الفصل 20 | من 27 فصل

رواية حب بين نارين الفصل العشرون 20 - بقلم نورهان ناصر

المشاهدات
19
كلمة
5,078
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

صرخة قوية صدرت منها، أعقبها دموعها المنهمرة بشدة على وجهها، إلى جانب اهتزاز الباخرة. وازداد نحيبها أكثر وهي ترى جسده ينزلق ليستقر في البحر. مدت يدها بارتجاف وحاولت الإمساك به، ولكنه مع قوة الدفع أفلتت يده وسقط في الماء. هي بالأساس لم تكد تصل إليه لأنه كان يجلس خلف سياج الباخرة. "مجنون! قالتها لميس في داخل عقلها، ثم صرخت بدموع وهي تقول: "مراد! مراد!

اختفى جسده في الماء وغاب عن ناظريها. أخذت تبكي بشدة واقتربت من الحافة، أمسكت بسياج الباخرة وهي تبحث بعينيها عنه، لعلها تلمحه. مضت دقائق ولم يظهر بعد، ألم يكن نائمًا؟ لما لم يستيقظ بعد؟ أخذت تصرخ وهي تنادي عليه بقوة. انحنت وجلست على ركبتيها، وتجاهلت دوار رأسها ورغبتها في التقيؤ الآن. وأخذت تمعن النظر في البحر، لا ترى أي حركة. أوشكت الشمس على المغيب، وهو لم يخرج بعد. تمتمت لميس ببكاء وهي تنظر إلى المياه:

"مراد، اطلع. والله خايفة. لو سامعني أخرج، كفاية. مراد، مراد، أنت عارف إني مش بعرف أعوم. أرجوك اطلع. مراد، متوجعش قلبي أكتر. اطلع." صمتت قليلًا، ابتلعت ريقها وأردفت بدموع: "مراد، أنا خايفة. ماتسبنيش لوحدي. أنا بطمن بوجودك معايا. طب تعرف هقلع الخمار و... "المفروض إن ده إغراء يعني ولا إيه؟

شهقت بقوة وانتفضت بفزع من شدة المفاجأة، وعلى إثرها وقعت في البحر من الزعر. اقترب مراد منها سريعًا وأمسك بها، ورفع وجهها للأعلى. تشبثت لميس به بقوة، وهو أمسكها جيدًا، بينما هي لفت ذراعيها حول رقبته تكاد تخنقه، وهي تبكي وتصيح بإنفعال شديد: "منك لله. منك لله. هموت. مش هسامحك. مش هسامحك. حرام عليك." صمتت قليلاً ثم تابعت ببكاء شديد ووضعت يداها على وجهها وأخذت تشهق بقوة وتنتفض: "أنت ليه بتعمل فيا كدا؟

تمتم مراد بأسف وهو يمسكها جيدًا: "أنا آسف إني خوفتك، بس ماهو أنتِ اللي مفكرتيش. أنا سباح ماهر وبعرف أعوم كويس، وغير ده كله أنا كنت نايم ولما وقعت صحيت." نظرت له لميس بدموع وشهقات جعلت كلماتها تخرج مُـتقطعة: "خَــ.... ـر... جــ... ـني... مـ... ـش قـ... ـا..دره أخُـ... ـد نَـ.... ـفـ... سي... طـ.... ـلعني مــ... ـن ... هنـ..ـا! لف مراد يديه حول ظهرها وتمسك بها جيدًا وضمها لصدره وتمتم بنبرة هادئة حتى يهدأ من روعها:

"اتنفسي، بس متخافيش." صمت قليلاً ثم أردف بهدوء وعينيه عليها: "أهدي، استرخي، أنتِ معايا. سيبي نفسك للمايه ترفعك." نظرت لميس له بتوتر وهي تبكي وبلا شعور تشبثت به أكثر وأغلقت عينيها وهبت تهتف بتلعثم: "مش عايزة. طلعني. بتخنق! أنزل مراد يدها التي تخبئ بها وجهها وهمس قائلاً: "فتحي عينك وبصي لي. متخافيش. أنا معاكي أهو!

