الفصل 14 | من 27 فصل

رواية حب بين نارين الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نورهان ناصر

المشاهدات
19
كلمة
5,372
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

بعد تصريحها، انتاب مراد مشاعر عدة مابين السعادة والحزن، شعورين متضادتان غمراه. ليحني رأسه مقطبًا ما بين حاجبيه بضيق شديد، ثم وقف أمامها ينظر إلى انتحابها بكل برود. كانت تبكي بقوة، تنتفض من شدة بكائها، بينما لم يرق لها قلب ذاك الذي يتصنع اللامبالاة وهو يرمقها بنظرات حائرة. لا يعلم أي يمُد يده لها يطمأنها، ويريحها من حيرتها تلك. قطع الصمت السائد عدا من شهقات لميس وانتحابها. مراد وهو يجثو على ركبتيه أمامها ثم

قال بنبرة لا تقبل النقاش: _قومي معايا دلوقت علشان هنسافر إنهاردة! أنهى حديثه وهو يمد يده ليبعد يدها عن وجهها ليحملها، فصاحت به بهلع: _أبعد إيدك عني، بعرف أمشي! ابتسم مراد بتهكم وهو يراقب انفعالاتها التي تتغير بين الفينة والأخرى بإستمتاع كبير. ثم تشدق قائلاً وهو يقف وأولى ظهره: _على راحتك، أنا خارج دلوقت كمان ساعتين أو لسه مش عارف الوقت، بس اعرفي إننا هنسافر النهاردة.

تجاهلت حديثه، ثم تحاملت على قدمها وأخذت تسير ببطء تجاه الغرفة التي خرجت منها. ومع تعثرها وترنحها في خطواتها، إلا أنها رفضت أي مساعدة منه بإستماتة. ناداها مراد بهدوء: _لميس! توقفت عن متابعة خطواتها ولم تلتفت له، تنتظر أن يكمل حديثه. فتابع مراد وهو يقول بنبرة حانية استشعرتها لميس منه: _أوعدك إن كل حاجة هتوضح قدامك!

ارتفعت ابتسامة باهتة على ثغرها، ثم أكملت سيرها إلى داخل الغرفة. ظل يتأملها حتى غابت عن مرمى بصره. فأخرجه من شروده صوت هاتفه. تنهد بخفوت ثم أخرجه واتجه إلى خارج المنزل. _أمنلي زيارة لحبيبنا إنهاردة! علا صوت الطرف الآخر وهو يجيبه بإستنكار لما تفوه به: _لا ده أنت لو بتقولهم أنا هنا مش هتروحلهم برجلك كده! _اسمعني... قاطعه رامي هادرًا بصوت مرتفع نسبيًا: _لأ مش هتروح لمكان، أنت عايز تكشفنا! قال مراد بضيق:

_طيب رامي هاتلي العربية اللي قولتلك عليها على البيت واستنى مني اتصال، جنار هانم بتتصل عليا! تمتم رامي بضيق مثله: _أنا أصلا جايلك دلوقت ومعايا العربية، أنا اللي هاخدك للمطار بنفسي. هي بس فترة الأوضاع تهدى شوي وأرجع يا سيدي، بس دلوقت العيون هتبقى عليك، إحنا منعرفش الـ** قالهم إيه عنك، وكمان متنساش إنهم بيهددوا حياة مراتك! هتف مراد بضيق وهو ينظر للسماء: _عارف يا رامي كل ده؟

طب بقولك اقفل، انت هرد على الست جنار، صرعت راسي! تبسم رامي بهدوء: _طيب هقفل أنا، كلها نص ساعة واوصلك! تنهد مراد ثم عاود الاتصال بها هو. لم تمض ثوانٍ معدودة وأتاه صوتها من الطرف الآخر وهي تهتف بقلق شديد: _ينفع كدا يا مراد؟ القلق اللي عايشتني فيه ده! أردف مراد وهو يمسح على وجهه بضيق: _متقلقيش، إن شاء الله هنطلع من هنا إنهاردة. أنا أجلت السفر لأن لميس مش هتعرف تمشي على رجلها! صاحت جنار وهي تنتصب واقفة لتهتف

بقلق لم تستطع إخفاءه: _إزاي؟ مش قولتلي إنها كويسة؟ عملت إيه؟ رد عليها مراد بضيق: _معملتش حاجة، هي اتعورت في رجلها وحاليًا هي كويسة! قطبت جنار حاجبيها بضيق: _لينا كلام طويل يا باشمهندس! زفر مراد بضيق: _تمام، أنا هقفل دلوقت، سلام!

