه... عمري ما اتخيلت إن الطمع والفلوس توصلها للدرجة دي... كان نفسي أقتلها بإيدي بس عامر ميستاهلش توسخ سمعته وسمعة ولاده... كان نفسي أروح أرميها قدام شريف عشان يشوف بنته وتربيته وصلت لفين... بس غصب عني مقدرتش... كلهم غدروا بيا... حتى الوحيدة اللي حبيتها عملت زيهم... محدش منهم وجعني قدها."

بينما زاهي لم يغمض لها جفن بعد أن استمعت له وهو يتحدث بهذا الوجع والانكسار. كم أوجعت كلماته قلبها، وكم أرادت أن تكون بجواره في لحظة ضعفه ولكنها لم تستطع أن تخبره أنها تعلم شيئاً كهذا. فلم يتخيل يوماً أن يرى أخته بهذا الوضع. كانت ضربة موجعة له، هزمته كالقشة التي قسمت ظهر البعير. فبعد كل الصدمات التي تلقاها مؤخراً لم يكن بحاجة للمزيد. ابتسم لزين الذي فتح عينيه الجميلة ينظر لوالده ليحمله جلال. صباح الخير على ابني البطل.

أخذ زين يتمتم: بابا. ليضحك جلال بسعادة: يا روح قلب بابا. كانت زاهي واقفة لدى الباب تنظر إليه وإلى طفله بسعادة. فقد استطاع ابنه نزع ذلك الحزن من قلبه ليستعيد جلال نفسه ويستجمعها ويقف على قدمه. إنه بحاجتها الآن لذا يجب عليها أن تكون بجواره دون أن تجعله يظن أنها تشفق عليه. قالت بخفوت وهي تدخل الغرفة: صباح الخير. قال وهو يحمل زين ويعتدل واقفاً: صباح النور. نعمة جهزت الفطار... هات أجلّع لزين على ما تاخد دوش.

قال وهو يعطيها زين: لأ مش عاوز أفطر... خليها بس تعملي قهوة. خرج من الغرفة ليتجه لغرفته التي كان يبقي بها والتي بها بعض من ملابسه. حملت زاهي زين واحتضنته هامسة: حبيبي زينو هو اللي قدر يطلع بابي من اللي كان فيه. ضحك زين ببراءة لتضعه على الفراش وتنحني تبدل له ملابسه الجميلة. مررت تلك الفرشاة الرقيقة على شعراته السوداء الناعمة وهي تبتسم بسعادة وترفعه أمامها قائلة: إيه رأيك بقى يا جميل بقيت زي القمر!

ضحك زين عالياً وهي تحمله وتدور به بسعادة. توقفت لحظة حينما دارت الأرض حولها. تلمست طرف الفراش لتجلس سريعاً وهذا الدوار يلف رأسها لتضع زين على الفراش سريعاً خشية أن يقع من يدها. مرت بضع دقائق وعادت لتحمل زين من جديد بعد أن شعرت أنها تحسنت وذهب شعورها بالدوار. وقف جلال أسفل الماء البارد يفرك رأسه وهو يحاول أن يبعد صورة أخته عن رأسه، وكلمات أبيه وما حدث بينه وبين زاهي...

دوامات وأصوات وصور اختلطت وتعالت برأسه ولكنه قرر أن يتجاوز كل هذا ولا يكون بهذا الضعف أبداً. خرج ليقف أمام الخزانة ليخرج بنطال وتيشرت، مقرراً البقاء برفقة طفله اليوم ولن يذهب للعمل. وضعت نعمة القهوة أمام جلال وسألته: مش هتفطر يا باشا. لأ شكراً يا نعمة... بعد ما زين يفطر ابقى هاتيه ليا هنا. أومأت له: تمام حاضر يا باشا. نظر عامر بعدم تصديق لسالي التي تتحدث بنبرة لم يعتدها منها. أيوه يا عامر... أنا عايزة أتطلق.

بالتأكيد لا يمانع ولكنه لا يستطيع منع نفسه من التساؤل وهو يرى وجهها المتورم بسبب ضرب جلال لها، والذي فسرته أنها تعرضت لحادث. إيه اللي حصل فجأة وخلاكي تطلبي الطلاق. هزت رأسها: مفيش... فكرت ولقيت إن ده حل كويس خصوصاً إني عايزة أسافر فترة. اتسعت عيناه دهشة، فهو لا يفهم شيئاً. تسافري؟ آه... أقعد أعمل إيه... علاقتي ببابي وجلال وحشة... وأنت خلاص سبت البيت ونقلت شغلك... ماليش حد هناك. عادتها لا تفكر سوى في نفسها ليقول:

بس ولادي مش هيسافروا معاكي ويبعدوا عني. هيفضلوا هنا... ومامتك بتاخد بالها منهم. أومأ لها فهذا ما توقعه. واضح إنك واخدة قرار. هزت رأسها: آه... ويا ريت بسرعة. هتكلم مع خالي وجلال وهبعتلك ورقتك. تفتت نجلاء باعتراض: لأ يا عامر. ماما لو سمحتِ متدخليش. أنا وهي اتفقنا. هز شريف رأسه قائلاً: طالما متفقين مش همنعك يا عامر... أنا عارف إنك اتحملت كتير.

خرجت نجلاء من الغرفة وعيناها تتقد غضباً، فابنها دمر تخطيط السنين وسيطلق سالي بعد أن أعاد جلال كل شيء لأبيه وحق سالي بالميراث عاد. قال شريف بشجن: جلال عامل إيه؟ كويس... بدأنا شغل الشركة الجديدة. ربنا يوفقكم... اتكلمت معاه يا عامر. لسة... مستني يهدي. ومراته. نظر إليه عامر وهز رأسه ليخفض شريف رأسه بأسى، فهو بالفعل دمر حياة ابنه. قاد عامر مسرعاً لا يطيق صبراً حتى يخبر علياء أنهم أخيراً سيتزوجون.

قضى جلال فترة الظهيرة يلاعب زين بحب. "باباب... " قالها زين بينما يوقفه جلال ويحاول أن يجعله يمشي. يلا يا بطل... اقف... تاتا... تاتا... تعرف تقف لوحدك... أووه برافو. أسرعت يداه تمسك بزين دون أن يدعه يقع. بابي استحالة يسيبك تقع... يلا يا بطل... حاول تاني.

