كانت تقف خلفه، تهز رأسها بنفي لما يقوله زوجها. لا، إنه يكذب. كيف؟ كيف يحدث هذا؟ غير معقول؟ دارت تلك التساؤلات في عقلها، قبل أن تشعر بالدوار فجأةً. فاستندت بضعفٍ على الفراش. بينما الآخر لا يزال واقفًا يوليها ظهره ويتابع حديثه بغضب شديد: "عارفه يعني إيه تبقي قُدامي ومش عارف أعمل حاجه؟ تعرفي أنا بتعذب كل يوم...
توقف عن تكملة حديثه عندما التقطت أذنيه صوت ارتطام جسد بالأرض. ألتفت لها سريعًا وجدها مُستلقية على الأرض وتتنفس بصعوبة شديدة. يبدو أن نوبة الربو عادت. ركض مراد نحوها وهو يضغط على قبضة يده بقوة. مشاعر متداخلة سيطرت عليه في آن واحد: مابين القلق والكره. مابين أن يحضر تلك البخاخة وينقذ حياتها، وبين أن يتركها تلقى حتفها. وليذيد الموقف سوءًا، أخذ عقله يصيح به عاليًا بغضب شديد: "ما بك؟
أتشعر بالقلق على هذه إبنة من تسبب بدمارك؟ وأخذ منك كل شيء؟ أخبرني مالذي يمنعك عن أخذ حقك منها الآن وتلقين والدها الحقير درسًا قاسيًا؟ دعها تموت! من رحم أختك المسكينة؟ من؟ لم يرحم والدها طفلة صغيرة، فلما تشفق أنت على ابنته؟ دعها تموت! انتقم لنفسك ولأختك!
جلس على الأرض بجوارها، عقله وقلبه مشتتان. من جهة عقله الذي يصرخ به لينتقم، ومن جهة أخرى قلبه ينفي ذلك. أخذ نفسًا طويلاً ثم زفره وانحنى بجزعه. حملها على يديه ووضعها على الفراش بهدوء. ثم اتجه إلى الخارج، أحضر بخاخة التنفس الخاصة بها ورجع إليها. رفع رأسها ووضعها برفق على يديه، ثم جعلها تستنشق الجهاز بهدوء حتى استكانت وانتظم تنفسها. ثم تركها واتجه إلى زاوية ما في الغرفة، أحضر منها مقعدًا وجلس عليه. ينظر إليها فقط،
يفكر: ماذا يحدث إن رضخ لما يصيح به عقله وانتقم منها؟ من سيحاسبه؟ أليس أبوها السبب بكل ما وصل إليه؟ ألم يدمر والده وعائلته؟
وتذكر عندما علم أن والده قد زج به في السجن ظلمًا وسلب ذاك اللعين كل أمواله. ولفق له العديد من القضايا الباطلة وجعل الناس يسبون أباه بأنه لو كان نزيهًا ما أصاب شيء أسرته. وأخذوا يقولون بأن تلك نهاية يستحقها كل من يسير في الطريق الخاطئ، وأنه بيده تسبب بدمار أسرته إلى أن أنهى والده حياته. زفر مراد بحنق وهو ينظر نحوها بأعين تلتمع بالشر. ***
كانت تقف مُغمضة العينين تستنشق الهواء بهدوء. لم تكن تتخيل أن تعود إلى هذا البلد بعد كل ما حدث. زفرت الهواء بضيق وحملت حقيبتها. أوقفت سيارة أجرة كانت تنتظرها أمام المطار بعد أن تمت رحلتها إلى أرض الوطن بسلام. "لو سمحت أطلع على العنوان ده!
أومأ سائق الأجرة واتجهت السيارة تشق طريقها نحو منزل بغيض لم تتمنى العودة إليه يومًا، ولكن لأجل ابنتها فقط. وبعد وقت وصلت السيارة إلى وجهتها. ولكن فيروز شاردة، لم تنتبه على حديث سائق السيارة وهو يخبرها أنه قد وصل. "يا مدام وصلنا!
استفاقت من شرودها وأومأت له ثم هبطت من السيارة. وخرج السائق ليخرج لها حقيبتها ثم انطلق ساعيًا إلى رزقه. تنفست الصعداء وأمسكت بحقيبتها ثم نظرت إلى المنزل الذي تغير كثيرًا، أو لنقل تغير بالكامل. ثم اتجهت إلى الباب الرئيسي وأخبرت الجارد بأنها تود لقاء سيد هذا المنزل. لم تشأ أن تقول زوجها السابق، فهي تشمئز. أومأ الحراس وسمحوا لها بالدخول. دلفت إلى الداخل ثم أخذت تقرع الجرس بملل حتى أتاها أحدهم ليفتح لها. ظهرت امرأة في العقد الرابع من عمرها ونظرت إلى فيروز باستغراب شديد.