أغلق معها ثم أغمض عينيه. ولا يعلم لما جالت صورتها على خاطره فجأةً عندما كانت قريبة منه تمسح دموعه بيدها وتقول له بنبرة اعتادها منها وكم رغب في سماعها منها منذ زمن، لاشعوريًا وجد نفسه يبتسم ابتسامة صافية وكلمتها تتردد في أذنه: "أيوة لميس يا مراد وأخيرًا لقيتك!! ". إلا أنه سرعان ما نفض تلك المشاعر التي اجتاحته وعادت ملامحه للجمود مرة أخرى. ***

كان يجلس منكس الرأس تعتريه علامات إعياء شديد، بينما ينظر لشيءٍ ما في هاتفه. دقق النظر بصورة ما في هاتفه ثم همس بلا وعي منه: _ملاكي! قالها عز بحزن شديد وهو مازال مطرق الرأس. قطع عليه شروده فتح باب الغرفة المقيم فيها، فهتف بغضب وهو لازال مخفض الرأس: _قولت مش عايز أشوف حد! _حتى أنا؟ اتسعت حدقة عينه بذهول. على الفور رفع رأسه ونظر لمخاطبه وهو لازال لا يصدق ما يراه. اقترب الآخر منه وهو يتصنع الأسى لأجله ووضع

يده على كتفه وأخذ يردد: _شد حيلك! رد عز بتهكم: _أنا خسرت بنتي! أجابه الآخر وهو ينفس دخان سيجارته غير عابئ بالمكان الذي يجلس به وبكونه مشفى وبه مرضى، ثم قال وهو يضغط على كل حرف ينطقه: _ده مش هيغير حاجة، أوعى تفكر تتراجع، أنت بنفسك كنت عارف مصير بنتك. صمت قليلاً يطالع ملامحه العابسة ثم تابع حديثه بمكر: _متنساش تعهدك معانا على حياتها.. قاطعه عز بحزن وهو يقول: _عارف، أنا بس... قاطعه غير حافل بتبريراته ثم قال:

_قولنا هو مين واحنا نجبهولك تحت رجلك، أنت عارف غلاوتك عندنا مش كده! قال عز بغضب شديد: _ده واحد ليا عداوة معاه من زمان وبإيدي هكون... _واحنا معاك، عايزك كده تصحصح معايا في عملية بنات كنا مستوردينهم من هولندا و... قاطعه عز بحزن شديد: _بنات تاني لأ!!! نهض الآخر من جانبه وصاح بحدة: _إنت بتقول لأ إزاي؟ إتجرات؟ مش عشان بنتك ماتت يبقى كده خلصت مننا، لا اصحى وفوق لنفسك! همهم عز بضيق: _أنا آسف يا بوص، مقصدش! لانت تعبيرات

وجهه ثم قال بخبث شديد: _المهم قولنا على المفيد، مين عمل كده في بنتك؟ قال عز بضيق: _واحد اسمه مراد الألفي، بس معرفش شكله! عليه باستغراب يصحبه سخرية: _إنت هتخيب ولا إيه يا عز؟ يعني إيه متعرفش شكل عدوك؟ وضح له عز الدين بضيق: _مشفتهوش غير كام مرة وهو صغير، فطبيعي معرفش شكله بقى إيه دلوقت! فكر الآخر قليلاً ثم تابع وكأنه تذكر شيئاً: _قصدك إن الواد ده ابن محمد ال... _أيوة!

قالها عز باقتضاب وهو ينظر لنقطة ما في الفراغ. هتف الآخر وهو يقول بينما يوليه ظهره: _في ظرف كام ساعة بس ويكون عندك! أومأ عز له، فتابع الأخير خطواته نحو الباب. وعندما فتحه كاد يصطدم بمن اقتحمت الغرفة كإعصار هائج وهي تصيح بغضب شديد. لم تهتم بذاك الذي توقف وأخذ يتابع ما يحدث بإستمتاع: _كله منك، حسبي الله ونعم الوكيل، ضيعتلي بنتي، هقتلك هقتلك ياعز!

أبعد عز يدها التي كانت تلفها حول رقبته بصعوبة وهو يجاهد ليلتقط أنفاسه الهاربة من فرط المجهود ثم صاح بحدة: _ابعدي إيدك عني ويلا امشي، إيه اللي مقعدك لسه هنا؟ همست فيروز بانتحاب: _بنتي... ذنبها إيه... منك لله، ربنا ينتقم منك، حسبي الله ونعم الوكيل فيك! أنهت كلمتها واتجهت خارج الغرفة وهي تبكي بشدة. _وليه نكدية بصحيح؟ منا فيا اللي مكفيني! نقصاها هي!