ساعدت زاهي ببقاءه برفقة زين، ولكنه لم تجد ما يشغلها وزين برفقة والده لذا توجهت للمطبخ لتساعد نعمة التي أخذت تتحدث معها، ولكن عقل زاهي كان برفقة جلال وطفلها. تلك السعادة التي يجدها زين برفقة أبيه تستحق أن تعترف بخطأها لجلال. أسرعت نعمة تجاه زاهي التي استندت بيدها إلى طرف الطاولة الرخامية بوسط المطبخ حينما شعرت بالدوار مرة أخرى. قائلة بقلق: إيه مالك يا مدام. قالت زاهي وهي تحاول استجماع نفسها: ماليش يا نعمة...

أنا كويسة. أمسكت نعمة بيدها قائلة: لأ كويسة إيه... ده انتي لونك مخطوف... أنا هطلع أنادي الباشا. قالت زاهي سريعاً: لأ... لأ... تعالي يا نعمة أنا كويسة... بلاش تقلقيه... أنا الظاهر أخدت برد من زين... هطلع أرتاح شوية على ما تكملي إنتي الغدا.

أسرعت لغرفتها لتُغلق الباب وتستند إليه تضع يدها على قلبها الذي يتراقص فرحاً. إنها ليست المرة الأولى التي تشعر بها بمثل هذا الشعور. مؤكد أنها حامل. حامل بطفل آخر منه. هل يمكن أن تكون أكثر سعادة!

غسلت وجهها بالماء البارد لتخفي أي أثر لتعبها الذي يجب أن تخفيه جيداً خاصة عن نعمة التي مؤكد ستخبره وهي لا تريده أن يعرف الآن. لا تريده أن يردها إليه لأنها حامل. تريده أن يسامحها ويعيدها إليه ثم تخبره بحملها. إنه يحبها هي متأكدة، ولكنه غاضب منها. وإن عرف بحملها الآن سيردها ولكنها لن تكون متأكدة أنه سامحها. قامت علياء من مكانها تزفر بضيق ليسألها عامر الذي يحدثها بالهاتف: مالك يا روحي؟ شخص سخيف بيرن الجرس هقوم أشوف مين.

طيب يا حياتي شوفي مين وأنا معاكي على التليفون. تجمدت مكانها وهي تراه أمامها ممسكاً بتلك الباقة الضخمة من الورود وابتسامة رائعة تنير وجهه. قبل أن تستوعب مفاجأة وقوفه أمام بيتها بعد أن أوهمها أنه بالقاهرة كان ينزل على إحدى ركبتيه أمامها قائلاً: تتجوزيني يا علياء؟ خرجت نورا من باب النادي لتجد آدم واقفاً أمامها. نورا. زفرت بضيق: أفندم. قال برقة وهو يحاول التأثير عليها: مش ناوية تسامحيني؟ قالت بنبرة قاطعة: لأ.

أوقفها مجدداً: ليه بس... لأ... أنا كل اللي عاوز فرصة. رفعت حاجبيها بتهكم: عشان بعد كام يوم ألاقيك مع واحدة تانية. رفع يديه ببراءة: لأ خلاص تبت واتغيرت. وإنت عايزني أصدق... إنك اتغيرت فجأة كدة. لما شفته جنبك اتجننت وعرفت قد إيه أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك. رفعت عيناها نحوه: وأنا مقدرش أعيش مع واحد مش واثقة فيه وعارفة إني مجرد ما أغمض عيني هيروح لواحدة تانية.

كانت جالسة على الأريكة حينما نزل جلال لينصرف بعد أن نام زين. قال بجمود: أنا ماشي. تجاهلت أسلوبه الجاف وقررت أن تأخذ هي المبادرة من أجل زين وطفلها القادم لتقول: جلال... ممكن نتكلم. التفت إليها قائلاً بنبرة خالية: هنتكلم في إيه؟ لمعت الدموع بعينيها من جفائه ولكنها تابعت: أنا مكنتش أقصد... أنا حبيت أخد حقي وحق بابا. صاح بحدة: على حسابي. جلال... أنت عارف إني مقصدتش. هز كتفه وتابع حدته: أمال لو كنتي قاصدة...

إنتي كذبتي عليا... ضحكتي في وشي وإنتي بتديني القهوة تخدريني بيها. هتفت بتبرير: كنت عايزة أنتقم منه... مفكرتش في أي حاجة غير أخد حق أبويا. أمسك ذراعها بغضب قائلاً: أنا اللي مزعلني إنك فكرتي... وفكرتي كتير أوي في الطريقة اللي تنتقمي بيها... بس مفكرتيش إنتي هتخسري إيه في المقابل. حياتنا رخصيه أوي عندك للدرجة دي... كان ممكن تلاقي ألف طريقة إلا إنك تعملي فيا كدة. أنا كدة كدة كنت أخدت منه كل حاجة فرق إيه اللي عملتيه.

قالت بتبرير: الصفقة دي كان هيموت لو خسرها وأنا كنت عايزاه يخسرها. صاح بانفعال: ولما كان بيموت أنقذتيه ليه طالما ده اللي كنتي عايزاه؟ هزت رأسها بأسى: مقدرتش. ترك ذراعها وأكمل من بين أسنانه: عشان إنتي مش شبههم... عمرك ماكنتي زيهم... قلتلك كتير إنتي مش زيهم... بس إنتي اللي صممتي توسخي نفسك وتبقي شبههم...

بتخططي وتتأمري وتعملي أي حاجة عشان توصلي للي انتي عاوزاه حتى لو كان على حساب أقرب الناس ليكي. عارفة بسبب حريقك لمخازن سالي كام عامل خسروا شغلهم... عارفة بسبب اللي عملتيه اتسببتي في إيه... غص حلقه وابتلع كلامه، فأخته باعت نفسها بالمقابل ولكنه لا يستطيع نطقها. عارف إن خسارتك كانت أكبر بس الذنب في رقبتك مش هتتحمليه. كان صالح وعامر وآدم ويحي وحتي ابنك ذنبهم إيه في الخسارة دي. شريف هيتقهر ويموت...

