كانت تحرك يديها بشرودٍ في شعره والتمعت عيناها بالدموع، كل ما تذكرت ما فعله والدها به وبما أوصله، كانت عبراتها تزداد كلما تذكرت انهياره بين يديها، هذيانه بتلك الكلمات التي قطعت قلبها. وفجأةً فتحت عينيها بصدمة عندما التقطت أذنيها همسه الخافت بتلك الكلمة التي لم تتوقع أن تسمعها منه، وعلى عكس أغلب الفتيات لم تفرح بسماعها، بل أخذت تقضم شفتيها بقوة حتى لا تنفلت شهقاتها وتصل إليه. أكمل مراد همسه بهذيان: "بحبك يا لميس!
وضعت لميس يدها على فمها وانهارت في بكاءٍ مرير وهي تصرخ داخل عقلها: "لا متحبنيش، أنا منفعكش، أنا طريقي نار! عاود مراد يهزي في أثناء نومه: "لميس بنتي بحبك سامحيني! أخفضت يدها عن فمها ونظرت إليه بحزنٍ شديد، يقصد أخته وليس هي. كيف يحبك؟ فيما تفكرين؟ أجننتي؟ هل تتوقعي منه الاستمرار؟ كيف بالله عليكِ؟ أنسيتي من تكوني؟ أنسيتي ماذا فعل والدك به؟ أليس بشرًا؟ ألا ترين أنه يتعذب؟ ألم يخبركِ من قبل أنه لا يطيق هذا الزواج؟
لقد أُجبر على الموافقة. لا تتوقعين منه أكثر. موعد الرحيل قد آن. آفيقي لنفسكِ. أنتِ بالنسبة له نار مشتعلة، كل مرة يراكِ سيتذكر أخته. كيف تخيلتي حياتك معه؟ صعب بل مستحيل عزيزتي. كانت تلك محادثة العقل ذو المنطق للميس، ولأول مرة يوافق القلب الذي أخذت دموعه تنهمر وبدأ نزيف روحه بعد ما سمعه. فهتفت لميس بدموع وهي تخرس تلك الأصوات في داخل عقلها:
"هي تعلم كل هذا، ولكنه يبقى أمل. بس أنا بحبه. آه يا قلبي حبيت الشخص الغلط. ليه بتتعلق بالمستحيل؟ أنا عارفه كل ده ومش شايفه مستقبل، بس حبيته. وحبي ليه مش كفاية ومش هقدر أنسيه إللي حصل، وهيفضل ماضي أبويا يطاردني ويطارده. مراد شايف أخته فيا."
قالت الأخيرة بحزن شديد ونبرة صوت مُنكسرة ضعيفة، صمتت واجهشت في البكاء بشدة، ولم تنتبه على دموعها التي أخذت تنهمر بقوة وتساقطت على وجهه ليستيقظ مراد مذعورًا. نهض من على قدمها يطالع وجهها بعيون متفحصة قلقة. في حين أغلقت لميس عينيها بتوتر شديد. مد مراد يديه وهو يمسك وجهها بين كفيه، فانتفضت لميس بخفة أثر لمسته تلك. بدأ مراد بأطراف إبهاميه يمسح لها دموعها وهو يسألها بقلق: "مالك؟ بتعيطي ليه؟ أنزلت
يديه عن وجهها وقالت بدموع: "أنا تعبانه، هدخل أنام شوي. ممكن تبقى تصحيني على صلاة العشا! "حاضر، بس تعبانه من إيه؟ في حاجة بتوجعك؟ حاسه بإيه؟ "قلبي اللي وجعني! قالتها لميس بداخلها بصمتٍ وهي تنظر لعينيه التي تفحصها بقلق بالغ، ثم ابتسمت باصطناع تقول: "مفيش، بس حاسه بدوار. هدخل أريح شوي! "طيب ماشي! نهضت لميس سريعًا وكادت تذهب، فاستوقفها صوته يهتف بابتسامة: "استني طيب، استعيني على الشقا بالله!