كانت دقات قلبها مُتسارعة، لم يكن الخوف وحده ما طغى عليها، بل مشاعرٌ أخرى سيطرت عليها أثر قربه منها بهذه الطريقة وشتت كيانها كليًا وأربكتها. لذلك رفضت فتح عينيها. يكفيها ما هي به، إذا كان قلبها يدق بهذه الطريقة وهي لا تراه، فماذا يحدث إن فتحت عينيها؟ ضغطت على عينيها بقوة وهمست برجاء: "مراد، طلعني أرجوك! "طيب تعالي. أنتِ فصيلة بجد!

أنهى مراد حديثه، ثم جعلها تصعد على ظهره، وطلب منها أن تلف يديها حول عنقه. من غير أن يطلب كانت لميس تتشبث بعنقه به بقوة وهي تكاد تخنقه، الأمر الذي جعل مراد يتمتم بتزمر مضحك: "لميس يا ماما براحه. هتخنقيني كده ومحدش هيطلع فينا انهاردة! قولتلك استرخي شوي. أهدي بقى. متوترنيش! وضعت لميس رأسها على ظهره وهدأت حركتها فجأة، كما ارتخى ذراعيها المُـلتفان حول رقبته. شعر مراد بها وبثقل جسدها. فتح عينيه على آخرهما وهتف بقلق شديد:

"لميس.. لميس رد عليا! متهزريش بقى خلاص! توقف مراد عن السباحة وأمسك بها جيدًا ثم أدارها ناحيته. رأى وجهها شاحبًا ومغمضة العينين، كما كانت شفاهها زرقاء. توتر مراد كثيرًا ثم سحبها معه باتجاه الباخرة.

أخرجها أولاً ثم صعد بعدها. وضعها مراد على أرضية الباخرة وقام بنزع الخمار عنها وآمال رأسه قليلاً ليستمع لدقات قلبها بتوتر شديد. ثم هب من جلسته مصعوقًا، نبضات قلبها ضعيفة. وبتوترٍ جلس مرة أخرى ووضع يديه على وجهها وأخذ يضرب على وجنتيها بخفة وهو يهتف بخوف شديد: "لميس، لميس قومي. خلاص إحنا كده اتساوينا. قومي بقى، طب لو مقومتيش هديك واحدة من بتوع قبلات الحياة. أنتِ حرة بقى. مترجعيش تزعلي. يلا.."

ازداد قلقه أكثر من صمتها بتلك الطريقة وشحوب وجهها أربكه أكثر. كان يتوقع بعد حديثه هذا أنها ستنهض، فهو كان يعتقد أنها ترد له الصاع، كما فعل بها. ولكن لما ستفعل ذلك؟ وهل هي تعني لك شيئًا حتى تغامر بحياتها وترى مقدار حبك أو قلقك عليها، يا من كنت تنوي قتلها بالأساس؟ هز مراد رأسه بقوة ينفض تلك الأفكار التي لا وقت لها وهو يطالع وجه لميس الشاحب بعيون متسعة قلقة: "لميس، لميس رد عليا. أنا عارف إنك سمعاني، يلا قومي بلاش هزار."

صمت قليلاً يراقب تعبيرات وجهها بعد كلامه، لم تتغير قط، بل يزداد شحوب وجهها أكثر وأكثر. ولسوء الحظ تذكر مراد وضع أخته في تلك الليلة، وها قد عاوده شعور العجز والخوف المُـربك وهو يراها هامدة كالجثة بلا أية حركة وبأنفاس بطيئة. تدريجيًا هاجمته الذكريات وأخذت تتدفق على عقله كأنها أمطار غزيرة مصحوبة بذكريات مؤلمة، كل قطرة ماء منها تحمل ذكرى تعيسة مؤلمة لقلب صاحبها.

ابتعد مراد عنها خطوة للخلف وأحنى رأسه ليدفنها بين قدميه كالنعامة الهاربة من شيءٍ مخيف، وهو يحرك جسده بحركات متوترة، وأخذ يهذي بأشياءٍ لا معنى لها وهو يرى أخته أمامه غارقة في دمائها وهو لا حول له ولا قوة.