والباقيين ذنبهم إيه. إنتي لو كان حصلك حاجة في الحريقة ابنك كان ذنبه إيه يعيش من غيرك. مفكرتش في كل ده وفكرتي بس تنتقمي... ونسيتي انتقام ربنا. غص حلقها من هجومه عليها بتلك الكلمات القاسية لتقول بصوت مختنق بالدموع: وهما ليه نسوا ربنا وهما بيعملوا فيا وفي أبويا كدة. زمجر بصوت جهوري: قلتلك إنتي مش شبههم... إنتي مش زيهم! خفضت عيناها الدامعة وهي تقول بصوت مختنق بالبكاء: يعني خلاص بتكرهني. هز كتفه ولوح بيديه في الهواء بيأس:

يا ريت أعرف أكرهك. نظرت إليه ليكمل: بس في نفس الوقت مش قادر أقول لنفسي إني بحبك... مش هقدر أنسى اللي عملتيه يا زاهي. هز رأسه ونظر إليها بعتاب لنفسه قبل أن يكون لها: عارف إني أكتر حاجة كنت بطلبها منك ننسى ونبدأ من جديد بس اكتشفت إن النسيان مش سهل أوي كدة.

ضغطت على شفتيها المرتجفة وأخفت غصة حلقها لتخفي الدموع بعينيها وتتراجع، فهي لن تخبره عن حملها الآن. إن كان قد اتخذ قراره بعد كل تلك الكلمات، واضح أنه لم يعد يريدها بحياته ومتمسك برأيه وقراره بالبعد عنها لذا ستمضي في حياتها بدونه. أفرغ غضبه بهذا الرجل يكيل له اللكمات والركلات ليتدخل رجاله. عنك يا جلال باشا سيبه واحنا هنروقه.

هز جلال رأسه ونظر لهذا الرجل الذي كان برفقة سالي ليسحبه من تلابيبه يوقفه ويضع يداه حول عنقه بقوة قائلاً بتحذير شرس: لو عرفت إنك فكرت مجرد تفكير تجيب سيرة باللي حصل هخلص عليك. دفعه جلال بقوة ليسقط الرجل متألماً بينما أخرج جلال من جيبه ذلك الشيك ويلقيه بوجهه قائلاً: دي الفلوس بتاعتك... تاخدها وترجع بلدك وتنسى إنك عرفت حد من عيلة المهدي... فاهم. قالت علياء بسعادة: زاهي... زاهي إنتي مش سامعاني. لأ يا حبيبتي سامعاكي.

قالت علياء بسعادة غامرة: تخيلي يطلب يتجوزني بالطريقة دي... ياااه يا زاهي أنا مش مصدقة نفسي... تخيلي بين يوم وليلة مشكلتنا تتحل ومراته تطلب الطلاق وتسافر. حدثت نفسها بأن جلال لابد وأنه أجبر سالي على طلب الطلاق بعد فعلتها. صمتت علياء لحظة ثم قالت بشجن: بس كان نفسي إنتي وجلال ترجعوا لبعض. صمتت زاهي ثم قالت وهي تغيّر الموضوع: المهم عاصم اقتنع أخيراً. لأ هو مش مقتنع بس تقدري تقولي احترم رأيي.

لتتذكر رفض عاصم القاطع لزواجها بعامر. لأ يا عليا مش موافق. ليه بس يا عاصم. قال باستنكار: تتجوزي واحد زيه مطلق ومخلف ده غير طبعاً سمعته... وكمان مسيرة يرجع لمراته. عاصم جايز أنا نفسي لغاية دلوقتي مستغربة علاقتي بعامر اللي جت بين يوم وليلة وزي ما بتقول متجوز ومطلق وسمعته زفت بس هتصدقني لو قلتلك إني أول مرة أحس باللي حساه معاه... أنا عارفة يا عاصم أسباب طلاقه ومش هيرجع لها...

عامر طيب وكويس أوي هبقى مبسوطة في حياتي معاه. برضه لأ يا عليا. مش هكرر مأساة زاهي فيكي إنتي أختي الوحيدة وأمانة ماما وبابا الله يرحمهم عندي. أنا متعودتش إنك تكون الأخ ده يا عاصم... أنا اتعودت إنك بتحترم رأيي وشخصيتي. ومازلت... بس أنا خايف عليكي. لو خايف عليا بلاش تكسر قلبي وسيبني أتحمل نتيجة اختياري. "بس يا ستي وفي الآخر قرر إنه يوافق." ابتسمت زاهي بسعادة: مبروك يا لولو. قال عامر بنفاد صبر:

ها يا جلال هتجي معايا امتى نخطبها من أخوها. أشاح جلال بوجهه: ما إنت عارف أنا مش بطيقه. ليه بس يا جلال. لوى شفتيه فكم يشعر بالغيرة من هذا الرجل ليقول: اهو وخلاص بقى. طيب يا سيدي اتحمل الساعة دي عشاني... نطلبها ونحدد معاد الجواز ونمشي. دخل آدم من باب المكتب بتلك اللحظة قائلاً بمشاكسة: مين اللي هيتجوز؟ احتضنه عامر وجلال بحب: حمد الله على السلامة يا زفت. كده يا ولاد عمي أسبوعين مشفتكمش. ما إنت عارف الشغل يا أندال.

عشان كده... أنا جيت وقررت أبقى شريك معاكم أنا كمان. هتف عامر بفرحة: بجد. آه... سبت أسهُمي أنا كمان لعمي وهشتغل معاكم ومش بس كده هستقر هنا زيكم. ضحك جلال: كملت! عندك مانع يا برنس. لأ خالص... اهو عشان تيجي معانا لصاحبك عاصم بيه نطلب أخته لعامر. لأ وحياتك إنتوا اللي هتيجوا معايا الأول نخطب نورا. قال جلال بدهشة: وهي وافقت ترجعلك. لأ. أمال... هحطها قدام الأمر الواقع وأروح أخطبها تاني. قال عامر: ليك عين...

دي أمها لو شافتك هتقتلك. لأ اطمن يا سيدي... كلمتها والست سامحتني ورحبت... بس طبعاً بشرط بنتها توافق. وهي جننت أهلي ومش موافقة ولا مديني وش عشان كده قلت أحطها قدام الأمر الواقع وأتجوزها غصب عن عينها. نظر إليه جلال ضاحكاً: أخيراً... جت اللي تطلع عينك. لأ وحياتك أنا اللي هطلع عينها بس أجيب رجلها الأول. ضحك ثلاثتهم عالياً وقد عاد ليلتم شملهم مجدداً. أخذت زاهي نفس عميق وهي تنظر لليلى قائلة:

مفيش فايدة يا ليلى مش هتحايل عليه. وأنا بقولك اتحايلي... أنا بقولك قوليله إنك حامل. لأ. خلاص هقوله أنا. هتفت سريعاً: إياكِ يا ليلى. ليه بس يا زاهي... إنتي مش عاوزة ترجعوا لبعض. بعد اللي قاله آخر مرة... لأ. تنهدت وأكملت: هو خلاص مبقاش عاوزني في حياته... أروح أنا أقوله إني حامل فيضطر يرجعني... لأ يا ليلى مش هقبل كده على نفسي. مش عاوزك إيه بس... هو زعلان مش أكتر. اتصدم من اللي حصل وشوية وهيرجعلك.

