تحميل رواية «حب بطعم الانتقام» PDF
بقلم رونا فؤاد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
زفرت زاهي بضيق ونظرت لساعتها بملل، فهي عالقة بزحمة السير تلك لأكثر من ساعة. ما إن تقدمت ببطء خلف ذلك الصف الطويل من السيارات حتى أخذت تتلفت يميناً ويساراً في محاولة منها لتبين سبب ذاك الزحام الخانق، خاصة وهي على طريق سريع مؤدٍ لمدينة برج العرب وليست بقلب البلد لتعلق بهكذا زحام. بدأت ترى العديد من سيارات الشرطة والإسعاف، وتهادت لسمعها تعليقات ركاب السيارات حولها. "إنه حادث!" ظنته حادثاً مرورياً، ولكن مع كمية سيارات الشرطة وتلك الرتب التي تراشقت بكل مكان، تهادت لسمعها أنها حادثة إطلاق نار على أحد...
رواية حب بطعم الانتقام الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رونا فؤاد
عقد جلال حاجبيه وهدرت الدماء بعروقه حينما فتح باب غرفتها ووجدها خالية.
اندفع يقلب المستشفى بصوته الجهوري حينما عرف إنها خرجت من المشفى... !!.
ما إن تحركت سيارته بسرعة باتجاه المنزل حتى دعس المكابح بقوة لتصدر الإطارات صرير قوي...
لن تكون بالمنزل... إنها عنيدة، مؤكد ستعاقبه لذا تركت المشفى وأخذت ابنه وابتعدت...
أغمض عيناه بقوة ضاربا المقود بقبضة يده، لا يتحمل مجرد التفكير إنها تركته ليجتاح ألم هائل قلبه لمجرد التفكير إنه سينحرم منها أو من أطفاله مجددا...
لا يا زاهي...
صاح يحدث نفسه وكأنه فقد عقله لمجرد التفكير إنها ستحيي من حياته مرة أخرى وإنه لن يري زين... لن يكون حاضرا ليحمل طفلته فور ولادتها... لا يكون بحياتها كما لم يكن بحياة زين... لن يعوضها عن عدم وجوده بجوارها في السابق...
لا لا.... لا يا زاهي مش ممكن تعملي فيا كدة.... لا لا لا... إنتي مستحيلة تعذبيني كدة... لا.. لا.................
مرت تلك الساعات التي سبقت معرفته لمكانها عليه كدهر كامل وهو يبحث عنها كالمجنون بقلب لهيف... يخشى أن لا يعرف مكانها ...... !!.
حتى آتته تلك المكالمة التي تطمئنه من أبيه، فهو أراد أن يقف معها حتى تاخذ حقها منه ولكنه يعلم أن اختفاءها سيثير جنونه.
متقلقش يا جلال مراتك وابنك عندي... زاهي كانت حابة تبعد شوية و...
قاطعه إغلاق الهاتف ليقطع جلال الطريق بسرعة غاشمة إليها... !.
كعاصفة وأعصار كان جلال يدخل من باب المنزل الذي هب كل من فيه على اقتحامه له وبسرعة وبدون أن تستوعب زاهي كيفية وجوده أمامها كانت بين ذراعي جلال يحتضنها بقوة كادت تكسر عظامها وكأنها كانت غائبة عنه لسنوات...
فقط لم يحتمل مجرد التفكير إنها ضاعت منه ليحتضنها بقوة بين ذراعيه يريد أن يشعر بها بجوار قلبه الملتاع من ابتعادها وبحضنه ليطمئن...
ظلت بحضنه وأغمضت عيناها فهي بحاجته مثلهم هو بحاجة إليها...
تحبه ويتخبط قلبها بضلوعها بصخب وهي تكاد تموت اشتياق له ولكنها بحاجة لأن تسترد كرامتها فيده التي هي بينها الآن هي نفس اليد التي كانت تصفعها منذ عدة أيام...
لسانه الذي ينطق بكلمات الحب والاشتياق هو نفسه لسانه الذي اتهمها بتلك الاتهامات الظالمة بدون أي دليل.
لا تعلم كم مر عليهم وهي ذائبة بين ذراعيه يعتصرها بين أحضانه حتى شعرت بضلوعها تكاد تنكسر بين ذراعيه لتتململ من بين ذراعيه قائلة...
جلال...
أوعي.
تنفس مطولا رائحتها قبل أن يخفف يده قليلا من حولها ولكنه ظل يحتجزها بين ذراعيه... لينظر إلى عيناها بلوعة واشتياق وتري هذا الحب الجارف الذي يكنه لها بين طيات قلبه ليقول بنبرة مبحوحة من فرط مشاعره...
أوعي تعملي فيا كدة مرة تانية، أوعي تبعدي عني تاني يا زاهي... أنا ممكن أموت بس لو فكرت إنك مش هتبقي في حياتي عادة مجددا.
ليدفنها بين ذراعيه...
لستعيد زاهي ثباتها ودفعته قائلة...
أوعي... كدة إنت بتعمل إيه؟
رفع حاجبه ناظرا بنظرة عابثة لتمردها...
هكون بعمل إيه...؟ !!.
مراتي وحشاني وباخدها في حضني...
والله.... ده على إيه أساس...
جذبها إلى أحضانه مجددا وهو يقول...
على الأساس اللي يعجبك... المهم تفضلي في حضني.
دفعته بعيدا عنها قائلة بتهكم...
بتحلم...؟ !
قال بنبرة هادئة وهو يتلمس كتفها...
زاهي حبيبتي... كفاية كدة بعد.... أنا عارف إنك بتعملي كدة عشان تضايقني.
هزت كتفها ببرود...
واضايقك ليه... أصلا مين قالك إنك في دماغي... ما يمكن أكون بفكر في واحد تاني.
نظرت لاحتقان الدماء بوجهه الذي تحولت ملامحه للغضب فورا وهو يهتف بها...
بس متقوليش كلمة تانية.
قالت بتحدي وهي تنظر لاستفزازها له...
وليه بس.. واثق أوي فيا مثلا.
أمسك ذراعها بقوة لحظة قبل أن ترفع عيناها نحوه فها هو سيستخدم يده كعادته ليعضّ على شفتيه ويترك يدها فورا ويزفر بعنف...
ليه بتستفزيني ؟ !
تابعت ببرود وعيناها تنظر إليه بتحدي...
أنا مش بستفزك .... أنا بعيد كلامك اللي قلته ليا.
هتف بهدوء ظاهري وهو يسحق أسنانه...
ماشي يا زاهي أنا فهمت غلطتي ووعد مني مش هكررها تاني وهتحكم في غيرتي بعد كدة... ممكن بقى تتفضلي تجيبي زين ويلا بينا.
رفعت حاجبيها...
نعم.. !! يلا على فين؟
قال بنفاذ صبر...
على بيتك هيكون فين.
ومين قال إني هرجعلك بعد اللي عملته...
رفعت عيناها له بإصرار...
متحلمش إن في حاجة بينا ترجع تاني زي زمان.
زفر بنفاذ صبر...
بلاش تعاندي معايا يا زاهي أكتر من كدة.... كفاية إنك جننتيني لما خرجتي من المستشفى من غير ما أنا أعرف.
ولفت ذراعيها حول صدرها قائلة بتحدي...
هتعمل إيه... هتاخدني غصب عني؟
نظر لتمردها وشراستها قائلا بتحذير...
لا مش هاخدك غصب عنك.... هتجي معايا بمزاجك لأن الطبيعي إنك تكوني في بيتك وأي مشكلة بينا تتحل هناك...
هزت رأسها...
مش، هعيش معاك في بيت واحد بعد ماườnي إيه أنا أقل من إنك تثق فيا.
زفر بنفاذ صبر...
زاااهي.... كفاية بقى كلام في الموضوع ده... هفضل أعتذرلك لغاية إمتى.
اختفت الغضب المندلع بداخلها من طبعه الذي لن يتغير لتقول ببرود...
عندك حق... كفاية كلام عشان أنا تعبت... يلا اتفضل عشان عاوزة أرتاح.
يعني مش، هتيجي معايا برضاكي.
نظرت إليه والتوت شفتيها بنبرة متهكمة وهي تقول...
ولا غصب عني.
أغاظته ليقول بتحذير...
إنتي عارفة إن محدش يقدر يقف قصادي.
بادلته التحدي...
لا فيه..
عقد حاجبيه ليقول شريف من خلفه...
أنا يا جلال هقف قصادك.
التفت لأبيه وقال بنبرة غاضبة...
إنت هتمنعني أخد مراتي؟
قال شريف بهدوء...
مش همنعك لو هي حابة تروح معاك.... إنما لو مش عاوزة طبعا هقف قصادك.
احتقن وجهه بالدماء لتنظر إليه زاهي بتشفي فقد كان يهددها قبل لحظات..... بينما جلال نظر إليها والى أبيه لا يصدق هذا التحالف ضده ولكن شريف كان أذكى من أن يترك الحرب تندلع لذا قال بهدوء...
مراتك وابنك في بيت المهدي.. مش في أي مكان.. اطمن عليهم...
يعني إيه... ؟
يعني طول ما هي مش موافقة ترجعلك زاهي مش هتتحرك من هنا.... ولو سمحت اتفضل وقبل ما تجي ابقى اتصل عشان الحرس يبقى عندهم علم يسيبوك تدخل عشان أنه محذرهم ميسمحوش لحد يدخل البيت من غير إذن.
كتمت زاهي ضحكتها وهي ترى ملامح وجهه المحتقنة.... وهو يردد باستنكار...
حد.. !!....................
قال آدم بعدم تصديق بعدما لم تكذب نورا كلام تلك الفتاة واعترفت إنها فعلتها...
إنتي أكيد اتجننتي...
قالت نورا تحاول تبرير فعلتها...
غصب عني يا آدم.... أنا.. كنت .... كنت.
قاطعها بغضب...
كنتي إيه...؟ ! في واحدة عاقلة تعمل اللي عملتيه... !! عاوزة توصلي لإيه باللي عملتيه...
قالت بخفوت...
خايفة يا آدم..... خايفة تخوني تاني.
زمجر بغضب أهوج...
تقومي تعملي كدة !!.... أنا مش قادر أصدق ولا أستوعب... إنك تنزلي للمستوى ده... تتفقي مع واحدة زي دي على جوزك.... إنتي إيه إيه إيه.
انتفضت على صوته الغاضب لتتراجع للخلف بخوف قائلة...
أنا... قلتلك خايفة...
أمسكها من ذراعها بعنف قائلا...
وباللي عملتيه... خوفك انتهى... كل شوية تعمليلي فخ واختبار وفاكرة إنك كدة بتمنعيني. لعلمك بقى اللي بتعمليه ده مش هيمنعني أخونك لو أنا عاوز..... اللي عاوز يخون يا نورا بيخون ولو واحدة قالتله صباح الخير واللي مش عاوز لو واحدة قالعه مش هيقرب لها... افهمي ده كويس عشان أنا لغاية دلوقتي مديكي عذر للجنان اللي بتعمليه.
نظر إليها بغضب وهتف بتحذير...
بس دي آخر مرة هسكت فيها فيها يا نورا... أنا مش هقبل أبقى نايم مع مراتي وهي مش واثقة فيا... إنتي من يوم ما بقيتي مراتي وسلمتي ليا نفسك واستأمنتيني عليها مينفعش تفكري إني ممكن أخونك ومش من حقك متثقيش فيا...
هزت رأسها وخفضت عيناها بخجل من تصرفها الغير عقلاني...
متزعلش... !
أشاح بوجهه لتحاول الاقتراب منه ولكنه أوقفها قائلا...
لو سمحتي يا نورا سيبيني لوحدي...
خرجت تعض شفتيها بضيق بينما آدم تهاوى على المقعد يفكر بماضيه الذي سيظل يطارده أبدا.................
أسرعت سالي التي كانت بحالة يرثى لها تجاه جلال تقول...
كنت متأكدة إنك مش هتسبيني هنا يا جلال.
نظر إليها وإلى حالتها السيئة ليتذكر كيف هاتفته قبل بضع ساعات تتوسل إليه أن يأتي لإنقاذها... فقد استطاعت أن تؤثر على ذلك الضابط الشاب ليمنحها مكالمة من هاتفه لتتصل بجلال وهي واثقة إن لديه من النخوة والشهامة ما تستطيع استغلاليه لتخرج من السجن الذي ألقاها والدها به.
نظر جلال لنظرات الضابط لها ليفهم على الفور ما فعلته أخته ومؤكد إنها استغلت جمالها لإعواء الضابط ولكنه أخفى غضبه المشتعل أسفل قناع بروده حينما قالت سالي بلهفة وهي تنظر إليه...
جلال إنت هتخرجني من هنا مش كدة؟
بالتأكيد استخدم نفوذه كما فعلها والده ليدخلها ويبقيها بالسجن ليخرجها ليهز رأسه وينظر إليها نظرات مبهمة قبل أن تبتسم سالي بخبث وانتصار فهي دائما ما تلعب على أوتار رجولة أخيها فمهما فعلت لا يستطيع أن يتركها بالسجن بعدما أخبرته وتوسلته... وهو لا ينكر إنه يعرف كل ما تفكر به وتلك المرة أنصاع لها ولكن ما كان يبعده عنها هو عدم معرفته بمكانها بعد رفض شريف إخباره وهاهي من أوصلته إليها ليذيقها أخيرا ثمن أفعالها...
قاد مطولا لتنظر إليه سالي بتوجس وهو يدلف لذلك المبنى المهجور ويوقف السيارة أمامه...
جلال... إنت جايبني هنا ليه ؟
تنهد مطولا قبل أن يقول...
أنا سامحتك قبل كدة كتير وحذرتك أكتر من مرة.
توترت ملامحها وهي تقول...
يعني إيه.... إنت... إنت هتعمل فيا إيه.... ؟
مال جلال تجاهها قائلا بفحيح...
تفتكري إنتي إن أنا ممكن أعمل فيكي إيه بعد كل اللي عملتيه......
شهقت برعب حينما جذبها جلال بقوة من خصلات شعرها وقال بصوت مرعب...
إنتي مش مرة واحدة لا اتنين حطيتي مراتي قدام رجالة تانيين...
شدد قبضته على شعرها وهو يكمل...
عملتي كدة في مراتي... وأنا سكت أول مرة..... بس المرة دي لا......
حاولت أن تتخلص من قبضته وهي تقول بخوف...
هتعمل فيا إيه يا جلال...
قال بفحيح...
أبدا أنا بس هدوقك من نفس الكاسترا.
تراجعت برعب تتبين معنى كلماته حينما جذبها خارج السيارة لتقول برجاء وهو يلقيها بتلك الغرفة ويشير لأحد رجاله ليأخذها منه...
جلال... أنا أختك.
قال بغضب...
وهي مراتي.
قالت بعدم تصديق...
هتسبيني لراجل.
هز رأسه...
وليه... لا..... ما إنتي عملتيه قبل كدة عشان خاطر الفلوس..
نظر ناصر لجلال ليهز رأسه قائلا بلهجة إمرأة...
نفذ اللي قلتلك عليه يا ناصر بالحرف.
قالت بصراخ وناصر يجذبها للغرفة...
لا... لا جلال أنا أختك.......
استند جلال إلى مقدمة سيارته يدخن سيكارته ويحاول أن يتجاهل صراخها لتلك الدقائق التي قرر أن يجعلها تشعر بما شعرت به زاهي...
صرخت بناصر الذي كان يتقدم منها ببطء كما أمره جلال والا يلمسها.... فقط يخيفها ويوهمها بأنه سيفعلها...
لو قربت مني هقتلك.....
تعرضت لرعب كبير تلك اللحظات التي مرت عليها طويلة للغاية وقد ارتعبت فيهم كثيرا لتركض ما إن فتح الباب إلى أحضان جلال تحتمي به وهي تبكي بهستيريا...
استوعبت ما أرادها أن تشعر به بأن ملجأها وأمانها هو أخيها وليس أموال أو ثروة... !
استوعبت شعور زاهي التي تركتها بنفس الموقف بل وكررته حينما تركتها مخدرة أمام عاصم والذي لو لم يكن بأخلاق لكان فعل بها نفس الفعلة......
أبعدها جلال عنه قائلا...
أوعي تفكري إني هسامحك...
قالت من بين دموعها...
هتعمل فيا إيه تاني؟
قال وهو يضعها بالسيارة...
هعالجك.
لم تفهم معنى كلامه إلا حينما توقف أمام تلك المصلحة النفسية لتقول...
أنا مش مريضة.
قال بجدية وهو ينظر إليها ويرى انكسارها لأول مرة...
لو مش شايفة نفسك بعد كل السواد اللي جواكي مش محتاجة علاج تبقي فعلا مريضة...
نظرت لأبواب تلك المصحة برفض فهي ليست مجنونة ليضعها هنا ليقول جلال بحزم...
السجن أو المصلحة اختاري ؟ !......
تقلب جلال في فراشه وكأنه يتقلب على جمر ملتهب.... لقد مر أسبوع دون رؤيتها.... ولم يعد يحتمل البقاء من دونها أكثر... لقد تركها بمنزل والده وانصاع لرغبتها لعلها تشعر إنها انتقمت منه ولكنه لم يعد يتحمل بعدها أكثر من هذا يريدها أن تعود له...
احتضن وسادتها التي تحمل رائحتها بقوة ليحاول النوم ولكن جفونه أبت الإنغلاق ليظل بلا نوم يفكر بها ويلعن كل أخطائه بحقها ويعض أصابع الندم ........
رواية حب بطعم الانتقام الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رونا فؤاد
تردد شريف قليلا قبل أن يطرق باب غرفة زاهي، التي قالت على الفور:
ادخل.
ابتسم بتردد وهو يقول:
صباح الخير.
بادلته ابتسامه هادئة:
صباح النور.
: ازيك يابنتي... عامله اية؟
: الحمد لله.
صمت لحظة قبل أن ينظر لوجهها الهادئ، يحاول أن يسيطر على مشاعر الندم القاتل التي تجتاحه كلما رأى وجهها، ليقول:
زاهي... أنا عارف إنك استحالة تعتبريني زي والدك الله يرحمه، ولا إنك تكوني قريبة مني وتكون علاقتنا طبيعية زي أي حماة ومرات ابنه.... بس أنا هحاول ولو واحد بالمية أصلح اللي بينا، ومش عاوز أكون بضايقك.
تنهدت دون قول شيء، فوجع الماضي محفور بداخلها، كما أن طبيعتها المتسامحة أيضا تريد نسيان جروح الماضي والعفو.
وقال بهدوء:
أنا ملاحظ إن بقالك أسبوع من وقت ما جينا البيت وإنتي مش بتخرجي من الأوضة.... لو متضايقة من وجودي أنا...
قاطعته بهدوء:
لا خالص يا أونكل.... بالعكس أنا اللي خايفة يكون وجودي مضايقك وإني أكون أحرجتك لما طلبت منك تقف معايا قدام جلال.
هز رأسه:
لا... انتي إزاي بتقولي كدة .... ده بيتك يابنتي وبيت ابنك... وبعدين ابني غلطان وأنا معاكي في كل اللي تقرريه.
قالت بخفوت:
متشكرة يا أونكل.
ابتسم لها.
طيب تسمحيلي أعزمك انتي وزين على الغدا..... الولد بقاله فترة كبيرة في البيت واكيد زهقان.
أومأت له:
مفيش مشكلة.
كان ذلك الغداء تمهيد لبداية علاقة، لا تنكر زاهي أنها بحاجة إليها مع حد طفلها. فقط لو تناست ما حدث بالماضي، وهي لا تنكر أنها تجاهد كثيرا لتنسى، ولكن دون إرادتها ما زال جزء بقلبها مجروح ومتألم من هذا الرجل. لذا حاولت أن تتخيل أنه رجل آخر غير شريف مهدي السابق، ولكن يظل جرح قلبها مفتوح، في طياته الزمن هو الكفيل بعلاج ذلك الجرح.
أخبرها بما فعله جلال بسالي، لتهز رأسها وتقول باقتضاب:
ربنا يهديه.
بعد قليل حمل زين يلاعبه وينظر إليها قبل أن يحاول التحدث.
: زين أكيد مفتقد باباه.
نظرت إليه زاهي ليكمل برجاء:
وباباه أكيد هيتجنن عليه.
تنهدت دون قول شيء، ليقول:
إنتي سامحتيني أنا... وحتى سامحتي سالي .... ومش قادرة تسامحيه؟
ترددت لحظة قبل أن تقول:
عشان بحبه... جرحه كان وجعه أكبر من أي جرح تاني.
هز رأسه موافقا:
وهو كمان بيحبك وندمان أوي.
نظرت الفراغ الممتد أمامها، ليقول شريف:
مش هضغط عليكى.... بس على الأقل ممكن يشوف ابنه.
: طبعا... أنا ممنعتهوش.
ابتسم لها وقال:
هكلمه ييجي بكرة يشوف زين.
نزلت زاهي الدرج في الصباح التالي لتترك زين برفقة شريف وتخرج لمقابلة علياء لشراء بعض المستلزمات لزفافها.
بعد ذلك جلسوا سويا بأحد الأماكن لترتاح زاهي.
قالت علياء:
أنا متوترة جدا يازاهي.... خايفة... ومش عارفة الخطوة دي صح ولا غلط.
: انتي بتحبي عامر ولا لا؟
: طبعا بحبه.
: خايفة من اية بقي؟
: من الحياة مش من عامر.
هزت كتفها وهي تكمل:
يعني... خايفة من مراته ترجع حياتنا... خايفة ولاده لما يكبروا يكرهوني.
: انتي مش ملاحظة إنك مجبتيش سيرتك انتي وعامر في الموضوع ده.
عقدت حاجبيها باستفهام:
يعني إيه؟
: يعني انتي وعامر الأساس.... لو بتحبوا بعض هتعدوا أي خوف أو مشاكل في حياتكم.
: طيب ما إنتي وجلال بتحبوا بعض.
تنهدت زاهي مطولاً قائلة:
أنا وجلال الظروف دايما ضدنا.
: طالما إنتي عارفة يا زاهي إنها الظروف مش هو ليه بقي مش عاوزة تسامحيه؟
: أنا مش عارفة أسامحه .... أنا مش قادرة....!! وجعني كلامه أوي يا علياء.... إنتي مش متخيلة يومها قالي إيه..... كان بيتعامل كأنه ما يعرفنيش.. حتى ما كانش عنده ذرة ثقة فيا، وعملش حساب لأي حاجة بينا... جرحني أوي ووجع قلبي، ده غير إنه مد إيده عليا، وفي الآخر متوقع لما يقولي أسف هنسى.