"حضرتك مين؟ لم تتفاجأ فيروز، ابتسمت بتهكم وقالت لها: "أنا والدة لميس. عز موجود... قالت اسمه بامتعاض شديد وهي تكز على أسنانها. فابتسمت زينب بود: "أهلا أهلا يا هانم. متأخذنيش اللي ما يعرفك يجهلك! تجاهلت فيروز كلامها وأعادت سؤالها مرة أخرى: "عز موجود؟ ردت زينب بهدوء: "أيوة. تعالي. ما شاء الله شبه لميس أوي. كان لازم أعرف! اردفت فيروز بضجر: "ممكن تستعجليه شوي؟ ابتسمت زينب بهدوء: "حاضر يا هانم. اتفضلي هنا."
ثم أشارت لها على صالة الاستقبال. جلست فيروز على مضض وأخذت تنظر للمنزل بضيق شديد. هي لم تعش هنا وليس لها ذكريات في هذا المنزل، ولكن يكفي أن المدعو بزوجها السابق يعيش به. هذا كافي لها لتشعر بالضيق. قطع الصمت دلوفه إلى الغرفة. فوقفت فيروز وتحدثت بحدة: "لميس فين ومين اللي خطفها؟ أجابها عز بضيق وهو يجلس على المقعد مقابلها: "طب أهدي، وحمد لله على سلامتك! كررت فيروز حديثها بضيق: "بنتي فين؟ زفر عز الدين بضيق ثم تحدث بهدوء:
"شوفي، أنا لحد دلوقتي مش متأكد تمامًا مين اللي عملها، بس شاكك بواحد. ولو طلع هو هتبقى نهايته... أخفض صوته وهو يكمل بحقد: "زي اللي راحوا! ضيقت فيروز عينيها بضيق: "مش سامعة بتقول إيه؟ أجابها عز بشرود: "ها؟ ولا حاجة! قالت فيروز بضيق وهي تفكر معه بصوت عالٍ: "رجال المافيا؟ ليه مفكرتش فيهم؟ أرجع عز رأسه للخلف ووضع ساق على أخرى وقال بينما يهز رأسه: "لأ طبعًا مش هما! ردت فيروز بضيق: "وأنت ليه واثق كده إن مش هما؟
ابتسم عز ببرود مجيبًا إياها: "لأني بثق فيهم وهما مش اللي عملوا كده. حد تاني كنت خايف من رجوعه، أو تقدري تقولي مكنتش أعرف أصلاً إذا كان ليه وجود من أساسه. كان لازم أخلص عليه بنفسي من زمان أوي زي اللي ماتوا! همست فيروز بصدمة: "هما مين دول اللي ماتوا ومين ده اللي كان المفروض تخلص عليه معاهم؟ صمتت قليلًا ثم شهقت بصدمة وهي تقول: "عز، أنت السبب في اللي حصل لمحمد الألفي وعيلته؟ اللي بيدور في عقلي صح، مش كده؟ انطق، ساكت ليه؟
أنت، أنت، أنت اللي قتلت سميرة وبنتها، مش كده؟ مكنتش حادثة زي ما قالوا إن في عصابة اتهجمت عليهم وقتلوهم بوحشية واعتدوا على البنت المسكينة. التحقيق قال إن اللي عمل كده المافيا اللي محمد كان شغال معاهم لما قالهم إنه هيسيب الشغل معاهم، فهم عملوا كده وانتقموا منه في عيلته." كان يجلس يتابع حديثها بصمت تام بينما هي تحاول ربط الخيوط ببعضها. ثم تابعت بتوتر: "بس بس محمد مكنش شغال مع حد. أنت اللي لفقت له التهم دي وإنت اللي...