وأنا مش هفضل مستنية كفاية اللي ضاع من عمري عشانه... أنا أخدت قراري وهعيش حياتي لولادي. يا زاهي متكبريش الموضوع. مش مكبراه... بس ليه هو في لحظة باعني وأنا بالرغم من كل اللي حصلي معاه فضلت باقية عليه. يا زاهي ما إنتي عارفة الرجالة دماغهم ناشفة. هزت رأسها متظاهرة بعدم الاكتراث: مش فارقة... المهم هتساعديني ولا لأ. طبعاً يا روحي... ده حاتم رحب جداً. بس أنا خايفة جلال يتضايق لما يعرف. مش من حقه يتدخل أصلاً.

دخلت السكرتيرة إليه تخبره بوجود عاصم بالخارج يريد مقابلته. لم يتساءل جلال طويلاً عن سبب الزيارة والتي سرعان ما وضحها عاصم وهو يضع تلك الأوراق أمامه. رفع عيناه التي اتقدت غضباً تجاه عاصم قائلاً: إيه ده؟ قال عاصم: دي أوراق تنازل زاهي عن الأسهم بتاعة مجموعتكم. طلبت مني أقوم بالإجراءات وأرجعها ليك. قال جلال بغضب غاشم: وأنت طبعاً ما صدقت. قصدك إيه؟ هتف بحدة: قصدي إنك تبعد عن مراتي أحسن لك. قال عاصم بحدة مماثلة:

أولاً متهددنيش يا جلال بيه وثانياً زاهي طليقتك مش مراتك. ضرب جلال طرف المكتب وهو واقفاً: متقربش ناحيتها تاني. قال عاصم ببرود وهو ينصرف: ده شيء ميخصكش... دي بنت خالتي. انتفضت زاهي من مكانها على صوت صرير تلك الإطارات بالفناء لتقوم سريعاً لترى سببها وما أن وصلت للباب حتى كان جلال أمامها بوجهه غاضب يصيح: أنا مش حذرتك قبل كده إنك تشوفي عاصم. استجمعت سريعاً ثباتها لتقول: وأنت مالك؟ زمجر بغضب: زاهي اتعدلي ومتجننيش...

اللي اسمه عاصم ده لو شفتيه تاني... قاطعته بتحدي: إيه هتحرمني من ابني؟ رفع حاجبه بغضب لتكمل بتهديد: اسمع بقى يا جلال... دي آخر مرة هسمحلك تهددني بابني... وإلا أنا اللي هحرمك منه... وأنا مش هبقى جبانة وآخده وأهرب... لأ ده ابني من حقي... وبالقانون هاخده منك... ولو لآخر نفس فيا هقف قدامك. أمسك ذراعها بقوة هاتفا من بين أسنانه بغضب من كلامها: إنتي جايبة الجبروت ده منين. نظرت إليه بتحدي: منك! تقابلت نظراتهما التي

تشع عناد فولاذي وهي تكمل: اتعلمته منك وعلي إيدك... إنت من حقك كل حاجة وأنا لا... شوف إنت وأهلك غلطتوا كام غلطة... وأنا اتعاقبت ودفعت تمن كام غلطة... إنت خرجت من حياتي بإرادتك... مش من حقك بقى تفرض عليا قيود تاني ولا تتحكم فيا. كان صدرها يعلو ويهبط بقوة وعيناها في مواجهة عيناه التي تشتعل غضباً لحظات طويلة قبل أن تنتفض على باب المنزل الذي صُفّق بقوة خلفه. قالت زاهي بابتسامة واسعة تحاول تناسي وضعها:

وحشتني أوي الفول والبيض المقلي من إيدك يا لولو... ده أنا حاسة إني شامة ريحتهم من هنا. قالت علياء بحماس: طيب يلا هاتي زين على ما أجهز الأكل. قالت زاهي بحماس مماثل: حالاً. قال ناصر بتعلثم ما أن وجد زاهي أمامه تحمل زين وتنوي الخروج. كيف يتركها تخرج بعد تعليمات جلال الصارمة بعدم خروجها. بس يا هانم. قالت بحزم: اسمع يا ناصر أنا عارفة إنك بتشوف شغلك وبتاخد أوامرك من جلال وإنه سايبك هنا عشان ينقل له أخباري...

بس من دلوقتي مش هتاخد أوامرك من حد غيري وياتنفذ اللي أقول عليه يا تتفضل تروح عنده... ويا ريت توصله اللي أنا قلته دلوقتي. قالت كلامها وبلحظة كانت تضع طفلها بالمقعد المخصص له وتنطلق بالسيارة. قال جلال من بين أسنانه وهو يستمع لمكالمة ناصر: هي قالت كده! أغلق الهاتف وهو يضرب المكتب بقبضته ويحدث نفسه: والله عال يا هانم... بتتحديني ماشي... لما نشوف آخرتها. نظر عامر لآدم بهمس: متنرفز إنها خرجت... أمال لما يعرف...

ضيق جلال عيناه ناظراً لعامر ما أن استمع لهمسه قائلاً: أعرف إيه؟ انطق. قال عامر بتعلثم بينما وضع آدم يده على وجهه فجلال سيشتعل الآن: أبدا... أصل... أصل عرفت من علياء إنها ناوية تشتغل. تفتت بملامح تنكر بعاصفة: نعم! آه... سينفجر بالتأكيد! قالت زاهي بسعادة: بجد يا علياء... هو قالك كده... يعني عارف إنها بتحبه وهو كمان بيحبها.

أيوه بس طبعاً مقرر إنه مش هيتجوز تاني عشان كده بيبعد عنها عشان متتعلقش بيه ورافض أي كلام في الموضوع ده وكمان ناوي يسافر. صمتت زاهي لحظة ثم قالت: خلاص إحنا نتكلم مع نور. نتكلم معاها نقولها إيه. الحقيقة. إزاي بس. قالت زاهي: سيبلي أنا الموضوع ده. نظرت علياء بدهشة لزاهي التي تأكل بتلك الشهية وهي تقول: تحفة يا لولو... اعمليلي طبق كمان. قالت علياء وهي تضع الطبق الآخر لزاهي التي أنهته سريعاً: زاهي... إنتي أكلتي كل ده...