: طيب وهتعملي إيه.... أكيد مش هتفضلي بعيد عنه طول العمر.
تنهدت بشجن:
أنا مش عارفة آخد قرار... زين محتاجه وكمان عاوزة بنتي تتولد في حضن أبوها.
: يعني هترجعي له عشان خاطر الولاد بس؟
: لا ياعليا.... أنا بحب جلال .... بحبه أوي، بس زعلانة منه... وقلبي لسه مش صافي عشان كده هفضل بعيد لغاية ما أصفى خالص عشان غصب عني ما أكرهوش لو اتصرف تصرف ضايقني وأقدر أسامحه تاني.
ضم جلال زين إليه باشتياق، قبل أن تصطدم نظراته بنظرات أبيه، الذي لمعت عيونه وهو يرى اشتياق جلال لابنه كما هو يشتاق إليه.
قال جلال بهدوء:
إزيك يا... يا باباه.
تنهدت الابتسامة لوجهه شريف، فقد مر وقت طويل لم يسمع كلمة بابا منه.
بعد قليل من ملاعبة ابنه، لاحظ شريف تلفته كل لحظة والأخرى وعيناه التي تعلقت بالدرج، ليقول.
: مش موجودة.
عقد جلال حاجبيه، فقد ظنها لا تريد مقابلته.
: يعني إيه مش موجودة؟
قال شريف بهدوء:
يعني خرجت.
احتدت ملامحه:
وتخرج إزاي من غير ما تقولي؟
: وفيها إيه يا جلال......
: فيها إني جوزها مش طرطور آخر من يعلم.
قال شريف بعقلانية:
إنت مكبر الموضوع زيادة عن اللزوم يا جلال.
تنهد جلال يحاول السيطرة على غضبه واندفاعه. ليسأل أبيه:
: وراحت فين؟
: خرجت مع علياء.
هز رأسه وعاد ليحتضن زين، ولكن ما زالت ملامحه متجهمة، فماذا يفعل بغضبه الذي تأجج حينما تجاهلته وخرجت دون أن يعلم. يخاف عليها ويغار عليها. تعذب كثيرا خلال تلك الأيام. ألا يكفيها ابتعاد لتزيد عذابه الآن بغيرة عليها.
شردت عيونها لحظة به حينما ظهر على بعد عدة أمتار من سيارتها، وقد وضع كلتا يديه بجيوب بنطاله ووقف بهيئته الوسيمة الواثقة التي أحاطتها طلته الرجولية.
ضغطت المكابح وأوقفت سيارتها أمامه مباشرة حينما لم يبتعد من أمامها.
طالعته بوجهه غاضب، أخفت خلفه اشتياقها الجارف له.
: إنت بتعمل إيه؟
قال بهدوء وابتسامة ماكرة على شفتيه:
واقف مستني مراتي.
رفعت عيناها نحوه ليكمل.
: أصلها نسيت تقولي إنها خارجة.
رفعت حاجبيها باستنكار:
نعم...!!
: واقولك ليه؟
اقترب منها ليقف أمامها مباشرة وعيناه متعلقة بعيونها:
تقوليلي عشان أنا جوزك.... المفروض أعرف لما تخرجي.
قالت ببرود:
واديك عرفت.
مد يده لخصلة شعرها يرجعها خلف أذنها قائلا بنبرة ناعمة:
ما تعقلي بقى يازاهي وارجعي معايا.
هتفت بحدة وهي تبعد يداه:
أنا عاقلة كويس أوي ومش راجعة.
تمسك بنبرته الهادئة وهو ينظر بعينيها:
لية.... أنا اتأسفت كتير أوي.... واتعذبت أكتر وإنتي بعيدة عني.
هزت كتفها:
وأنا مش قابلة أسفك... ومش راجعة معاك.
رفع حاجبه:
إنتي بتعانديني يعني.
قالت بتحدي:
افهم اللي تفهمه.
ابتسامة لعوب ارتسمت على شفتيه قائلا بمغزى:
ماشي يازاهي هنشوف.
نظرت الطبيبة لسالي التي طالعتها بازدراء وهي تدفعها بعيدا عنها:
قلتلك أنا مش مجنونة .... ابعدي عني أحسنلك... أنا مش هنا عشان مجنونة.
: ومين قال إنك مجنونة يامدام سالي.... وأنا كل اللي عاوزاه أسمع انتي هنا ليه.
قالت سالي بغضب:
وأنا مش عاوزة أتكلم... وحالا هتخرجوني من هنا.
هاجت سالي لتشير الطبيبة الممرضين بحقنها بتلك الحقنة المهدئة السيطرة عليها.
: لا طبعا وأنا مالي.
نظر إليه جلال بغضب:
والله... بقي كده ياعامر.
: أيوه طبعا... أنا برا حوارك ده خالص.... انسى... أنا ما صدقت اتجوز وخالي هو اللي عمل كده..... عاوزني أنا اللي أساعدك. ..... لا... انسى.
رجع عامر ظهره إلى الخلف وأكمل:
وبعدين أنا أصلا ضد اللي إنت عملته وموافق أوي على اللي هي عملته.
قال جلال بغضب وهو ينظر لآدم وعامر:
والله.... جري إيه انت وهو هتتسلوا عليا.
قال آدم بإقرار:
بص اهو.... ظهرت على حقيقتك... كل حاجة عندك بالدراع مافيش مخ خالص.
قال باستنكار:
أنا؟!:
: أيوه طبعا.... الستات متجيش بالغباء بتاعتك دي.
قال بتهكم:
أمال بتيجي إزاي يا فتك.
قال آدم:
ما إنت عرفت تجيبها أول مرة.... وعملت لها فرح..... هات ورد وانزل قدامها على ركبك اتأسف.
دخل عامر هو الآخر بمشاكسة:
بس ابقى خلينا نيجي نتفرج.
قذفه جلال بالمنفضة الكريستالية ليتفاداها عامر سريعا، بينما قال من بين أسنانه:
عموما مش عاوز من كلب منكم حاجة .... أنا هجيبها بطريقتي.
قال آدم:
ابقى وريني هتعملها إزاي.
بأقدام هلامية سارت نور باتجاه تلك المقاعد المواجهة للبحر لتجلس على أحدهما وعيناها لا تبارح النظر لساعتها، لا تعرف كيف ستمضي تلك الساعتان عليها.
اعتدلت نورا جالسة تنظر لآدم الذي منذ مشاجرتهم يحتل طرف الفراش ويوليها ظهره عقابا لها على فعلتها التي أدركت كم أخطأت بها، لتتذكر كلماته:
بعيد بقى عن إني ابن كلب خاين زي ما إنتي شايفاني..... إنتي إزاي أصلا وصلتي لبنت زي دي.....
احتدت نبرته وأكمل:
رحتي أكيد مكان زبالة وكشفتي أسرار جوزك قدامها وسلمتيها كل حاجة عن حياته تلعب بيا براحتها.
عضت على شفتيها تدرك كم أخطأت، لتتحرك تجاهه وتميل عليه تنادي اسمه برقة:
آدم.
قال دون أن يلتفت إليها:
نعم.
: أنا آسفة.
التفت إليها لتنظر لعينيه برجاء وتقول بنبرة خافتة مجددا:
أنا بجد آسفة.... ما فكرتش في أي حاجة غير إني..... خفت.
عيناها بخجل:
يعني... كنت غبية وعاوزة أتأكد إنك مش هتخوني وخلاص.
ما إن فتح فمه ليتحدث لتباغته بإلقاء نفسها بين ذراعيه:
عارفة هتقول إيه..... وعرفت غلطتي..... متزعلش مني.... آدم أنا بحبك.... والشك جنني.... عشان خاطري يا حبيبي متزعلش مني.... ومتبعدش عني تاني.
وهل يملك الاختيار.
لحظات وكانت ذراعيه تحاوطها بحب، ليقبل جبينها:
أنا اللي آسف يانورا ...... أنا اللي بغباوتي خليتك توصلي لكده.
رفع يداها لشفتيه يقبلها قائلا:
بس عاوزك تتأكدي إني عمري ما هعملها تاني أبدا.... أنا بحبك ومقدرش أشوف واحدة غيرك.
عقد عاصم حاجبيه بدهشة حينما لمح تلك الجالسة بتلك المقاعد، ليهدئ من سرعة سيارته يدقق النظر بها ليردد بدهشة.
: نور.
أوقف سيارته وترجل منها متوجها ناحيتها بخطي قلقة.
: نور إنتي بتعملي إيه هنا.
توترت نظراتها لحظة، ليلاحظ عاصم اختفاء الدماء من وجهها بالإضافة لارتجاف يدها:
نور حبيبتي في إيه.... مالك وإيه اللي مقعدك هنا؟
مرت دقائق وعاصم ينظر إليها بعد أن أخذها للسيارة وبصعوبة يكبح نفسه القلقة من التساؤل مجددا حتى تستطيع السيطرة على توترها الواضح، لتقول بتردد وهي لا تريد أن تجعله يتعلق بأمل زائف حتى تتأكد.
: أصلي... أصلي.... كنت بعمل تحاليل في المعمل اللي هنا... وقلت أستنى النتيجة.
قاطعها بقلق واضح:
تحاليل إيه ياحبيبتي إنتي تعبانة.
نور.
قالت بتعلثم:
تحليل... تحليل حمل.
ظل بضع لحظات يستوعب، بينما هي تفرك كفيها، فقد كانت تريد أن تعرف النتيجة وحدها حتى لا يتعلق بأمل ربما يكون كاذب ويحظى بخيبة أمل.
ضمها إليه بحنان:
طيب ياحبيبتي .... لية مقلتليش.
صمتت دون قول شيء، ليفهم عليها ويمرر يداه برقة على خصلات شعرها هامسا:
ششش.. اهدي خالص.. وإن شاء الله خير.
هل يرتجف مثلها.
لا ينكر بأن أقدامه متسمرة بالأرض وهو واقف أمام موظفة الاستقبال بالمعمل بانتظار أخذ ذلك المغلف، لا يدري كيف سيكون شعوره بكلا الحالتين.
نظرت نور إليه من خلال زجاج السيارة وهو يعبر الطريق باتجاهها، تحاول تبين شيء من ملامح وجهه التي أخفاها خلف نظارته الشمسية.
نظرت إليه ما إن ركب بجوارها وقبل أن تنطق بشيء كان يضمها إليه بقوة كادت تسحق عظامها.
ليقول بصوت مختنق من انفعال مشاعره:
ح.... حاا.. حامل يانور...... إنتي حامل.
نطقها أخيرا بعيون لمعت بها الدموع، لتتساقط دموعها التي امتزجت بفرحتها التي لا تصفها كلمات، ليغيب كلاهما بموجة من البكاء والسعادة، ليقبل كل إنش بوجهها ويدها ورأسها.
إنتي حامل.
نور.
ضمته إليها وهي تردد:
آه... أنا حامل.
هل كل الحوامل بهذا الجمال والفتنة أم أنها هي فقط.
كان جلال يسأل نفسه وعيناه تأكلها بنهم، لا يستطيع إبعادها عن معذبته منذ أن وقعت عيناه عليها بحفل زفاف عامر. وقد ارتدت ثوب بسيط يلائم ذلك الحفل الذي أقامته علياء بالنهار بحديقة ذلك الفندق. ولكنها جميلة... بل فاتنة ساحرة، وخصلات شعرها تتطاير حول وجهها الجميل، وقد انعكست أشعة الشمس على عيونها فأضافت إليها جمال خالص.
لم يعد يحتمل المزيد من الاشتياق، سيموت إن لم تكن في حضنه اليوم.
ليسير إليها بخطوات مسحورة بجمالها ودون أن يعطي لها فرصة كانت بين ذراعيه يراقصها.
حاولت أن تبتعد ولكن جميع حصونها انهارت أمام رائحته الرجولية الممزوجة بأنفاسه الساخنة والتي تغلغلت بها لتخدر حواسها وتجد نفسها أسيرة أحضانه التي اشتاقت له حد الجنون.
زاد من ذراعيه حولها يقربها إليه أكثر ليشعر بجسدها يلامس جسده، ليتخبط قلبه بداخل ضلوعه ولم يعد يحتمل الابتعاد عنها أكثر.
إنه لم يذق طعم النوم منذ ابتعادها. لم يعد ينام، فراشه بلا راحة بدونها.
يمني نفسه أنها له اليوم وسينام أخيرا براحة.
ابتسم له شريف من بعيد وهو جالس لاحد الطاولات وحفيده الذي لم يعد يفارقه جالس بين أحضانه. ليهز له جلال رأسه قبل أن يطبع قبلة طويلة على رأسها ويهمس لها بنبرة غامضة:
مش هتبعدي عن حضني تاني.
ابتعدت بعد انتهاء الرقصة لتتوجه لتجلس إلى طاولة نور وعاصم. لتنظر بسعادة لعاصم الذي يداه تحتضن يد نور التي لا يفارقها لحظة منذ أن علم بحملها.
تفاجأت بجلال يحيط كتفها ويقف خلفها قائلا لعاصم وهو يمد يداه إليه مصافحا:
مبروك.
نظر إليه عاصم لحظة ليمد يده هو الآخر:
الله يبارك فيك.
بدهشة نظرت إليه وهو يجلس إلى طاولتهم، وابتسامة هادئة على شفتيه.
إنه جالس مع عاصم. بل ويبتسم.
تطايرت تلك البالونات خلف سيارة علياء وعامر المكشوفة التي انطلق بها بعد انتهاء الحفل. لتظل ألوان تلك البالونات تحلق بمخيلتها قبل أن تفتح عينيها تقلبها في أرجاء سقف تلك الغرفة زاهية الألوان.
عقدت حاجبيها تحاول أن تبعد ذلك النعاس عن عيونها، لتتحرك عيناها سريعا يمينا ويسارا تستوعب هذا المكان الغريب الذي هي به.
: إنت...!!
هتفت وهي تنتفض جالسة من ذلك السرير الوثير حينما اصطدمت عيناها بعيون جلال العابثة وقد استندت رأسه إلى يده وهو متمدد بجوارها ينظر إليها.
: إنت بتعمل إيه هنا.
نظرت مجددا لأرجاء تلك الغرفة لتهتف بعدم تصديق:
يانهارك أسود...! إنت خطفتني.
قال بابتسامة لعوب:
آه.
رواية حب بطعم الانتقام الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رونا فؤاد
نظرت زاهي لارجاء تلك الغرفة الغريبة عنها لتهتف بعدم تصديق:
يانهارك اسود...!! انت خطفتني..!!
قال بابتسامة لعوب:
اهتمتمت وهي تتلفت حولها تحاول تذكر ماحدث قبل ان تصل لتلك الغرفة:
مجنون... اكيد مجنون...!
ظل جلال مستنداً برأسه إلى ذراعه، ينظر لجمال وجهها الغاضب وابتسامة ماكرة مرتسمة على جانب شفتيه، وهو يتذكر كيف قرر أن ينهي ذلك البعد الذي طال بينهما ولم يعد يحتمله.
ليضع تلك الحبة المنومة التي وصفها له الطبيب في العصير الذي تناولته بالزفاف.
بضع دقائق وكانت قد بدأت تشعر بالدوار، ليقف بجوارها أثناء توديعها لعامر وعلياء استعداداً ليحملها ما أن بدأت تغفو.
ليضعها بسيارته ويأتي بها لهذا المنزل الذي جهزه لهما.
زمت شفتيها بغيظ من ابتسامته المنتصرة التي تجتاح وجهه، لتقول بغيظ وهي تغادر الفراش:
وانت فاكر إنك كده هترجعني؟
قال بهدوء وهو يمسك بيدها ليجلسها بجواره:
أنا مش فاكر ولا عاوز أفكر في أي حاجة غير اللي جاي في حياتنا مع بعض.
لانت نبرته واقترب منها قائلاً باشتياق وعيناه متركزة على عيونها:
وحشتيني يا زاهي ومش قادر أبعد عنك أكتر من كده.
رفع ذقنها إليه وأكمل بنبرة ناعمة:
زاهي، إحنا بينا حب كبير وحياة وولد وبنت جميلة هتشرف كمان كام شهر، مينفعش نبعد عن بعض.
كادت نبرته الناعمة ونظرات عيونه أن تفقدها إصرارها على موقفها، ولكنها رفعت عيناها إليه بعتاب قاسٍ قائلة:
ومكنتش شايف كده وانت شايف إني خاينة.
انفعلت ملامحه وهو يقول:
زاهي.. قلتلك غلطت... الغيرة جننتني.
قالت بإصرار:
في فرق كبير أوي يا جلال بين الغيرة وقلة الثقة. وأنت معندكش أي ذرة ثقة فيا.
تنهد مطولاً قبل أن يضع يداه فوق يداها قائلاً:
زاهي.... افهمي إني مفكرتش وقتها في أي حاجة... مشفتش قدامي أصلاً عشان تبقى عندي ذرة عقل أفكر بيها. طبعي وأنتي عارفاه كويس من سنين. لما بتعصب ببقى واحد تاني.
أغاظتها كلماته لتهتف باستنكار:
وأنا المفروض أبقى تحت رحمة عصبيتك.
قال بنفاذ صبر:
كفاية بقي يا زاهي أنا تعبت من البعد بينا.
هتفت بحدة:
وأنت ليه مكنش كفاية؟ لية كل مرة تقولي كفاية يا زاهي تعبت ومش قادر أبعد؟ لية وقت ما أنت بتتعب لازم أنا كفاية؟ لية أنا لما بتعب مش بتفكر إني ببقى كمان محتاجاك؟ لية لما اعتذرت كتير وقت ما طلقتني مقلتش كفاية بعد ورجعتني؟ ليه أنت اللي قررت امتى ترجعلي وليه أنت اللي قررت تطلقني لما حبيت وبرضه رجعتني لما حبيت؟ لا بقي المرة دي أنت اللي كفاية. أنا مش هحط حياتي تحت أمر تصرفاتك. ولا حياة أولادي اللي دلوقتي افتكرت إنهم بينا.
نظرت إليه بإصرار فولاذي وتابعت:
من دلوقتي أنا اللي هقرر أنا عاوزة إيه وأنا مش قابلة أسفك يا جلال. أنت مدوستش على رجلي عشان تتأسف. أنت اتهمتني في شرفي وأخلاقي. أنت أهنتني وضربتني. أنت كنت هتموت بنتي. وكنت هتموت البني آدم اللي وقف جنبي وكان سبب إني أبقى واقفة قدامك دلوقتي ومنتحرش من زمان بعد ما برضه مكنش عندك ثقة فيا وصدقت كل اللي اتقال عني وسبتني وسافرت ولما رجعت صدقت إني أقدر أتجوز غيرك. وبرضه جلال بيه المهدي مقالش أمين ولا صدق إنه عند ابن إلا لما عمله التحليل.
تتابعت التعبيرات على وجهه، بينما تابعت زاهي الكلمات التي ما إن بدأت بها حتى اندفعت من فمها بلا تفكير تعبر عن كل مكنونات صدرها، لترفع إصبعها أمامه وتكمل:
بص لتاريخنا مع بعض وشوف أنا اتحملت قد إيه عشان كل مرة تقولي كفاية بعد وبحبك وأنا أصدق. المرة دي بقي أنا هقولك.
نظرت إلى عينيه وقالت بصدق ممزوج بنبرة حزينة:
أنا بحبك يا جلال. وعمري ما حبيت غيرك وقلبي بيتكسر لما بتبعد عني، بس هبعد يا جلال.
انصدمت ملامحه لتكمل بجدية:
الموضوع مش خناقة وتعدي. الموضوع كرامتي اللي كل مرة تدوس عليها بجزمتك وقلبي يعمل نفسه مش واخد باله عشان بيحبك وكل مرة بتجرحني أكتر من الأول. كل اللي عملته وبتعمله عشاني مش نسياه ولا هنساه، بالعكس ده عمري وذكرياتي وحياتي الحلوة اللي هعيش عليها طول ما أنا بعيد، بس زي ما أنا فاكرة الحلو بينا. كمان الوحش صعب أنساه.
كان يستمع إليها ووجهه ساحة من التعبيرات، هي محقة وهو لا يلومها، يعرف أن طريق حبهما كان مليئاً بالظلم من جانبه لها. وإن كانت قد غفرت كل ما مضى، فالمواقف الأخيرة قضت على أي رغبة بها بالسماح والغفران. إنه يحبها ومستعد لفعل أي شيء لتعويضها، ولكن هل يوجد مثل هذا الشيء؟
ليقول أخيراً بصوت أحش من فرط انفعاله:
عارف إني زودتها وماليش أي عذر في اللي عملته. بس أنت واثقة إني بحبك ومقدرش أبعد عنك يا زاهي.
أبعدت وجهها عنه ليمسك بذقنها ليجعلها تنظر إليه ويكمل:
إحنا مر علينا كتير ولسة هيمر. أنا عارف إني غلطت كتير في حقك، بس هحاول أعوضك عن كل ده. زاهي.... أوعي تفكري إني لما جبتك هنا عملت كده عشان أرجعك ليا غصب عنك. لا خالص. أنا مش هغصبك على أي حاجة. أنا بس أخدت قرار إن من اللحظة دي محدش فينا هيبعد عن التاني مهما حصل. ولا حد فينا هيسيب البيت ده. من اللحظة دي أنا وأنتي وأولادنا مع بعض كل لحظة مهما يحصل بينا يا زاهي مش هسمحلك تبعدي عني. اتخانقي معايا، خاصميني. ابعدي عني.
نظر إليها وأكمل بجدية:
بس مكانك في بيتنا وفي أوضتنا وهنا في سريرنا مش هتسيبيه أبداً.
عبست ملامحها باستنكار:
نعم! قررت؟
هز رأسه وتابع بنبرة لا تحمل الجدل:
وقراري غير قابل للنقاش. معنديش مشكلة تفضلي واخده موقف مني. حتى يا ستي متتكلميش معايا. بس تسيبي البيت أنسي. مش هيحصل أبداً.
رفعت حاجبيها واحتقن وجهها بالغضب من تحكمه لتقول:
ومين قال إني هوافق على حاجة زي دي.
بعد خصلات شعرها خلف أذنها قائلاً بهدوء:
قلتلك إني أخدت قرار ومش هنتناقش فيه.
أبعدت يداه عنها بغيظ من كلامه ليكمل بهدوء أكثر:
بصي يا حبيبتي. بالعقل كده. طبعاً أنتِ عارفة كويس إن مهما بعدتي عني في الآخر هنرجع لبعض. أنتي حابة تعذبيني وأنا مش معترض. حقك اعملي اللي يعجبك لغاية ما تحسي إنك عاقبتيني زي ما أنتي عاوزة.