كانت الرؤية ضبابية في البداية وغير واضحة، وشيئًا فشيئًا اتضحت الرؤية أمامه. إنه يرى طفلة صغيرة ممددة على الأرض تبكي وتصرخ بقوة، وهناك وحشٌ كافر ذو أنياب حادة يجثو فوقها، بينما هو يقف في ذات الغرفة في زاوية ما منها عاجزًا عن فعل أي شيء. وضع يداه على أذنه وهو يبكي. هتفت

تلك الصغيرة بكلمة واحدة: "مراد". رفع رأسه ونظر نحوها بأعين متسعة. إنها أخته حبيبة قلبه. حاول أن يتحرك لنجدتها، ولكن قدماه لا تسعفانه. نظر إليهما فوجد قدماه مغروزان في الأرض كأنهما كالجزء منها. انسابت الدموع من عينيه كشلالٍ وأخذ يبكي ويصرخ بصوت يقطع نياط القلوب. "مراد! مراد فوق! ده كابوس. فوق يا مراد. مش حقيقة!

فتح عينيه المُحمرتان من شدة بكائه ونظر إليها ثوانٍ، ثم أغمض عينيه بقوة وشهقة ألم صدرت عنه. ضمته لميس إلى صدرها واحتوته بين يديها وأخذت تربت على ظهره بحنو بالغ وهي تتذكر قبل أن تفيق ذاك الكابوس. عودة إلى الوراء

كانت تسير على غير هدى، فجأة تنشق الأرض ليظهر منها بئر عميق وهي معلقة بحبلٍ صغير. بكت بشدة ونظرت إلى الأسفل فرأت موجة عاتية على شكل دوامة مهولة تكاد تبتلعها. أخذت تصرخ وتبكي بقوة وهي تنتفض. شعرت بقطرات مياه ساخنة على وجنتيها.

شهقت لميس بقوة وهي تصحو من ذاك الكابوس ووجدت بعض العبرات على خديها. فتحت عينيها ببطء وصُـعقت بما رأت. مراد يجلس ضام قدميه إلى صدره ويدفن رأسه بين ركبتيه ويهذي وتتعالى أصوات صرخاته وجسده يهتز بقوة. اقتربت منه والتقطت أذنيها بعض الكلمات. "لميس، أنا مش عارف أساعدك... رجلي مش راضية تتحرك... لا لا أبعد عن اختي...

تلقائيًا انهمرت دموعها وأخذت تنهمر بقوة على وجهها عندما فهمت ما به. رؤيته لها ممددة على الأرض بلا حركة لا شك ذكرته بأخته. حزنت لميس بشدة على حاله وأنها السبب في تذكره لتلك الذكرى المؤلمة. يا الله، هي من جهة ووالدها من جهة أخرى، كيف له أن ينسى ذاك اليوم؟ أنى له ذلك؟ وضعت يدها على رأسه وأخذت تنادي عليه بصوتٍ مرتفع نسبيًا لكي ينتبه لها ويفق من هذا الكابوس. عودة إلى الواقع

كانت لميس تضمه لها بقوة وهو يبكي بشدة بين أحضانها ويديه مُتشبثة بثيابه بقوة. تنهدت لميس بحزن ثم تمتمت بعبارات الأسف الشديد وهي تقول بصوت باكي: "أنا آسفة. سامحني. والله ما كنت أقصد. أفكرك. مراد، فوق. أنا هنا معاك. أنت بتحلم. فوق! أجابها مراد بحزن شديد وهو يقول بينما يجذبها له أكثر يكاد يدخلها إلى قفصه الصدري: "لميس، أنا تعبان. عاوز أنسى... عاوز أنسى...