أنا أول مرة أشوفك بتاكلي كده. ابتسمت زاهي وهزت رأسها للسؤال الذي ظهر بعيون علياء وهي تضع يدها على بطنها: آه حامل. قفزت علياء بسعادة: بجد... بجد... مبروك... مبروك يا زوزو. وقالت زاهي بتحذير: بس أوعي تقعي بلسانك قدام عامر. هو جلال مايعرفش. لأ... ومش هقوله. ليه بس يا زاهي... البيبي ده... قاطعتها زاهي بنبرة قاطعة: مش عايزاه يرجعلي عشان أنا حامل. المهم هاتي بقي رقم نور عشان أكلمها.

بخطوات بطيئة حذرة دخل شريف لمكتبه الأنيق، لتدخل خلفه يارا مديرة مكتبه بسعادة: حمد الله على سلامتك يا شريف بيه. قال بصوت ضعيف: الله يسلمك. جلس خلف مكتبه الأبنوسي الضخم يأخذ نفسه بصعوبة ويتطلع حوله بحسرة، فها هو وحده مع كل تلك الثروة بعد أن تركه ابنه الوحيد... وانفض الجميع من حوله. دخل صالح إليه بسعادة: حمد الله على السلامة يا عمي نورت مكتبك. الله يسلمك يا صالح... وحيد بلغك باللي أنا ناوي أعمله. آه يا عمي...

بس بعد إذنك أنا مش موافق. ليه بس يا صالح. بلاش تعمل ليا توكيل بالإدارة وخلي إدارة الشركة زي ما هي معاك وأنا ويحي بنمشي الشغل لغاية ما جلال يرجع. قال شريف بيأس: تفتكر هيرجع. أكيد يا عمي... وبعدين شركته هو وعامر وآدم ماهي امتداد لمجموعة المهدي برضه. طبعت زاهي قبلة على جبين زين وهي تقول: خدي بالك منه يا نعمة. اطمئني يا هانم. أنا مش هتأخر ولو في حاجة اتصلي بيا على طول.

ما أن فتحت الباب حتى انتفضت من مكانها حينما وجدت جلال أمامها. على فين يا هانم؟ قالت بتحدي: عندي شغل. ومين سمحلك تشتغلي؟ رفعت عيناها نحوه: دي حاجة متخصكش... مبقاش ليك حكم عليا. رفع حاجبه: إنتي شايفة كده. هزت رأسها وسارت خطوة لتصطدم جسدها بجسده وهي تمر لسيارتها التي انطلقت بها بينما يتوعد لها جلال بنظراته. أوقف جلال السيارة أسفل العمارة الكبيرة الموجود بها مكتب عاصم حيث ذهب ثلاثتهم لطلب علياء للزواج.

التفت إليه عامر ليرى وجهه المتجهم قائلاً: لأ بقولك إيه... إنت شكلك كده ناوي تبوظ الجوازة. قال جلال من بين أسنانه: أخلص يا عامر أنا مش طايق نفسي. ماهو إحنا طالعين نقابل الراجل وإنت مش طايق نفسك هتتخانقوا زي كل مرة وجوازاتي أنا هتبوظ. تدخل آدم قائلاً: متقلقش يا عامر مش هيحصل حاجة. مال تجاه جلال يداعب وجنته بمشاكسة: ده جوجو طيب بس هي المزة معصباه اليومين دول. أبعد جلال يده بعصبية: بس يلا بطل رخامة.

ماتبطّل إنت نشفان دماغ أهلك ده وردها. أشعل جلال سيجارة ونفث دخانها قائلاً: لما تبطل هي عند معايا. قال آدم: كان مالها بقى العزوبية والسرمحة بلا جواز بلا وجع دماغ. قال عامر وهو يوكزه بجنبه: عارف لو متكتمتش أنا هروح أقول لنورا تقلب عليك أكتر ما هي قالبة. لأ وعلي إيه... يلا نطلع نجوزك أحسن. وخد بالك عاصم ده صاحبي يعني كلمة مني الجوازة تبوظ. قال حاتم بترحيب بعد أن وقعت زاهي عقد العمل بشركته الضخمة:

لما قرأت الـ CV بتاعك وشفت آخر شغل ليكي يا مدام زاهي قلت إنتي اللي هتعملي الـ Audit بتاع الشهر ده... والـ Feasibility study دي. أعطاها أحد الملفات وأكمل: مرام معاكي وهتساعدك بكل الـ Data يلا تقدري تبدأي حالاً. قالت وهي تقوم برفقة مرام لتذهب لمكتبها: مرسي. عقد عامر حاجبه باستنكار لكلام عاصم: ليه خطوبة... كل شيء جاهز إننا نتجوز على طول. قال عاصم بإصرار: والله ده قراري... خطوبة كام شهر على الأقل مفيش جواز على طول.

نظر إليه جلال بغيظ وكان على وشك التحدث ليتدخل آدم مهدئاً الوضع: كام شهر كتير يا عاصم... خير البر عاجله. قال عاصم: على فكرة أنا مش موافق على الجوازة دي أصلاً. هز جلال قدمه بعصبية وأندفع قائلاً: يعني إيه مش موافق. قاطعه عامر: خلاص يا جلال... موافق كام شهر... كام شهر. وعموماً أنا عارف إنك خايف على علياء بس اطمن وأي ضمانات أنا موافق عليها.

هكتب لها مؤخر مليون جنيه والبيت اللي هنعيش فيه هيكون باسمها والمهر والشبكة اللي تطلبهم. قال عاصم بمغزى وهو ينظر لجلال: كل ده مش مهم... أنا عاوز أختي تكون مبسوطة. قال جلال من بين أسنانه: لأ أنا هقوم أضربه... ده بيلقح عليا. أمسكه آدم وقال بهمس: أبوس إيدك أهدي... الراجل ميقصدش. قال عامر بسرعة لينهي اللقاء: الخطوبة الأسبوع الجاي. أومأ عاصم رأسه: مفيش مانع.

عادت للمنزل بعد يوم عمل مرهق ولكنه سعيد للغاية بالنسبة لها. فهي تستقل بحياتها. أخذت زين بحضنها تقبل كل إنش بوجهه لتقول نعمة: حمد الله على سلامة يا مدام... أجهز الغدا. ماشي يا نعمة. ارتدت ثوب الحمام بعد أن أخذت دوش دافئ وجلست على طرف الفراش تقوم بتلك المكالمة الهامة: الو... آنسة نور... أنا زاهي... زاهي بنت خالة عاصم. قالت نور باستدراك: آه أهلاً... أنا كنت عارفة من عاصم إنك بتكوني هنا في المحكمة يوم الثلاث...