أغاظتها نبرته الهادئة وثقته التي في محلها من حبها له، وكأنه يخبرها أنه مهما فعل في النهاية لا تملك خيار سوى العودة إليه.
لتنظر إليه بعيون غاضبة وتقوم من مكانها بغضب متوجهة لباب الغرفة. ولكنه كان أسرع منها ليقف أمامها يسد الطريق بقامته المديدة:
أوعي من قدامي عشان أنا عاوزة أمشي من هنا.
قال بهدوء ظاهري:
وبعدين يا زاهي. أنا قلت إيه من شوية.
هتفت بغضب:
كل اللي قلته ده متقدرش تجبرني عليه.
ومين جاب سيرة أجبار. بالعكس أنا gentelman معاكي جداً وبقولك موافق تعاقبني زي ما يعجبك.
لوت شفتيها باستنكار:
أنت بتستهتر بيا زي عادتك يا جلال.
أنا يا زاهي.
هتفت بحدة:
أيوه أنت. كلامك ملوش معنى غير كده. واثق إنك مهما عملت فيا إني في الآخر مقدرش أعمل أي حاجة.
أمسك ذراعها وأداره إليه قائلاً:
أنا مقصدتش كده. أنا كل اللي عاوزة منبعدش عن بعض ونحل مشاكلنا في بيتنا.
اندفعت قائلة:
واضمن منين متجرحنيش تاني؟
زفر بنفاذ صبر قائلاً:
أنا مش تليفون يا زاهي نازل ومعايا ضمان. أنا راجل. جوزك. دخلت شفت المنظر ده كنتي متوقعة مني إيه؟
نظرت إليه ليسقط كل هدوءه ورزانته ويكمل بانفعال:
آه يازاهي أنا مش غلطان 100%. أنا ليا عذر وسبب. كنتي هتبقي مبسوطة لو دخلت بمنتهى الهدوء أسألك عاصم بيعمل إيه في أوضة نومي؟ كنت هبقى إيه في نظرك؟
أخشنت نبرته وتابع:
ها. ردي. أجيب هدوء منين؟ أفكر في إيه أصلاً؟
هز رأسه وقال بانفعال:
غلطت في حقك أه. بس أنا كمان ليا عذر. وأكبر عذر ليا إني بحبك.
بلحظة جذبها إليه ليضمها بين ذراعيه قائلاً بهمس:
بحبك يا زاهي وبموت فيكي وممكن أعمل جريمة لو حد فكر يقرب منك. مش هقدر أسيبك تبعدي عني تاني.
كانت أنفاسه الساخنة تداعب عنقها وهمسه يمتزج مع كلماته السابقة التي دارت بعقلها، فهي النار والماء. الشيء ونقيضه. يعترف بخطاه وأيضاً يخبرها أنه محق. تناقضت أقواله وأفعاله ولكن كلاهما اتفق على حب الآخر بخلاف طبعه وطبعها. تعرف أنه لن يلبث وسيعود لطبعه الصعب، بل وثبته أكثر بما فعله الآن، فهو يخبرها أن لا مجال لها لتبتعد. ولكن ماذا تفعل؟ هل تستسلم كما كل مرة؟
اعتبر سكونها بحضنه موافقة لتزحف شفتاه تجاه عنقها الناعم، تحل مكان أنفاسه الساخنة وتطبع قبلة طويلة مشتاقة على جانب عنقها خدرت حواسها لتزداد يداه إحاطة بخصرها يقربها إليه وترتفع شفتاه بقبلات متفرقة ملتهبة متجهة إلى شفتيها. وزاهي متخدرة المشاعر لبضع دقائق قبل أن تفيق وتبعد عنقها عن مرمى شفتيه، لينظر إليها بانزعاج.
بينما نظرت إليه بعناد وقد قررت أنها لن تستسلم بتلك السهولة، فإن كان هو عنيد فهي ليست بأقل منه عناداً لتقول:
أنا مسمحتلكش تقرب مني.
انصدمت ملامحه للحظة لتتابع بجدية:
أنت قلت قرارك. وأنا موافقة عليه بكل حذافيره يا جلال. هفضل في البيت بس حقي إني أفضل على موقفي منك.
تصاعدت النيران بعينيه التي لمعت بعبث أمام عيونها التي تتوعده. لقد اختارت أن تعذبه بتلك الطريقة. ستكون أمامه ولكنه أبداً لن يصل إليها. إن ظن أنه أجبرها فهو مخطئ، فهي من ستجعله يتغير فعلاً وليس لمجرد دقائق ما يلبث ويعود إلى طبيعته الغاضبة المندفعة.
أفلتت ابتسامة علياء حينما وجدت نفسها بين ذراعي عامر الذي حملها وسار بها الرواق المؤدي لذلك الجناح الفخم الذي ستقضي به عدة أيام برفقته.
أنزلها برفق لينظر إلى جمالها الهادئ ويبتسم بسعادة، فهو أخيراً قد تزوج تلك التي داعب حبها قلبه على حين غفلة لتتربع على عرش قلبه بلا منازع.
تحركت عيناه فوق ملامح وجهها الذي احمر خجلاً لتتوقف أخيراً لدى شفتيها الممتلئة والتي طالما أراد تذوقها، وها قد أتت تلك اللحظة التي حلم بها كل ليلة يتساءل عن طعم تلك الشفاه.
مال ناحيتها ببطء لتعقد علياء حاجبيها حينما شعرت بهذا الألم بجنبها فجأة. ما أن لامست شفتاه شفتيها حتى أبعدته علياء.
آه.
نظر إليها متسائلاً:
إيه ياحبيبتي مالك؟
وضعت يداها على بطنها ظناً منها أنها تؤلمها بسبب التوتر لتقول:
أبداً.
أفلتت منها الأوه مجدداً.
آه.
قطب جبينه بقلق وهو يراها تمسك بجانبها بقوة:
مالك ياعلياء.
قال بتألم:
آه ياعامر. في وجع جامد أوي مش عارفة من إيه؟ آه.
أحاط ها بذراعيه وحملها واتجه ليضعها برفق على الفراش قائلاً:
طيب تعالي ياحبيبتي ارتاحي.
توجه ليحضر لها كوباً من الماء وجلس إلى جوارها وناولها الكوب لتشربه وهو يرخي ربطة عنقه وينظر إليها بحنان ظناً منه أنها تفتعل هذا خجلاً منه.
ربت على شعرها بحنان قائلاً:
إيه ياحبيتي أحسن؟
هزت رأسها وقد هدأ الألم قليلاً ليبتسم لها قائلاً:
خليني أساعدك تغيري هدومك.
قاطعته حينما صرخت مجدداً بألم:
آه.
عقد حاجبيه ونظر إليها. ولكنه سرعان ما لاحظ امتقاع وجهها وحبيبات العرق التي لمعت على جبينها ليدرك أن الوضع جاد.
علياء حبيبتي. الوجع جامد.
هزت رأسها ويدها تعتصر جنبها ليسرع إلى الخزانة يخرج لها سترة وبنطال ويتوجه إليها قائلاً:
خليني أطلبلك الدكتور.
بخجل تركته علياء يساعدها لتستبدل ملابسها، ولكن الألم كان شديداً لتستسلم له وهو يخلع فستانها عنها ويحيط جسدها بتلك السترة ويغلق سحابها ويسرع للهاتف ليطلب طبيب الفندق.
تعالى صراخ سالي ليرج أركان تلك الغرفة الغالب عليها اللون الأبيض لتلقي بمحتوياتها بهياج:
أنا مش مجنونة. مش مجنونة.
حاولت الطبيبة التحدث إليها:
مدام سالي. لو مهدتيش حالاً هضطر أخليهم يدولك الحقنة المهدئة.
جلست سالي والدموع متحجرة بعيونها التي طالما كانت باردة بلا أحاسيس، تفكر بما وصلت إليه. فالكل تركها بهذا المكان. كل هذا بسبب جلال. وليس أحد سواه. إنه كان السبب في موت والدتها حينما أنجبته. انحرمت هي من أمها. ومنذ أن جاء والكل يتحدث عن أنه وريث شريف المهدي. تكرهه ولم تفكر يوماً ما بحبه أبداً. لقد كانت طفلة في السابعة من عمرها حينما أتى ليأخذ منها والدتها. التي ماتت أثناء ولادته. لقد انحرمت من أمها بسببه. والآن الكل ابتعد عنها أيضاً بسببه. يجب أن تدمر حياته كما فعل معها منذ أن قدم لتلك الدنيا. والآن بسبب زوجته انحرمت هي من زوجها وحتى أطفالها. وأخيراً تركها بهذا المكان وحتى أبوها تركها.
جذبت خصلات شعرها تشدها بعنف ونيران اندلعت بداخلها رغبة في الانتقام منه. تلك النيران بداخلها لن تخمد أبداً فالحياة لا تحتمل وجودها ووجوده. أحدهما فقط يجب أن يبقى بها.
سألها جلال وهو يشير لارجاء ذلك المنزل الأنيق على الطراز المودرن:
إيه رأيك في بيتنا الجديد.
التفتت تنظر حولها ليميل ناحيتها قائلاً:
بداية جديدة في بيت جديد.
لا تنكر أن ذلك المنزل مريح للغاية بأثاثه الأنيق الراقي وألوانه الزاهية والبسيطة عكس تلك الفيلا بأثاثها المتكلف. إن هذا ما كانت تحلم به. منزل هادئ لطيف لعائلتها الصغيرة. جذبها من يدها لتنظر لارجاء تلك الشرفة المطلة جميع نوافذها على البحر مباشرة قائلاً:
إيه رأيك؟
هزت رأسها:
حلو أوي.
أخذها لرؤية غرفة زين الجميلة وكذلك الغرفة ذات الألوان الوردية التي جهزها لابنتهم لتتوقف وسطها تتأملها بإعجاب.
أحاط خصرها بيداه واحتضنها من ظهرها لتبعده بنظرات محذرة:
أنا بحضن بنتي على فكرة.
انتفخت وجنتاها بغيظ:
ياسلام؟
هز رأسه وابتسامة لعوب طبع قبلة سريعة على وجنتها قائلاً:
شكلك حلوة وزي القمر وأنتي متعصبة.
أفلتت ضحكتها لتسأل نفسها هل تصدق هذه المرة وهي تعرفه وتحفظ عن ظهر قلب طبعه العصبي الصعب. ولكنها تحبه ولا تستطيع الابتعاد عنه أكثر.
تعالى رنين هاتف جلال ليعقد حاجبيه بدهشة مردداً:
عامر؟
اسرعت زاهي تنزل من السيارة التي أوقفها جلال أمام المستشفى ما إن هاتفه عامر وأخبره أن علياء مريضة وتم نقلها للمستشفى.
اسرع جلال بخطواته ليلحق بها ويمسك يدها قائلاً بقلق:
براحة يا زاهي. متنسيش إنك حامل وغلط تجري كده.
أومأت له ليمسك بيدها ويسير بها بخطوات بطيئة حتى وصلت لتجد عامر يقطع الممر ذهاباً وإياباً بقلق.
إيه اللي حصل؟ مالها عليا؟
هز كتفه:
التهاب في الزايدة.
دخلت العمليات من شوية.
لا حول ولا قوة إلا بالله.
دخلت تلك الممرضة غرفة سالي قائلة:
مدام سالي. في حد في الجنينة عايز يقابلك.
سارت بخطواتها المتغطرسة ورفعت رأسها بكبرياء ما إن رأت شريف المهدي جالس بانتظارها.
نظر إلى وجهها الباهت بأسى قائلاً:
عاملة إيه يا سالي؟
قالت بسخرية:
لسة فاكرني دلوقتي؟
قال شريف بجدية:
منستكيش.
أمال سايبني هنا ليه؟
عشان ده الصح. جلال عمل اللي كان لازم يتعمل من زمان. كان لازم من أول ما لاحظت حقدك على أخوكي أفهم إن ده مرض ومش شيء طبيعي. كل يوم كرهك وحقدك عليه كان بيزيد ومهما ميزتك عنه مكنش كفاية.
أمسك كتفها وأكمل بحنان:
سالي أنتِ بنتي الوحيدة ومش عاوز غير إني أشوفك مبسوطة. أنتي لازم تبدئي جلسات العلاج يا سالي وتساعدي نفسك.
قالت بحدة وهي تبعد يداه عن كتفها:
أنا مش مجنونة.
قال شريف بجدية:
أنتي مريضة نفسية يا سالي. مفيش حد بيكون جواه الكره والحقد ده ويكون طبيعي.
قالت بسخرية:
لا في؟ ما أنت أهو واقف قدامي. كل اللي أنا فيه بسببك. اللي جبته للدنيا. أنت وهو السبب إن مامي تموت وتسيبني. أنت اللي من وقت ما جه للدنيا وشايفه خليفتك. أنا مش مريضة. أنت اللي مريض عشان تسيبني مرمية هنا. طلعني فوراً.
نظر إليها بعدم تصديق لجبروتها وإصرارها على كونها غير مخطئة ليقول بنبرة قاطعة:
لا مش هتخرجي من هنا. هتفضلي هنا لغاية ما ألاقي لهجتك اتغيرت وأفكارك دي كلها اتغيرت. جلال أخوكي مش عدوك.
هتفت بحدة وتوعد:
لا عدوي. وأنت كمان عدوي. أنا هطلع. بيك أو من غيرك هطلع. بس لما هطلع هثبتلك مين اللي مريض. أنت ولا أنا.
فتحت علياء عيونها ببطء تستوعب أين هي لتجد عامر يقترب من فراشها بابتسامته الحلوة قائلاً:
حمد الله على سلامتك ياحبيبتي.
ابتسمت له لينحني طلب قبلة على جبينها. قائلاً بحنان:
سلامتك ياعمري.
حبيبي ياعامر ربنا يخليك ليا.
داعب وجنتها وهو يجلس على طرف الفراش بجوارها:
ويخليكي ليا ياروحي. مع إني زعلان منك يا لولو.
نظرت إليه بتساؤل:
ليه؟
غمز لها مشاكساً:
يعني الزايدة متختارش إلا الليلة دي. ده أنا كنت هموت وأتجوزك.
احمر وجهها خجلاً ووكزته بجنبها:
الله وأنا قلت إيه غلط؟ ينفع يعني نقضي الليلة في المستشفى؟
بس بقي ياعامر.
قلد نبرتها: بس بقي ياعامر. ده عامر حظ أمه نحس.
أفلتت ضحكتها لتتوجع:
آه. بس بقي ياعامر متخلينيش أضحك.
قبل يدها قائلاً:
مليون سلامة عليكي ياقلب عامر.
نظرت زاهي إلى جلال الذي بعد اطمئنانهم على علياء أخذها لاصطحاب زين من منزل أبيه ليضعه بمقعد السيارة الخلفي ويعود ليركب بجوارها ويعود للمنزل.
بالتأكيد لم يستطع أن يكتم تعليقه ليضحك عالياً:
الواد عامر ده حظه نحس.
يا سلام. ليه بقي إن شاء الله؟
مال تجاهها قائلاً بعبث:
هو في نحس أكتر من إنه يقضي ليلة زي دي في المستشفى؟
كان هذا بالتاكيد تعليق آدم الشامت بعامر الذي قال بغيظ:
بقولك إيه. حل عني أنت مش ناقصك. ده أنا مشفتش حظ كده.
ضحك آدم وداعب وجنتها قائلاً:
معلش ياموري. الليالي جاية كتير.
لكمة عامر قائلاً:
امشي من وشي.
عاد لغرفة علياء وهو يتبرطم بغيظ.
نظرت إليه علياء وهو يوصد باب الغرفة ويخلع سترته. لتتسع عيناها تسأله:
أنت بتعمل إيه؟
اقترب منها قائلاً بعبث:
هنام. وسعي بقي خديني جنبك.
شهقت قائلة:
أخدك فين؟
جنبك يالولو السرير واسع.
همس بجوار أذنها وهو يتوسد الفراش بجوارها:
يعني ليلة الدخلة اتضربت كمان بلاش أنام جنبك.
لكمته على صدره:
أنت قليل الأدب على فكرة.
جذبها برفق لتتوسد صدره قائلاً بنبرة لعوب:
كلها كام يوم وتخفي ونشوف موضوع قلة الأدب ده.
احمرت وجنتا علياء وسرت القشعريرة بجسدها حينما احتضنها عامر وشعرت بدقات قلبه أسفل رأسها ليسري شعور لذيذ بأوصالها ويتغلب على رجفة جسدها وخجلها لتسترخي براحة بين ذراعيه مستمتعة بهذا الشعور الذي يجتاحها لأول مرة.
خرج جلال من الحمام بعد أن استحم واستبدل ملابسه ليقف أمام المرآة يصفف شعره وعيناه تتابع زاهي التي بعد أن وضعت زين بفراشه جلست إلى طرف الفراش تقرأ بأحد الروايات.
تسارعت دقات قلبها حينما جلس إلى الفراش تحاول بصعوبة أن تمنع نفسها عن الانكماش بين أحضانه لتجبر عيناها على النظر لتلك السطور بلا تركيز بعد أن شتتها رائحة عطره الرجولي.
حاول جلال ضبط انفعاله ليبدو بجوارها بهذا الثبات ولكنه لم يستطع لتجده بلحظة يحتضنها وينحني طابعاً قبلة على بطنها المنتفخة.
بقولك إيه. ابعد. أنت ماصدقت.
قال ببراءة:
بقول لزينة تصبحي على خير.
رفعت حاجبيها:
زينة؟
ابتسم لها قائلاً:
أه. زين وزينة وزاهي.
اخفت ابتسامتها وتظاهرت بالجدية وهي تعود لتلك الرواية بيدها. قائلة:
متتتكلمش وتنام في مكانك آخر السرير واياك تجي الطرف بتاعي فاهمة.
أدارت له ظهرها ودقائق وكان النوم يغلبها. ودقائق وكانت بين ذراعي جلال ليغفو هو الآخر.
استيقظت في الصباح لتجد نفسها تحيط خصره بذراعيها وتضع ساقها فوقه أيضاً ممسكة به وكأنه سيهرب لترفع عيناها ببطء ناظرة إليه بينما ارتسمت ابتسامة عابثة على شفتيه.
إيه اللي جابك فوقي. مش على أساس كل واحد في الجنب بتاعه.
قالت بتعلثم:
أيوه. أنا. أنا كنت نايمة ومش حاسة. تلاقيني كنت بتقلّب عادي.
قلب الوضع ليصبح فوقها وتتقابل ملامحه الوسيمة بوجهه الجميل قائلاً:
أكيد معنديش أي مانع تتقلبي في حضني.
يدفعه من فوقها بغيظ:
أنا بقي عندي مانع.
رواية حب بطعم الانتقام الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رونا فؤاد
استيقظت في الصباح لتجد نفسها تحيط خصره بذراعيها وتضع ساقها فوقه أيضًا، ممسكة به وكأنه سيهرب.
رفعت عيناها ببطء ناظرة إليه، بينما ارتسمت ابتسامة عابثة على شفتيه وهو يقول:
"إيه اللي جابك فوقي؟ مش على أساس كل واحد ينام في جنبه؟"
قالت بتعلثم:
"أيوه... أنا... أنا كنت نايمة ومش حاسة... تلاقيني كنت بتقلّب عادي."
قلب الوضع ليصبح فوقها، وتتقابل ملامحه الوسيمة بوجهها الجميل، قائلاً بوله:
"أكيد معنديش أي مانع تتقلّبي في حضني."
دفعته من فوقها بغيظ:
"أنا بقي عندي مانع."
التفتت إليه وأضافت بجدية:
"واسمع بقى، أنا آه وافقت أرجع البيت، بس مش أرجع ليك... متحلمش يا جلال إنك تضحك عليا زي كل مرة وإني اتنازل وأنسى بالسّهولة دي... اللي عملته أنا مش نسياه."
رفع حاجبه باستمتاع وهو يطالع شراستها، لتكمل بجدية:
"أنا فكرت كويس في كلامك معايا امبارح."
نظرت إليه وتابعت بتساؤل:
"انت قلت امبارح إنك مش هتجبرني على حاجة... صح؟"
هز كتفه:
"وأنا كنت عملتها قبل كده."
تجاهلت كلامه وأكملت بكبرياء:
"تمام... عشان أوافق أرجع البيت تكون انت فيه... أنا ليا شروط."
نظر إليها باستمتاع من لمعة عيونها التي تتحداه بقوة لاستعادة كبريائها وكرامتها، فهو يقبل أي شيء منها إلا بعدها عنه. ليقول بهدوء:
"سامع."
تنهدت مطولًا قبل أن تقول:
"بما إنك قلت إننا هنتجاوز كل حاجة عشان ولادنا، فأنا عاوزاك تخليني أنا وولادي مبسوطين... عاوزين كل أيامنا اللي جاية تكون سعيدة... مش عاوزين نشوف أي يوم وحش... تعمل كل حاجة تقدر عليها عشان تحمينا وتخلينا أسعد عيلة في الدنيا... ده أولًا."
"ثانيًا، مهما يحصل بينا، أوعى تفكر لحظة تتعصب عليا أو تضايقني تاني... أو تمد إيدك عليا."
رفعت إصبعها أمام وجهه وأكملت بتهديد:
"لو إيدك اتمدت عليا تاني يا جلال مش هتشوف وشي أبدًا... هاخد ولادي وهعيش بعيد عنك، ولو عملت إيه مش هسامحك أبدًا... عصبيتك وجنانك تبطّلهم... صوتك ما يعلاش عليا مهما يحصل وتتعامل معايا بمنتهى الذوق والاحترام."
رفع حاجبه بغيظ ليقول بغرور:
"ودي شروط ولا ذل؟"
أشارت له ليصمت، قائلة بحدة:
"خليني أكمل كلامي."
ينظر إليها بغيظ، فترفع رأسها ناظرة إليه بتحدي:
"عاصم ملكش أي دعوة بيه."
"نعم يا أختي؟"
هزت رأسها وأكملت:
"وتعتذر له كمان على اللي عملته فيه وتبدأ معاه صفحة جديدة."
احتقن وجهه ما إن تطرقت لهذا الموضوع، لتنفر غيرته بعروقه من دفاعها عن عاصم، لكنه جاهد حتى لا ترى ذلك، قائلاً:
"في شروط تانية؟"
نظرت إليه زاهي قائلة بنبرة قوية:
"آه... آخر شرط."
نظر إليها لتكمل:
"مش هتقرب مني خالص غير لما أصفالك وأشوف بعيني إنك اتغيرت."