كان لازال يقف عند الباب واستمع لتلك المحادثة الشرسة التي جرت قبل قليل، وارتسمت على ثغره ابتسامة تسلية ثم وضع نظارته السوداء وسار بهدوء. ***

كانت تبكي بقوة بعدما خرجت من عنده، عقلها شارد منذ مكالمة أمس، تفكر هل ما سمعته صحيح. أخذت تسير على غير هدىٍ حتى توقفت أمام إحدى الكافيهات على النيل. جلست على إحدى الطاولات ورفعت هاتفها تنظر إلى الساعة. فقد أخبرها المتصل أنه سيلتقي بها عند الساعة الواحدة ظهرًا، وها هي الساعة قد تخطت الواحدة وعشر دقائق. زفرت بضيق وهي تسترجع تلك المحادثة الهاتفية أمس. **عودة إلى الوراء**

نظرت إلى الرقم باستغراب لثوانٍ ثم حسمت أمرها وضغطت على زر الإجابة وانتظرت سماع صوت الطرف الآخر. ولما لم ينطق أحد تنفست الصعداء ولا تعلم لما انتابها إحساس بأن للأمر علاقة بابنتها وإحساس بالأمل دب في أوصالها بأن تسمع خبرًا يريح قلبها. هي لم ترى تلك الفتاة التي يصرون على أنها ابنتها، لكن قلبها يرفض وبشدة تصديق هذا الأمر. _مين؟ مرت لحظات قليلة قبل أن يصل إلى مسامعها الرد على سؤالها بنبرة حادة لا تقبل النقاش:

_مش مهم تعرفي أنا مين، قد ما مهم تسمعي كويس اللي هقوله وتنفذيه بالحرف الواحد، مفهوم! عبست ملامح فيروز للغضب وهي تردف بتهكم: _أنت مين أنت علشان... قاطعها سريعًا وهو يقول:

_عشان مصلحتك تعملي اللي هقولك عليه. اسمعيني كويس، بكرة الصبح في واحد لابس أسود في أسود ونظارة سوداء وباين عليه الكبر، المهم هييجي عشان يزور طليقك. عايزك لما تعرفي إنه جه تروحي تتهجمي على عز وتحاولي تخنقه وتهدديـه بإنك هتحاولي تقتـله على اللي حصل لبنتك! قالت فيروز بدموع: _وأنا هستفاد إيه؟ بنتي راحت، منكم لله. ثم أخذت تبكي بشدة ثم استطردت قائلة: _مبقاش ليا حاجة أخسرها... قاطعها سريعًا وهو يقول:

_اهدي يا فيروز، ليكي ابنك. مش عايزاه يحصله زي أخته، يبقى تنفذي المطلوب منك ومن غير ما تسألي أي سؤال. وأنا هتصل عليك بكرة وأقولك هتقابليني فين! هتفت فيروز بدموع وهي تستمع لكلامه وكأنها قد تناست أمر وليدها البكر الذي فرقتها عنه تلك الغربة المقيتة: _حاضر، هعمل كل حاجة بس متأذوش أمجد! ابتسم محدثها بخفوت وهتف بهدوء قائلاً: _كده أنتِ معانا، يلا سلام. أوعدك لو نفذتي اللي قولتلك عليه هسمعك أخبار حلوة! **عودة إلى الواقع**

مدت يدها بارتجاف ومسحت عبراتها وهي تنتظر مجيئه بعد تنفيذ ما قاله لها. انتابها الفضول لتعرف لما طلب منها فعل ذلك أمام ذاك الرجل بالتحديد. _إزيك يا فيروز؟ رفعت رأسها ونظرت إلى مخاطبها بدهشة ثم هبت من جلستها وقالت باستغراب: _عمو أحمد! ابتسم العم أحمد بهدوء: _إزيك يا بنت أخويا، أخبارك؟ أجابته فيروز بصوت باكي وهي تقول له: _أنا مش كويسة خالص! أردف العم أحمد بهدوئه المعتاد: _ليه بتقولي كده؟ انهمرت دموع فيروز تردف بنشيج:

_بنتي، بنتي ضاعت مني خلاص... قاطعها العم أحمد وهو يقول: _اهدي، لميس بخير! اتسعت حدقة عينها بصدمة كبيرة وقبل أن تبدي ردة فعل قاطعها العم أحمد وهو يشير بعينيه بمعنى "ولا كلمة". بعد وقت قصير هتفت فيروزة وهي لا تصدق ما قاله لها: _متأكد يا عمو؟ هز رأسه بإيجاب، فتابعت هي حديثها وهي تقول بنبرة فرح ظهرت على ملامحها وطغت على حديثها:

_كنت عارفة إنها مش بنتي، لا يمكن قلبي رفض يصدق اللي حاولوا يقنعوني بيه. الحمد لله، الحمد لله يارب، ألف شكر. هتف العم أحمد بتحذير: _هي لغاية دلوقتي كويسة وعايشة كمان، بس أنتِ لازم تثبتي للناس كلها إن بنتك ماتت، فاهمة! فتحت فيروز فمها بصدمة قائلة: _أنت اللي كلمتني امبارح صح؟ أومأ العم أحمد بهدوء: _أيوة يا فيروزة، أنا... قاطعته فيروز بحدة وهي تقول: _يعني أنت متواطئ مع اللي خطف بنتي؟ معقول يا عمي!

زفر العم أحمد الهواء مردفًا بتأكيد: _أيوة، وأنا مستعد أفديه بعمري كله. مراد مش مجرد ابن صديق ليا، لأ، مراد ابني اللي مخلفتهوش. وبعدين أظن إنك عارفة طليقك عمل إيه في أبوه و... قاطعته فيروز بدموع: _عارفة ده كله، بس هان عليك بنتي يا عمي؟ تدخلها في اللعبة دي كلها؟ تهدل كتفي العم أحمد قائلاً بهدوء: _ده لمصلحتها وهتشكريني بعدين! صاحت فيروز بإستنكار وهي تقول وقد ارتفعت نبرة صوتها قليلاً:

_مصلحتها في إنها تفضل مع واحد غريب عنها وخطفها طول المدة دي كلها. أنا آه عايشة في تركيا، بس القيم والأخلاق واحدة ومش هتتغير سواء كنت في مصر أو تركيا، وأنا مقبلش بده. وكفاية اللي حصل، طلع بنتي بره اللعبة دي لو سمحت! نظر لها العم أحمد بهدوء: _خلصتي؟ ردت فيروز بإنفعال: _أيوة! أردف العم أحمد بهدوء:

_اقعدي طيب ووطي صوتك ده، هتلفتي العيون علينا، واسمعيني كويس بقى، لو لميس مكنتش تحت حماية مراد كان زمانها ماتت من زمان لأن المصون اللي كان جوزك عمل تعهد مع المافيا، وأنا عارف إنك عشان كده اطلقتي منه. صمتت فيروزة بحزن فتابع العم أحمد حديثه:

_المهم، عمل تعهد على حياة بنتك، وأي غلطة يعملها لو اتكشف أو قرر يسيبهم، وقتها بنتك هتدفع التمن وهـ**ـيـ**ـفـ**ـو**ـ**هـ**ـا. وسبق وقولتلك إن مراد عايز يدمر عز وينتقم لعيلته، وده حقه طبعًا، ومحدش يقدر يتكلم. ولو هو عمل كده، كدا بنتك هتروح ضحية وهي ملهاش ذنب. وأنا قولتلك إني مع مراد وهفضل معاه وهساعده، بس طبعًا ما يرضنيش إن بنت أخويا تعاني وتفقد بنتها بسبب زوج معندوش قلب، يرهن حياة بنته في شغله الوسـ**ـخ. عشان كده كان لازم مراد يخطف لميس عشان يحميها، وياستي عشان الخلوة والحرمانية، أنا جوزتهاله و...

فغرت فمها بصدمة: _إيه؟ _أرجوك يا فيروز، متقاطعنيش، اسمعي كلامي لحد النهاية. أومأت برأسها فاسترسل العم أحمد في حديثه وهو يقول: _أيوة، ومتعرفيش قد إيه ده كان صعب عليه وفوق طاقته، وأنتِ فهماني. وفي نفس الوقت نأمن مراد لو عز بلغ عنه، لأن مفيش حد بيخطف مراته... اردفت فيروز بمقاطعة: _أنا آسفة يا عمي إني بقاطعك، بس مخفتش على لميس منه؟ يعني تبقى بنت الراجل اللي دمر عيلته، وهو بدل ما ينتقم منها بيحميها؟ إزاي يعني؟

على فكرة أنا عرفت الحقيقة كاملة وعرفت باللي عمله عز في أخت مراد ووالدته، يعني ليه متأكد إنه مش ممكن يفكر يأذيها؟ أجابها العم أحمد بهدوء وهو يرجع رأسه للخلف بإسترخاء: _لا مخوفتش، لا لأنه هو نفسه مديون للميس بحياته! قالت فيروز باستغراب: _نعم؟ مديون لها بحياته؟ لا فهمني بقى كده! ابتسم العم أحمد ثم قال: _طيب اسمعي يا ستي.... هتفت فيروز بصدمة: _معقول كل ده حصل وأنا مش عارفة حاجة؟ للدرجة دي كنت بعيدة!