عقدت حاجبيها باستغراب من حديثه، وقبل أن تستوعب كلامه فوجئت بنفسها تحلق في الهواء. أغمضت عينيها بحزن شديد، لقد حملها حتى لا تقع أثر دوار رأسها. يا الله يريد راحتها، بينما والدها نزع الراحة عن جفنيه وآرق مضجعه بفعلته التي لا تُغتفر. نظر مراد لوجهها الذي تخبئه بعيدًا عنه وقال: "قبل ما تنطقي ولا كلمة، يلا من سكات هدخلك تنامي. مش ناقص توقعي مني تاني ويغمى عليكِ."
وعلى العكس من ذلك توقع أن تعانده، أن تعترض، ولكن حدث خلاف ذلك. وجدها تلتفت له ولم تنظر إليه، بل دفنت رأسها في صدره وهي تخبئ وجهها فيه بحزن شديد. فبعد أن اعترفت في داخلها وصرخت بها لتقطع ذاك الحديث الذي جلس عقلها يُسمعها إياه، ولأول مرة يوافقه قلبها، وتعترض نفسها وتقولها بكل صراحة: نعم أنها تحبه. تحب قربه منها، تحب كل شيء به، طيبته وحنيته، حتى ضعفه وقوته. تعلم أن نيران انتقامه قوية، ولكن نيران حبها لن تستسلم بسهولة.
نظر مراد إليها مطولًا باستغراب من حالتها وصمتها المُريب بالنسبة له، ولكنه ضمها إليه بحنان وسار بها باتجاه غرفتها وهي مازالت تخفي وجهها في داخل صدره. توقف مراد عن السير فجأة عندما شعر بمياه ساخنة تلامس جسده. "تبكي!
قالها بعقله، ثم نظر إليها. كانت تدخل رأسها به أكثر وتضع يديها حول عنقه بكل استسلامٍ. شعر بانتفاضتها بين يديه أثر بكائها وشهقاتها المكتومة والتي تحاول جاهدة كتمها، ولكنه شعر بها في صدره. كما لم يغيب عن ناظريه أنها تتهرب من النظر في عينيه، من طريقة تخبئة وجهها عنه. حدث نفسه وهو يتابع السير: "هل تتهرب مني؟ ولكن لماذا؟ لماذا لا ترغب بالنظر في عيني؟ ماذا أصابها؟ لمَ تبكي؟
تجاهل العقل حديثه ولم يحفل به، وحاول قلبه أن يجد مبررًا لتصرفاتها. ثم ومضت فكرة مجنونة، هكذا أسماها مراد بعد أن تفوه القلب بما عنده. همس مراد بخفوت وصدمة وهو ينظر إليها: "معقول بتحبني! هز رأسه بعنف وهو ينفي من داخله تلك الأفكار. لا يعقل، هذا ما قاله لنفسه وأوصله إلى قلبه حتى ينهي الكلام في هذا الموضوع. فالأمر ببساطة مستحيل!
كانت غافية بين أحضانه ومتشبثة به بقوة، لا تريد تركه. أغمضت جفونها وغفت على صدره. نظر مراد إليها بتوتر شديد وارتباك، ثم همس وهو يبتلع ريقه بعد أن سرت قشعريرة في سائر جسده من تعلقها به بهذه الطريقة: "لميس، لميس اصحي. يلا سيبي إيدك علشان أنيمك! حركت رأسها بنفي وأدخلتها في صدره أكثر ورفضت ترك رقبته. أكاد أجزم أن مراد سينفجر بسبب تشبثها به هكذا. همس مراد مرة أخرى وهو ينظر إلى جانب وجهها الذي تحجب نصفه الآخر على صدره، يقول
وهو يبتلع لعابه بتوتر: "لميس هتخنقيني، سيبي رقبتي طيب! "Hayır." "لميس، لميس اصحي." أنهى حديثه وهو يحاول نزع يدها بعد أن جعلها تستلقي على الفراش، ولازالت ذراعيها تقيدان حركته بشدة. نظر إليها بينما هي غافية: "أعملها إيه دي بقى؟ أضربها يعني علشان تسيب رقبتي؟ جرالها إيه؟ صمت لثوانٍ قبل أن يكمل متهكمًا: "مكنتش بتطيق أقرب منها، ودلوقت متشعلقة فيا. سبحانه مغير الأحوال فعلًا!