كنت عايزة أقابلك وأتكلم معاكي لو ينفع. قالت نور: آه فعلاً... أنا عندي محكمة بعد بكرة. كويس أوي... ممكن أقابلك على الساعة كام. واحدة هيبقى كويس. صمتت لحظة ثم قالت بتردد: بس... يعني ممكن أعرف السبب. لما أقابلك. تنهدت زاهي بارتياح، فها هي سترد ولو جزء بسيط من أفضال عاصم عليها. فهي لن تنسى أبداً أفضاله هو وعلياء عليها ووقوفهم بجوارها. حتى أنها تدين لهم بحياة زين فلولا وجودهم لاتعلم ماذا كان يمكن أن يصيبها.

خرجت من شرودها على اتصال ليلى وعلياء للاطمئنان عليها بعد أول يوم عمل. استيقظت زاهي باكراً واستعدت للعمل. راودها ذلك الغثيان الصباحي لتقف أمام إحدى الصيدليات وتأخذ أحد الأدوية التي كان يصفها لها الطبيب وقت حملها بزين. وتذكرت نفسها بأنها يجب أن تذهب للطبيب لتطمئن على الطفل في أقرب فرصة. دخلت مكتبها بابتسامة لتقابلها مرام: صباح الخير. صباح النور... عاملة إيه؟ تمام. جلست وانهكمت في العمل ساعات قبل أن تقوم مرام قائلة:

أنا هروح أسلم الفايل المبدئي لرئيس القسم وارجع. أومأت لها زاهي وأرجعت رأسها للخلف ومدت قدمها للأمام فقد تشنجت من الجلوس طويلاً. بعد دقائق دخلت مرام بابتسامة واسعة: إيه يا مرام الشغل عجبوا. ده مدير الشركة بنفسه اللي شافه ومبسوط جداً... بس عاوز يتناقش في شوية نقط معاك. عقدت حاجبيها: معايا. هزت رأسها: آه. قامت زاهي من مقعدها وتوجهت لمكتب حاتم لتقول للسكرتيرة: غادة... مستر حاتم كان طالبني.

قالت غادة وهي ترفع رأسها عن الحاسوب وتخفي أن من ينتظرها بالداخل ليس حاتم: اتفضل. دخلت زاهي بضع خطوات قبل أن تتوقف وتنتفخ وجنتها وتضيق عيناها حينما رأت جلال جالس بطلته الرجولية خلف ذلك المكتب الكبير وابتسامة متسلية مرتسمة على شفتيه. إنت بتعمل إيه هنا؟ أجاب نفس إجابتها السابقة: بشتغل ولا عندك مانع. عضت على شفتيها: بتشتغل؟! وتشتغل إيه بقى إن شاء الله. قال بابتسامة ماكرة: مديرك.

عضت على شفتيها عدة مرات حتى كادت تدميها لينظر إليها جلال ويريد لو يطبق على شفتيها التي تعذبها أسفل أسنانها ولكن ألم تبدأ هي بالتحدي فلتصبر إذن. قام من مقعده وتوجه إلى أحد المقاعد الموجودة أمام مكتبه قائلاً: اقعد عشان نتكلم في الشغل. هزت رأسها: لأ... طبعاً ومين قال إنها هشتغل عندك أصلاً. والعقد اللي مضيتيه. ده... ده... تعلثمت لتقول بغيظ: إنت اتفقت مع حاتم. وإنتي اللي ناسيه إني شريكه... يعني دي شركتي زيي زيه بالظبط.

بس هو مقالش كده. وهو لازم يعرفك على رؤسائك قبل ما تشتغلي. أغاظتها كلماته ليرجع ظهره للخلف بارتياحية وهو يكمل: هو مش الهانم برضه حابة تشتغل. نظرت إليه بتحدي: آه. هز رأسه بغيظ فقد ظنها ستتراجع: تمام... اقعدي بقى عشان نتكلم في الشغل. لأ ستنفجر إنه ليس عمل بل تعذيب، فهذا الماكر يستغل كل الفرص والنقاط لجعلها تطلب أن تترك العمل ولكنه لا يدري أنه أخرج شراستها وإصرارها وأنها لن تتراجع. تخلصي النقط دي وتعرضيها علي.

نظرت لساعتها التي قاربت الرابعة وهي تقول: معتقدش هلحق النهاردة. هز كتفه ببرود: مش مشكلتي... أنا عاوز الشغل ده النهاردة. ضربت الأرض بقدمها وغادرت لتشتم وتتبرطم وهي تعود لمكتبها. لتقول مرام بدهشة من هيئتها الغاضبة: إيه يا بنتي مالك؟ جلا... أقصد المدير... الزفت. جحظت عيون مرام: زفت... مستر جلال زفت... ده حتى لطيف أوي يا زاهي. لوت زاهي شفتيها ولمعت الغيرة بعيونها حينما تحدثت عنه مرام بتلك الطريقة: بلا لطيف بلا زفت...

ده بارد ومتحكم... وعاوز نخلص الشغل ده كله النهاردة. وفيها إيه... مستر حاتم بيطلب حاجات أكتر من كده. قال صالح لآدم: بقولك إيه أنا لسة عريس جديد ومش عاوز قلق. قلق إيه بس... كل اللي عاوزه إن مي مراتك... تنفذلي الخدمة دي... مع إني خايف تقلب بغم بس ماشي يا ابن عمي. غمز له صالح وهمس بجوار أذنه: هعملك حفلة عزوبية إنما إيه. قال آدم: لأ... أبوس إيدك... توبت. تضحك صالح قائلاً: بركاتك يا شيخة نورا.

دخلت زاهي لمكتب جلال لتسدير غادة بمقعدها ناحيتها قائلة: لحظة واحدة أبلغ مستر جلال. ابتسمت زاهي بزيف لتقوم غادة من مقعدها وتسير بخطوات متهادية وهي تدخل من الباب الخشبي الضخم الفاصل بين مكتبها ومكتب جلال وتغلق الباب خلفها. إيه اللي أنا عملته في نفسي... ده... إزاي أشتغل معاه. حدثت زاهي نفسها من بين أسنانها فها هو يتسلى وهي تحترق بنار الغيرة. خرجت غادة قائلة بنبرة رقيقة: اتفضل.