قبل أن يفتح فمه ليتحدث، كانت تقول بجدية وثقة:
"دي شروطي... موافق ولا آخد ابني وأمشي؟"
بمقدار ما استفزته كلماتها، إلا أن رؤيته لمعة عيونها التي عادت وهي تخرج شراستها لاستعادة كرامتها وكبريائها بعد أن تعرضت لكل هذا الظلم دون اعتراض، جعلته يعطيها كل الحق لتفعل ما تريد. لينظر إليها لحظة تندفع من خلالها جميع مشاعره إليها، ليغمز لها قائلاً بسعادة:
"موافق."
ارتسمت ابتسامة منتصرة على شفتيها، التي بلحظة كانت بين شفتيه يلتهمها بقبلة تحمل اشتياق ليالٍ طويلة قضاها بعذاب وهو بعيدًا عنها... قبلة تحمل الكثير من مشاعره التي لم تخمد يومًا، بل تزداد وتلتهب... قبلة تحمل وعدًا بسعادة ستكون دواء لكل وجع وظلم الماضي.
تلهف قلبها للمزيد، ولكن كرامتها أبت أن تتنازل وتبادله أو تقبل منه أي سعادة يحاول أن يهبها لها قبل أن ترى بعينيها أنه سيبذل جهده بالتنفيذ، محاولةً تغير طبعه الصعب وليس مجرد قطع وعود ينساها بأول موقف. إنها لا تنكر أنه رجل تعشقه ويستولي على قلبها بلا منازع، ولكن غروره وكبره واقتناعه أنه لا يخطئ جعلها تخاف أن تسلم قلبها له مجددًا. يجب أن يرى أنها ليست مجرد تلك التي قال عنها أنها في النهاية ستعود له، فلما المجادلة؟ لا... ستثبت له أنها ستعود له حينما تريد وليس حينما هو يريد!
ازدادت شفتاه عمقًا يلتهم شفتيها بلا هوادة، وبدأت يداه تتحرك بجرأة على جسدها الذي اشتاق للمس وتذوق كل جزء به. لتضع زاهي يداها على صدره تزجره ليتوقف، تحاول انتزاع شفتيها من بين شفتيه، ليزمجر بانزعاج وهو يبتعد عن شفتيها التي تورمت بصعوبة:
"الصبر!"
سيطرت على أنفاسها اللاهثة وهي تقول بتحذير:
"انت بتخالف الشروط من أولها."
كل ما تبينته هو همسة:
"ششش..."
قبل أن يلتهم شفتيها مجددًا، ويداه تحيط بجسدها بلهفة واشتياق، هامسًا:
"دي بوسة صغيرة عشان أقولك موافق على كل شروطك."
زفرت وهي تتمسك بموقفها، لاتريد أن تضعف أمامه، وهي تبعد يداه التي تتحرك على خصرها وظهرها، بينما دفن رأسه بعنقها، يحرك شفتيه على جلدها الناعم، ويحرك معه جبل مشاعرها تجاهه، قائلاً بأنفاس ساخنة ألـهبتها:
"العقوبة دي هتخلص إمتى؟"
أبعدته عنها قائلة بخشونة:
"لما أشوف إنك فعلاً اتغيرت."
اختطف قبلة رقيقة من جانب شفتيها، قائلاً وهو يضحك:
"ماشي يا روحي، موافق."
تفت به بجدية مضحكة وهي تتجه لباب الغرفة:
"اسمي زاهي... ولا حبيبتي ولا روحي ولا الكلام اللي مبقاش يتضحك عليا بيه."
غمز لها بابتسامة لعوب:
"بقيتي قاسية أوي يا زاهي هانم."
توقفت قبل أن تدير مقبض الباب، والتفتت عائدة إليه لتقول باستدراك:
"جلال..."
ابتسم لها قائلاً:
"نعم؟"
": انت ضربتني كام مرة؟"
عقد حاجبيه وقد صعقه سؤالها المفاجيء وأخجله كثيرًا، لتباغته برفع يدها أمامه فجأة وكأنها ستصفعه، قبل أن توقف يدها في الهواء. نظر إلى يدها التي خفضتها وسألها بنبرة هادئة:
"مضربتيش ليه، وأخدتي حقك؟ مش هعملك حاجة يا زاهي لو عاوزة تضربيني... حقك."
قالت بجدية:
"لو رفعت إيدك عليا تاني... مش هتردد إني أعملها."
ذهبت لغرفة طفلها وابتسامة منتصرة على شفتيها، تستطيع الآن أن ترى أنها ليست تلك الزوجة المهانه التي يستسهل كل مرة رفع يده عليها. أخيرًا أخذت حق كرامتها المشروخة على يده! أخيرًا سيعرف أن لها شخصية، وأن تخضع مجددًا لظلمه أو إهانته التي تحملتها كثيرًا. تعرف أنه يحبها، ولكن عليه قبل أي شيء أن يحترمها! فبمقدار خدها الذي نالته قبلاته، مقدار ما نالتها صفعاته.
فتح عامر عينيه بانزعاج على تلك الطرقات على باب الغرفة الذي أوصده ليلة أمس لينام بجوارها ليلة طويلة يحظى بنوم عميق وهي بين ذراعيه لأول ليلة. اعتدل جالسًا برفق حتى لا يوقظها، وقد استغرقت في النوم فوق صدره، ليميل تجاه جبينها يقبلها برفق، قبل أن يقوم يهندم من ملابسه ويرجع خصلات شعره للخلف ويفتح الباب.
قالت الممرضة بابتسامة هادئة:
"صباح الخير يا فندم... أنا جيت آخد حرارة المدام وأغير لها على الجرح."
هز رأسه قائلاً:
"مفيش مشكلة، بس استني عشر دقايق تكون صحيت."
انصرفت الممرضة ليعود عامر إليها ويداعب وجنتها الممتلئة بشفتيه ليوقظها.
"لولو... لولو حبيبي، اصحي."
فتحت علياء عينيها النعستين بصعوبة لتري ذاك الوجه الوسيم مطلًا عليها وعلى بعد إنش واحد منها، بينما تغلغلت رائحته الجذابة لأنفها، وهو يقول بحب:
"صباح الخير يا روحي."
انحنى ليقبل شفتيها، لتدفعه علياء من فوقه وقد استوعبت أنه سيقبلها.
"إيه يا لولو؟"
"أوِّعي كده، انت ما صدقت."
ضحك قائلاً بمكر:
"إيه يا جميل، انتي ناسية إنك بقيتي مراتي؟"
قالت بتعلثم:
"آه... بس... بس برضه بطل بقى."
قال برجاء وهو يقترب منها مجددًا:
"بوسة الصبح طيب."
هزت رأسها بخجل:
"لأ."
عقدت حاجبيها وتظاهرت بالألم حينما وجدته مصرًا.
"آه..."
نظر إليها بقلق:
"إيه يا روحي، مالك؟"
قالت بزيف:
"الجرح واجعني أوي."
أضاق عينيه ينظر إليها بغيظ:
"بقي كده؟"
هزت رأسها واحمر وجهها خجلًا من نظراته المتوعدة، وهو يقول:
"ماشي يا لولو... هتروحي مني فين؟"
أفلتت ضحكتها لتطرق الممرضة الباب وتدخل وخلفها الطبيب لفحص علياء.
سأله عامر:
"طمني يا دكتور."
"اطمن يا عامر بيه... الجرح كويس والمدام بخير."
"نقدر نخرج إمتى؟"
"بكرة هكتب لها على خروج... وأسبوع ونقدر نفك الغرز."
جلست زاهي تتناول الإفطار برفقته، وقد وضع زين على ساقه لتلك الطاولة التي توسطت الشرفة الضخمة المطلة على البحر الواسع الممتد أمامهم. كان يطعم زين بصبر وهدوء، ليجتذب عيونها التي كانت تتابعهم بسعادة، بينما يضع لقمة صغيرة بفم زين وسط قبلة حانية ومداعبة لطيفة. لتبتسم وهي تمرر يديها بحنان فوق بطنها، سعيدة أن لأطفالها أب حنون مراعٍ مثل هذا.
بعد قليل، أعطى زين لنعمة لتستبدل له ملابسه، وعاد ليجلس بجوارها يتطلع لعيونها الشاردة وتلك الابتسامة الحلوة مرتسمة على شفتيها.
تفاجأت به يضع الشوكة أمام شفتيها قائلاً:
"انتي مفطرتيش على فكرة."
مدت يدها لتمسك الشوكة:
"هاكل أنا."
هز رأسه قائلاً:
"كلي من إيدي."
غمز لها وهو يضع الشوكة بفمها:
"مش انتي عاوزة تبقي مبسوطة؟ سبيني بقى أحاول أسعدك."
وهل كل ما يفعله لا يجعلها سعيدة؟ كيف وهو يدللها كطفلة صغيرة، يهمس لها بكلمات الغزل، بينما تغزو عيناه عيونها بحب واشتياق جارف جعل من الصعب عليها أن تقاومه، لتعرف أنها لن تلبث طويلًا أمام غزوة لمشاعرها وهدم كل العراقيل التي وضعتها بطريقه ليفوز بها مجددًا بجدارة بحبه وحنانه.
"تحبي ننزل النادي؟ عندي ماتش تنس مع حاتم."
نظرت إليه بتساؤل:
"وده ليه؟"
قال بابتسامة مرحة:
"الدكتور قالي عشان أهدي، أفرغ طاقتي في الرياضة... فقلت أرجع ألعب تنس تاني."
لصحيح، ما سمعته... جلال المهدي يذهب لطبيب ليقلل من عصبيته كما طلبت منه. التوت شفتيها بابتسامة وهي تقف أمامه قائلة بدلال، أذهب عقله:
"يعني خلاص هتهدى؟"
أحاط خصرها بذراعه وقربها إليه قائلاً:
"طول ما انتي جنبي وبتحبيني أنا هادي."
قالت بنبرة ناعمة:
"وأنا إمتى مكنتش بحبك؟"
التهبت مشاعره وأذابها دلالها حرفيًا، لتتعالى دقات قلبه وتندفع شفتيه تطالبه بتذوق تلك الشفاه التي قطرت كلامًا معسولًا قبل لحظة، ليفيق من دوامة مشاعره على نظرتها الماكرة وهي تبتعد عنه قائلة:
"هاا... التزم بالشروط."
اجتاحت الابتسامة وجهها وهي تستمع لبرطمته غير الراضية خلف ظهرها. سعيدة أنها لأول مرة المسيطرة، ليعرف أنها جادة بكل كلمة قالتها له كشرط لعودتهما سويا.
نظرت ليلي لزاهي بابتسامة قائلة:
"برافو عليكي يا زاهي... أحسن حاجة عملتيها."
"بجد يا ليلي؟ يعني مزودتهاش؟"
"بصراحة، بعد كل اللي مر عليكم... لا... وبعدين زودتيها في إيه... انتي حطيتي خطوط عريضة لحياتكم اللي جاية."
أومأت لها:
"أنا مش عاوزة أي حاجة غير إني ما أتوجعش تاني منهم... مش هستحمل يا ليلي... أنا بحبه أوي وقلبي بيتكسر أوي لما ألاقي الجرح جاي منه هو، وآخر مرة جرحني أوي."
هزت ليلي رأسها موافقة لتقول:
"وهو كمان بيحبك وهيغير عشانكم."
نظرت زاهي إليه بينما يلعب التنس بمهارة هو وصديقه، مستمتعة:
"يا رب..."
نظر آدم بعدم تصديق ممزوج بسعادة جارفة لتلك الطبيبة التي أخبرته أن نورا حامل، ليحتضنها بسعادة غير مبالٍ بوجود الطبيبة.
"مبروك... مبروك يا حبيبتي."
ابتسمت نورا ودفنت رأسها بصدره بخجل، لتحمحم الطبيبة وتعدل من وضع نظارتها الطبية قائلة:
"دي فيتامينات المدام هتاخدها بانتظام طول الشهرين اللي جايين."
أومأ لها، وامسك بيد نورا بين يديه بسعادة، بتتغير ملامح وجهه ما إن قالت الطبيبة بحرج:
"ومش هيكون في أي علاقة طول الشهر اللي جاي."
"إيه؟"
وكزته نورا بقدمها بخجل، لتكمل الطبيبة بمهنية:
"ده إجراء متبع أول شهور الحمل."
ما إن انفرد بها في المصعد حتى هتف باعتراض كالطفل:
"يعني إيه مقربلكيش؟ هو الحمل ده هيجي على دماغي؟"
ضحكت نورا بخجل:
"بس بقى يا آدم."
"بس إيه يا نورا؟"
جذبها إليه بجبين مقطب:
"ذنبي إيه طيب؟"
داعب وجنته بحنان:
"عشان خاطر ابنك."
أومأ لها على مضض، لترفع نفسها على أطراف أصابعها وتقبل وجنته قائلة:
"اضحك بقى... انت مش مبسوط ولا إيه؟"
قال بسعادة:
"أنا طاير من الفرحة، مش مبسوط بس..."
في المساء، كانت أصوات الضحك والمرح تضج بأرجاء منزل عامر، حيث تجمعت العائلة للاحتفال بعودة علياء. آدم ونورا وزاهي وجلال وصالح ومي وعاصم ونور. ليست بغريبة، وقد أصبح الجميع أصدقاء، ولكن الغريب هو نظرات جلال وعاصم التي بدأت تلين تجاه أحدهما الآخر. لترتفع الابتسامة لوجه زاهي وهي ترى بوادر علاقة طيبة بينهما.
همست علياء:
"أنا مش بيتهيألي، مش كده؟"
نظرت زاهي إليها لتكمل بمزاج:
"جوزك بيكلم عاصم."
أومأت لها زاهي، تقول علياء:
"بركاتك يا شيخة زاهي."
بعد فترة، استأذن عاصم وغادر برفقة نور، لتجلس الفتيات نورا وزاهي برفقة علياء، بينما يجلس عامر وجلال وآدم سويا.
قال عامر مشاكسا:
"مبروك يا واد انت... كبرت وهتبقى أب."
"الله يبارك فيك يا كبير... عقبالك."
قال عامر بثقة:
"قريب أوي إن شاء الله."
ضحك جلال قائلاً:
"يا أخي اتنيل على خيبتك... ده انت مقضي ليلة دخلك في المستشفى."
زفر عامر ليضحك آدم عاليًا بشماتة:
"فقري طول عمرك."
قال عامر:
"اشمت يا أخويا، ما تلاقيّك مقضيها."
قال آدم:
"يخربيت قر أهلك... أهو هركن شهر."
ضحك دلال وعامر بصخب حتى دمعت عيناهما، ليقول عامر:
"أحسن عشان تبقى تشمت فيا."
اعتدل جلال واقفًا:
"أقوم أنا بقى."
غمز له آدم:
"مستعجل على إيه يا جوجو... ليلتك شكلها فلة."
رماه جلال بالوسادة:
"وانت مال أهلك؟"
"أنا غلطان إني بطمن عليك."
"اطمن يا أخويا."
قال عامر:
"وتقلق عليه ليه... أهو برنس خطفها، وباينه ظبط المسائل على الآخر."
عض جلال شفتيه بغيظ:
"آه من عنيك... وأنا أقول اللي بيحصلي ده من إيه... أنا هاخد مراتي وابني وأمشي قبل ما أقع من عنيك."
وقفت زاهي أمام المرآة تجدل خصلات شعرها بجديلة طويلة، بعد أن أخذ جلال زين ليضعه بفراشه، ليعود إليها بعد دقائق. وقف لدى باب الغرفة بضع لحظات يتأمل جمالها بثوب نومها القصير الذي تلائم مع بطنها المنتفخة ليزيدها جمالًا وإثارة، ليوصد الباب ويتقدم منها وعيناه تلتهم كل إنش بها... من جمال وجهها المشرق بابتسامة، إلى جديلتها التي تهادت على طول ظهرها الظاهر من فتحة قميصها، تغريه بالتهامها الليلة.
شعرت به يقف خلفها، لتستدير إليه وتتقابل عيناها بعينيه التي تصرخ شوقًا، وهو يقول:
"إيه الجمال ده؟"
طفرت حمرة لطيفة أعلى وجنتها لتزيدها جمالًا، ليدير جلال ظهرها إليه، وتشعر بذلك العقد الثقيل الذي وضعه حول عنقها المرمري. نظرت لتلالؤ ماساته في المرآة، ليخطف أنفاسها. إنه عقد أقل ما يقال عنه أنه رائع، يخلب الأنظار، ولابد وأنه كلفه مبلغًا خياليًا.
"حلو أوي... بس مكنش له داعي تكلف نفسك."
قال ببُله وهو يقف خلفها تمامًا وينظر لعيناها من خلال المرآة:
"المهم إنه عجبك."
أومأت له:
"شكرًا."
ابتسم لها بعذوبة ومال ليطبع قبلة ناعمة على كتفها العاري، جعلت رعشة لذيذة تسري بأوصالها حينما لامست شفتيه جسدها. أدارها إليه وتطلع لعيونها بشوق وحب، هامسًا:
"وحشتيني يا زاهي."
أغمضت عيناها لتدغدغ أنفاسه شحمة أذنها، بينما تابع بهمس حميمي:
"بحبك."
هم بتناول شفتيها، ولكنها وضعت يداها على صدره توقفه، لينظر إليها بعتاب قائلاً:
"إيه بقى يا روحي... مش كفاية بعد؟"
هزت رأسها ليقترب منها مجددًا يحاول استمالتها، قائلاً:
"مش أنا بقيت لطيف وهادي، وحتي كمان كلمت عاصم؟"
أفلتت ضحكتها الناعمة لتثير جنونه، ويحيط خصرها بذراعه القوية، هامسًا أمام شفتيها:
"طيب إيه... جلال حبيبك مش صعبان عليكي؟"
أحاطت عنقه بذراعيها قائلة بابتسامة ماكرة:
"وانا ما كنتش بصعب على جلال حبيبي وهو بيتحول... وبعدين هو جلال حبيبي هيتغير في يوم؟"
هزت رأسها:
"لسة زي ما انت... بتعمل كده بس لحد ما توصل للي انت عاوزه، وبعدها هترجع تاني لجلال اللي أنا أعرفه."
عبست ملامحه كالطفل وهو يراها تحبط محاولته، لتداعب وجنته بمشاكسة:
"وأنا بحب جلال في كل حالاته... بس أعمل إيه في عقلي مش قادر على قلبي... معلش يا جوجو، حاول شوية كمان، يمكن تقدر تلين عقلي."
انفجرت ضاحكة حينما نظر إليها تلك النظرة، وأسرعت إلى الفراش، ليستدير ناحيتها ينظر إليها بغيظ قبل أن يقترب بخطوات ماكرة ويتوسد الفراش بجوارها.
شهقت حينما خلع تيشيرته وألقاه، لتتراجع قائلة وهي تنظر لعضلات صدره القوية:
"انت بتعمل إيه؟"
قال بابتسامة لعوب وهو يميل ناحيتها، ليلتصق صدره بجسدها، فتسري الكهرباء بأوصالها وتغمض عيناها، بينما تسارعت دقات قلبها:
"هنام... يعني هعمل إيه؟"
قالها وهو يسحب الوسادة من خلفها، ليبتسم بمكر، فهو يعرف بتأثيره عليها، ولكنه عنادها ما يثير جنونه. حاولت أن تبتعد لطرف الفراش، ولكنه جذبها إليه ليلتصق ظهرها بصدره ويدفن رأسه بعنقها. حاولت أن تتملص من قبضته حول خصرها، ولكنه قال بخفوت:
"على الأقل نامي في حضني."
توقفت عن مقاومته، وهي في الأساس كانت لاتريده أن يبتعد، لذا تركته يحضنها، وأنفاسه الساخنة تلامس عنقها، لتبتسم وهي تسترجع محاولاته التي ترضي غرور الأنثى بداخلها، والتي تتلهف للمزيد منه لإثبات حبه لها وتعويضها عن أخطاؤه المتكررة بحقها.
في الصباح، تقلب جلال بانزعاج من رنين هاتفه المتواصل، ليضعه على أذنه متمتمًا بصوت ناعس:
"ألوو..."
جاءته تلك المكالمة ليقول ببعض الكلمات المقتضبة:
"وحالتها إيه؟"
استمع للطرف الآخر بوجهه عابس، ليغلق الهاتف ويعيده إلى الكومود، وهو يفرك وجهه بانفعال. لقد كانت مكالمة من المستشفى تخبره أن سالي حاولت الانتحار ليلة أمس، ولكنهم أنقذوها.
تعرض شريف لنوبة قلبية حينما علم بما حدث لسالي. يشفق عليها فهي ابنته، بالرغم من كل شيء. لا يعرف ماذا يفعل، خاصة وأنها ما تزال تحمل نفس الغل والحقد تجاه أخيها. قال بوهن:
"جلال... عاوزك تتكلم معاها يا ابني."
قال جلال بجمود وهو يعيش نفس الصراع الذي يعيشه أبيه:
"أتكلم معاها في إيه؟"
قال شريف برجاء:
"انت أخوها."
قال جلال بيأس:
"أنا تعبت وحياتي اتدمرت بسببها... أنا عاوز أعيش في سلام مع مراتي وولادي."
قال شريف برجاء بائس:
"وهي عمت ولادك وأختك الوحيدة... انت وعامر لازم تتكلموا معاها... اللي حصلها مش شوية، وأكيد اتعلمت منه بعد ما خسرتنا كلنا."
تحشرج صوته قائلاً:
"أنا بموت يا جلال، مش عاوز أسيبها في الحالة دي... أنا عارف إني ماليش حق أطلب منك ده، بس ده طلبي الأخير ووصيتي ليك يا ابني."
تنهد جلال مطولًا قبل أن يهز رأسه دون قول شيء.
قالت زاهي بغصة حلق وهي ترى ذاك الكيان الجبار بتلك الحالة:
"سلامتك يا أونكل."
قال وهو ينظر إليها بندم على كل ما تسبب لها به، وبالرغم من هذا، يرى بعينيها ذلك الحزن من أجله:
"الله يسلمك يا بنتي."
صمت لحظة ونظر إليها وإلى جلال الواجم، قائلاً:
"زاهي يا بنتي... أنا عارف إنها ظلمتك كتير... بس مش كلنا عندنا نفس القناعات... سالي حالة غير طبيعية، بس موجودة... أخت شايفة أخوها السبب في حرمانها من أمها، وفضلت تكرهه طول عمرها... حاولت معاها كتير بس مفيش فايدة."
هزت رأسها بتفهم، ليقول جلال بحزم:
"بابا، خليك في صحتك وكفاية كلام في الموضوع ده... الدكتور قال بلاش انفعال."
فتح فمه ليتحدث، فتنظر إليه زاهي بتفهم قائلة:
"آه، اهتم بصحتك دلوقتي يا أونكل، وإن شاء الله كل حاجة تتحل."