_المهم دلوقتي أظن فهمتي أنا ليه طلبت منك إنك تعملي كده قدام الراجل! أومأت فيروز بهدوء: _أيوة فهمت، لأني أنا اللي هقنع إن بنتي فعلاً ماتت، وبكده أبعد رجال المافيا عنها ولو مؤقتًا! ابتسم العم أحمد بهدوء: _شطورة، إحنا كنا خايفين ليكونوا مش مصدقين، إنما لما يشوفوا انهيارك وكمان لأنك أمها، لو عندهم شك هيزول طبعًا! ابتسمت فيروز بسعادة:

_أنا بجد مبهورة يا عمي، رغم إنك سبت شغلك في المخابرات من زمان، إلا إنك لسه زي ما أنت، بجد عاش! تحدث العم أحمد بغرور مصطنع: _طبعًا. ضحكت فيروزة بخفوت ثم تمالكت نفسها ورسمت ملامح الحزن والعبوس على ملامحها. *** كانت تجلس هائمة في أفكارها، فاقت من شرودها على صوت أختها وهي تقول لها بصوت هادئ: _ما بكِ؟ أراكِ شاردة منذ أيام؟ ردت عليها بهدوء: _لا شيء عزيزتي، فقط اشتقت لابنتي وحفيدتي! جلست فاطمة بقربها ثم قالت بحنان:

_وأنا أيضًا، والآن هيا أقبلي، قد هيأت الغداء، واحزرِ ماذا طهوت لكِ؟ رفعت رأسها ونظرت إليها ثم قالت وهي تبتسم: _امممم Balık صحيح؟ هتفت فاطمة وهي تدور حول نفسها بحركات مضحكة ثم قالت: _نعم، Evet ) ***

وقفت أمام المصلى أمامها بعد أن توضأت وارتدت إسدال الصلاة الخاص بها. وفور أن علت *الله أكبر*، لا شعوريًا انهمرت الدموع من عينيها بشدة وهي تتذكر كل أفعالها السابقة وأخذت تستغفر ربها في كل ركعة وسجدة أن يغفر لها ويمحو ما مضى بعد أن ندمت أشد الندم على كل وقت ضيعته في فعل ما لا يرضي الله. انتهت من الصلاة وجلست تدعو الله أن يثبتها على هداها. ثم أمسكت المصحف بيدها وفتحته على سورة آل عمران. ظلت تقرأ بها وما إن وصلت إلى الآية

(7) التي تقول بسم الله الرحمن الرحيم: "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب". أغمضت عينيها وأخذت ترددها بقلب صادق وهي تتمنى الثبات وألا تعود إلى تلك الأيام الموحشة، هكذا أسمتها. فالحلاوة في القرب من الله أن يستظل الإنسان تحت جناح ربه ورعايته وأن ينعم الله عليه بهدايته وتوفيقه. ***

كان يجلس أمام المنزل شارد الذهن بعد أن غادر رامي منذ بضع ساعات بعد أن أحضر له السيارة وتذاكر السفر الجديدة. تنهد مراد ثم نهض من مجلسه وراح يتمشى قليلاً قبل موعد الطائرة. وضع يداه في جيب سرواله وهو يتذكر قبل ثلاث سنوات عندما ارتبطت لميس به. **عودة إلى الوراء** هتف بإنفعال شديد وهو يصيح في وجه تلك الطبيبة بحدة: _نعم، أنتِ عارفة أنتِ بتطلبي مني إيه؟ هتفت جنار بهدوء: _أيوة عارفة! قطب مراد حاجبيها بضيق مرددًا بحنق:

_اللي بتطلبيه ده فوق طاقتي! تدخل العم أحمد وهو يحاول أن يهدأ من هذه الأجواء المشحونة بالتوتر: _يا ابني، الدكتورة مغلطتش، معاها حق، دي ضحية زيك وزي أختك، ولو أنت كشفت أبوها، هي هتروح في الرجلين، وأنت عارف إني معاك بس مش على حساب حياة حفيدتي. صحيح أنا مخخلفتش، بس لميس في مقام حفيدتي... قالت جنار بتوتر: _فترة مؤقتة بس كل ده ينتهي، ومتنساش دي لميس الطفلة اللي كنت متعلق بيها. أردف العم أحمد مؤيدًا:

_أيوة، وبعدين أنا راجل شرقي ومقبلش إن حفيدتي تفضل المدة دي كلها مع راجل غريب في بيت واحد، وأنا قولتلك لميس ملتزمة وأنا مـ... قاطعهم مراد وهو يقول بجمود: _خلاص موافق، اعملوا اللي تعملوه! **عودة إلى الواقع** استفاق من أفكاره على اهتزاز هاتفه معلنًا عن مكالمة هاتفية جديدة. تنهد عدة مرات قبل أن يقرر الرد. ثم تنحنح وهو يجلي صوته ثم أجاب على المتصل. فمن غيرها تلك الطبيبة التي ساعدته كثيرًا والفضل يعود إلى الله ثم لها:

_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته! ردت جنار بهدوء: _وعليكم السلام ورحمة الله. ياه يا مراد، وحشتني نبرة صوتك الهادية دي! _اعذريني إن كنت انْفعلت عليك في الأيام اللي فاتت! هتفت جنار ببسمة: _ولا يهمك، نحن تعودنا! ابتسم مراد بهدوء ثم قال بعد أن غير رأيه بخصوص السفر غدًا: _إن شاء الله هجيبها إنهاردة على شقتي في تركيا وعايزك معايا! ابتسمت جنار بهدوء: _طبعًا!

انتهت المحادثة وأغلق مراد معها ثم عاود أدراجه تجاه منزله. وفور وصوله فتح الباب الخاص بغرفتها وتسمر مكانه. رآها تصلي بخشوعٍ شديد وهي تبكي، والتقطت أذنيه بعض همهماتها في الصلاة: _يارب أنا حاسة إنه هو، ريح بالي يا رحمن يارحيم ودلني على الطريق الصحيح، وسامحني يا ربي لأني أسأت احترام جوزي، ولو مش هو سامحني لأني فكرت فيه يا الله يا رحيم يا غفار الذنوب اغفر لي. "ماهذا الذي ينساب على وجنتي؟

" دارت تلك الجملة على عقل مراد. وضع يده على وجهه وأزال بعض عبرات كانت عالقة بأهدابه. وبعد ما سمعه من لميس، كأنها كانت إشارة لتلك الدموع الحبيسة لتهبط على وجنتيه. بعد وقت رآها تنهض وقد انتهت من صلاتها. مسح دموعه على الفور قبل أن تراها. وقبل أن ينطق مراد بكلمة، فاجأته لميس وهي تقول بينما تخفض رأسها: _أنا معرفش إحنا اتجوزنا إزاي، بس زي ما أنت قولت من حقك عليا إني أحترمك ومجبش سيرة راجل تاني. تنفست الصعداء ثم قالت وهي

ترفع رأسها وتنظر في عينيه: _أنا آسفة! فغر فاه لا يستوعب ما تفوهت به، ولكن بداخله قد سعد بما سمعها منها، وإن أبدى لها عدم اللامبالاة: _في هدوم هنا ليك صح؟ أجابته لميس بهدوء: _آه فيه! تمتم مراد بهدوء: _تمام، اجهزي علشان هنسافر كمان نص ساعة! أومأت برأسها بدون جدال هذه المرة، فلا فائدة من المجادلة. تحت تعجب مراد في داخله من هدوئها في العادة، أو كما اعتاد منها، فهي لم تكن ترضخ لكلامه بخضوع هكذا.

خرج من الغرفة لكي يجهز نفسه للسفر هو الآخر. بعد أن انتهى من تبديل ملابسه، أمسك بجوازات السفر المزيفة وهو ينظر للأسماء المدونة وابتسامة لطيفة اعتلت جانب فمه. "عائشة ومحمد!! قالها مراد بخفوت، ثم صمت عندما فُتح الباب الخاص بغرفتها. تنهد مراد بضيق. كانت تمشي بصعوبة بسبب قدمها. اقترب منها وحاول مساعدتها، ويا للصدمة لم تعترض. في حين زاد تعجب مراد من هدوئها الجديد عليه.