أخذ ينادي عليها بصوتٍ مرتفع نسبيًا وحاول فك يدها عنه. كان الموقف كله محرجًا وصعبًا خصوصًا على مراد. "Sen seviyorsun! نظر مراد لها بصدمة: "أنتِ بتقولي إيه؟ بدأت تنساب من عينيها الدموع بكثرة، بينما لازالت نائمة ترى حلمًا جميلًا. كان يجلس على الرمال وظهره للبحر ويبني شيئًا ما. اقتربت لميس منه ورأت ماذا يبني، ثم هتفت ببسمة لطيفة: "مراد إنت بتعمل إيه؟ أجابها مراد وهو ينظر لعينيها بابتسامة صافية: "ببني بيتنا!
قالت لميس بخجل: "بيتنا؟ رفع مراد يده لها وهو يقول: "أيوة، مدي إيدك وتعالي ساعديني! "Evet." "هيبقى بيت أحلامنا أنا وأنتِ. أنا عايز أقولك حاجة، أنا بحبك أوي يا لميس! عانقته لميس بخجل ودموع وهي تردف ببسمة عاشقة: "Sen seviyorsun Murat!
قالتها لميس بلا وعي في حلمها، ولكنها خرجت من شفتيها ووصلت إلى مسامعه. ابتعد مراد عنها كأن ثعبانًا قد لدغه، فأنزل يديها التي كانت تتوقانهِ ووقف بالقرب من الباب. بينما هي كانت تبكي بلا شعور منها. شعر مراد بالحزن الشديد وكاد يقترب منها يخبرها. صمت قليلًا وتابع في داخله: "يخبرها بماذا؟ يعطي لها أملًا كاذبًا؟ يوهمها بشيءٍ مستحيل؟ يخبرها أنه لا أمل؟ يستحيل؟ كيف يعيش معها؟ كيف؟
كلما نطق اسمها يتذكر أخته. هو بالأحرى يرى أخته فيها."
نعم، لا يرغب بتركها. يشعر بشيء يجذبه لها وبقوة. معها ينسى العالم بأسره، معها ينسى نفسه. عندما تضمه إلى صدرها، يشعر كما لو كان العالم بأسره تحت قدمه وبين يديه. ولكن تأتي صورة أخته لتقف حائلًا بين ذلك الحلم الجميل. يتذكرها ويتذكر ما فعله والدها بعائلته، يتذكر والده الذي سُجن ظلمًا ومات تعيسًا حزينًا على أسرته دون أن يراه. سيظل ما حدث يلاحقه طوال حياته، لن يتمكن من نسيان ما مضى!
بكت عيناه وجثى على الأرض قرب باب غرفتها وأحنى رأسه بين ركبتيه، وأخذ عقله يصيح به قائلًا: "الحب وحده لا يكفي! تمتم مراد بحزن شديد وهو ينظر نحوها وعيناه تسيلان منهما دموعٌ محرقة: "حبي ليكِ خيانة لأبويا. سامحيني، أنا آسف. مش هقدر. أيوة أنا بحبك، بس حبك ده محرم عليا. مش هقدر أسعدك، مش هقدر أكون معاكِ. أنا عارف إنك ملكيش ذنب، بس... بس مش هقدر. وأنتِ مش هتقدري. هتحسي بذنب من ناحيتي لما تشوفيني بتعذب قدامك."