نظر جلال بعدم تصديق لزاهي التي تحدثت معه بتنفيذ طلب أبيه، ليقول باستنكار:
"إنتي اللي بتقولي كده؟"
قالت زاهي:
"أيوه يا جلال... باباك عنده حق... هي اختك مهما كان... صعب تلاقي الكل اتخلى عنها برضه."
قال بحدة:
"والكل اتخلى عنها ليه؟ مش بسبب تصرفاتها؟"
"معلش يا جلال... فرصة أخيرة عشان خاطر باباك."
قال بنبرة قاطعة:
"لأ."
قالت بهدوء:
"طيب تسمحيلي أحاول أنا أتكلم معاها؟"
عقد حاجبيه بغضب:
"لأ... ولو فكرتي يا زاهي تروحي ليها أو تتكلمي معاها بعد كل اللي اتسببت فيه، يبقى انتي اللي بتكسري كلامي."
قالت بانفعال:
"كلامك في الصق."
قال بإصرار غاضب:
"وده الصح... سالي خطر، وعمرها مهما اتكلمتي معاها ما هتفوق."
زمجر بغضب:
"إيه؟ انتي فاكرة كل الناس زيك... دي واحدة خلاص مبقاش عندها قلب غير سواد وحقد على كل اللي حواليها."
هزت زاهي رأسها:
"عندك حق... بس كمان مش الحل إنها تبقى هناك طول العمر."
"ده الحل اللي قدامي... يا أما السجن."
قالت بجبين مقطب:
"حرام عليك."
هتف بحدة:
"وهي مش حرام عليها؟ قوليلي عملت إيه؟ صحيت جوزها وولادها باعتهم... صدقيني مفيش حاجة تشفع لها عند حد فينا."
قالت برجاء:
"جلال..."
قال بنبرة قاطعة:
"انتهى يازاهي... وأنا عارفك هتحاولي وبحذرك."
تنهدت قائلة:
"جلال، انت عارف أنا مش بحب لهجتك دي."
قال بإصرار:
"حبيها... طالما فيها صالح حياتنا."
قالت بعدم رضا:
"والحل تبقى هناك وحقدها يزيد على الكل... لأ يا جلال، لازم تنهي كل الخلافات دي عشان نعيش مرتاحين."
"حارس والف... هنفضل طول عمرنا خايفين منها."
قال بغضب:
"أنا أقدر أحميكي."
اندفعت بانفعال:
"مقدرتش... مقدرتش تحميني."
عقد حاجبيه بغضب:
"أنا؟!"
قالت بانفعال:
"أيوه انت... العند وحش يا جلال... روح اتكلم معاها ولاقي حل تبعدها بيه عن حياتنا من غير ما تفضل حاقدة عليك باقي حياتها... عشان تقفل الماضي لازم تتكلم معاها."
رواية حب بطعم الانتقام الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رونا فؤاد
عند وحش يا جلال...
زفر بضيق قائلا: يبقى بطلي تعانديني في كل كلمة أقولها... ومش عاوز نقاش تاني في الموضوع ده.
احتقن وجهها بالغضب، فها هو تمطأ جلال المهدي بداخله وظهر... بغرورة وكبره الذي لا يقبل نقاش أو حوار. إنها محقة ويجب أن يستمع إليها، ولكنه قرر إنهاء الحوار.
نظرت إليه بغضب قائلة: أنت حر، اعمل اللي انت عاوزه.
ازدادت نبرتها غضبًا وحدة وهي ترفع إصبعها في وجهه: بس أنا بحذرك يا جلال، لو حاجة حصلت لولادي بسبب اختك أنا.....
اندفعت الدماء الغاضبة لوجهه حينما بدأت بلهجتها التهديدية، ليقطع المسافة الفاصلة بينهما ويمسك ذراعها بقوة، لين يقطعها قائلا: إنتي إيه يا زاهي؟ هتعملي إيه؟ بتهدديني كمان؟
نظرت ليداه التي تمسك ذراعها، ورفعت عيناها نحوه، فها هو بأول موقف لا يتردد بفرد عضلات عصبيته. لتنزع يدها منه بعنف تزجره: قلت لك متفكرش تمد إيدك عليا تاني.
قال بتحذير: أنا ممدتش إيدي عليكي يا زاهي، ومتنرفزنيش. أنا ماسك أعصابي بالعافية وإنتي اللي عمالة تستفزيني فيا. موضوع سالي ده مالكيش أي دعوة بيه، ولو فكرتي مجرد تفكير تروحي لها أو تتكلمي معاها هتشوفي مني وش عمرك ما تخيلتيه يا زاهي.
تنفست بغضب وتعالت نبرة صوتها تهتف له: متهددنيش.
صاح بانفعال: أنا أعمل اللي يعجبني. واوعي تنسي إني جوزك وصوتك ما يعلاش عليا تاني.
احتقن وجهها بالغضب، ونظرت إليه بحدة قبل أن توليه ظهرها وتتوجه لباب الغرفة. فهو لن يتغير... عصبي مغرور! لن تتعب نفسها بالحديث معه. لقد كانت محقة بتمسكها بقرارها بالبعد عنه.
ما إن تحركت خارج الغرفة حتى وقف أمامها وأمسك بذراعها يوقفها: رايحة فين؟
دفعه بصدره بقوة: مالكش دعوة بيه.
توجهت لغرفة زين لتجلس بجواره وتنحني، طابعة قبلة على جبينه، وتمسك يده الصغيرة ترفعها لشفتيها تقبلها بحنان وهي تشكي له وتخبره بحزنها قائلة بصوت يشوبه البكاء: عمره ما هيتغير... يا زين... مش بيسمع غير رأيه وكلامه وبس... أبوك مش هيتغير أبدا وأنا تعبت. كل كلمة بينا بتتحول خناقة. أنا خايفة يا زين... خايفة عليك وعلى أختك وعليه. خايفة من نار الانتقام اللي هو مصمم ميحاولش ينهيها. أنا تعبت ومش هقدر أستحمل أي حاجة توجع تاني. تعبت ومش قادرة أبعد عنه ولا قادرة أقرب منه. كل مرة يقول لي انسي ونبدأ من جديد بس هو مش بيحاول. أنا خايفة أكرهه.
مسحت دموعها والتفتت إلى الباب حيث وقف بقامته المديدة وقد استمع لكلامها، لتهتز نبرته وهو يسألها: ممكن تكرهيني في يوم من الأيام؟
أشاحت بوجهها دون قول شيء، ليتجه ناحيتها ويقف أمامها قائلا: للدرجة دي بقيتي شايفاني راجل وحش؟
نظرت إليه وزفرت بضيق قائلة: أنا مش شايفة كده.
ما إن أنهت كلمتها حتى باللحظة التالية وجدت نفسها محموله بين ذراعيه.
بتعمل إيه؟
قال وهو يتجه بها لغرفتهم: إحنا قلنا هنحل مشاكلنا في أوضتنا. تعالي نتكلم هنا.
أنزلها برفق ووضعها على الفراش وجلس بجوارها، ورفع ذقنها إليه لتنظر إليه بعيون معاتبة. ليقول بصوت هادئ: أسف إني اتعصبت عليكي، بس يا زاهي أنا بني آدم. مش هينفع كل موقف تحكمي عليا بالطريقة دي. أنا وعدتك عمري ما ههينك أو أمد إيدي عليكي. بس غصب عني بتعصب. اللي حصل من شوية نقاش بينا، ليه عاوزة تعمليه خناقة وتبعدي؟
عشان أنت مش عاوز تسمع غير نفسك. مفيش عندك حاجة اسمها تفاهم.
تنهد قائلا: ماشي يا زاهي. عندك حق، أنا مش عاوز أسمع غير نفسي. ممكن بقي تستحمليني شوية.
صمتت لحظة ثم هزت رأسها دون قول شيء، لتزحف إلى طرف الفراش. تمدد جلال على ظهره إلى جوارها ينظر إلى سقف الغرفة، حتى شعر بانتظام أنفاسها، ليجذبها برفق ويضع رأسها على صدره ويحيطها بذراعه.
شعرت زاهي به من بين نومها ولم تعترض، فهي تحبه ولا تستطيع أن تبتعد عنه، ولا ترد سوى أن تكون حياتها سعيدة ويبتعدوا عن كل ألم الماضي. إنه محق.
لا بد أن تسامحها وهي لا تريد تذكرها، ولكنها تخاف. نعم، تلك هي الحقيقة التي خشيت أن تخبره بها. تخاف من كيان الشر المتمثل بتلك الفتاة. والتي أثبتت أنها أقوى من الجميع. تخاف وهي تتذكر كل ما فعلته بها، تخاف وهي ترى نفسها كل مرة تتعرض لظلم على يده أكثر مما سبقه. من كثرة ما ظلمتها تلك الفتاة بقدر ما هي تخاف من ظلم جديد.
حينما مد شريف يده بالسلام قابلتها، لأنها تطمع في سلام يكتنف عائلتها. وكذلك الأمر مع سالي. تعرف أنها شيطان وتريد أن تؤذيها، ولكن ماذا تفعل؟ إنها عاصفة قوية يجب أن تنحني أمامها لتحافظ على حياتها. لم يعد لديها قوة للحرب.
نامت وامتلأت أحلامها بالماضي، ليمر كل ما حدث أمامها كشريط لفيلم سينمائي خلال نومها.
زاهي (التفتت بابتسامة واسعة لهذا الصوت الذي هز كيان قلبها).
قالت بصوت مهزوز: بابا.
لاحَت ملامح والدها الحنونة أمامها وقد ارتدى الأبيض، لتتجه إليه بخطوات مرتجفة تناديه. بابا، إنت سامعني؟
ابتسم لها، لتنهمر الدموع من عينيها وتسرع بخطواتها تجاهه، ولكن كلما اقتربت كان يبتعد، لتقول ببكاء حارق: بابا... إنت بتبعد عني ليه... سامحني يا بابا.
ابتسم لها بطيبة وسماحة قائلا: مسامحك يا بنتي.
قالت من بين دموعها وهي تمد يدها إليه: إنت مش ماسك إيدي ليه يا بابا؟
قال بابتسامة: خدي بالك من نفسك يا زاهي.
اختفى والدها لتنادي عليه: بابا... إنت رحت فين... بابا... سامحني.
ظهرت أمامها سالي تضحك ضحكتها الشيطانية وهي تحمل زين، لتصرخ زاهي بقوة وينخلع قلبها حينما رآها تضع تلك السكين على رقبة طفلها لتصرخ: زييييين ابني... حرام عليكي.
أخذت تهز رأسها بقوة وهي تهمهم بصوت مختنق: جلال الحق ابني... جلال... زين... لا.
انتفض جلال من نومه على صوتها وارتجاف جسدها، ليري حبات العرق فوق جبينها وهي تهز رأسها بقوة، بينما يسيطر عليها ذلك الكابوس المرعب. هتف بقلق وهو يحضنها: زاهي... زاهي... حبيبتي.
انتفضت من مكانها وفتحت عينيها التي طفرت بها الدموع التي انسابت فوق خدها، بينما كانت يداها تتمسك به بقوة. ابني... هتموت زين... جلال... ابني... زيين الحق زين.
ضمها إليه مطمئنا: حبيبتي متخافيش، أنا جنبك. وزين بخير. ده كابوس. اهدي... اهدي يا روحي.
حاولت أن تتنفس، ليمد يداه إلى جواره ويمسك بكوب الماء يقربه إلى شفتيها المرتجفتين لترتشف قليلا. مسح على شعرها بحنان وهو يهمس لها بحنان: أنا جنبك، متخافيش.
كان تأثير الكابوس مزعجًا للغاية، لتردد ذكرياته برأسها. صورة والدها وصوته الذي جعل قلبها يبكي شوقًا له. كم تمنت لو يطول الحلم قليلا لتطلب منه المزيد من السماح ولتشبع معه ومن صوته الحنون. تلك الشيطانة التي ظهرت أمامها صورتها لاحت في خيالها وهي تمسك بطفلها. عقدت حاجبيها بقوة وتزداد ارتجافة جسدها الذي اجتاحه الألم الشديد.
آه...
أفلتت منها تلك التأوه، لينخلع قلب جلال قلقا. مالك يا حبيبتي؟
صرخت ووضعت يداها بألم على ظهرها الذي شعرت به يكاد ينقسم من ذلك الألم الذي هاجمها فجأة.
آه...
أمسكت به ودمعت عيناها من الألم، وهي تصرخ بألم شديد: آه جلال... أنا تعبانة أوي.
ابتسم عامر بحنان لعليا حينما عادوا من المشفي بعد أن فكت الغرز، وانحنى يقبل جبينها قائلا: حمد الله على سلامتك يا روحي.
ابتسمت له قائلة: الله يسلمك يا حبيبي.
لمعت عيناه بسعادة وهو يستمع لتلك الكلمة منها. تقابلت عيناه بعيونها، لتنساب نظرات الحب بينهما لحظات قبل أن تخفض علياء عيونها بخجل. قالت بتعلثم وهي تحاول أن تهرب من نظراته: أنا... أنا هروح أطمن على الولاد.
ابتسم لها ورفع يداها لشفتيه يقبلها بحب وحنان لا تصفه كلمات، فهي تحنو على أطفاله وتراعيهم كأبنائها. في وقت قصير بنت روابط أسرة محبة بينهم، ليشعر بأطفاله ويفهمهم لأول مرة منذ سنوات. قويت علاقته بسليم واميراته الصغيرات، يغدقهم دلالا وحبا. تنهد مطولا: يا الله... أيمكن أن واحد مثله يستحق أن يهبه الله فتاة مثلها؟
انحنت فوق جبين لينا قائلة بهمس: تصبحي على خير.
قالت لينا بصوت ناعس: تصبحي على خير يا لولو.
احتضنت عروستها ونامت، لتسحب علياء الغطاء فوقها وتقبلها مجددا وتنصرف. فعلت المثل مع سليم وسيدرا لتعود لغرفتها.
سحبت بيجامتها الحريرية وتوجهت للاستحمام، بينما كان عامر بالشرفة يتحدث هاتفيا مع الممرضة التي ترعى نجلاء ليطمئن على حالتها.
اطمن يا عامر بيه... الهانم بخير.
هي فين؟ عاوز أكلمها.
هزت نجلاء رأسها لتقول فاتن: هي نامت للأسف.
تمام... خدي بالك منها. وأنا هكلمها الصبح.
أغلقت الفتاة الهاتف لتهز نجلاء رأسها بألم، فليس لها أي وجه أو عين لتتحدث بها مع ابنها الذي حولت حياته لجحيم. فتاة كسالي لم تكن تصلح لتكون زوجته. طمعها في الثروة جعلها توافق سالي على خطتها الشريرة الإيقاع بعامر والزواج به. هي من وافقتها دوما على تخطيطها. وقد نالت جزاءها.
عاد عامر إلى الغرفة لتقع عيناه على علياء وقد وقفت أمام المرآة تصفف خصلات شعرها الأسود الطويل. ارتسمت ابتسامة على شفتيها وهو يتأمل جمالها بتلك البيجامة الحريرية ذات اللون الوردي والتي لاأمت بشرتها الناعمة، ليتقدم ناحيتها بنظرات جعلت نبضات قلبها تتخبط بصدرها خجلا من نظراته المحدقة بها بتلك الطريقة. اضطربت أوصالها واندفعت الدماء لوجهها لتعض على شفتيها خجلا حينما توقف أمامها وقد لمعت عيناه بشغف وحب، بينما همس بخفوت: بحبك يا أحلى بنت شفتها في حياتي.
ارتجفت ساقيها حينما شعرت بيداه تحيط بخصرها يقربها إليه، لتشعر بأنفاسه الساخنة على وجهها. قالت بتعلثم وهي تشعر بساقيها كالهلام لا تقوى على حملها: لا... لا عامر إنت... إنت بتعمل إيه؟
تركزت نظراته على شفتيها الممتلئة لحظة قبل أن ينحني تجاهها ويلتقط شفتيها بين شفتيه يقبلها باشتياق وحب، اندفع بدماؤه ما إن لامست شفتاه شفتيها التي لم يتذوق في حلاوتها وهو قد تذوق الكثير. أيمكن أن تكون مثالية بكل شيء بتلك الطريقة؟ أيمكن أنه لم يعد يرى بالنساء سواها؟
تجمدت علياء مكانها بذهول وهي تشعر بدفء جسده يحيط جسدها، بينما شفتيه تلتهم شفتيها باستكشاف لا تفهمه، فتلك المشاعر تشعر بها لأول مرة. لم تكن تدري أن القبلات تكون هكذا. اكتسى وجهها بالحمرة حينما شعرت بأصابعه تزحف لازرار بيجامتها يفكها الواحد تلو الآخر، كاشفا عن كتفها ومقدمة صدرها، ماخوذا بتلك المشاعر التي تتدفق بعروقه، ما إن لامست يداه بشرتها الناعمة، ليترك لسيل مشاعره العنان، فها هي وأخيرا بين يديه.
حملها وهو كالمغيب، لا يشعر بشيء سوى تلك المشاعر المشتاقة إليها والتي سيطرت عليه. شهقت علياء وتمسكت بأطراف بيجامتها ما إن وضعها فوق الفراش وجثا فوقها وشفتيه تتحرك على عنقها وكتفها طابعة عليه قبلاته العاصفة.
عاام...
خرج صوتها متقطعا بتاثير دقات قلبها المرتجفة وهي تضع يداها فوق صدره تحاول أن تبعده. ليفيق عامر قليلا من دوامة مشاعره ويرى وجهها المذهول الذي اشتعل احمرار وعيناها المتوترة، ليدرك أنه تسرع قليلا فأخافها منه. حاول أن يهديء من ثورة مشاعره ليضمها إليه بحنان ويدفن رأسه بعنقها يقبلها بنعومة هامسا: أنا بحبك يا عليا... مش عاوزك تخافي مني أبدا.
أغمضت علياء عيونها باستسلام لتلك القبلات التي داعبت عنقها، بيننا شفتاه لم تتوقف عن الهمس بكلمات الحب والغزل، ليستخدم خبرته في جعلها تهديء وتستسلم له ولجنون مشاعره. لا تعرف كيف وصلت يداه لملابسها مجددا لتتجاوب معه بخجل، بينما تتحرك يداه بجراءة فوق جسدها وشفتاه لا تتوقف عن تقبيلها. كانت ليلتها الأولى تحمل نشوة يشعر بها عامر لأول مرة وفتاة بين ذراعيه، فقد كانت مشاعرها من أولوياته ولم يكن يبحث عن متعته فقط، لترتسم ابتسامة خجلة على شفاه عليا المتورمة من أثر قبلاته، حيث راعاها وأغدقها بحبه وحنانه، لتكون بداية حياتهما الزوجية سعيدة.
قال جلال بلهفة وهو يقود الطبيب خارجا بعد أن فحصها: طمني يا دكتور.
قال الطبيب: عملت مجهود أو اتعرضت لضغط كبير وتوتر. وده زود انقباضات الرحم واتسبب في الألم الكبير اللي هي حاسة بيه. ناوله الروشتة قائلا: عموما الأدوية دي هتقلل انقباضات الرحم وإن شاء الله الألم هيروح. وأنا مع حالتها بنصح أننا مع أول دخولها الشهر السابع ندخلها العمليات تولد بدل ما نستني للتاسع وتتعرض لحاجة زي دي تاني.
قال جلال بتوتر: بس هيبقي في خطر عليها أو على البيبي.
هز الطبيب رأسه: لا يا جلال بيه، السابع زي التاسع وطبعا هنكون مستعدين. ده الأفضل لها عشان لو دخلت ولادة مبكرة في التامن هيكون خطر، إنما في السابع الأمور في إيدينا.
هز رأسه قائلا: تمام، بس مش عاوزها تعرف عشان متقلقش.
مفيش مشكلة. أهم حاجة... راحة تامة. وأهم من الراحة الجسدية الراحة النفسية.
حاضر يا دكتور. متشكر تعبتك.
مفيش تعب، ده واجبي.
دخل إلى الغرفة لينظر إلى وجهها المتألم ونعمة تساعدها على الجلوس. روحي إنتي يا نعمة. قالها وهو يقترب منها ليحيطها بذراعيه ويساعدها على الجلوس، طابعا قبلة على رأسها وهو يقول بحنان: سلامتك.
قالت بقلق وهي تنظر لملامح وجهه: البنت... بنتي كويسة.
ربت على شعرها بحنان: اطمني يا روحي، هي بخير. إنتي اللي تعبانة شوية.
قالت وهي تنظر لعيناه القلقة: احلف إنك مش مخبي عليا حاجة.
ابتسم قائلا: وهخبي إيه يا روحي... الدكتور قال لازم راحة وتبعدي عن التوتر. واضح إنك لما اتضايقتي ده اتسبب في الوجع اللي كنتي حاسة بيه. وضع وجهها بين كفيه قائلا بعتاب حان: عاجبك كده يا زاهي؟ طول الوقت عناد معايا وخلاص. بتخليني أتعصب عليكي غصب عني وتتضايقي وتتعبي وأنا أموت من الندم إني ضايقتك. أنا تعبت وخلاص مش عارف أعمل إيه عشان أرضيكي.
انسابت الدموع بصمت من عيونها بسبب نبرته المعذبة، فهو محق، فهي أحيانًا تضغط عليه بعنادها. ليقول برفق وهو يمسح دموعها برقة بأنامله: بتعيطي ليه دلوقتي يا حبيبتي؟
مش عارفة... بس عاوزة أعيط.
نظر إليها ورفع حاجبه ليقول بخفوت: الهرمونات اشتغلت.
قطبت جبينها قائلة: إنت مش بتحبني؟
أفلتت ضحكته الحلوة ليضمها إليه قائلا: فعلا أنا مش بحبك... أنا متنيل على عين أهلي بموت فيكي وبعشقك.
نظرت إليه لتتسرب الابتسامة لوجهها الجميل: بجد يا جلال، لسة بتحبني؟
رفع يداها إلى شفتيه: بموت فيكي يا قلب وعقل جلال. نظر لعيونها الجميلة وتابع: زاهي يا روحي... إحنا أه بنتخانق كثير وحصلت بينا مشاكل أكتر، بس حبنا مكمل. أنا مفيش حاجة بتكسرني ولا توجعني إلا بعدك عني.