_امسكي ده، الباسبور بتاعك. هتسافري لوحدك وأنا هكون معاك بردو، متقلقيش. مش كنتي لبستي النقاب أحسن! هتفت لميس بهدوء: _النقاب لما هلبسه، هلبسه عشان اقتناع مش عشان أخبي بيه وشي! أومأ مراد بهدوء: _عندك حق، أصلاً كان ممكن يحكموا رأيهم ويجبروك على رفعه، مش مشكلة، هنعدي منهم على خير إن شاء الله. أردفت لميس بهدوء: _أنت قولت هتفهمني... قاطعها مراد وهو يقول: _إن شاء الله، يلا بينا!

أومأت لميس برأسها، فتقدم منها مراد أكثر ومال بجزعه ليحملها، فاستوقفته وهي تقول: _مفيش داعي، قادرة أمشي. وقبل ما تعترض سيبني ولو لمرة على راحتي! أومأ مراد لها وخرجا من المنزل. وساعدها مراد على صعود السيارة وهي لم تعترض. بعدها اتجه مراد إلى مكان القيادة، ثم انطلقت السيارة تشق طريقها نحو المطار. وكلا منهما شارد الذهن يسبح في أفكاره الخاصة. "وصلنا! هتف بها مراد وهو يصف سيارته. ترجلت لميس من السيارة ومعها مراد. وقبل

دخولها هتف مراد بهدوء: _لميس ماتنسيش، أنا هكون وراكِ، مش عايز أي حركة، اتصرفي بطبيعتك أفضل ليكِ! _ما تخافش، مش ههرب، وحفظت! ناداها مراد بضيق: _عائشة! رفعت عينيها ونظرت له بدون تعقيب، فتابع مراد بهدوء: _حبيت أفكرك! _فاكرة! انزعج مراد من نبرتها المسالمة. حدث نفسه: أين اختفت قطته المشاكسة؟ آفاقه من شروده صوتها وهي تقول بهدوء: _محمد، يالا!

للحظة تلفت مراد حوله باستغراب وحدقها بنظرات متعجبة وكأنه يبحث عن من هتفت باسمه توا. ثم تدارك نفسه واتجه إليها وهو يبتسم. سبقته هي في الصف بينما هو كان يقف اثنان بينهما، وكان التوتر سيد الموقف. لم يستطع مراد أن يتنفس بارتياح إلا بعد أن انتهت من ختم جواز السفر، ورآها تعبر الناحية الأخرى تجاه غرفة تفتيش الحقائب.

مضت دقائق ثم لحق بها مراد واعتملت ملامحه علامات الغضب عندما رآها تتلفت حولها وكادت تهرب. فألقى عليها نظرة حادة يزجرها، فتنهدت بحزن. وبعد وقت ليس بقليل سمعا نداء إلى الطائرة المتجهة إلى تركيا. صعدت لميس أولاً ثم تابعها مراد. وكم ألمه قلبه على رؤيتها وهي تصعد درجات السلم بتأنٍ ورأى انزعاج الركاب خلفها. وكاد أحدهم يوقعها وهو يصعد السلم عنوة، فأسرع مراد ووقف خلفها ومد يده يساندها حتى لا تقع. كادت تصرخ،

فهمس مراد لها حتى تطمئن: _ده أنا، متخافيش، يلا! ابتسمت لميس بسخرية على حديثه، وابتلعت ريقها ثم اتجهت إلى مقعدها المخصص لها بعد أن وضعت حقيبتها في الموضع المخصص لها، بينما كان يجلس بجانبها امرأة إسبانية. أتى مراد ونظر إليها وعقد حاجبيه في استياء. وقف بعض الوقت يفكر، بينما تشدقت لميس وعلى وجهها ابتسامة تسلية وهي تراه يقف حائرًا هكذا. رأى مراد ابتسامتها واعتبرها تحديًا منها. ثم لمعت فكرة على خاطره وابتسم بخبث.

ابتسم مراد بتنمق وهو ينظر للسيدة ويحدثها بلغتها الإسبانية في حين لم تفهم لميس الحوار الذي دار: _سينيوريتا هل يمكنني أن أستبدل مقعدك لأن هذه المرأة زوجتي وهي تخشى من ركوب الطائرة كما أنها حامل وتعاني من الدوار وقد تتقيء عليـ... قاطعته السيدة وهي تنظر للميس باشمئزاز ثم قالت وهي تنهض: _بالطبع تفضل! بعد استقراره بجوارها تحدثت لميس بضيق: _أنت قلت لها إيه؟ رفع مراد حاجبه متحدثًا بعبث: _يهمك أوي تعرفي؟

