تسارعت دقات قلبه، عندما وصل إلى مسامعه صوت صُراخها يصحبه بُكاؤها بصوتٍ مُرتفع. ركض مراد صوب غرفتها وفتح الباب سريعًا، وعندما دلف إلى الداخل صُعق بما رأى.
كانت لميس تقف في زاوية الغرفة تجهش في بُكاءٍ مرير، وشخصٌ ما يقف بعيدًا عنها يحاول تهدئتها وهو يرفع يديه للأعلى مُستسلمًا. كانت الغرفة تغط في ظلامٍ دامس، لم يتبين مراد هيئته، ولكن نحيب زوجته وبُكاءها الذي يتردد صداه في أُذنهِ كان كفيلًا ليُبين حالة الزُعر التي اجتاحتها. على الفور تقدم مراد في اتجاهه، وقبل أن ينطق الأخير بكلمة، سدد مراد له لكمة قوية أطاحت به أرضًا. صرخت لميس بشدة: "أنت واحد حقير!!
رفع مراد رأسه ونظر لها وهو مُتسع العينين، أنعتته بالحقير توا أم أنه يتخيل؟ وقبل أن يرد مراد عليها، تأوه ذاك المجثي أرضًا وصدر منه همهمة خافتة وهو يقول: "يخربيت إيدك في إيه يا مراد؟ نظر له مراد بدهشة: "رامي! نهض رامي بتعب وهو يمسح جانب فمه أثر لكمة مراد القوية، وهو يقول بضجر: "أيوة أنا زفت رامي." قبل أن يكمل حديثه، صاحت لميس بغضب شديد وهي تقول: "اطلعوا برة!!
حاول مراد أن يهدأ من روعها لكي يفهم ما حدث، ولكن صُراخها جعله يتراجع وسحب معه صديقه خارج الغرفة. فتهاوت لميس أرضًا وهي تضم ركبتيها إلى صدرها وتبكي بشدة. بينما في الخارج، صدح صوت مراد وهو يوبخ صديقه بشدة: "أنت هببت إيه؟ نظر رامي بضيق من نبرته التي ينبعث منها الشك، أو هكذا خُيل له، فرد عليه مُعاتبًا: "في إيه يا مراد؟ أنت شاكك فيا؟ همهم مراد بضيق:
"أنت عارف إني لا يمكن أشك فيك، بس فهمني بردو إيه اللي حصل. ليه لميس قالت عني حقير وليه أنت هنا؟ أردف رامي وهو يخرج شيئًا ما من سترته: "كنت جايب لك الباسبور بتاعها بإسم جديد، خليته عملهولي مستعجل. لما اتأخرت عليا وجبت بتاعك بردو وتذكرة السفر! بس ملقتكش، ومكنتش أعرف إنها في الأوضة دي. وأول ما دخلت... *** **عودة إلى الوراء قبل نصف ساعة من الآن** ترجل رامي من سيارته وهو ينظر للسماء ثم قال: "ربنا يستر من اللي جاي!
ثم دخل إلى المنزل، فتح الباب بهدوءٍ ثم أخذ ينادي على صديقه. فسمع صوتًا في الغرفة المجاورة، تنهد بخفوت ثم اتجه إلى مقبض الباب. فتحه وهو يقول بصوتٍ مُرتفع بعض الشيء: "مراد مراد أنا... قاطعه صوت أنثوي يأتي من زاوية ما في الغرفة وهو يئن بخفوت. انتاب رامي القلق والتوتر قائلاً: "مين هنا؟ مراد مراد!
لم يتلق ردًا، بل زادت تلك الأنات الخافتة. تداعى على ذهنه أن تكون تلك الأصوات صادرة من زوجة صديقه، ووهج هاجس في عقله أن تكون مُصابة أو بها شيء. فأخذ يتراجع للخلف، لا يصح وجوده بالغرفة وصديقه ليس موجودًا. ومع إقترابه من الباب، اصطدمت قدمه بشيءٍ ما فتعثرت قدمه ووقع على الأرض محدثًا صوتًا قويًا في الغرفة.
نهضت لميس من على الفراش مصعوقة، بينما الغرفة مُظلمة. تسارعت دقات قلبها برعب وإحساس شديد بالألم ينبعث من قدمها. ومع ذلك تحاملت على نفسها ونهضت مُنتصبة في زاوية الغرفة بقرب الفراش وهي تصيح باكية: "مين مين هنا؟! حاول رامي النهوض بينما قدمه تؤلمه بشدة، حتى نهض وحاول أن يهدأ من روعها. ولكنها أخذت تصرخ بشدة وهي تبكي، تزامن ذلك مع فتح مراد لباب الغرفة ثم انقضاضه على رامي بالضرب. *** **عودة إلى الواقع**
زفر رامي بضيق ثم التفت إلى مراد الشارد بعد ما انتهى من قص ما حدث على مسامعه، فهتف مراد بتوتر: "قولتلي كانت بتتألم؟ أجابه رامي وهو يحك ذقنه: "مش عارف أنا مشوفتهاش، بس تقريبًا أيوة. هو أنت مش قولتلي إنها كويسة ومفيهاش حاجة؟ همس مراد بشرود: "أيوة. بقولك إيه، شكلي هأجل السفر دلوقت! ضيق رامي عينيه هاتفا بقلق: "أنت اتجننت؟ مش لازم تقعد يوم كمان هنا!