صمتت فجأة وهي تكتم شهقاتها ودموعها التي انهمرت لتتابع قائلة: "المافيا اللي قولتلي إنك شغال معاهم ومستنيين مني إشارة عشان يعضوا. اللي هددتني بيهم وقولتلي هقتلك أمك. أيوه، أنت أكيد أنت اللي عملت كده. أنا متأكدة. مكفكش إنك سرقت فلوسه وسجنته؟ لأ، وقتلت عيلته. وإللي كان المفروض تخلص عليه يبقى يبقى ابنه، مش كده؟ أنت طول عمرك كنت حاطط عنيك على مرات صحبك. يا وسخ يا دون، أنت اللي بعت الناس دي على بيته صح؟ أردف عز بمقاطعة:
"بس إسكتي بقا ها؟ خلصتي؟ روح المحقق كونان اللي جواكي؟ إيه بلعة راديو؟ إفصلي." نظرت فيروزة له بصدمة كبيرة وعينيها متسعتان، بينما تابع الآخر حديثه بمكر وضيق شديد وهو يكمل كلامه: "أيوه، أنا اللي عملت كده بنفسي. محدش كان معايا." نظرت فيروز له بصدمة كبيرة ثم قالت بصوت مرتعش: "أنت اللي اعتـ... قاطعها ساخرًا وهو يقول:
"أيوة أنا. بس مكنتش أقصد البنت. هي جات قدامي وأنا مكنتش شايف ومعمي على عيني. نصيبها كده بقى. أنا كنت عايز أمها." صمت قليلاً ثم تابع بخبث شديد: "ولو رجع بيا الزمن هعمل كده تاني. وابنه مراد، أنا كان لازم أخلص عليه بعد الحادثة بس اختفى. معرفش راح فين. بس ملحوقه. اللي معملتوش زمان هعمله دلوقتي وأنا بنفسي هخلص عليه! توسعت حدقة عين فيروز بصدمة: "أنت إزاي تعمل كده في طفلة بريئة؟
أنا مش مصدقة. لا لا، أنا إزاي كنت بحبك في يوم؟ إزاي عملت كده؟ دي طفلة. لميس بنت محمد أكبر من بنتي بسنتين. بس أنت سميت بنتي على اسمها عشان سميرة سمت بنتها كده. يعني عندك زيها وكمان نفس الاسم. والبنتين كانوا مع بعض. لميس كانت بتحبها أوي. إزاي؟ رد عليا! عملت كده إزاي؟ ضميرك فييييين؟ صمتت قليلًا تبتلع ريقها من فرط انفعالها ثم تابعت بعيون ممتلئة بالدموع: "متخيلتش للحظة تكون لميس دي بنتك؟ إزاي؟
أنا بجد مش قادرة أستوعب. أنت إيه؟ أنت لا يمكن تكون بشر زينا. إيه الجحود ده؟ إزاي؟ أنت حيوان! همهم عز بضجر: "اللي حصل حصل. المهم دلوقتي بنتي ترجعلي. مش كفاية التعهد اللي عليا؟ اردفت فيروز ببكاء: "بنتي. رجعلي بنتي. منك لله. أنت مش طبيعي. أنا إزاي كنت بنام وأنا مأمنالك؟ إزاي كنت في يوم جوزي؟ وأنت أنت... أنا مش لاقية كلام أقوله. حسبي الله ونعم الوكيل فيك! قال عز بملل:
"هرجعها أكيد. وبطلي المناحة دي. الموضوع أبسط مما تتخيلي. عادي يعني مكنتش قاصدها! *** في المساء: كان مراد يهاتف شخصًا ما ثم هتف قائلاً: "كله تمام لغاية دلوقتي. أنا لسه مانفذتش، مفيش جديد. غير إني أنا قولت لها إني جوزها. زهقتني. حرام، حرام. كل شوية وأنا ساكت ومستحمل كلامها اللي زي السم! جاءه صوت صراخ الطرف الآخر. استمع مراد بضيق ثم هتف بغضب لم يستطع كبحه: "أنا خلاص مبقتش طايق. أنا مش عارف إزاي طاوعتك وعملت كده؟
أنا بتعذب. محدش حاسس بيا. أنا بموت. وأنا كل ما أبص في وشها بفتكر أختي وأبوها الـ***** أنا ربط نفسي بنار ومسيرها في يوم تحرقني وتحرقها! صمت يستمع إلى الطرف الآخر لحظات ثم سرعان ما انفعل: "معملتش حاجة. قولنا. بقولك إيه؟ أنا هقفل. سلام. مش طايق نفسي." ألقى الهاتف على الأريكة وصرخ بانفعال: "لازم أنفذ النهارده. خلاص اللعبة انتهت يا عز بيه. وجه وقت الجد!