منعته غصة مؤلمة عن تكملة باقي حديثه. ربتت لميس على رأسه بحزن شديد وهي تبكي ثم قالت بصوت جاهدت لإخراجه من حلقها فخرج مُـتقطعًا ضعيفًا من بكائها: "أنا معاك. مش هسيبك. هتنسى إن شاء الله." ابتلعت ريقها وأردفت بدموع: "هتنسى. هي عند ربنا اللي أرحم مني، ومنك ومن الناس كلها. هي عند الرحمن. متقلقش عليها. هتجتمع بيها يوم القيامة وهتشوفها." صمتت وهي تضغط على شفتيها بقوة بينما لازالت تبكي ثم تابعت:

"عروسة في الجنة إن شاء الله. ادعيلها بس!! _ألقى بمفاتيحه بإهمال وجلس على الأريكة بتعب. أغلق جفونه بإرهاق شديد. فجأة شعر بسائل ساخن يسير على وجنتيه. فتح عينيه وكفكف دموعه وأخرج تلك الفلاشة ووضعها أمامه وهو يتذكر لقائه مع ذاك المحامي. عودة إلى الوراء عندما تمتم سعيد بتلك الكلمات، جال في خاطره هاجس مُـرعب فقال: "أنت قصدك..... جلس سعيد بحزن ووضع الفلاشة على الطاولة المهترئة وتمتم بأسى:

"أيوة. اللي جه في بالك صح. الفلاشة دي عليها الجريمة البشعة اللي عملها في عيلة مراد! بصوت ضعيف قال العم أحمد: "كل حاجة. كل حاجة. مش كده؟! أومأ سعيد برأسه إيجابًا بخزي: "أيوة. جايبه كل حاجة بالتفصيل. صحيح التصوير عكس بس ممكن يتظبط و... نهض العم أحمد عن مقعده وتمتم بضيق شديد: "بس متكملش. انتوا إيه؟! مبتخفوش من ربكم؟ إيه التفكير ده؟ "أنا هحكيلك كل حاجة... هو بعد ما اتأكد إن البوليس قبض على محمد جالي بليل وقالي...

عودة إلى الوراء "كله تمام يا باشا. ده فيها تأبيدة. كده بقى نقول على رأي بشندي في الخالة نوسى. خرجَ ولن يعود! ابتسم عز بشر: "المهم سيبنا من سيرته الهم دي وقولي جبت المطلوب." على الفور أردف سعيد بهدوء: "أيوة يا باشا. حلال عليك! "جايلك يا سمورتي! "طيب اتفضل يا باشا. محدش هنا غيري. مراتي وبنتي في البلد عند أهلها... الدار أمان. تعالى وأنا هظبطلك دماغك علشان تنغنغ وتكون فايق." ضحك عز بخبث: "ليلتنا فل!

دخلا إلى المنزل واتجه عز إلى المرحاض. "عافانا الله وإياكم." أخذ المحامي سعيد يسير ببطء إلى المرحاض حتى استمع لصوت المياه. تنهد بارتياح واتجه إلى الصالة. أمسك بجاكيت بدلته وقام بتشغيل الكاميرا الصغيرة التي قد زرعها سابقًا في أزرار البدلة الخاصة بعز، وابتسم بخبث شديد، ثم عاد إلى مكانه وانتظره حتى خرج وقام بإعطاء الدواء له. تجرع الأخير وابتلع حبات الدواء وتمتم بإنتشاء وهو يقول بجنون: "هرجع... ما هو ملكي!

أنهى حديثه ثم غادر. تمتم سعيد بعد رحيله: "وعن قريب رقبتك هتبقى في ايدي يا بتاع سمورتك! عودة إلى الواقع وقف العم أحمد بتوتر يقول: "أنا همشي دلوقت! أردف سعيد بحزن: "وبنتي؟ "متقلقش. الموضوع عندي. سلام! عودة إلى الواقع عاد من ذكرياته يقول بضيق: "أقوله إزاي بس عليه ياربي. وأنا عارف إنه منسيش! أخرجه من شروده صوت هاتفه. رد العم أحمد والدموع تنهمر أمام وجهه. ما رآه لا يتحمله بشر. "أيوة يا جنار... قالت جنار بصدمة: "إنت بتعيط؟

إيه اللي حصل؟ مالك؟ أجابها العم أحمد وهو يمسح دموعه: "وصلت لسعيد! هتفت جنار بسعادة: "طب كويس. إيه اللي حصل؟ أكيد وصلت لحاجة ودي دموع الفر... "لأ. اللي وصلتله دليل حساس جداً وصعب وفوق طاقة البشر يا جنار... "دليل إيه ده؟ قص عليها العم أحمد ما جرى معه في مقابلة المحامي سعيد وعن تلك الكاميرا الصغيرة والفلاشة... "أحمد، الدليل ده إحنا في غنى عنه. مش لازم يوصل لمراد أبدًا. مفهوم؟