أسند ظهره على الجدار خلفه ورفع إحدى ركبتيه يضع يده عليها، والآخرى مددها أمامه ينظر نحو لميس بعيونٍ باكية وهو يقول: "الانتقام مش بيريح ولا عمره كان بيريح حد، بس على الأقل يخفف النار اللي هتحرقني، يخفف وجعي شوي. وأنتِ عمرك ما هتنسي اللي عمله والدك." صمت قليلًا ثم أردف بحزن عميق:
"لما قولتلك بحبك وأنا راقد على رجلك، كنت قاصدك أنتِ بس. فوقت لنفسي. مش لازم أحبك. مش لازم إللي بينا دم وعمره ما هينتهي. ده غير إني محبتش أعشمك بشيء أنا مش هقدر أعمله. سامحيني، أنا آسف يا لميس. بس مش هقدر أعيش وأنسى وأتجاهل اللي حصل، أو أنتِ بنت مين؟ مقدرش أنسى كل ده." مسح على عينيه بقوة وهو يبكي بوجع قلب كواه الحب كؤوس العذاب ألوانًا:
"أنا بتعذب في نار جوايا مش راضية تنطفي. نار انتقامي ونار حبك. لا مستحيل أخون أبويا. أنا وافقت على جوازي منك بصعوبة علشان أحميكِ. ماتتخيليش ده صعب عليا قد إيه أحمي بنت الراجل اللي دمر أختي وعيلتي كلها بلا أي رحمة أو شفقة." تأوه مراد بوجع وهو يقول بنبرة معبئة بالألم: "وأنا رايح أحب بنته؟
أنا مقدرش. يارب ساعدني. شيل حبها من قلبي. أنا مش هعرف أسعدها. مش هعرف. أنا هفضل طول عمري عايش في كوابيسي. مش هعرف أخرج منها. مش هعرف. آه يا قلبي ليه اللي بحبها صعبة كده؟ ليه مش قادر أنسى وأعيش؟ ليه أحبك أنتِ من بين كل الناس؟ أنا أوقات كتير بشوف نفسي معاكِ، عندنا بيت جميل وبنوته قمر زيك وحياتنا جميلة. نفسي نبقى مع بعض أوي، بس مش قادر. مش قادر. سامحيني. أنا شكل عقلي حصل له حاجة."
أنهى حديثه ثم نهض واقترب منها. نظر إليها كانت دموعها تنساب من عينيها بشدة وكأنها قد استمعت لحديثه. انحنى مراد وأزال دموعها وقبَّل جبينها بحزن، ثم ابتعد عنها وخرج من الغرفة بأكملها ونيران ملتهبة قد اشتعلت في قلبه. نيران أتعبته وأحرقت روحه، نيران لهيبها موجع، نيران انتقامه ونيران عشقه لها. ترى أي منهما سيحرقه أولًا. ***
كان يجلس على الأريكة بتعب شديد وهو يستغفر الله على ما رآه ويدعو الله أن يخفف المصاب، بينما ينتظر شخصًا ما. آفاقه من شروده صوت جرس المنزل، فتنهد ثم قام واتجه إلى باب شقته. فتح الباب ليظهر شاب ذو لحية صغيرة وعلى وجهه ابتسامة، بينما يعدل من وضعية نظارته الطبية. ابتسم العم أحمد بوجهه واصطحبه نحو الصالة وهتف بحزن شديد بدا في صوته الذي خرج مبحوحًا واستشعره الآخر: "تعالى يا حسام يابني! "العقيد أحمد، تحياتي ليك!
ضحك العم أحمد بخفوت، ضحكة متألمة: "كان زمان يا حسام بقى! "ولا زمان ولا حاجة، أنت هتفضل في نظري العقيد أحمد مهما تمر السنين! تنهد العم أحمد يشير إليه صوب الأريكة: "طيب يا سيدي، المهم دلوقتي تعالي ادخل بسرعة! "أيوه بقا هنرجع لأيام زمان والشقاوة! تمتم العم أحمد بسخرية وهو يعيد ما قاله الآخر: "شقاوة! صمت قليلًا ثم أردف: "ادخل يابني، تعالى زي ما أنت متغيرتش! "يلا بينا يا كبير! جلس حسام على الأريكة وأخرج اللاب الخاص به،
فقال العم أحمد بهدوء: "عايزك تشفرلي الفلاشة دي! طالعه حسام باستغراب: "أشفرها؟ "أيوة، حمل الفيديو اللي فيها وشفرها شفرة سرية محدش يقدر يخترقها ويشوفه. و آه، افصلي المعلومات اللي فيه في فلاشة تانية. الملفات كلها تحملها على فلاشة تانية. والموضوع ده محدش يعرف فيه، فاهمني يا حسام! قال حسام بهدوء: "مش أول مرة أشتغل معاك وعارف شغلنا كويس. السرية أهم حاجة!