تراقصت دقات قلبها من كلماته، لتنسي كل ما حدث قبل قليل. ذلك الكابوس المرعب وتلك الفتاة. وذاك العالم. كل شيء ضاع من عقلها ولم يبق به سوى نظراته وكلمته المشتاقة إليها، فقلبه بحاجة إليه. تمدد على الفراش وهي فوق صدره: أنا من أول ما شفتك يا زاهي وقلبي بقى بتاعك إنت... مش بيدق ولا يحس إنه عايش إلا وهو جنبك. بحبك لدرجة الوجع. عارف إني بقسي ساعات عليكي، بس غصب عني. إنتي مش متخيلة إنتي إيه بالنسبالي. إنتي روحي وقلبي والنفس اللي بتنفسها.
اجتاحت السعادة وجهها وزينت ملامحها، لتستند بيدها إلى صدره ناظرة إليه بعدم تصديق: بجد يا جلال... بتحبني أوي كده؟
داعب خصلات شعرها بمرح قائلا: وأنا إيه يعني اللي مصبرني على عمايلك دي إلا قلبي المتخلف اللي بيحبك.
قطبت جبينها: متخلف؟ بعد كل اللي قلته تقول قلبك المتخلف.
جذبها إليه لتبعد يداه بحب، مقطب كالاطفال: أوعي كده... والله إنت بايخ على فكرة.
وإنتي نكدية؟
التفتت إليه بعيون تطلق شررًا، ليتفجر ضاحكًا على تعابير وجهها. أنا نكدية؟
ازدادت ضحكته صخبًا لتلكمه بصدره: بطل ضحك أحسن لك.
رفع حاجبه وبقايا ابتسامته على شفتيه التي داعبتها ابتسامة ماكرة وهو يقول: أحسن لي.
شهقت وأفلتت ضحكتها حينما بدأت يداه تدغدغها. جلال... جلال بغير.
تعالت ضحكتها وهو يستمر بدغدغتها قائلا بعبث: مش إنتي بتهدديني؟ وريني بقى هتعملي إيه.
أفلتت ضحكتها الناعمة مجددا ويداه تتحرك على الأماكن التي يعرف كيف تغار منها يدغدغها ويضحك عاليا عليها وهي تتوسله ليتوقف. بس... جلال كفاية.
توقفت يداه، ولكنها أحاطتها بنعومة لتجده متمددا فوقها يطل عليها بهيئته الوسيمة، ليميل تجاه شفتيها هامسا أمامها وعيناه متركزة فوق تلك الشفاه التي أسكرته بضحكتها التي غابت عنه طويلا: أوعي تبطلي ضحك أبدا. وعد مني ضحكتك عمرها ما تفارق شفايفك الحلوة دي.
بغمضة عين كانت شفتيها بين شفتيه يقبلها قبله عصفت بكيانها. قبله ناعمة ألهمت حواسه. قبله امتزجت بكلماته التي يحملها بين طيات قلبه. أغمضت عيناها تاركة له المجال ليأخذها لتلك السحابة الوردية التي لا يوجد بها حزن أو هموم أو انتقام. يكفي حزنا ووجعا وألما. يكفي بعد. همس عقلها لقلبها الذائب بين يديه. تريد تلك السعادة التي لا يستطيع سواه منحها لها. نعم تريدها وبشدة.
أغمض جلال عيناه غائبا عن العالم بقبلته التي طالت كثيرا، وقد شعر بها تترك له زمام مشاعرها. تعذبت كثيرا وتريد السعادة، وهو تلك المرة سيغدقها بها ولو كلفه الأمر حياته.
رفع وجهه واسند جبينه على جبينها، ينظر لوجهها الذي تحول لكتلة نارية من آثار قبلته التي عصفت بكيانها، ليهمس أمام شفتيها بحبك.
تمتمت من بين أنفاسها اللاهثة: وأنا كمان.
يعني خلاص سامحتيني؟
هزت رأسها، فلاحت ابتسامته على شفتيه التي تكاد تلامس شفتيها، ليهمس بخفوت: بحبك وهتجنن عليكي. مش قادر أبعد. بس خايف عليكي.
تخبطت دقات قلبها المتعالية بصدرها وهي تهمس له: وأنا مش خايفة طول ما إنت جنبي.
يا الله. صرخ قلبه الذي كادت تتوقف دقاته وهو يستمع لكلماتها التي أفقدته صوابه. لن يبتعد. سيقضي ليلة من الجنة برفقتها ويجعلها أسعد امرأة. سيكون رفيقا بها، ولكنه لن يبتعد بعد أن نطقت بتلك الكلمات.
في الصباح فتحت عيناها على تلك القبلات التي ترفرف فوق كل إنش بوجهها، لتتقابل عيناها الناعسة بعيناه التي لمعت بالسعادة. صباح الخير على أحلى نكدية.
زمّت شفتيها بغيظ ودفعته من فوقها. بارد.
قال ببراءة: أنا يا زوزو.
مال تجاه أذنها وهمس بخبث: أما لوح الثلج الجبارة اللي كانت بتنام جنبي كل ليلة وأنا بتحرق مش قادر أقرب لها، تبقي إيه؟
رفعت حاجبيها قائلة: تبقي بتربيك يا جلال يا مهدي.
تعالت ضحكته الصاخبة ولمعت عيناه بالعبث وهو يقول بوقاحة: عندك حق. أنا محتاج تتربي فعلا. ربيني يا زوزو. وقالها وهو يدفن رأسه بعنقها يلتهم جلدها الناعم بشفتيه.
آه. تاوهت بخفوت لتسلب عقله وتزداد عنف قبلته وتزحف يداه إلى جسدها الذي يثير جنونه.
بطل قلة أدب بقى. همس من بين قبلاته التي تدغدغ عنقها: مش أنا محتاج تربية. ربيني.
وقالها واندفع يسحبها مجددا للغرق بسيل مشاعره التي لا تتوقف.
فتح عامر عيناه على تلك الأنامل الرقيقة التي تداعب خصلات شعره، ليبتسم باتساع لجميلة ذات الابتسامة الحلوة. مبروك يا مدام عامر المهدي.
اخفضت عيناها بخجل، ليجذبها إليه لتقع فوق صدره العاري، يلتهم شفتيها بقبلة طويلة لم يقطعها سوى تلك الطرقات على الباب، ليقول بانزعاج: أيوه.
قالت أم الحسن: الفطار جاهز يا بيه.
قال وهو يعود لشفتيها: فطري الولاد.
قالت عليا وهي تضع يداها على صدره توقف اقترابه: لا... تعالي نفطر مع الولاد.
لا أنا عاوز أفطر هنا.
قالت بجهل: وهتفرق إيه هنا من برا؟
قال بمكر ويداه تسير بنعومة مدروسة على طول ظهرها تداعب مشاعرها: تفرق كتير. تعالي أفهمك. وقالها وهو يعكس الوضع ليصبح فوقها وتعود شفتاه لتناول شفتيها التي تفوق حلاوتها حلاوة أي طعام.
نظرت نور بعدم تصديق لعاصم الذي وضع أمامها ذلك الإفطار الذي أعده بنفسه. يلا يا روحي عشان تفطري.
إنت اللي عملته؟
قال بابتسامة: طبعا.
وليه الدلع ده كله؟
غمز لها بشقاوة: كل ده ومش بدلعك.
قالت بدلال: مش أوي.
رفع حاجبه: والله؟
هزت رأسها ليقبل جانب شفتيها قائلا: ماشي يا ستي نزود جرعة الدلع. عشان خاطر عيون عاصم الصغير.
ضحكت بنعومة: وليه مش نور الصغيرة؟
داعب وجنتها الجميلة: نور يا روحي. وأنا أطول. وضع لقمة صغيرة بفمها وانحنى يقبل بطنها بحنان: أنا نفسي في بنوتة جميلة شبهك.
أمسك جلال بيد زاهي التي حاولت أن تنهض من الفراش. على فين يا روحي؟
هروح أشوف زين.
هز رأسه: لا يا قلبي خليكي مكانك وأنا هجيبه لحد عندك.
دقائق وكان يحمل زين عائدا إليها قائلا وهو يضمه إليه بحنان: الأستاذ زين القمر. ما إن مدت يدها له حتى جلس بجوارها وعلى ساقه زين قائلا: بلاش تشيليه يا زاهي.
قالت بتساؤل: ليه بس؟
أهو يا ستي أنا جنبك وهو كمان. بلاش بقى تشيليه عشان ظهرك ما يوجعكيش.
أنا كويسة.
داعب شعرها بخفة قائلا: حاضر. قولي حاضر وبس.
ومات له ليحيطها هي وصغيره بذراعه بحنان ويقبل جبينها: ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي.
أسندت رأسها إلى صدره قائلة: ويخليك ليا.
دخلت نعمة تحمل الإفطار ليقول جلال: نعمة مش عاوز الهانم تقوم من السرير لأي ظرف.
أومأت له نعمة ووضعت الإفطار على الطاولة الزجاجية بجوار الفراش وانصرفت، لتسأله زاهي: جلال في إيه؟ مش عاوزني أقوم ليه؟ أكيد في حاجة؟
قبل جبينها قائلا: ولا أي حاجة. قلت لك راحة تامة. بدأ يطعمها ويطعم طفله بنفس ذات الصبر والدلال، لتنظر له بعيون تفيض حب تشعر بالندم لأنها كانت تعذبه كثيرا وقد نست تماما أي شيء سيء حدث بينهما.
أسبوع وهو بجوارها لا يفعل شيئا سوى الاهتمام بها. كان جالس بجوارها يطالع بعض أوراقه الخاصة بالعمل، لتتمتم: جلال.
أجاب بنعومة: نعم يا قلب جلال؟
أنا زهقت.
نظر إليها قائلا: من إيه؟
من القعدة في السرير. أنا بقيت كويسة وعاوزة أتحرك.
قال وهو يحيطها بذراعه: لا مفيش أي حركة.
جلال أنا مش أول مرة أبقى حامل على فكرة. وبعدين أنا بقيت كويسة والله.
هز رأسه قائلا: عارف، بس يا ستي ريحيني وارتاحي.
قالت نجلاء وهي تخفي دموعها: اطمن يا عامر، أنا كويسة.
قال عامر باعتراض: بس هبقى مطمئن أكتر وإنتي عايشة معايا.
ربتت على يده بحنان افتقده كثيرا منها: لا يا حبيبي، أنا مرتاحة هنا.
يا ماما.
قاطعته بحزم: طول ما إنت مبسوط، أنا مرتاحة ومبسوطة. وفاتن بنت حلال واخده بالها مني. وشريف مش بيسيبني أطمن عليا وعيش حياتك.
بس... يا أمي.
مفيش بس. عيش واتبسط. كفاية اللي راح من عمرك.
كانت زاهي جالسة بالفراش وزين بجوارها، تنظر لجلال الذي وقف يرتدي ملابسه استعدادا للخروج. برضه مش هتقولي رايح فين؟
قال بهدوء: عندي شغل هخلصه بسرعة وراجع يا حبيبتي.
قالت بعدم تصديق وهي تنظر لحالة الطقس الذي لا يتوقف عن المطر: شغل إيه في الجو ده؟
انحنى يقبل جبينها وهو يرتدي معطفه الأنيق: شغل مهم. مش هتأخر عليكي.
قبل رأس طفله الضاحك وغمز لها: أوعي تنامي.
ابتسمت له ونظرت إلى زين الذي لم يعد يبكي كالسابق قائلة: ربنا معاك.
ابتسم لدعوتها له وانصرف لهذا المشوار الذي أجله طويلا، ولكن لم يعد يستطيع تأجيله أكثر.
رق قلبه وانكسر جليده حينما وقعت عيناه على أخته التي كانت بحالة سيئة وقد أنهكتها المهدئات، والتي أبدا لن تستطيع تهدئة لهيب قلبها وهي ترى نفسها كالعلقة المنبوذة من الجميع. ما إن رأته حتى ركضت إليه بلا تفكير، يراها جلال تبكي بصدق ولأول مرة. جلال.
ضمها إليه بحنان وقد هدرت الدماء التي تسري في عروقه كعروقها. ليشير للطبيبة بالابتعاد عنها وتركه برفقتها. انهارت سالي باكية: أنا مش مجنونة يا جلال. خليهم يخرجوني من هنا.
بعد وقت طويل استطاع أخيرا أن يتحدث بعد أن هدأت: سالي، أنا مش عاوز أعيش في قلق.
قالت بعيون باكية: وأنا القلق ده.
هز رأسه قائلا: آه. عاوزة الثروة، خديها. أنا مش عاوز حاجة.
قالت بصوت مختنق: كل ده عشانها.
أيوه.
اجتاح الألم قلبها لتقول بنبرة كسيرة وليس بحقدها السابق: ليه؟ فيها إيه زيادة عني؟ ليه تحبها وأنا محدش حبني زيها؟ عامر عمره ما حبني زي ما أنت حبيتها. عمري ما كنت مبسوطة. أنا حتى معنديش أصحاب.
قال بحنان وهو يدرك مقدار الوجع والحزن الذي طالما اختفى خلف حقدها وغلها ليقودها لطريق الشر: جربي تحبي عشان تلاقي الحب. إنتي عمرك ما حبيتي عامر. إنتي بتحبي سالي وبس. جربي تفتحي قلبك وتحبي من غير ما تستني مقابل وشوفي هتلاقي السعادة ولا لأ.
رفع وجهها إليه قائلا: أنا هاخدك مكان تبدأي فيه من جديد. مكان الكل محروم فيه من الحب والحنان زيك.
أوقفها أمام ذلك الملجأ الذي أسسه لذكرى والد زاهي قائلا: الولاد دول محرومين من كل حاجة، مش بس الحب. جربي وشوفي هتعيشي معاهم إزاي.
ارتاحت أوصاله حينما لم يجد منها رفضا، كما لم يجد منها ترحيبا أيضا، فقط تقبلت البداية التي منحها لها بصمت. لن يندم، فهو قدم لها يد الأخ قبل يد الانتقام. إن قبلتها فهم رابح، وإن لم تقبلها فلن يخسر شيئا، بل ستكون هي ككل مرة الخاسرة الوحيدة.
قال آدم بانزعاج وهو يفتح عيناه ككل صباح على صوت نورا. أنا حاسة إني هولد.
التفت إليها ينظر إليها بغيظ، فهو لا يهنيء بنوم متواصل منذ أن أصبحت حامل. أولدي!
نظرت له بصدمة: نعم؟
قال بمكر: اللي سمعتيه. مش حاسة إنك هتولدي؟ أولدي بقى وريني هتعمليها إزاي وإنتي في الشهر الرابع.
انفجر كلاهما ضاحكا، لتقول نورا بدلال: الله واعمل إيه يعني؟ ما إنت مش مهتم بيا خالص.
قال بغيظ: أنا يا مفترية.
هزت رأسها وتابعت بنعومة: آه. بتسيبني وبتنزل.
أذابه دلالها ليقول بنظرات عاشقة: مش بروح الشغل يا روحي.
واشمعنى جلال سايب شغله وقاعد جنب زاهي؟
ضحك آدم وهز رأسه قائلا: أنا عرفت الغلبانة زاهي بيحصلها كده ليه. من قرك عليها.
عقدت نورا حاجبيها: أنا بقر؟
أيوه. وبعدين جلال ده محدش يستحمله أصلا. كتر خيرها إنها مستحملاه. غمزه لها وتابع: إنما جوزك... واد حليوة ودمه خفيف كده.
والله؟
قال بغرور مشاكس: طبعا. ده أنا مفيش مني.
مشوار غامض أصر جلال أن يصطحبها إليه منذ الصباح الباكر. نظرت زاهي إليه باستفهام وهو يوقف السيارة أمام تلك المشفى. إحنا جايين هنا؟
قال ببساطة وهو يمسك بيدها يدخل بها من تلك البوابة الزجاجية: جايين ناخد زين.
تسمرت مكانها والتفتت إليه بعدم تصديق: نعم؟
هز رأسه وتابع ببساطة أذهلتها: آه. أنا بصراحة خلاص هتجنن وعاوز بنتي دلوقتي، فا يلا عشان تجيبهالي.
ظلت واقفة مكانها تحدق به بعدم تصديق، فهو يمزح أكيد. وهو لم يجد طريقة أفضل، فلم يرد أن يقلقها إن علمت أن حملها خطر، لذا رتب كل شيء مع الأطباء وبمجرد أن أخبره الطبيب أن عليها دخول المشفي أحضرها. جلال... إنت أكيد بتهزر.
هز كتفه وتابع السير ويداها بيده: وأنا هزر ليه؟ بقولك يا زوزو عاوز بنتي بقى.
إنت مجنون.
وهو كل حاجة عاوزها تحصل.
هز رأسه ومال تجاهها هامسا بعبث: بصراحة بقى يا زوزو أنا في أفكار منحرفة كتير ومش هينفع أعملها وإنتي حامل. فا يلا بقى.
وكزته بجنبه: إنت قليل الأدب.
أنا غلطان إني بتكلم معاكي بصراحة. مش أحسن ما أقل أدبي برا؟
عشان كنت قتلتك.
غمز لها: ما إحنا بنغير أهو.
آه طبعا بغير عليك. ومن غير تفكير ممكن أقتلك لو بصيت لغيري.
يبقى طاوعيني بقى وهاتيلي بنتي عشان تفضيلي. أحسن ما الشيطان يلعب بدماغي وتبقي نهايتي أموت على إيديكي الحلوين دول.
بعد الشر عليك يا حبيبي.
ابتسم لها بحنان وقبل رأسها قائلا: يلا بقى، أنا مجمد الدكاترة من الفجر.
عقدت حاجبيها باعتراض: يا جلال... يعني... يعني إزاي هولد كده فجأة؟
قال بابتسامة: زي الناس. وبعدين قلقانة ليه؟ أنا أصلا داخل معاكي العمليات.
انحنى فجأة ليحملها بين ذراعيه لتهتف به: بتعمل إيه يا مجنون؟ نزلني.
هز رأسه وتابع طريقه: لا.
أحاطت عنقه بذراعيها وابتسمت وهي تنظر لعيناه التي أنستها كل ما حولها.
شهر مضى على سالي وهي بهذا المكان، لا تنكر أنها أصبحت تشعر بالراحة والصفاء قليلا. لم تتكيف أو تحاول الاقتراب من هؤلاء الأطفال، واكتفت بمشاهدتهم يلعبون بالحديقة أثناء جلوسها هناك أغلب يومها. تنظر إليهم وينظروا إليها، ولكن التحفظ بنظراتهم متبادل.
كانت واقفة خلف نافذة غرفتها الزجاجية شاردة، ونسمات الهواء تتلاعب بخصلات شعرها، تفكر بكلام جلال وموقفه معها. تتذكر لقطات من حياتها السابقة. كلام أبيها منذ أيام الذي لم يصدق حالتها الهادئة: أنا كويسة يا بابي، اطمن.
نظر إليها شريف بعدم تصديق: يعني إنتي حابة المكان؟
هزت كتفها: مش كارهاه.
هز شريف رأسه: طيب مدام ماجدة مديرة الملجأ قالتلي إنك بتساعديها في إدارته.
هزت رأسها: آه. في شوية حاجات إدارية بتسلي وأنا بعملها.
حلو يابنتي. طيب عاوزة حاجة؟
هزت رأسها. لينظر إليها شريف لحظة قبل أن يغادر، ليتفاجيء بها توقفه: بابي... جلال عامل إيه؟
هز رأسه بابتسامة: كويس.
أومأت له وانصرفت ولم تجرؤ على التساؤل عن عمتها أو أولادها.
خرجت من شرودها على تلك الطرقات على الباب. مدام سالي... دنيا تعبانة أوي.
عقدت حاجبيها بتساؤل: مين دي؟
قالت إحدى العاملات: دي بنت من الملجأ عندها ربو وجات لها النوبة وتعبانة أوي.
قالت سالي وهي تتبعها لغرفة الطفلة: طيب هاتي الدكتور بسرعة.
للأسف الدكتور مش موجود وتليفونه مقفول.
نظرت سالي الطفلة التي تسعل بحدة ولاتستطيع التقاط أنفاسها. صاحت بها: إنتي بتتفرجي عليا؟ روحي اتصرفي شوفي دكتور. يعني إيه مكان زي ده مفيش فيه غير دكتور واحد.
قالت العاملة بتوتر: أعمل إيه يا مدام دلوقتي.
فركت سالي وجهها لحظة تسيطر على أفكارها لتقول: هاتيلي مفتاح عربية أي حد بسرعة وأنا هاخدها المستشفى. بسرعة.
ترددت سالي لحظة قبل أن تترك العنان لمشاعرها وتحمل تلك الصغيرة التي تكاد تنقطع أنفاسها وتسرع بها في رواق تلك المشفي. عاوزة دكتور بسرعة.
قالت موظفة الاستقبال: خديها الأوضة دي ودكتور أمجد هييجي حالا لحضرتك.
وقفت تتابع الطبيب الذي أسرع يتفحص الطفلة ويأمر الممرضات بوضعها على جهاز التنفس، بينما حقنها ببعض الأدوية.
رواية حب بطعم الانتقام الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم رونا فؤاد
رواية حب بطعم الانتقام الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رونا فؤاد
قال آدم بضيق وهو يتطلع حوله لهذا الحفل الذي أقامه جلال. لقد انقسم لجزء خاص بالفتيات وتعالت منه أصوات الضحك والموسيقى، بينما الجزء الخاص بهم صامت والكل يتطلع للآخر.
"إيه يا جوجو الحفلة الناشفة دي؟"
ضحك جلال قائلاً: "وعاوزها تطرى إزاي؟"
غمز آدم: "مش كنت جبت صافي ترقص..."
ضحك جلال قائلاً: "إنت محرمتش... لو نورا سمعتك هتخلي ليلتك سودا."
كانت زاهي في قمة السعادة بهذا الحفل الذي شعرت وكأن جلال يهديها لها لتسعد. تعالت ضحكات الجميع، فكل فتاة منهم تحتفل أيضاً وليست فقط زاهي. علياء بسعادة غامرة وهي وجدت الحب أخيراً برفقة زوج حنون كعامر. نورا وقد داوى آدم جروح قلبها الذي حطمه بخيانتها. نور وهبها الله هدية صبرها لحبها سنوات لعاصم الذي يستحق كل خير. حتى ليلى، تلك الصديقة التي أرسلها القدر في طريق زاهي لتقف بجوارها، وكذلك مها ومي.
كانت ليلة جميلة سعد بها الجميع احتفالاً بقدوم زينة الجميلة.
***
كانت ما تزال أصوات الأغاني تتردد في أذن زاهي التي عادت لغرفتها تدندنها بعد أن اطمأنت على أطفالها. فتح جلال الباب بهدوء ليراها تتمايل وتدندن أنغام تلك الأغنية. التهبت حواسه وهو واقف يتأمل تمايل خصلات شعرها الطويل على ظهرها الرشيق ليقترب منها بخطوات بطيئة مأخوذاً بسحرها.