إحنا مصدقنا إنه فاق شوي وأنا واثقة إنه بردو لسه فاكر الحادثة ومش ناسيها. والفيديو ده هو النار يا أحمد. مراد لحد دلوقتي لسه بردو عايش في كوابيسه. لو الفلاشة دي وصلتله يبقى حرقناه بإيدينا... "من غير ما تقولي. أنا مش عارف أتلم على أعصابي من إللي شوفته. اطمني. الفيديو مش هيوصله. إحنا هنعتبر إن الدليل ده مش موجود أصلا! _كان لا يزال متشبثًا بها بقوة كأنها سرابٌ وستختفي إن تركها. ربتت على رأسه بحزن شديد وتمتمت

بأسف وإحراج من وضعهما: "مراد! قوم معايا. لازم تغير هدومك دي! حرك مراد رأسه بحزن: "مش عايز! "بس كده هتبرد! "سيبني على راحتي! قالت لميس بمحاولة لتغيير الجو المتوتر: "إنت ليه إتأخرت في المياه طلما بتعرف تعوم يعني." صمتت قليلًا ثم تابعت بمرح: "ولا لا، لازم تخوف الغلبانة لميس وتوقع قلبها صح يا شرير! نهض مراد ورفع رأسه وتمتم بذهول: "شرير! ضحكت لميس برقة: "أمال إنت تسمي إللي عملته إيه؟ لا وخلتني أنزل البحر وكنت هتموتـ."

وضع مراد يده على شفتيها وتمتم بنبرة حزينة: "متجيش السيرة دي تاني." أومأت برأسها وانزلت يده بتوتر وقالت مغيرة الموضوع: "إنت هتعمل إيه بعد كدا يعني؟ أقصد خطواتك الجاية؟ وضع مراد رأسه على قدمها مرة أخرى وأردف بنبرة هادئة نوعًا ما: "حاليًا أنا مش عايز أفكر في حاجة خالص. ولا تسأليني عن أي حاجة. ممكن؟ قالها برجاء فتمتمت لميس بهدوء وهمست قائلة: "طيب. بس قوم خلينا نغير الهدوم دي الأول! "قومي غيري أنتِ لتبردي و...

"وأنت كمان." صمتت قليلًا تفكر ثم هتفت بمرح: "عارف لو غيرت هخلع الخمار إللي.... ابتسم مراد بخفوت على حديثها الأخير وتمتم بتزمر: "هخلعلك الخمار. لا ياشيخة كتر خيرك كده. وهو أنتِ مش واخده بالك إن شعرك باين ولا هي الصدمة فقدتك الشعور؟ شهقت لميس بتوتر ووضعت يدها على رأسها وقالت بغيظ وهي تلكزه على كتفه بخفة: "ما انت شيلته أهو يا مستغل الظروف. نفسي أفهم إيه مشكلتك مع الخمار بس مش إنت إللي جايبه! قال مراد بشرود:

"مفيش مشاكل. بس بضايق لما بشوفك كده. يعني أقصد مش واخده راحتك كأن إللي معاك واحد." صمت قليلاً ثم أردف بسخرية: "أجنبي! ضحكت لميس وهي تبعد خصلات شعرها خلف أذنيها مكملة ببسمة صغيرة: "إنت قلبك أسود بقى. لسه فاكرها لي. ده كان كلام وليد اللحظة! تمتم مراد بتهكم: "وياترى الولادة كانت طبيعي ولا قيصرية! همست بخفوت: "قليل الأدب! نهض مراد فجأةً وقال وهو ينظر للبحر الواسع وها قد أسدل الليل ستائره عليهم: "سمعتك على فكرة! قالت

لميس بخجل وتغيير الموضوع: "أنا هدخل أغير وأتوضى ونصلي المغرب. أذن من زمان! "وهو ينفع نصلي من غير ما نسمع الأذان؟ كنت فاكر أسئلك بس أنتِ نزلتي تحت! ازدادت ابتسامتها مصحوبة بدقات قلبها وأجابته بهدوء حتى يستوعب حديثها:

"آه ينفع في حالتنا دي. شوف هقولك أمثلة علشان تقدر تفهمني. لو إنت مثلاً محبوس في أوضة ومش معاك ساعة ولا أي حاجة علشان تعرف وقت الصلاة، وطبعًا لا سمعت آذان ولا غيره وعايز تصلي، المفروض تجتهد في معرفة الوقت المقدر للصلاة على حسب ظنك وتصلي. وفي الحالة دي صلاتك بتكون صحيحة لأنها عن اجتهاد." أخذت نفسًا عميقًا ثم تابعت بنبرة غلب عليها الهدوء رغم ارتعاشة صوتها إثر الهواء البارد:

"أما لو كنت في بيتك وصليت قبل الوقت فبتعيد الصلاة تاني لأن متوفر لك إنك تعرف الوقت سواء من سماع المؤذن أو إنك تجزم في الوقت يعني تكون عارف وقت الصلاة مثلاً. بخلاف بقى لو كنت محبوس في مكان بعيد ومفيش جنبك مسجد ولا أي حاجة تستدل عليها، ونفس الوضع بردو في حالتنا دي. إحنا في وسط البحر وأكيد يعني مفيش مسجد علشان نسمعه. فاحنا بنجتهد في معرفة الوقت وكمان عندنا دلائل أهو معانا ساعات. وغير ده كله الشمس غربت أهي واختفت من زمان والليل أهو هلّ علينا. يبقى ده موعد صلاة المغرب. فهمت؟

كان يستمع لحديثها وعلى وجهه ابتسامة عريضة. إنها فتاة صالحة ومثقفة، حتمًا ستكون زوجة صالحة لزوجها وأم جيدة لتربية أبنائها على القيم والأخلاق الحميدة. إنها كنز لمن يعرفها. طال صمته ولم يرد عليها. بقى يحدق بها فقط. قلق لميس عليه وازداد خوفها. فاقتربت منه ووضعت يدها على وجهه بترددٍ وقالت: "مراد، إنت كويس! فاق من شروده بها على صوتها القلق. حدث نفسه: هل تقلق عليه؟

نعم، لقد كانت خائفة عليه عندما اختفى في الماء وتغلبت على مخاوفها من أجله واقتربت من الحافة متجاهلة خوفها وأيضًا شعورها بالدوار. أعادت لميس تكرار سؤالها مرة أخرى وهي تهتف بقلق: "مراد، مراد، إنت سامعني؟ رفع مراد يده ووضعها على يدها التي تمسك بوجهه وقال: "أنا كويس. روحي يالا غيري وأنا هاجي وراكِ." ثم ابتسم وتابع قائلاً: "وجهزي المصلى! تمتمت لميس بسعادة: "ماشي! _كانت تقف أمامه تتنفس الصعداء قبل أن تهم بإخباره ما لديها:

"يا يازعيم، العملية قربت وعز لسه في المستشفى مطلعش!! رد عليها بهدوئه وهو يدخن السجائر: "أنا حاسس إن موت بنته هيأثر على شغلنا معاه، ويكأنه بيحبها أوي وهو راهن حياتها لينا تمن لوفائه، وفي نفس الوقت منقدرش نتخلى عنه، هو ضلع مهم في عصابتنا. أنتِ شكلك نسيتي مين إللي جابك هنا! ردت عليه ببرود: "لا منسيتش، بس اتعلمت البقاء للأقوى. ولولا كفاءتي مكنتش قدرت أوصل لهنا وأمتلك ثقة الزعيم مرة واحدة! تمتم بهدوء:

"معاكِ حق. وهو ده اللي عاجبني فيك. غرورك بنفسك أوي وثقتك دي يا سمر! قالت سمر بجمود: "العملية هتم. اسمحلي أشرف عليها من بعيد! أومأ برأسه وتابع قائلاً: "تمام. أنا أصلاً محتاجك في شحنة بنات هتيجي بردو مع العملية. عايزك تتولي المهمة دي بنفسك." "علم وينفذ يا زعيم! _كان يجلس على المقعد بيده صورة لفتاة وهو يبكي بشدة: "يا ترى أنتِ فين يا سمر؟ وعايشة ولا... منك لله يا عز الـ... ". صمت قليلاً