أنهى حديثه ثم بدأ بتشفير الفيديو بدون أن يراه لحساسية الموقف، هذه أعراض فتاة صغيرة. *** كان يبكي بشدة وهو يصلي ويدعو خالقه أن يغفر له كل أخطائه وما اقترفته يداه من ظلم وتزوير... كان سعيد يتمتم بحزن شديد وهو ساجد ببحة صوت ضعيفة أثر بكائه: "يارب
أنت القائل: 'قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ'، يارب أنا ندمان. اغفر لي، سامحني يارب، على كل إنسان ظلمته، على كل رشوة قبلتها، على كل أعمالي. يا رب أنا تبت، يا رب اغفر لي!
أنهى صلاته وجلس على سجادة الصلاة وهو يدعو أن تكون ابنته بخير وألا تغيرها الأيام، أن تبقى ابنته طاهرة نقية. شرد وهو يتذكر اليوم الذي فقد فيه ابنته. **عودة إلى الوراء** كان خارجًا من غرفته وهو يتأفف بغضب. اقترب من الباب وفتحه، واعتلت الصدمة معالم وجهه يهتف بصدمة وهو يرى حالته: "عز باشا إيه ده؟ دم... دم... دم مين ده؟ قام عز بدفعه إلى الداخل وهو يهتف بضيق شديد: "أوعى من وشي يا محامي النحس إنت. كانت ليلة مهببة على راسك!
أردف سعيد بتوتر وهو يطالع وجهه: "يا نهار أسود، ليه إيه اللي حصل؟ تقدم عز نحوه وقام بغلق الباب وهتف بحدة وهو يدفعه من طريقه: "غور من وشي، مش وقته كلامك الفاضي ده. جهزلي الحمام بسرعة، يلا غور! "حاضر! ثم ذهب وجهز المرحاض " _عافانا الله وإياكم _" له وأخبره أن كل شيء جاهز، فنزع الآخر سترته وألقاها على وجهه واتجه إلى المرحاض.
أمسك سعيد بالسترة وكور قبضة يده بحنق وسبه بداخله، ثم اتجه إلى غرفة المعيشة وقام بانتزاع الكاميرا الصغيرة، وأدخلها إلى حاسوبه الخاص وقام بتحميل الفيديو وأخفى الكاميرا. وتمر السنوات بعد هذه الحادثة، وخلالها تلقى عز كمًا هائلًا من رسائل التهديد والابتزاز بالطبع، إلى أن جاء اليوم الذي علم فيه من المسؤول طوال تلك السنوات عن إرعابه بإرسال رسالة تتضمن صورًا له مع الفتاة الصغيرة بأوضاع غير لائقة.
عندها اقتحم عز منزله وقام بضربه بقسوة بدون أن يعلمه سبب ضربه بتلك الطريقة. وفي منتصف الليل، استيقظ على صوت نغمة هاتفه وكان رقمًا غريبًا بصوت أجش من النوم. قال سعيد: "الو مين؟ أجابه المتصل بنبرة صوت غليظة وهو يقول: "بنتك القمورة مشرفانا لحد ما تجيب المطلوب منك، فاهم؟ واظن إنك فاهم كلامي يا... يا متر! جلس سعيد على ركبتيه وما كاد ينطق بحرف كان المتصل قد أغلق الخط في وجهه. تمتم سعيد بقلق بالغ: "بنتي سمر!
أمسك بهاتفه واتصل على ابنته ولم تجب عليه. ازداد شعوره بالخوف وقال يحدث ذاته: "معقول عز عرف إني أنا اللي بهدده." صمت قليلًا ثم وضع يده على رأسه بحزن عندما تذكر أنه انقض عليه صباح هذا اليوم بلا أدنى سبب واضح. امسك الهاتف وضغط على الرقم الذي اتصل عليه توا. مرت لحظات قبل أن يسمع الرد على اتصاله: "انتوا مين؟ بنتي بنتي فين؟ عايزين منها إيه؟ رد الآخر بسخرية: "اصلنا واقعين في مشكلة وعايزين القمورة تطلعنا منها!