قطبت لميس جبينها بضيق: _لأ ميفرقش معايا. تمتم مراد بخبث: _واضح أوي! انزعجت لميس تهتف بضيق: _ماشي، قولتلها إيه؟ كانت بتبص لي بقرف كده ليه؟! أجابها مراد وهو يغمز بعينيه: _قولتلها إنك حامل! امتقع وجه لميس واصطبغ بحمرة خجل قانية وهتفت بتلعثم دل على ارتباكها: _نـ..عم؟ قولـ..تها إيه؟ _زي ما سمعتي، قولتلها إنك حامل وممكن تـ...... قاطعته وهي تقول: _بس بس خلاص، فهمت! ضحك مراد معلقًا بخبث: _إيه، قرفتي؟

نظرت لميس له ثوانٍ، هذه أول مرة تراه يضحك. توقف مراد عن الضحك ونظر إليها وجدها تحدق به ثم تنحنحت وأدارت رأسها للجانب الآخر وهي تنظر إلى نافذة الطائرة تداري ارتباكها. بينما مراد وضع على عينيه عصابة سوداء وأغمض جفونه. وبعد وقت انضمت لميس له وغفت بالقرب منه على كتفه، حتى أن المضيفة عندما أتت لكي تضايقهما ورأتهم على تلك الحالة ابتسمت ثم تركتهم بهدوء. وبعد مرور أكثر من ثلاث ساعات وصلت الطائرة إلى مطار تركيا.

استيقظ مراد أولاً وعندما رآها غافية على كتفه ابتسم رغماً عنه ثم تنحنح وأيقظها. فجاءه صوتها الناعس وهي تفرك في عينيها: _وصلنا؟ _أيوة يلا، وزي ما اتفقنا! وبعد إجراءات روتينية خرج الإثنان من المطار. تنتظرهما سيارة. ترجل السائق منها وقام بإعطاء المفتاح لمراد ثم غادر. وبعد مدة وصلت السيارة إلى وجهتها. وكانت لميس شبه مستيقظة. كادت تنزل فأوقفها مراد وهو يقول: _استني، أنا هدخلك، تعبتي انهاردة أوي وضغطتي على رجلك!

وقبل أن تعترض باغتها مراد وهو يحملها. استسلمت له ولم تقاوم فقد كانت تشعر بالتعب حقًا، لذا بلا وعي لفت ذراعيها حول عنقه وأسندت رأسها على كتفه. اتجه مراد إلى شقته أدخلها إحدى الغرف بينما هي أغمضت جفونها وذهبت في سبات عميق. تنهد مراد هو الآخر وأدخل حقائبهم ثم أغلق الباب وذهب إلى غرفة أخرى وألقى نفسه عليها ليأخذ قسطًا من الراحة هو الآخر.

في الصباح استيقظت لميس وهي تتطلع حولها باستغراب. أخذت تدقق النظر في أرجاء تلك الغرفة وشعور يلح عليها بأنها ليست غريبة عنها وبأنها دخلتها كثيرًا وهذه ليست أول مرة لها. قطع تفكيرها دخول مراد وهو يقول بصوت هادئ: _صباح الخير (Günaydın! تمتمت لميس بدهشة: _أنت بتعرف تركي؟ قال مراد بهدوء: _طب ردي الأول! _صباح الخير! وضع مراد يديه في جيب بنطاله وهو يقف قرب الشرفة: _أيوة بعرف لغات كتير أوي وكمان أنا عشت عمري يعتبر هنا!

_امممم. التفت لها مراد متحدثاً بهدوء: _تحبي تفطري فين؟ نظرت له لميس باستغراب من تحوله. وما كادت ترد قاطعها صوت قرع جرس الشقة. تنهد مراد بخفوت وابتسم ثم قال: _كل حاجة هتتوضحلك. صمت قليلاً ثم تابع: _مستعدة تعرفي الحقيقة كلها؟ هزت رأسها بإيجاب، فتابع مراد بهدوء: _طيب تعالي!

نهضت عن الفراش وكادت تقع، فاتجه مراد نحوها وتفاجأ بها تمد يدها له. وضع دهشته على جنب الآن وليساعدها. أسندها مراد بيديه حتى وصلا إلى باب الشقة. نظر مراد لها فأومأت برأسها. فتح مراد الباب ثم قال مرحبًا: مراد بترحيب: أهلا وسهلا بك جنار ( ! Hoşgeldiniz Genar ) هتفت لميس بصدمة: ! büyükanne (جدتي)

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...