ثم تابع ببسمة: "أنتِ بنتي القوية الذكية. أنتِ ما اخدتيش كورسات ملاكمة وفنون الدفاع عن النفس على الفاضي. أنا ووديتك بإيدي لأحسن مدربة عشان تضربك كويس بجانب الكاراتيه. أنتِ قوية ومش هتسمحي لحد يأذيكِ وأنا واثق إنك عايشة." أنهى حديثه وهو يتذكر شيء ما. عودة إلى الوراء "بابا، بابا. عايزاك في موضوع مهم ومستعجل. حياة أو موت." "خير يا بنتي. حصل إيه؟ غمغمت سمر بنبرة حزينة:

"بابا، حصل موقف معايا في الجامعة وفي شباب ضايقوني وأنا ضعيفة مش عارفة أدافع عن نفسي! استرعى حديثها كامل انتباهه ليردف سعيد بقلق: "حد منهم عملك حاجة؟ "لا يا بابا. بس لإمتى هسكت عن المهزلة دي؟ عايزة أتعلم فنون قتالية. أنا مضمنش المرة الجاية يعملولي إيه وأنا ضعيفة كده!

"بعد الشر يا قلب أبوكِ. من بكرة لأخدك بنفسي وأوديك عند أحسن مدربة وتدربي معاها على كل اللي أنتِ عايزة تتعلميه. واللي يقرب منك مش بس تكسري دراعه، لا اكسري عنقه! "بحبك يا بابا. ومتقلقش. بنتك بعون الله." صمتت قليلًا ثم أردفت بمرح: "بعد إعادة التأهيل هتكون حاجة تاني خالص ومش هسمح لحد إنه يضايقني تاني وهعلم الشباب دول درس عمرهم ماينسوا أبداً! "this my girl" عودة إلى الواقع تنهد سعيد بحزن من أثر تلك الذكرى

وقال وهو ينظر للصورة: "يا ترى يا بنتي لسه زي ما إنتي ولا الأيام غيرتك! _كانت تراقبه من وراء الباب وهو يصلي بخشوعٍ ويبكي بشدة. بعد أن انتهوا من الصلاة حدثها برغبته أنه يريد الاختلاء بنفسه قليلاً. أومأت برأسها بحزن وتركته. ولكن الفضول والقلق انتاباها، وبالأخص شعور القلق والخوف عليه. تخشى أن يغرق في كوابيسه من جديد. خافت عليه. لما لا تقولها صريحة بلا أي مبررات؟ لما تحط أعذارًا واهية؟

هي قلقة عليه لأن أمره يهمها. لما لا تعترف في قرارة نفسها أنها تكن له المشاعر؟ ببساطة، لأنها لا ترى طريقًا يجمعهما. حياتهما محفوفة بالنيران من كل جانب. لا جدوى من المحاولة. لما تعترف وتعلنها صريحة وهي تعلم النهاية؟ لا أمل. لا تريد أن تعلق آمالها على حبالٍ مهترئة. يكفي أن تحتفظ بمشاعرها بينها وبين نفسها. صرخ قلبها بهياج والنيران تلتهمه: "أولستِ مؤمنة؟

ألم تقرأي قول الله تعالى: 'لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا'؟ " من قال لك أن تلك هي النهاية؟ من قال؟ لا أحد. الغيب بيد الله وحده. أفاقت من شرودها على تساقط عبراتها التي أخذت تنهمر مع كل دمعة تنزل من عينيه وشعرت بألم في قلبها والضيق. لا ترغب برؤيته ضعيفًا هكذا. تذكرت عندما كان يتشبث بها بقوة عندما بكى في صدرها واستمعت لنحيبه وصرخاته التي أصمت قلبها وجعلته يحترق بلهيبه.