قال سعيد بتوتر: "يابني أرجوك قولي أنتوا مين وعايزين مني ومن بنتي إيه؟ أجابه بكلمة واحدة وهو يقول بتهديد صريح: "اللعب مع الكبار غلط على اللي زيك. غلطت يا متر، راجع حساباتك وشوف أنت مزعل الباشا في إيه؟ سلام يا محامي النحس على رأيه! انسابت دموعه بشدة وأخذ يصيح بحدة: "كله إلا بنتي سمر، لا! لم ينتظر حتى الصباح، أخرج هاتفه وضغط على رقم ذاك البغيض وانتظر حتى سمع صوته الشامت من الطرف الآخر من الهاتف تصحبه
أصوات ضحكاته الساخرة: "بقى أنت يا نص متر، أنت كنت معيشني في رعب طول السنين دي كلها وأنت عمال تمص في دمي يا حقير، بتلعب على أسيادك يا ابن الـ..... غمغم سعيد بدموع: "هنفذ كل أوامرك بس أرجوك بنتي ملهاش ذنب... قاطعه بغضب شديد وهو يقول بصوت مرتفع: "ذنبها إن أنت أبوها. ودلوقت هعمل معاك ديل، تاخد بنتك يبقى تسلمني الفيديو! "حاضر، هاجيبه ليك دلوقتي!
"لأ، مليش نفس أقابل سحنتك العكرة دي دلوقتي وأنا مبسوط. الصبح هاجي بنفسي وأخده منك. وحذاري لو كنت عاملة نسخ، مش عايز أقولك هعمل في بنتك إيه، وأنت عارفني. مبهددش على مفيش، سامعني كويس!! وبالفعل في الصباح الباكر كان عز يقف وهو ينظر للآخر الذي يحني رأسه للأرض وهو يبكي بشدة، بينما عز يمُط شفاهه بسخرية وهو يقلب في الكاميرا الصغيرة، ثم قال بإعجاب: "مش بطال. كاميرا زي دي، لا شغل عالي. عجبتني! ابتلع سعيد ريقه بتوتر ثم قال:
"يا عز بيه، أنا آسف، سامحني بس كنت عايز قرشين و... منعته لكمة قوية أطاحت به أرضًا، فصرخ عز بهياج: "وأنا بقى بنك الحظ بتاعك؟ خمس سنين وأنت ملففني حوالين نفسي وعمال تسحب في فلوسي ومعيشني في رعب حقيقي. وتقولي عايز قرشين يا ابن الـ.... تأوه سعيد بألم وقال يستعطفه: "بنتي لأ، أنا قدامك أهو، اعمل اللي عايزُ فيا بس سيب بنتي. دي لسه يدوب داخلة أولى كلية... "وكفاها تعليم يعني هتطلع إيه؟ شريفة؟
مدخلها حقوق، قال يعني مش كفاية أبوها فاسد؟ واحنا بقى كفاية علينا. إنت مش هيبقى إنت ونسلك كده. البلد هتخرب أكتر مهي خربانة! صرخ سعيد بدموع: "يعني إيه؟ كان فيه بينا اتفاق. عطيتك الكاميرا ومعملتش نسخ. أنا كنت بلقط صور وأنا بتفرج على الفيديو وابعتهالك، لكن معملتش نسخ. أرجوك رجعلي بنتي! "خلاص بنتك مفيش. انسى على كده! **عودة إلى الواقع** كفكف دموعه وأخرج هاتفه واتصل على العم أحمد بتوتر ليرى إن كان قد توصل إلى شيء:
"الو، سيادة العقيد وصلت لحاجة بخصوص بنتي! وصله صوت العم أحمد من الجهة الأخرى من الهاتف يردف بتعب: "لسه بدور. إن شاء الله أسمعك أخبار حلوة! أغلق العم أحمد معه ونظر إلى حسام الذي يركز في تلك الشاشة المضيئة أمامه: "ها يا حسام يا ابني، وصلت لحاجة؟ بقالك ساعة مبحلق في الشاشة! أجابه حسام دون أن يحيد بنظره عن شاشة الحاسوب: "ما أنا بدور أهو. البنت دي ملهاش أي أثر خالص، ولا حتى صورة بطاقة، أي شيء. أنا مستغرب ومش فاهم حاجة!