شهقت حينما شعرت بيداها على خصرها.
"خضتني يا جلال."
ضحك قائلاً: "سلامتك يا قلب جلال."
التفتت إليه بابتسامة زادت من جمال وجهها وهي تقول: "مرسي يا حبيبي على الحفلة الحلوة دي."
"المهم إنك مبسوطة يا روحي."
"مبسوطة أوي يا حبيبي."
تنهدت وأسندت رأسها على صدره قائلة: "كل حاجة في حياتي بقت زي الحلم الجميل."
رفع ذقنها إليه وقبل طرف شفتيها: "إنتي بس احلمي وأنا أحققلك كل أحلامك."
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي."
قبل يديها قائلاً بحنان: "ويخليكي ليا يا روحي."
ابتسمت له وعادت لتنظر لانعكاس صورتها بالمرآة وتتابع تصفيف شعرها لتلمع عيناه الراغبة بالشغف.
قالت زاهي بابتسامة: "إنت بتبصلي كده ليه؟"
"معجب."
"والله؟"
دفن رأسه في عنقها يقبل جانب عنقها قائلاً: ".. وحشتيني."
"جلال بس بقي بطل قلة أدب."
أحاط خصرها بذراعيه وتابع طبع قبلاته على جانب عنقها الناعم قائلاً بأنفاس راغبة: "ما أنا مبطل بقالي شهر ونص."
أفلتت ضحكتها قائلة: ".... ده إنت عادد."
انحنى ليحملها لتحيط عنقه بذراعيها ليقول بحب: "عاوز دايماً أشوف ضحكتك الحلوة دي."
نظرت في عينيه وهي تحيط عنقه بذراعيها قائلة: "ضحكتي دي إنت السبب فيها يا حبيبي."
"شفايفك اللي تجنن دي بقت عاوزة تتأكل على الكلام الحلو ده."
ضحكت ليلتقط شفتيها بين شفتيها يلتهمها بنهم جاذباً إياها لأحضانه لتحيط زاهي عنقه بذراعيه ليتمادى بقبلته وتمتد يداه لتتخلل خصلات شعرها الناعم يعبث بخصلات بينما يداه الأخرى امتدت لتعابث بمنحنيات جسدها الذي لا يمل منه يستكشفه كل مرة وكأنها أول مرة. كدت زاهي يدها تمررها بخصلات شعره لتلتهب مشاعره على يد تلك الفاتنة التي أغمضت عيونها وتركته يسحبها إلى عالمه الخاص بلمساته السحرية التي أججت مشاعرها التي تعشقه.
***
أسندت سالي رأسها إلى ظهر فراشها شاردة تفكر بأمجد الذي سيطر على تفكيرها لتعترف أخيراً أنها اشتاقت إليه. لقد مضت بضعة أسابيع لم تره فيهم، حتى أنه أرسل أحد أصدقائه لفحص الأطفال الأسبوعي. تنهدت بثقل، ألهذه الدرجة لم يعد يريد أن يراها حينما وجد كلاهما أن شعوره متبادل بذلك الإعجاب. لتتذكر حينما اعترف لها بإعجابه وانجذابه لها لتهلع وتتوتر مشاعرها التي لأول مرة تشعر بتلك المشاعر التي جعلتها تخاف كثيراً أن يعرف أمجد حقيقتها. فهم أمجد يومها ارتباكها، أنه رفض لينسحب من حياتها نهائياً.
في البداية ظنت أن هذا هو الصواب. فهو بكل الأحوال سيترك حياتها حينما يعرف كم هي إنسانة عكس تماماً التي يظنها. ولكن بمرور الأيام ازدادت تلك الفجوة المريرة بداخل قلبها اشتياقاً له.
قامت من مكانها وارتدت ملابسها بعد أن اتخذت قرارها.
***
انتهى أمجد من مروره المسائي على مرضاه ليعود إلى مكتبه يدفن تفكيره وسط العمل حتى لا يأخذه إليها. كيف فكر من الأساس بشيء كهذا؟ امرأة مثلها بالتاكيد لن تقبل برجل مثله. مجرد طبيب وهي ابنة الملياردير شريف المهدي.
قاطعه تفكيره تلك الطرقات على الباب.
أدخل.
أدارت سالي مقبض الباب وقفت تنظر إليه لحظة ليقوم من مقعده ببطء وتتقافز دقات قلبه إليه، فكم اشتاق لهذا الوجه الجميل وتلك الابتسامة الفاتنة التي ارتسمت على ثغرها الوردي.
"ممكن آخد من وقتك دقايق؟"
سيطر على انفعال مشاعره ليقول: "آه طبعاً اتفضلي يا سالي هانم."
عقدت حاجبيها مرددة: "هانم...!"
نظر إليها لتندفع بصوت هادئ قائلة: "بقالي فترة مش بتيجي الملجأ."
هز رأسه وحاول إبعاد عينيه المشتاقة عن عيونها قائلاً: "أبدا بس كنت مشغول شوية."
"مشغول ولا مش عاوز تشوفني؟"
رفع عينيه إليها لتشتبك بعيونها بحرب من النظرات المشتاقة بين كلاهما ألهمت حواسهما ليقول أخيراً: "مَكُنتش عاوز أفرض نفسي عليكي أكتر من كده."
"إنت ليه بتقول كده يا أمجد؟"
"عشان اتجرأت وفكرت فيكي من غير ما أحسب الفارق بينا."
قاطعته: "فارق إيه يا أمجد... لا طبعاً إنت غلطان لو فكرت كده."
نظر إليها بتوجس: "يعني إنتي ممكن توافقي تربطي بواحد زيي؟"
"إنت اللي تقبل واحدة زيي يا أمجد."
فركت يدها وتابعت بتعلثم: "أمجد إنت متعرفش عني حاجة."
نظر إليها بتساؤل قائلاً: "لو تقصدي موضوع طلاقك وولادك فالموضوع ده مش فارق معايا. أنا كل اللي يهمني إنتي وبس وولادك هعاملهم زي ولادي. صدقيني."
قالت بثقل: "أمجد إنت متعرفش عني حاجة. أنا مش الست اللطيفة الحنينة اللي شفتها بتنقذ طفلة يتيمة. أنا..."
جلس في المقعد المقابل لها قائلاً: "مش عاوز أعرف غير اللي أنا شايفه. سالي.. أنا بعد مراتي الله يرحمها مفيش واحدة قدرت تدخل قلبي زي ما إنتي عملتي."
تنهدت بعذاب قائلة: "عشان إنت اتعرفت عليا في ظروف خلتك تشوفني ملاك. أمجد... إنت لو عرفت أنا عملت إيه في حياتي ودمرت قد إيه أقرب الناس ليا هتكرهني."
قطب جبينه ناظراً إليها لتخفض عيناها وتعض على شفتيها بتوتر قبل أن تخبره بماضيها.
***
فتح جلال عينيه بانزعاج على صوت زاهي المنفعل.
"قوم!"
انتفض جالساً ينظر إليها بقلق.
"إيه يا حبيتي في إيه مالك؟"
قالت بغضب: "في إنك نايم ومريح دماغك وأنا مش عارفة أنام ساعتين على بعض بسبب بنتك اللي مش مبطلة عياط."
قام من مكانه واتجه إليها ليحمل زينة من بين ذراعيها.
"طيب هاتيها واهدي بس وفهميني في إيه. مالها زينة؟"
رفعها بين ذراعيه قائلاً بدلال: "البرنسيس زينة عاملة دوشة ليه."
زفرت بغيظ حينما هدأ بكاء الطفلة لتقول: "أهو كله بسببك. إنت تفضل شايلها وبتدلعها طول اليوم ومعايا أنا ونعمة تصرخ وتعيط."
ابتسم لغيرتها من دلاله لصغيرته ليداعب وجنتها قائلاً: "إحنا بنغير ولا إيه يا زوزو؟"
أبعدت يداه.
"أوعى كده."
وضع صغيرته على إحدى ذراعيه واحتضن كتف زاهي بذراعه الأخرى قائلاً بحنان: "تعالي بس واهدي يا روح قلبي."
نامت زينة بين ذراعي أبيها ليضعها بفراشها ويعود إلى زاهي ليجذبها إلى حضنه قائلاً بحنان: "مالك متعصبة ليه؟"
نظرت إليه بجبين مقطب دون قول شيء.
ليمرر يداه على شعرها قائلاً: "مش عاوزة تقولي لجلال حبيبك إيه اللي مضايقك؟"
أحاط خصره بذراعيها قائلة: "مفيش. متزعلش مني إني اتنرفزت."
قبل رأسها قائلاً: "مقدرش أزعل منك يا روحي. طيب تحبي أجيبلك شغالة تانية تساعدك مع نعمة؟"
هزت رأسها: "لا يا حبيبي."
"شوفي اللي إنتي عاوزاه يريحك."
ازدادت يداها حول خصره قائلة: "عاوزاك تبقى جنبي. إنت مشغول أوي الفترة دي أنا تقريباً مبقتش أشوفك."
"حقك عليا يا روحي. الشغل كتير أوي الفترة دي. بس وعد مني هفضي نفسي عشانك."
***
عقد أمجد حاجبيه واحتقان وجهه بالغضب هاتفا بسالي: "إيه اللي بتقوليه ده؟ إنتي إزاي متخيلة إني أقبل بحاجة زي دي؟"
قالت بتعلثم: "أمجد.. أنا... أنا مش قصدي..."
قاطعه بحدة: "إيه اللي مش قصدك في إن الهانم عاوزة تصرف عليا؟"
"أنا مقصدتش كده أبداً. أنا قلت نتشارك في مستشفى كبيرة إنت بخبرتك."
قاطعها بغضب: "وإنتي بفلوسك؟ مش كده؟"
نظر إليها ليطالعها بنظرات غاضبة ممزوجة بالخذلان. "طبعاً أنا مش لايق باسم سالي هانم المهدي وعاوزة تقدمني لأبوها إني صاحب مستشفى."
قاطعته برجاء: "أمجد لو سمحت مفيش داعي للي بتقوله ده. إنت عارف إني بحبك ومش بفكر كده أبداً. إنت المفروض أكتر واحد عارف أنا اتغيرت قد إيه."
"عارف. بس مش عارف إنتي ليه فكرتي في كده."
"عاوزة أريحك ونبني حياتنا."
"أنا مرتاح. وهبني حياة مناسبة تليق بينا. سالي أنا عارف إنك اتعودتي على مستوى حياة معين ومعايا هتتخلي عن حاجات كتير بس أنا مش هقبل أبداً أكون الراجل اللي مراته بتصرف عليه. فكري كويس قبل ما تاخدي قرار."
"من غير ما أفكر يا أمجد. أنا مش عاوزة في حياتي غيرك."
نظر إليها شريف لحظة قبل أن يعقد حاجبيه قائلاً: "تتجوزي!"
هزت رأسها: "آه يا بابي بعد إذنك."
قال باستنكار: "عاوزاني أوافق إن بنت شريف المهدي تتجوز من دكتور معندوش غير مرتبه؟ وأكيد طمعان فيكي."
نظرت لابيها بعدم تصديق لما نطق به.
ليزجرها شريف: "إيه يا سالي ساكتة ليه؟ كلامي غلط؟"
"أيوه يا بابي. أمجد إنسان كويس وبيحبني وعمره ما هيكون طمعان زي ما حضرتك بتقول."
"وإيه اللي خلاكي متأكدة كده؟"
زاغت عيونها لاتجد شئ تقوله إن تحدث أبوها بمنطق الثروة. لتخبره بما حدث بينهما آخر مرة ليهز شريف رأسه ويتأكد أنها لم تعد سالي القديمة وأنها بالفعل تغيرت.
ليقوم شريف من مقعده وينظر إليها مطولاً قبل أن يتنهد قائلاً: "إيه إحساسك وإنتي مكان أخوكي؟ حاسة قد إيه الثروة ملهاش قيمة قصاد اللي قلبك اختاره."
نظرت إلى أبيها الذي نظر مطولاً لوجهها قائلاً: "سالي ده آخر درس ليكي اطمنت إنك اتعلمتيه. الفلوس مهمة آه، بس مش كل حاجة. العيلة أهم. وطالما إنتي واثقة من اختيارك ولو الراجل ده كويس ويسعدك ويستاهلك أنا معنديش أي مانع تتجوزيه."
لاحت ابتسامة مهزوزة على شفتيها: "بجد يا بابي؟"
"طبعاً... حددي معاد أقابله وأتكلم معاه."
***
تردد جلال قليلاً قبل أن يقول لأبيه: "تفتكر عامر هيقبل إنها تتجوز؟"
"وفيها إيه يا جلال ماهو اتجوز. حقها تبدأ هي كمان حياة جديدة. أنا قابلت دكتور أمجد واتكلمت معاه وأنا شخصياً موافق."
"تمام خلينا نتكلم مع عامر."
***
نظر عامر لوجه علياء الذي لم تستطع إخفاء ملامح الحزن منه ليقول: "علياء إنتي زعلانة؟"
ظلت صامتة ليكمل: "إنتي عارفة إن كل اللي ضايقني في الموضوع ولادي مش سالي."
"عارفة ومقدرش ألومك بس أنا إنسانة وحقي أزعل لما ألاقيك متضايق أوي كده إنها هتتجوز."
"مش متضايق... بس... بس..."
"بس إيه يا عامر؟ إنت قلت إنها مش فارقة معاك. زعلت ليه لما عرفت إنها هتتجوز؟ ولا غيرانة؟"
هز رأسه: "لا طبعاً. أنا.. أنا بس بفكر في ولادي. وده حقي أعرف مين هيبقى مكاني."
هتفت بحدة: "مفيش حد مكانك. سالي هتتجوز زي ما إنت اتجوزت."
"عليا افهميني. أنا كنت خايف على ولادي وخصوصاً إنها عاوزاهم يعيشوا معاها لما تتجوز. حقي أقلق من الراجل اللي هتتجوزه. الولاد متعلقين بيك بس هي أمهم."
ابتعدت يداه عنها ونظرت إليه تبتسم لصدقه ليقول: "متزعليش مني. غصب عني أعصابي فلتت لما عرفت إنها هاتتجوز بس عشان ولادي والله. علياء إنتي مكنتيش كده."
هتفت بحدة: "وبقيت كده. عشان بغير عليك."
"عارف وأسف إني ضايقتك."
***
جذبها جلال لتجلس على ساقه لتبعد يداه حول خصرها قائلة بغيظ: "أوعى كده يا جلال. مش كل شوية تضحك عليا لما أقولك على موضوع الشغل."
قال ببراءة: "أنا بضحك عليكي."
"أيوه... وأوعى كده بقي. مش هتضحك عليا زي كل مرة."
أحاط ها بذراعه وداعب خصلات شعرها قائلاً: "طيب هو أنا بعمل إيه؟"
قالت بجبين مقطب: "بتفضل تعمل كده... وتضحك عليا."
قال بمكر وهو يتطلع لوجهها الغاضب: "كده اللي هو إيه؟ يعني مثلاً باكل الشفايف الحلوة دي كده."
جل... ابتلع اعتراضها بين شفتيها التي تناولها بنهم هامساً: "ششش..."
***
مر شهر ليحل ذلك اليوم الذي أقامت به مجموعة المهدي حفل ضخم احتفالاً بذلك المشروع الخيري الضخم والذي ضم دار كبيرة للأيتام ومدرسة ومشفى ومجتمع متكامل للأطفال.
طرقت زاهي بكعب حذائها بخطوات غاضبة تسير إلى جلال الواقف برفقة رجال الأعمال لتأخذه بعيداً هاتفه بعدم تصديق: "إيه اللي جاب دي هنا؟"
نظر إلى تلك الراقصة المشهورة التي حضرت الحفل قائلاً ببراءة: "جاية تشارك في العمل الخيري."
يضيق عيناها بغيظ: "والله؟ رقاصة في حفلة أطفال؟"
"وفيها إيه؟ دي حفلة كبيرة وفيها ناس كتير من الوسط ده."
غمز لها وقال بمرح: "أنا قلت نفرفش."
قالت بغيظ: "تفرفش؟!! ده أنا هقتلك. لولا إننا قدام الناس أنا كنت وريتك على العملة الزفت دي. اتفضل مشيها حالا."
ضحك على وجهها الغاضب لتزجره زاهي طوال الحفل بنظرات الوعيد.
***
قال جلال بشماتة لعاصم: "مبروك يا عاصم. عرفت إنك هتجيب ولد."
نظر إليه عاصم ليكمل بخبث: "ابقى وريني هتسميه زاهي إزاي."
تعالت ضحكات الجميع وقد أصبحت تلك الضحكات والأوقات السعيدة ما يجمع تلك العائلة الكبيرة بكل لقاء.
***
جذبها جلال إلى صدره العاري ليمرر يداه برقة على ظهرها بعد أن قضى ليلة ممتعة برفقتها لتقول زاهي: "الأ قولي يا جلال... إيه مزاجك في الرقاصات؟"
ضحك بصخب قائلاً: "هما اللي بيجروا ورايا."
وكزته بصدره: "والله؟"
"طبعاً يا روحي. تنكري إن جوزك راجل وسيم والستات بتموت فيه. وبعدين خايفة من إيه؟ ما إنتي عارفة إني بموت فيكي ومقدرش أبص لغيرك. وخلاص تبنا إلى الله. سمعتنا راحت."
قالت بغيظ: "سمعتكوا. يابتاع الرقاصات."
جذبها لتقع فوق صدره العريض قائلاً بخبث وهو يدفن رأسه في عنقها: "طيب إيه... مفيش رقاصة؟!"
***
قطعت الغرفة ذهاباً وإياباً تحدث نفسها: "لا... لا مش معقول... حامل... ده أنا بقيت أرنب!"
دخل جلال الغرفة ليعقد حاجبيه بدهشة متسائلاً: "... زاهي يا روحي إنتي بتكلمي نفسك؟"
قالت بغيظ: "آه. كله منك ومن عمايلك."
قال بدهشة: "وأنا عملت إيه؟"
مدت يدها إليه باختبار الحمل هاتفه بغضب: "اتفضل....... أنا حامل...... أرنب أنا كل كام شهر أبقى حامل."
اجتاحت الابتسامة والسعادة وجهه: "بجد يا حبيبتي... مبروك."
أبعدت يداه التي احتضنها بها: "أوعى كده."
جذبها لحضنه قائلاً: "هو ده اللي مضايقك؟"
قالت بغضب: "أيوه.... قلتلك آخد حبوب وإنت مرضتش."
جلس وأجلسها على ساقه بين ذراعيه: "يا روحي تعالي بس وبلاش نرفزة."
"أوعى كده وإياك تقربلي تاني."
قال وهو يداعب وجنتها الحمراء: "عارفة يا زوزو... كنت فاكر إن الستات بتبالغ في موضوع الهرمونات بس اكتشفت إن عندهم حق."
غمز لها وأضاف: "بس هي بدأت بدري أوي معاكي."
لكمته بكتفه: "طيب أوعى من قدامي بدل ما أطلعها عليك."
"وإنت فارق معاك إيه؟ أنا اللي كل كام شهر أبقى قد الفيل."
"أحلى فيل."
"أوعى مش هتضحك عليا."
"طيب قوليلي بس أعمل إيه عشان أرضيكي. ياروحي أنا مبسوط أوي إنك حامل وعاجباني زعلانة ليه بقى."
مرر يداه على خصلات شعرها بحنان قائلاً: "طيب إنتي مش كنتي عاوزة تشتغلي؟ أنا موافق."
رفعت حاجبيها تتطلع إليه تتبين صدقه ليهز رأسه قائلاً: "آه... نروح للدكتور نطمن عليكي وعلي البيبي ولو قال أوك أنا معنديش مانع. المهم تبقي مبسوطة."
رواية حب بطعم الانتقام الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم رونا فؤاد
اتسعت عيون أمجد بعدم تصديق حينما وقف لدي باب المطبخ يتطلع إلى سالي التي وقفت تعد له الإفطار.
لم ينتبه للأعصار الذي ضرب أرجاء المطبخ، فتلك مرتها الأولى بالمطبخ.
ولكنها هي وحدها من اجتذبت انتباهه وكل حواسه.
إنها جميلة فاتنة لا يستطيع تصديق أو تخيل أنها فعلت كل تلك الشرور.
لا ينكر أنه لم يصدقها في البداية وظنها تفتعل هذا الماضي كحجة لتبعده عنها، ولكن شريف أكد له هذا وشرح له كيف أن دلالها الزائد وغياب والدتها وتحميلها لأخيها ذنب موتها كان السبب الأكبر في حقدها الدائم عليه، وأعطى للشيطان الطريق لجذبها إليه دون تفكير.
لقد تحدث مع أحد الأطباء النفسيين أصدقائه وأخبره بقصتها ليتوصل الطبيب لتشخيص لحالتها وأنها بالفعل مقدار كونها الجاني والظالم بكل الرواية، إلا أنها في الواقع ضحية ومظلومة من نفسها الشريرة التي وجدت في انتقامها من أخيها الحل في عدم شعورها بالحب.
أخبره الطبيب أن ما حدث لها لم يكن تغير في شخصيتها، بل مجرد إيجاد شخصيتها الحقيقية أسفل أنقاض نفسها المدمرة.
إن قلبها كقطعة الألماس المدفونة عميقًا أسفل غل وحقد روته على مدار سنوات بكراهية وأفكار خاطئة، لذا ما أن شعرت بحب أمجد الذي عاملها دون أن يعرف عنها شيئًا ورأى فيها شخصية طيبة، أرادت أن تجد طيبتها وشخصيتها الحقيقية.
راودت شفتاه ابتسامة سعيدة، فهو لم يكن يظن أن قلبه سيدق بعد وفاة زوجته لتنتزع تلك الفاتنة دقات قلبه وتوقعه بغرامها من أول وهلة.
أطلق صفيرًا مشاكسًا وهو يتطلع لجمالها بفستانها الوردي البسيط، لتلتفت إليه بابتسامة واسعة زادت من جمال شفتيها.
إنها لا تعرف كيف يمكنها أن تصف ما تشعر به.
إنه هذا الحب الذي كانت تقرأ عنه الروايات في مراهقتها، ذلك الذي لم تكن تتخيل أن له وجود وسط الخطط والمؤامرات والكراهية والطمع والثروة.
إن هناك شيئًا بالفعل يسمى حب.
ذلك الذي جعل أخيها من دون الجميع يختار تلك الفتاة وجعل تلك الفتاة تحتمل كل ما فعلته بها.
هناك حب لم تجده مع زوجها الذي وجده برفقة أخرى استحقته.