دخلت زاهي إلى مكتبه ليرفع جلال نظره عن الأوراق التي أمامه لتقول بدون مقدمات وهي تضع الملف أمامه: الملف. أخذ الملف منها قائلاً: اتفضلي اقعدي. قالت وهي تهز قدمها بعصبية: مرتاحة كده. قال بلا مبالاة وهو يفتح الملف: براحتك. زفرت بصوت مسموع بينما هو تركها واقفة لأكثر من عشر دقائق يدقق بالملف الذي وضعته أمامه لتجد نفسها تجلس على المقعد بعد أن تعبت من الوقوف ليبتسم جلال بينه وبين نفسه، فليرى آخر عنادها.

قام من مقعده وتوجه ليجلس على المقعد المقابل لها... لتفصل بينهما تلك الطاولة الزجاجية الصغيرة. اجتاحت القشعريرة جسدها حينما انحنى ليقطع المسافة بينهما بينما مال تجاه مقعدها وهو يتحدث بالعمل لتخترق رائحة عطره الإثارة أنفها. وتتعالى أنفاسه التي كانت تخرج بصعوبة حينما انحنت لتلامس خصلات شعرها وجهه قبل أن ترفعها خلف أذنها وهي تشير تجاه ذلك الملف، ولا ينكر أنه اكتشف لأول مرة ذكاءها فيما يخص العمل.

أغمض عينيه لحظة يستنشق رائحتها التي افتقدها قبل أن يفتح عينيه ويبتسم لها قائلاً: عظيم... دراسة جدوى ممتازة. رفعت عيناها نحوه لينير وجهها بابتسامتها وهي ترى إعجابه بعملها. أه... مبدئياً موافق عليها بس ابدئي خدي الأرقام الفعلية واشتغلي عليها إنتي ومرام. أوقفت مي سيارتها أمام ذلك المطعم الأنيق والتفتت لنورا قائلة: ادخلي إنتي يا نورا لغاية ما أركن العربية وأجي وراكي. طيب ماتسيبها للسايس. لأ... أنا هركن هناك...

إنتي بس ادخلي أحسن صالح زمانه مستني جوه من بدري. هزت نورا كتفها وغادرت السيارة وهي تقول: أنا مش عارفة مصممة أجي معاكي ليه... واحدة وجوزها خارجين يتعشوا لازمتي إيه أنا. زفرت نورا وتابعت طريقها للداخل ليفتح لها النادل الباب الزجاجي بابتسامة واسعة. تعالت دقات قلب آدم التي تتخبط بصدره لأول مرة لفتاة مثلها. كانت في غاية الجمال بفستانها الأسود الأنيق وشعرها الذي جمعته في جديلة أنيقة. إنها فتاته التي أضاعها بطيشه وسفاهته.

توقفت نورا مكانها تنظر حولها لأنوار المطعم الخافتة والتي ما أن خطت للداخل حتى أضيئت بالكامل مع كل تلك الورود والبالونات المعلقة بكل مكان مكتوب عليها كلمات الاعتذار. دون إرادتها أفلتت ابتسامتها ولمعت عيناها حينما خرج آدم يحمل باقة كبيرة من الورد ويسير تجاهها بخطوات بطيئة. وسيم أنيق فاتن ببدلته السوداء وابتسامته الساحرة وعيناه التي نظرت نحوها برجاء جعل من المستحيل عليها أن تخذله قبل أن يقول: تتجوزيني؟ قالت زاهي بعتلي

وهي تحدث ليلى بالهاتف: كده برضه يا ليلى؟ يا زاهي صدقيني مكنتش أعرف... حاتم لما قلتله إنك حابة تشتغلي أكيد هو اللي بلغ جلال ما إنتي عارفة إنهم أصحاب وشركاء. زفرت زاهي بغيظ لتقول ليلى بمكر: وبعدين فارق معاكي إيه... إنتي كده كده بتشتغلي. آه بس مش عنده. أكيد هو أحسن بكتير. لأ طبعاً... ده بيتعمد يغيظني عشان أسيب الشغل... بس أنا مش هحققله رغبته دي وهثبتله إني أنا مش برجع في كلامي. نظرت زاهي لساعتها بضع

مرات قبل أن تسألها مرام: مالك يا بنتي كل شوية تبصي في الساعة؟ عندي مشوار مهم وعايزة أمشي. الساعة ١١ لسه بدري. هاخد إذن. اسألي مستر جلال. قالت باستنكار: لازم؟ طبعاً. نظر جلال إليها قائلاً: ليه؟ نعم؟ بسألك عايزة تمشي بدري ليه... شغلك بيخلص الساعة أربعة. افتكر إني امبارح ماشية الساعة ٧. هز كتفه ببرود: ماهو هو ده الشغل... ملوش مواعيد... ولا إيه يا هانم. زفرت بغيظ فهو يضغط عليها وهي لن تستسلم لتقول ببرود: تمام...

اعتبرني إجازة النهاردة. قالتها وغادرت بخطى غاضبة. جلست بسيارتها تضرب المقود بيدها. بارد! نظرت بساعتها قبل أن تقود إلى ذاك المطعم حيث ستقابل نور التي ما أن استمعت لتلك الحقيقة والتي تشبه الروايات لتردد بعدم تصديق: يعني... إنتي وعاصم مش متجوزين. هزت زاهي رأسها لتتسع ابتسامة نور التي تكاد تخرج دقات قلبها من مكانه. وهو بيحبني... بس موضوع الولاد ده. لأ لأ هزت رأسها بسعادة هستيرية قبل أن تقوم من مكانها لتسألها زاهي بدهشة:

إنتي رايحة فين؟ قالت نور بسعادة جارفة: رايحة لعاصم طبعاً. أوقفها زاهي: استني يا مجنونة. مش هستني أكتر من كده. قال ناصر: اطمن يا باشا أنا معاها في كل خطوة. هز جلال رأسه بينما نظرت زاهي من مرآة السيارة لناصر بابتسامة بادلها لها ناصر الذي يتبعها بسيارته وهو يهز كتفه فبالنهاية هو ينفذ أوامر جلال. لتبتسم زاهي فهو مازال يحبها ومجنون بها ولكنه عناده وغروره.

أسرع عاصم وخلفه علياء لتلك الطرقات المتتالية على الباب ليتفاجيء بنور واقفة أمامه بينما زاهي خلفه. بدون مقدمات كانت تقول: عاصم أنا بحبك... من أول ما شفتك وأنا بحبك... سنين وأنا بحبك ومش شايفه راجل غيرك... بحبك يا عاصم ومش عايزة حاجة من الدنيا غيرك. تسمرت علياء وزاهي مكانهما بعدم تصديق من فعل نور وعاصم لم يكن بأقل منهم. بينما تابعت نور: قول عليا... جريئة... مجنونة... هبلة أي حاجة المهم إني بحبك...