"ولا أنا فاهم حاجة! *** كان يقف عند سياج الباخرة يحدق في السماء بشرود، يفكر بها باعترافه له وإن كانت غير واعية. رغمًا عنه تبسم وهو يتذكر كيف تعلقت برقبته بقوة لا تريده أن يبتعد عنها. كانت مشاعر جميلة غمرته ولو لبعض الوقت. كم أحزنه قلبه على رؤيته لها تبكي هكذا على حبٍ كُتب عليه الفشل وحكم عليه في المهد بالإعدام. نار الانتقام ونار الحب لا يجتمعان. "آه."
خرجت تلك الآهة المتألمة من داخل قلبه، ثم رفع رأسه ونظر للسماء وهو يدعو أن تمضي الأيام القادمة على خير. وبلا شعور منه انهمرت دمعة على خده. شعر مراد بها ليزيلها سريعًا وهو يتمتم: "أنا مش قادر، لا مستحيل، مش هقدر أبدًا... "مش قادر على إيه؟ ألتفت مراد لها، كانت تبدو أحسن قليلًا تبتسم في وجهه، بينما تنتظر إجابته على سؤالها. اتكأ على السياج خلفه وأجابها وهو يضع يديه في جيب بنطاله: "ها بقول مش قادر جعان جدًا!
ابتسمت لميس بسمة صغيرة وكم بدت جميلة جدًا وفاتنة في عينيه وهي تقول بنبرة هادئة: "أنا صحيت وجهزت أكلة خفيفة كده، تعالى ناكل واحكي لي هتفضل مخبيني هنا لغاية إمتى؟ وقبل ما تقاطعني، أنا فاهمة إن فيه حاجة، عشان كده إحنا هنا." "مفيش، أنا بس حبيت أغير جو." صمت قليلًا ثم أردف بنبرة مضحكة: "بقولك إيه يالا، لحسن أنا كلاب بطني بتعارك مش بتصوصو!
ابتسمت لميس له واتجها إلى الأسفل. تناولوا العشاء بصمتٍ، وكلا منهم في عالمه الخاص به هائم في أفكاره التي يحتل كل شخص منهم جزءًا كبيرًا من تلك الأفكار إن لم يكن جُلها. كانت لميس تفكر به لو أنها التقت به في ظروفٍ غير هذه، وكانت علاقتهما هادئة وليست مشحونة بكل هذه المشاكل والتوتر.
بينما مراد كان يفكر في قلبه الذي يعانده وأحب المستحيل بعينه، هكذا سمى حبه للميس المستحيل. صحيحًا أن الحب والمشاعر نحن ليس لنا عليها سلطان وأنها أمرًا خارج إرادتنا، ولكن هناك أمورًا تجبرنا على التخلي عن تلك المشاعر ودعسها تحت أقدامنا لأنها ستسبب لنا الألم والشعور بالتعاسة، لذلك لابد من وئدها!
انتهوا من تناول الطعام وفرشت لميس المصلى بالأعلى وانتظرته حتى أتى، ثم شرعوا في الصلاة بخشوع، حتى انتهوا، ونهضت لميس فجأة وهبطت إلى الأسفل وهي تركض. فهتف مراد بقلق: "لميس أنتِ كويسه؟ أجابته وهي تهبط السلم على عجلٍ: "آه كويسه، لحظة وراجعة، خليك زي ما أنت متتحركش! "هتحرك أروح فين؟ أنتِ رايحة فين؟ قالت لميس بخجل: "راجعة تاني، بس خليك مكانك! "طيب!
غابت دقائق بالأسفل ثم صعدت إلى السطح حيث يجلس مراد على المصلى وكانت تحمل بيدها شيئًا ما. ما إن وقع بصر مراد عليه حتى أعربت شفتاه عن ابتسامة واسعة: "قرآن صح؟ قالت لميس بخجل وسعادة وهي تنظر إلى جمال وجهه تحت ضوء القمر وبسمته الصافية: "Evet, sesin kuran çok güzel! (نعم، صوتك في القرآن جميل جدًا) "طيب ياستي هاتي نقرألك! جلست مقابله ومدت يدها بالمصحف له وقالت وهي تبتسم بحب:
"اقرأ سورة يوسف، بتعلمنا الصبر على الابتلاءات وإن عوض ربنا بيبقى أحلى وأحلى بس الإنسان يصبر. بس وكمان دي السورة الأقرب إلى قلبي." "عندك حق، بسم الله نبدأ." أخذ مراد يتلو على مسامعها آيات سورة يوسف بهدوءٍ وبحّةِ صوت جميلة جدًا، وهي كانت تجلس تستمع إليه بإصغاءٍ شديد وعينيها تلمعان، تحت جو هادئ والسكون يلف المكان من حولهما، فقط صوت مراد هو الطاغي وهو يرتل بنبرة هادئة جميلة.