هناك حب دائمًا، ولكنك لن تجده أثناء بحثك عن كراهية وحقد وانتقام.
صباح الخير يا حبيبتي.
صباح النور يا حبيبي.
داعب وجنتها الناعمة قائلًا: ينفع أصحى مشوفش الوش الجميل ده جنبي.
تراقصت دقات قلبها وهي تستمع لكلمات الغزل منه، وكأنها مراهقة تسمعها لأول مرة.
فكلماته وهمساته ولمساته كل شيء تختبره برفقته لأول مرة، بالرغم من أنها كانت زوجة لعامر لسنوات، ولكن برفقة أمجد تشعر كأنها زوجة لأول مرة.
لا تلوم عامر بالطبع، فالحياة بينهما لم يكن بها مشاعر كالتي تشعر بها برفقة أمجد.
نظرت إليه بحب قائلة: حبيت أجهز لك الفطار.
أحاط خصرها بذراعه ونظر لأرجاء المطبخ.
رافعًا حاجبه قبل أن تفلت منه ضحكة عالية: لما المطبخ اتدمر في الفطار، أمال في الغدا هنعمل إيه.
قطبت جبينها كالطفلة: الحق عليا إني حبيت أعملك الفطار.
داعب وجنتها برقة وانحنى ليحملها لتحيط عنقه بذراعيها، بينما يسير بها إلى غرفتهم قائلًا: يا روح قلبي وأنا مش عاوزك تتعبي ولا تعملي أي حاجة.
وضعها برقة على الفراش وانحنى ناحيتها يقبل يدها قائلًا: كفاية بس إنك تبقي جنبي وفي حياتي.
بجد يا أمجد. يعني مش هتكرهيني في يوم من الأيام.
عقد حاجبيه باستنكار: أكرهك! لا طبعًا يا سالي، أنا بحبك وكل يوم هحبك أكتر من اللي قبله.
رمت نفسها بين ذراعيه تحتضنه قائلة: وأنا بحبك أوي أوي أوي يا أمجد. ونفسي أخليك أسعد واحد في الدنيا.
قبل جبينها قائلاً: طول ما إنتي مبسوطة أنا مبسوط.
رفع يداها إلى شفتيه يقبلها بحنان قبل أن يقول معاتبًا: مش كنا قضينا الليلة في أي أوتيل زي ما قلت لك.
أسندت رأسها إلى صدره وهي تهز رأسها: لا يا حبيبي مرة تانية. أنا كان نفسي نقضي أول يوم لينا مع بعض في بيتنا.
قبل جبينها قائلاً: وأدينا قضيناه. خليني بقى أعمل لك شهر عسل متنسيهوش أبدًا.
أغمضت عيناها وهزت رأسها موافقة على أي شيء برفقته.
إنها سعيدة كما لم تشعر.
لقد قضت شهر عسل وسافرت حول العالم برفقة عامر، ولكنها لم تكن سعيدة مقدار سعادتها وهي تفتح عيونها بهذا المنزل الذي يضمها مع زوجها الحنون الذي يحبها.
لقد كان زفافها على عامر أسطوري، ولكن بالأمس كتبت كتابها على أمجد بحضور أبيها وأخيها وآدم فقط، وكانت في قمة السعادة لدرجة البكاء في أحضان جلال.
لتتذكر flashback:
أنا آسفة يا جلال، سامحني على كل اللي عملته فيك. أنت متستاهلش مني أبدًا كل الكره ولا الحقد ده. أنا آذيتك كتير وآذيت زاهي وعارفة إنكم مستحيل تسامحوني.
هز جلال رأسه وأخفى غصة حلقه لدموعها قائلاً: أنسي يا سالي كل اللي فات. أنتِ حطيتي رجلك على أول الطريق الجديد، متبصيش وراكي.
رفعت عيناها الباكيتين إليه برجاء: هتخليها تسامحني.
زم جلال شفتيه لا يعرف بماذا يجيب، فهي حاولت أن تتحدث مع زاهي، ولكن بالرغم من طيبتها وتجاوزها لكل ما مضى، إلا أنها رفضت.
(جلال أنا آسفة، بلاش أقابلها. أنا من قلبي نسيت ومسامحاها، بس مش هقدر أشوفها ولا أفتح أي جرح جديد في قلبي، ما صدقت إنه اتقفل.)
قبل جلال جبين زاهي متقبلًا رأيها.
(ماشي يا حبيبتي اللي يريحك.)
هز رأسه لأخته قائلاً: سبيي كل حاجة للوقت يا سالي.
اختنق صوتها بالدموع: نفسي لو أقدر أرجع الزمن مكنتش عملت أي حاجة من دي. ونفسي ربنا ما يعاقبش ولادي بأي ذنب أنا عملته.
ربت على شعرها بحنان قائلاً: قلت لك إنْسي كل اللي فات.
احتضنها بحنان قائلاً: مبروك يا سالي. أمجد بني آدم كويس، حافظي عليه.
همس عامر لأطفاله قائلاً: ها، اتفقنا.
هز سليم وسيدرا ولينا رأسهم: اتفقنا.
يلا بينا.
سار الأربعة على أطراف أصابعهم بهدوء تجاه غرفة عالية المستغرقة بالنوم كعادتها منذ أن أصبحت حامل، لتقفز هلعًا حينما انطلقت تلك الأصوات بجوارها وتطايرت تلك الأوراق الملونة والبالونات ليهتف الجميع happy birthday Lolo.
اجتاحت الابتسامة وجهها وهي تحاول الاعتدال والجلوس ببطنها المنتفخة، سعيدة بتلك المفاجأة التي أعدها عامر والأولاد، ليضع أمامها قلب حلوى كبيرة عليها صورتها.
احتضنت الأطفال وقبلتهم بسعادة: كل سنة وأنتي طيبة يا لولو.
وأنتم طيبين يا حبايب قلب لولو.
إيه المفاجأة الحلوة دي يا عامر.
ابتسم لها وقبل جبينها وأخرج من جيبه علبة صغيرة بها خاتم أنيق ليضعه في إصبعها ويقبل يدها قائلاً: كل سنة وأنتي طيبة يا قلب عامر.
بعد قليل انفرد بها ليشاكسها ما إن وجدها تعود للنوم.
لا بقى يا لولو، ماتصحي معايا شوية.
قالت بكسل: أعمل إيه بس يا حبيبي. مش ابنك السبب.
قال وهو يميل ناحيتها: وأنا ذنبي إيه. وحياتك عندي لما يجي له، هطلع عين أهله.
أفلتت ضحكتها قائلة: حرام عليك، تعمل كده في جلال الصغير.
قال باستنكار: نعم ياختي، جلال إيه؟
وضعت يدها على بطنها قائلة: جلال. ابنك.
لا طبعًا، وأنا أسميه جلال ليه إن شاء الله.
داعبت وجنته: مش هو وزاهي السبب إننا نعرف بعض ونتجوز.
أه، بس برضه مش هسمي ابني على اسمه، وبعدين الواطي مسماش ابنه على اسمي.
ضحكت قائلة: أمال هتسميه إيه؟
قال بسعادة: هسميه عاصم عشان أغظ جلال.
تعالت ضحكة كلاهما على رد فعل جلال.
وبعد عدة أشهر أنجبت علياء (إياد).
بالطبع بعد أن دفع جلال رشوة للأطباء لتغيير اسم الطفل من عاصم لإياد.
استقر الأطفال برفقة علياء، ولكن علاقتهم بسالي توطدت كثيرًا ويقضون برفقتها يومان كل أسبوع.
تغيرت سالي كثيرًا وها هي ستنجب توأمها الثاني شريف وجلال، والفرحة لا تسع أمجد ذلك الزوج المحب الحنون.
دار آدم حول نفسه وداخله يحدث نفسه: يارب متكونش حامل تاني.
ليبتسم الطبيب الذي انتهى من فحص نورا قائلاً: ألف مبروك يا آدم بيه، المدام حامل.
لا. صرخ بداخله بالرغم من ابتسامته أمامها، فهي كادت تصيبه بالجنون في حملها الأول، ولن يصمد في حمل آخر.
قالت نورا بدلال: مالك يا حبيبي. شكلك مش مبسوط.
ها. أنا لا طبعًا مبسوط أوي.
قال بداخله: يارب عدّيها على خير وخلي هرموناتها تبقي هادية ولطيفة.
لم يكد يكمل دعاءه لتعقد نورا حاجبيها.
انت مكشر كده ليه. شكلك مش مبسوط. طبعًا ما إنت مش بتحبني ولا عاوز تخلف مني. انت مش طايقني.
قاطعها: لا بقى، بقولك إيه. إنتي تعقلي هرموناتك دي، إحنا لسه في أول شهر. هسمح لك تتجنني آخر شهر وبس، إنما دلوقتي.
مال تجاه شفتيها يلتهمها بين شفتيه قائلاً بمكر: هسمح لك بكده وبس.
ضحكت بنعومة وهي تدفن رأسها بعنقه.
انت قليل الأدب.
نظرت نجلاء لأخيها بابتسامة حينما رأته يدلف المنزل وبيده زين الذي أصبح لا يفارقه.
زين حبيب تيته.
يركض زين لحضنها يتمتم: تيته.
بينما جلس شريف قائلاً: إزيك يا نجلاء. عاملة إيه.
أنا بخير. طمني.
ابتسم شريف: الحمد لله. جاب إياد.
ابتسمت بسعادة ودمعت عيناها ليقول شريف: يلا أنا جيت آخدك نروح له تشوفي حفيدك الصغير. عامر محلفني مرجعش إلا بيك.
رفعت عيناها الدامعة إليه لتقول بصوت مهزوز يشوبه البكاء: شكرًا يا شريف إنك سامحتني وأديتني فرصة.
ربت على يدها: إنتي أختي الوحيدة يا نجلاء.
حمل عاصم ابنه الصغير أسر بين ذراعيه يطعمه من ببرونة اللبن الخاصة به، بينما جلست نور منهمكة بتلك الكتب المفتوحة أمامها.
بعد قليل وضع الصغير بفراشه وذهب إليها ليجدها تفرك عنقها بإرهاق.
ابتسمت له برقة قائلة: حبيبي أنا تعبتك معايا أوي.
يجذبها لتجلس على ساقه قائلاً: المهم تنجحي وتاخدي الدكتوراه.
يا حبيبي ربنا يخليك ليا. بس الفترة الأخيرة إنت بتتعب أوي معايا.
داعب وجنتها الجميلة: وأنا عندي مين أغلى منك يا نور حياتي كلها.
بجد يا عاصم. بتحبني أوي كده.
قبل يدها ووضع وجهها بين يديه قائلاً: بحبك دي كلمة صغيرة على اللي في قلبي ناحيتك. نور يا عمري إنتي كنتي حلمي المستحيل ولقيتك معايا وحققتي حلمي ومش بس كده، لا كمان حققتيلي حلمي وخلتيني أب.
نظرت إليه لحظة قبل أن تقول بسعادة: انت اللي حققت كل أحلامي وانت جنبي ومعايا يا عاصم.
ابتسامة واسعة ارتسمت على شفاه جلال الذي أوقف سيارته أسفل المنزل قبل أن يتطلع لانعكاس صورته بمرآة السيارة وينفجر ضاحكًا يتخيل رد فعلها حينما تعرف.
تناول ذلك المغلف من جواره وصعد للمنزل وهو يجاهد لرسم الجمود على ملامحه، فهي ستقتله لا محالة.
ما إن استمتعت لخطواته حتى قامت من الفراش والقت نظرة سريعة على نفسها بالمرآة واتجهت إلى الباب لاستقباله.
توقفت دقات قلبه لحظة وهي تقف أمامه بهذا الجمال.
قميص أسود طويل بفتحة على طول ساقها الممشوقة وانسدلت خصلات شعرها الناعمة على كتفها العارية، ووضعت أحمر الشفاه الذي يثير جنونه، لتقف أمامه وترفع يدها تحيط عنقه قائلة برقة: حمد الله على السلامة يا حبيبي.
لقد كانت عصبية معه الأيام الماضية بلا سبب، وهو تحملها، فعنفت نفسها كثيرًا وقررت مصالحته.
ابتلع لعابه وارتسمت ابتسامة لعوب على جانب شفتيه: الله يسلمك يا روحي.
غمز لها وهو يميل تجاه شفتيها التي أنسته ما كان يريد قوله لها: الولاد ناموا.
ابتسمت: من بدري.
اختطف قبلة من شفتيها لم تروي تعطش شفتاه للمزيد، ليحملها ويسير بها إلى الفراش ليضعها عليه برقة ويخلع سترته وقميصه ويتجه ناحيتها ينقض على شفتيها يلتهمها بشغف قادهم لقضاء أوقات من السعادة وسط تلك السحابة الوردية التي طالما أخذها إليها.
وضعت رأسها فوق صدره الذي تخبطت به دقاته العالية تستمع إليها وإلى أنفاسه قبل أن ترفع نفسها وتستند إلى يديها متذكرة.
حبيبي صحيح الدكتور قال لك إيه.
رفع حاجبيه ومرر يداه بخصلات شعره.
ستقوم العاصفة الآن.
قال متظاهرًا بالغباء: ها.
نظرت إليه: ها، إيه يا جلال. بقولك الدكتور قال لك إيه.
أفلتت ضحكته ولم يستطع منعها لترفع حاجبيها وتزم شفتيها بغيظ قائلة بتحذير: اوعي يكون اللي في دماغي.
هز رأسها وانفجر ضاحكًا: آه يا روحي إنتي حامل.
قفز من الفراش ما إن ألقت به بتلك التحفة الكريستالية التي بجوارها ليتفاداها سريعًا.
اهدي بس يا حبيبتي.
صاحت بجنون: اهدي إيه. حامل. أنا حامل. رابع مرة. انت... انت... السبب.
تعالت ضحكته على غضبها والذي توقعه، ولذا بالأمس حينما شعرت بالتعب قليلاً وشك الطبيب بحملها، طلب منه جلال إجراء التحاليل أولاً ليخبرها هو.
لا ينكر أنه بغاية السعادة، فهل هناك أجمل من أن يكون للرجل أطفال من المرأة التي يحبها.
اهدي بس يا حبيبتي. نتفاهم.
انقضت فوقه تضربه بقبضتها الصغيرة.
نتفاهم في إيه. اعمل فيك إيه.
قال بابتسامة لعوب وهو يجذبها لصدره العاري: اعملي اللي إنتي عاوزاه.
اوعي كده. وأنا بحذرك تقرب مني ولا تفكر في قلة الأدب بتاعتك دي تاني معايا. إنت فاهم.
سكت شفتيها بطريقته ليبتلع اعتراضها ويهمس: لسه فاضل واحد. قلت لك عاوز خمس ولاد.
وقف جلال بهيبته المعهودة أمام ذلك الفندق الضخم المطل على البحر يودع تلك السيارة المكشوفة التي انطلقت وبها أميرته الفاتنة زينة وقد ارتدت ثوبها الأبيض.
غابت السيارة عن الأنظار ليلتفت إلى جانبه وقد توقف شابين بغاية الوسامة والأناقة بجواره، وإلى جانبه الآخر توقف الاثنين الآخرين واللذان بنفس الهيئة الوسيمة.
فهؤلاء الأربعة أولاد جلال المهدي: زين، مراد، شريف، محمود.
مفيش واحد منكم ناوي يتجوز.
هز الأربعة رأسهم بنفس الوقت: لا يا جلجل، إنسى.
قال وهو يرفع حاجبيه: ليه بقى. اوعي واحد فيكم يكون بيعط.
هز محمود الصغير رأسه: سبحان الله. شادد علينا أوي مع إنك كنت ملك العط زمان يا جلال ياجن.
قال جلال ببراءة: أنا. لا طبعًا. مين اللي قال كده.
قال مراد ضاحكًا: هيكون مين غيرها. زاهي هانم. طول الوقت جلال جلال. يا أخي مش بتتكلم غير عنك.
غمز له وتابع: وعن مغامراتك. لغاية ما وقعتك.
ضحك قائلاً: أنا لا طبعًا. أنا كنت طول عمري راجل ملتزم. تلاقي ماما بتبالغ بس.
قال زين: وجدو شريف كمان بيبالغوا.
وخال آدم. وخال عامر.
قال بغيظ: اهو خال زفت ده. محدش يجيبلي سيرته اليومين دول أنا مش طايقه من ساعة ما ابنه اتنيل وأخد البنت اللي حيلتي. مش عارف ابنه طلعلي منين عشان يخطف زينة مني.
غمز له شريف قائلاً: وانت زعلان أوي كده ليه، ما إحنا جنبك أهو وماليين عليك البيت.
ينظر إليهم جلال بغيظ: إنتوا هتقارنوا نفسكوا. بزين.
لا متقعدوش جنبي. غوروا اتجوزوا أنا زهقت منكم. وعاوز البيت يفضي عليا.
قال زين مشاكسًا: إيه ناوي تجيب لنا أخ تاني.
وكزة جلال بكتفه. غور يا ابن المهدي من قدامي انت واخواتك بدل ما.
انفجر الأربعة ضاحكين وركضوا من أمام جلال الذي نظر إليهم والسعادة تغزو قسمات وجهه التي مازالت تحمل وسامتها السابقة، حاس بعد مرور عشرين عاماً.
انحنى جلال تجاهها يدفن رأسه بعنقها تدغدغها أنفاسه لتضحك بنعومة.
بطل يا جلال بقى. إنت مش هتكبر.
قال وهو يمرر شفتاه على عنقها الناعم: لا يا أختي. أنا لسه في عز شبابي.
أمال ولادك دول يبقوا إيه.
ضحك وغمز لها قائلاً: لسه ناقصهم الخمس.
تراجعت للخلف وهي تضحك عاليًا: خمس إيه يا مجنون. إنت كبرت.
قال بابتسامة لعوب: مين ده اللي كبر. ده أنا لسه زي ما أنا. تعالي أثبت لك.
ضحكت وكزته بصدره: إنت قليل الأدب.
قبل جانب شفتيها قائلاً: طول عمري يا زوزو.
جذبها لتجلس على ساقه بين أحضانه قائلاً: بقولك إيه يا زوزو، ماتيجي نسافر إحنا كمان شهر عسل زي زينة، واهو نطمن عليها.
رفعت حاجبيها بتحذير: جلال. أنا فاهماك. إنت بتعمل كده عشان تسافر ليه.
لسه مش بالع إنها اتجوزت.
تضحك فهي محقة، فقد عارض كثيرًا أن يتركها تتزوج، فهي مدللته التي لا يستطيع الابتعاد عنها.
جميلة رقيقة كوالدتها.
حتى أن العائلة كلها ترجته للموافقة ليرضخ أخيراً ويوافق على زواجها بسليم ابن عامر وسالي الذي وقع بغرامها منذ أن كانت طفلة.
أعمل إيه. يعني دلوعتي حبيبتي. جه ابن عامر خطفها مني. وبعدين ليه هي تتجوز وولاد الكلب دول قاعدين على قلبي.
ضحكت عليه قائلة: مش إنت اللي كنت عاوز ولاد.
أه، بس زينة دي حاجة تانية.
ابن الكلب سليم أخدها مني بدري.
ههههه مش بيحبها.
عض على شفتيه بغيظ: لو فكر بس يزعلها. وحياة أمه وأبوه ما هرحمه.
قالت باستنكار: الله. وإنت مالك ومالهم.
مالي. مش بنتي.
قالت بدلال وهي تستند إلى ظهره: على فكرة إنت بتغير عليها أكتر مني.
داعب وجنتها ونظر لعيونها الجميلة: إنتي الأساس يا روح قلبي وعمري.
يعني لسه بتحبني زي زمان.
بموت فيكي أكتر من زمان.
نظر الأربعة إخوة إلى بعضهم بتساؤل فقد طلبتهم سالي إلى مكتبها بالمشفى الذي امتلكه أمجد زوجها وأصبحت تديره برفقته.
خير يا عمة.
قالت متظاهرة بالجدية: اقعدوا.
بقول لكم إيه يا أولاد جلال. أنا مش زي أبوكم هاخد رأيكم. أنا قررت إنكم تتجوزوا.
تعالت أصواتهم المعترضة: لا يا عمتو. فكك بقى.
قالت باستنكار: إيه فكك دي يا ولد.
نظرت إليهم وأكملت بحزم: أنا مش باخد رأيكم. هتتجوزوا يعني هتتجوزوا. جدكم عاوز يفرح بيكم. إنت يا زين هتتجوز كارين بنت حاتم الريدي، البنت زي القمر وبتحبك من سنين وانت ولا معبرها. وانت يا مراد هتتجوز ماهي بنت عامر وعلياء وشريف. سيرين بنت صالح.
التفتت لمحمود: أما إنت بقى يا محمود.
قاطعه محمود باستعطاف: أنا لسه صغير وبدرس يا عمتو.
ضيقت عيناها الضاحكة لتقول: ماشي. السنة دي تاخد البكالوريوس وتيجيلي أجوزك. فاهم.
بعد عدة أشهر وقف ذلك الوسيم بفخر وبيده ممسك بزوجته الجميلة ينظران بسعادة لأولاهما وكل واحد منهم بذراعه عروسته الجميلة.
مالت زاهي تجاه شريف الذي أخذ منه الزمن الكثير لتسأله باهتمام: تحب ترتاح يا "أونكل".
هز رأسه وعيناه تفيض سعادة وهو يرى زفاف أحفاده.
لا يا حبيبتي أنا مرتاح وأنا شايفهم.
التقت عيون سالي بزاهي لتبتسم كل منهما للأخرى.
لم تنشأ بينهما علاقة قوية ولم تتجاوز زاهي أبدًا الماضي، ولكنها جنبته وجعلت بينها وبين سالي تلك العلاقة العائلية القائمة على الاحترام والمودة.
عرف أولادها عمتهم وأبناء سالي يحبون خالهم الحنون، وهي لا تكره سالي ولكنها لا تستطيع إدخالها لقلبها، بينما سالي أحسنت استغلال تلك الفرصة التي منحها لها الجميع لتضع خطوطًا جيدة تمحي بها ذكريات الماضي المحفورة بسواد وحقد استطاعت أن تدثره بسواعد الزمن.
أحاط جلال بكتفها بسعادة وهو ينظر لأولاده الخمسة وعلى رأسهم صغيرته زينة، ليتنهد قائلاً: بذمتك شكلهم كده مش يستاهل الحرب اللي عشناها.
التفتت إليه ونظرت بعينيه قائلة بحب: لو في حد كان يستاهل الحرب دي فهو إنت يا حبيبي. إنت الحب اللي الواحد يستاهل فعلاً عشانه. إنت أحلى حب بطعم الانتقام.