أنهى كلمته ودلف إلى غرفتها دافعًا الباب بقوة. فانتفضت من على الفراش. نظرت له بغضب شديد ثم وقفت هادرة بصوت حاد: "أنت يا همجي! إزاي بتقول إني مراتك؟ إيه الكدب ده؟ إيه اتجوزتك وأنا نايمة؟ وأنا يوم ما أختار شريكي يبقى أنت واحد لا عارف دينه ولا عنده أخلاق. وكمان خاطفني وقال إيه جوزي؟ كل يوم هتطلع لي بكدبة شكل؟ كان يستمع لحديثها بصمت ثم قال ببرود: "هاا خلصتي؟ ولا في حاجة حابة تضيفيها لسه؟ كانت لميس تقف أمامه تتنفس بصعوبة
من فرط انفعالها قائلة: "أنت لازم تسيبني بقى. كفاية لحد كدا. أنا تعبت! تحدث مراد بجمود متجاهلاً حديثها: "الشنطة دي فيها هدوم ليك غيري ويلا هنمشي من هنا! هتفت لميس بغضب: "مش متحركة من مكاني. أنت لازم تفهمني إيه اللي بيحصل؟ أنت مين؟ قولي أنت مين؟ عايز مني إيه؟ أولاها مراد ظهره وهو يتحدث بضيق: "خمس دقايق والاقيك جاهزة! نظرت لميس لظهره بغضب: "مش همشي من هنا إلا لما أفهم. أنت عايز مني إيه؟ كز مراد على أسنانه متحدثاً بضيق:
"هتزعلي؟ أنا على أخري منك؟ صرخت بغيظ شديد وهي تدور بعينيها في الغرفة بحثًا عن شيء يصلح لكي تلقيه عليه عله يتخلى عن بروده الذي يكاد يصيبها بالشلل: "وأما أنا صعب عليك تربط اسمك باسمي؟ بتتجوزني ليه؟ أفهم، أنت مش طبيعي؟ حرام، أنا تعبت. سيبني بقى! أنهت حديثها ووقعت على الأرض تنتحب بقرب الفراش. لم يلتفت مراد وأكمل حديثه بلا مبالاة: "أنا خارج. أرجع ألاقيك جاهزة بدل ما أجهزك أنا! ثم تركها وغادر مغلقًا الباب خلفه.
فهمست لميس ببكاء: "يا ماما أنا تعبت! نظرت لتلك الحقيبة التي أشار إليها ونهضت اتجهت نحوها. أخرجت محتواها ونظرت للثياب ثم هدأت قليلاً؛ لأنها وجدتها مثل نوعية الثياب التي ترتديها وبصحبتها خمار. أمسكت الخمار باستغراب ثم تنهدت وأخذت تبدل ثيابها سريعًا قبل أن يقتحم عليها الغرفة. حتى انتهت وتبقى أن تحكم لف الخمار. وضعته على رأسها وخرجت. رآها الآخر تخرج وهي تتلفت حولها فهتف بضيق: "خلصتي!
رمقته بلا مبالاة ثم اتجهت إلى المرحاض. غابت بضع دقائق ثم خرجت. وقفت لميس ونظرت إليه ثم قالت بغضب: "على فكرة مش مصدقة إنك جوزي. أكيد بتكذب. أنا أول مرة شوفتك هنا أعرفك منين. أنا... "تعرفيني! قالها مراد بخفوت. نظرت إليه وقالت بدهشة: "أنا أعرفك إزاي؟ قال مراد بشرود: "يلا علشان أنا على أخري وعلشان أخلص من زنك. القسيمة أهي وحقيقية."
أنهى كلمته وهو يخرج ورقة مطوية من الجيب الداخلي لسترته ومد يده إليها. التقطتها لميس من يده ونظرت لها لا تصدق عينيها وهتفت بصوت متقطع وهي تقول بصدمة: "دي دي إيمضتي! نزعها مراد من يدها وقال سريعًا: "يلا قُدامي! أنهى كلمته وهو يمسك يدها بينما كانت هي شاردة الذهن. عقلها يفكر فيما قرأته منذ قليل وتلك الإمضة الخاصة بها. كيف؟ كيف حدث هذا؟ لم تلقى إجابة لكل تلك التساؤلات التي دارت في عقلها. لم تفق من شرودها إلا
على صوته وهو يقول بضيق: "إربطي الحزام ده! لم يلقى إجابة منها. زفر بحنق ثم اقترب منها أمسك الحزام وكاد يغلقه إلا أنها صاحت به فجأة بغضب: "أبعد عني! نظر له مراد بكره: "بقولك إيه؟ أنا مش بقرب منك حب فيكي؟ إربطي الزفت ده خلصيني! *** يجلس على المقعد ينظر لصورة ما في هاتفه. قطع عليه شروده اهتزاز الهاتف في يده. نظر إلى هوية المتصل بارتباك قبل أن يرفع الهاتف على أذنه متحدثاً بتوتر: "ألو، أيوة سيادة المقدم. وصلتوا لحاجة؟
جاءه صوت الطرف الآخر يقول: "إحنا آسفين يا باشا، بس فيه حاجة حصلت... اذدرق لعابه بتوتر: "إيه؟ كمل؟ قال المقدم بأسف: "لقينا بنت على الطريق الصحراوي مطابقة لـ... لمواصفات بنت حضرتك وللأسـ... وقع الهاتف من يده وترنح في وقفته، ثم ما لبث أن وقع هو الآخر على المقعد والمقدم يهتف به بينما الآخر لا يسمع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!