في حين كانت السماء صافية إلا من بعض السحب القليلة ومُكتنزة بالعديد من النجوم، وكأنهم قد التفوا فوق باخرتهم في حلقة دائرية يستمعون إلى تلك التلاوة العذبة المريحة للقلوب. *** كانت تنظر نحوهم بغضب شديد وهي تركلهم بقسوة شديدة، ثم أخذت تصيح بغضب شديد: "شوية أغبياء إنتوا، شوية أغبياء! معرفتوش تنفذوا مهمة بسيطة زي دي، وأنا بقالي سنين بدرب فيكم!
كانوا مجثيين على الأرض والدمـاء ترسم لوحات جمالية على سائر أجسادهم الضخمة. أخذت تصيح بغضب وهي مستمرة في ضربهم بقوة، عندما قطع عليها ما تفعله صوت تعرفه عن ظهر قلب. "يخربيتك يا سمر! إيه اللي أنتِ عاملة ده؟ ابتعدت عنهم وهي تنفض يديها وتنظر لهم بقرف، ثم نظرت إلى ذاك الدخيل الذي قطع عليها ما كانت تفعله: "مالك يا سيف؟ صعبوا عليك ولا إيه؟ "سمر هدي اللعب شوي، النمر على آخره منك! أجابته سمر بضيق وهي تقبض يدها وتبسطها:
"على نفسه، وبعدين إيه الجديد يعني! مهو طول عمره على كده، مش فاهمة أنا! "شكلك مش رايقة دلوقتي، أنا هنضف المسخرة اللي عملتيها هنا وليا كلام معاكِ! رمقته سمر بلامبالاة وهي تتجه إلى غرفتها: "اعمل اللي تعمله وسيبني دلوقتي! *** كانت تنظر له ببسمة لطيفة، وعندما تلى تلك الآيات، لا شعوريًا انهمرت دموعها بشدة وهي تتأمل في معانيها بإصغاءٍ شديد...
"﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)
توقف مراد عن التلاوة وصدق، ثم أغلق المصحف ووضعه بجواره، ومد يده وأزال دموعها بحنان، ثم تراجع سريعًا وأبعد يده وهتف بتوتر: "لميس أنتِ مجهدة، قومي نامي يلا! نظرت لميس له بدموع: "وقفت ليه؟ الجزئية اللي جاية جميلة جدًا! "ها، الوقت اتأخر، نامي وبكرة إن شاء الله أبقى أقرأهالك تاني، يلا! "طيب! ثم نهضت واتجهت إلى الأسفل وخانتها دموعها التي اختلطت بالهواء من حولها وتساقطت.
أغمض مراد عينيه بهدوء وهو يدعو الله من داخله أن يريحه من عذابه وأن يزيلها من داخله، فهو لا يقدر. آفاقه من شروده اتصال كان ينتظره منذ مدة: "ده كله يا رامي! جاءه صوت رامي وهو يهتف بقلق بالغ: "مراد، في مركب تبعهم هتعدي من ناحيتك لسه مبلّغني دلوقتي وبيعتذرلك إنه مش عارف يتواصل معاك! هب مراد من جلسته مصعوقًا وهتف بإنزعاج: "رامي إنت بتهزر؟ جاي تقولي دلوقتي؟ إنت اتجننت؟ أعمل إيه أنا دلوقتي؟ قال رامي بقلق:
"مش عارف، اتصرف. زمانهم على وصول! كاد مراد يجيبه عندما سمع صوت صراخ لميس من الأسفل. تمتم بخوف: "لميس!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!