ومش هضيع سنين تاني بعيد عنك مستنية إنك تاخد الخطوة دي. اتجوزني يا عاصم. ابتسمت علياء وزاهي حتى دمعت عيونهما، فهذا ربما أغرب طلب زواج مر عليهم لتقول زاهي بهمس لعلياء: أوبااا البنت اتلحست على الآخر. فتح عاصم فمه ليتحدث ولكنها تابعت: أنا هكلم ماما. أخيراً نطق ليقول: لأ اهدي بس... أنا هكلمها إنتي كفاية عليكي لغاية كده... وأنا هكمل. ضحكت زاهي وعلياء وكذلك نور التي قالت بسعادة: بجد يا عاصم هتتجوزني. هز كتفه بعدم تصديق

لما مر عليه من دقائق: أقدر أرفض بعد اللي عملتيه. دارت حول نفسها بسعادة غامرة: أنا مش مصدقة... عاصم. نعم. ينفع أحضنك. أمسكها عاصم من كتفها يوقفها قائلاً: ينفع تعملي أي حاجة بس الخميس اللي جاي. نظرت إليه بعدم فهم ليقول: عشان هنكون اتجوزنا. كانت زاهي كالبلهاء تبتسم طوال طريق عودتها وهي تتذكر نور. هل يعقل أن تحبه لتلك الدرجة؟ هزت رأسها حسناً أن عاصم يستحق فتاة مثلها. قلبه الطيب وشهامته يستحق فتاة تحبه بكل كيانها مثل نور.

تنهدت بارتياح وهي تركن سيارتها سعيدة لسعادته. نظرت إلى سيارة جلال المتوقفة بالفناء ثم إلى نعمة التي فتحت لها الباب قائلة بخفوت: الباشا بقاله ساعتين هنا. هزت رأسها وسألتها: زين نام؟ مع الباشا فوق بينام. ترددت لحظة هل تدخل لغرفة زين أم لا قبل أن يقطع ترددها خروج جلال ووقوفه أمامها قائلاً وهو ينظر لساعته: كنتي فين لغاية دلوقتي؟ افتكر إنك عارف أنا كنت فين ولا ناصر مش بيبلغك أول بأول. رفع حاجبه وابتسامة

متسلية على شفتيه وهو يقول: عجبتك اللعبة مش كده. هزت كتفها: لعبة إيه؟ اللي بنلعبها. أنا مش بلعب... إنت سبتني وأنا بكمل حياتي مع ابني وبحاول أعمل لنفسي مستقبل. تكمم قائلاً: شغل بملاليم مستقبل. زمّت شفتيها بغيظ: أحسن ما استنى ملايين منك. قال بتحذير: زاهي. نعم يا جلال. بلاش تستفزيني... حذرتك كتير تروحي بيت عاصم. طول ما أنا مش بعمل حاجة غلط مش من حقك تتحكم فيا. هز رأسه: مش بتعملي حاجة غلط بس بتعملي حاجة بتضايقني.

كونك واخد موقف من عاصم دي حاجة متخصنيش... دي مشكلتك. شعرت أنها ستحترق تلك اللحظة بأنفاسه الساخنة التي زفرها لتكمل ببرود: بعد إذنك عايزة أنام عشان عندي شغل الصبح. البيت بيتك. حجز عامر طاولة ضخمة بذلك الأوتيل العريق للخروج للاحتفال بخطبتهم. لتقف زاهي أمام المرآة خلف علياء تبتسم لها بسعادة بعد أن انتهت من وضع مساحيق التجميل لها. زي القمر يا لولو... مبروك. ابتسمت علياء: بجد يا زاهي حلوة. حلوة وزي القمر كمان. مش أحلى منك.

التفتت إليها وأكملت: أنا مش عارفة آخرة البعد بينكم ده إيه. قالت زاهي: ولا أنا... بس أعمل إيه... مش هو بيعاند وبيحاسبني... براحته. حبس عامر أنفاسه وهو يراها بتلك الفتنة حينما تقدمت منه علياء بهذا الثوب الأزرق الحريري المنسدل على جسدها بروعة ليبتسم لها هامساً وهو يطبع قبلة على يدها: زي القمر يا حبيبتي.

ابتسمت له واحتبست الكلمات بداخلها من فرط مشاعرها. بينما كان هذا وضع جلال الذي رأى تلك الحورية والتي ازدادت جمال وتألق تلك الليلة. لا تعرف هل بسبب سعادتها من أجل علياء أم بسبب حملها الذي تخفيه والذي أضفى عليها جمال من نوع خاص بفستانها الأسود البسيط ذو الأكمام الشفافة وشعرها الذي تركته كما يحبه مموجاً حول وجهها الجميل الذي صرخ به أحمر الشفاه القاني الذي وضعته.

وضع عامر الدبلة التي توسطتها تلك الفصوص الخلابة للأنظار من الألماس بإصبعها ليتعالى التصفيق من حولهم. كانت الجلسة عائلية كما أحبت علياء فلم تكن تريد حفل صاخب فقط اقتصر على أبناء العم وزوجاتهم وعاصم ونور بعد أن رفضت نجلاء الحضور وكذلك شريف حتى لا يتأزم الموقف بينه وبين جلال.

ابتسمت نور بسعادة لعاصم الذي نظر إليها يحدث نفسه أنها مجنونة رسمياً فهي تنظر إليه وكأنه شيء خيالي حلم مستحيل حققته. ألا يعلم أنه من يراها بالنسبة له حلم مستحيل طوال سنوات يقنع نفسه أن يبتعد حتى لا يظلمها. بينما نورا سحبت يدها من أسفل يد آدم الذي مدها أسفل الطاولة ليمسك يدها لترفع حاجبيها بتحذير: احترم نفسك بدل ما أقوم. قال آدم ببراءة: يا روحي ما كل واحد ماسك إيد حبيبته جت عليا. كلهم محترمين مش زيك.

رفع حاجبه باستنكار: مين دول اللي محترمين... لعلمك بقى جلال وعامر. قاطعته: ها. زم شفتيه: حاضر يا ستي. هز جلال قدمه بعصبية وعيناه مركزة عليها بينما تتحدث وتضحك بد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...