أدارت نفسها وأولته ظهرها وعضت على شفتيها بقوة حتى تمنع شهقاتها من الوصول إلى مسامعه واتجهت إلى سطح الباخرة وجـثت على ركبتيها ورفعت رأسها ونظرت للسماء حالكة السواء إلا من نجومٍ صغيرة تلمع لمعًا في السماء وكأنها تخبرها أن في وسط تلك الظلمة هناك بصيص أمل تمسكي به. "قاعدة كده ليه؟

قالها مراد وهو يجلس بجوارها وينظر إلى وجهها. رأى احمرار خدودها وأنفه. علم أنها كانت تبكي. وبعد أن سمعت صوته خانتها عبرةٌ عرفت طريقها لتستقر على وجنتها. مد مراد يده بهدوء وأزالها بحنان. فتحت عينيها بعد أن شعرت بيده على وجنتها، وبمجرد أن وقعت عيناها عليه، اندفعت تجاهه وعانقته بقوة.

أخذت تبكي بشدة وهي تتشبث بثيابهِ من الخلف بقوة. تفاجأ مراد من حركتها إلا أنه لم يملك سوى أن يطوّقها بذراعيه وعانقها هو الآخر بشدة وكأن كلاهما كانا في حاجةٍ لهذا العناق أكثر من أي وقتٍ مضى. فقط عناق صامت لا يرغب أحدهما في الحديث وقطع هذه اللحظة التي لن تتكرر. يريدان أن يشعرا فقط بالدفء والحنان والأهم من كل هذا هو الحب. _"هل ستبقى فيروز بمصر؟

هتفت بها الخالة فاطمة عندما رأت أختها تجلس شاردة كعادتها منذ أيام. تنهدت جنار بهدوء تمسح ما بين عينيها بإرهاق: "أخبرتني أنها ستتأخر في العودة قليلاً. يحتاجونها هناك! "وهل ستتركُكِ يا أختي كل هذه المدة؟ ابتسمت جنار وهي تربت على يد اختها بلطف: "أنتِ معي هنا، أليس كذلك؟ أم أنكِ تفكرين بالعودة؟ أنا لن أمنعك! "لا عزيزتي. أنا لن أتركك. سأبقى معك حتى تأتي فيروز إن شاء الله." صمتت قليلًا ثم أردفت بمرح: "أم أنكِ قد مللتِ مني؟

"أنتِ لا أحد يمل منكِ حبيبتي! _كان مستلقيًا على قدميها وهو يغمض عينيه بينما كانت تنظر له بحزن شديد وتتمنى بداخلها لو في إمكانها نزع ذاك الحزن عن صدره وإخراج تلك الذكرى المؤلمة من رأسه ليرتاح من عذابه ولو لبعض الوقت... "مراد، أحسن دلوقت! فتح مراد عينيه ونظر إليها بعمق. رآه قلقها عليه واضحًا. شرد قليلًا وهو يتذكر عندما وقع في البحر.... استيقظ مذعورًا ليجد نفسه مستقرًا في المياه...

أخذ يفكر كيف وصل إلى هنا. ألم يكن نائمًا... ضحك داخله بصمت وهو يقول لذاته: "هو في عاقل ينام عند الحافة." أسكت تلك الأصوات في داخله عندما جالت في خاطرهِ فكرة شيطانية وهي إرعاب تلك المسكينة. ظن مراد أنها مجرد مزحة طريفة إلا أنه كان وراء تلك المزحة أمرًا يريد مراد التأكد منه. كتم أنفاسه. هو معتاد على ذلك. يمكنه البقاء أسفل المياه لمدة سبع دقائق كاملة بالإضافة إلى أنه سباح ماهر.

وعندما قرر الاقترب من سطح المياه، تفاجأ بحديثها وبكائها الشديد عليه. وما أضحكه وأفسد عليه الاستمتاع بفكرته هو قولها له تلك الجملة "طب بص هقلع الخمار". لم يقدر على البقاء أكثر وانفجر ضاحكًا بقوة وهو يصعد إلى السطح فجأةً، فقام بإفزاعها. وتسبب في سقوطها. أفاقته من شروده وهي تضع يدها بتردد على وجهه. فبعد أن طال صمته ولم يجب عليها ظنت أنه قد غفى، فأخذت تمرر يدها على شعره ولا شعوريًا أخذت تلعب فيه بصمتٍ. "بحبك!

نظرت لميس له بصدمة و......

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...