رجالة المافيا مش هيسبوك، زمانهم دلوقتي بيتأكدوا إن البنت ماتت. وكمان احتمال الوسيط يكون كلمهم عنك! مراد لازم تمشي من هنا! شد مراد على شعره بغيظ واضح وهو يهتف بضيق: "عارف ده كله. كلم جنار إنت بس وقولها إني مش راجع دلوقتي، في حاجة لازم أعملها الأول. ودلوقت سيبني! وضع رامي يده على كتفه قائلاً بتوتر: "أنا هتابع الوضع من بعيد لبعيد. وعزيز معانا بيقولي إن المخفي جاتله أزمة قلبية! سأله مراد بضيق وهو يقبض على
يده يعصرها من شدة غضبه: "والدتها عاملة إيه؟ رد عليه رامي بتوتر: "حالتها صعبة أوي، بس لسه جنار مقالتش على جديد؟ "لا لسه كنت مكلمها ومقالتش حاجة. يلا يا رامي روح إنت. الوقت اتأخر. النهار له عينين. سلام يا صاحبي! أومأ رامي له وتنهد وهو يدعو لصاحبه أن ينتهي من كل هذا على خير. كاد يذهب إلا أنه توقف قائلاً وقد تذكر شيئًا: "مراد عربيتك فين؟ لما جيت ملقتهاش هنا؟ أجابه مراد وهو يدلف إلى المنزل ببرود:
"فككتها. أبقى ابعتلي واحدة غيرها الصبح. يلا تصبح على خير." *** كانت تجلس على الأرض مُتكورة حول نفسها تبكي بشدة وهي تمسد على قدمها. قطع عليها بُكاءها دلوفه للغرفة، فهبت واقفة متناسية ألم قدمها. ليعقب وقوفها بسرعة، صرخة ألم انفلتت منها. فاقترب مراد منها سريعًا وهو يمسك بيدها بقلق وهو يقول لها بصوتٍ مُتلهف قلق: "لميس أنتِ كويسة؟ في حاجة وجعاكي؟
شهقة صدرت منها لتدل على مدى ألم قدمها. أسندها مراد بيديه ثم انحنى ليحملها، فصاحت به بحدة وهي تقول بضيق: "أبعد عني، مش عايزة مساعدة من واحد بيدخل على مراته رجالة في غيابه! صُعق مراد من ردها وما تظنه به. هل تراه سيئًا لهذه الدرجة؟ تنهد بحزن، فقد ألمه قلبه من سوء ظنها به. ولكن هل رأت منه خيرًا حتى تظن به غير ذلك؟ فمنذ اليوم الذي أحضرها فيه إلى هنا، لم تلقى منه غير المعاملة القاسية. فلماذا يلومها الآن على سوء ظنها به؟
"أنتِ فاهمة الموضوع غلط، أنا... قاطعته وهي تصيح بغضب: "وإيه اللي أنا فاهمـاه صح؟ ها رد. أنا مش فاهمة. أنا هنا معاك ليه؟ أنا اتجوزتك إزاي؟ أنت مين؟ مييين؟ أمسك كتفيها يهتف بضيق: "هتفهمي بعدين. دلوقتي وريني رجلك! أبعدت يده عنها وصاحت بحدة وهي تقول بصوتٍ غاضب يصحبه استنكار لما تفوه به: "مش هسمحلك. أوعى تفكر إني هكشف رجلي قدامك و... قاطعها ساخرًا وهو يقول: "بيقولوا إني جوزك؟ أردفت لميس بحدة:
"حتى لو كان مدام، أنا مش موافقة على الزيجة دي. يبقى ملكش حق عندي، فاهم؟ وأنت بالنسبة ليا أجنبي عني! حدقها مراد باستنكار وهو يردف بضيق: "أنتِ واعية للي بتقوليه ده؟ صاحت لميس وهي تستند على مقدمة السرير وبالكاد تقف على قدميها: "أيوة واعية. أنا عارفة كويس أنا بقولك إيه وكلامي صح. مدام مش... تهكمت تعابير وجه مراد وهو يرد عليها بضيق شديد: "بس أنتِ وقعتي برضاكي وكلامك ده ميعنينيش! رمقته لميس بسخط وهي تقول بضيق:
"أنا مش عارفة ده حصل إزاي وأنا حتى مش عارفة. ده اسمه تغفيل وجواز بدون علمي. ده أصلاً مش جواز والعقد باطل، وسيادتك ملكش أي حقوق عندي؛ لأني أنا مش موافقة والزواج تم بالتحايل. أبسط حاجة تقولي أنت مين أصلاً؟ قالت الأخيرة بصوتٍ مُرتفع من شدة انفعالها، ليعقبه صوت مراد وهو يصيح عاليًا بعد أن فاض الكيل به: "أنا أنا....... أغلق عينيه وقبض على يده بقوة عندما كاد يكشف لها هويته. أكملت لميس ساخرةً:
"أنا أقولك إنت مين. أنت واحد سافل ومعندوش... رفع يده وكاد يصفعها، فانكمشت على نفسها وأغمضت عينيها بقوة ظنًا منها أنه سيقوم بصفعها كما فعل سابقًا. أنزل مراد يده وقبض عليها بقوة وهو يهتف من بين أسنانه بضيق شديد:
"متستفزنيش تاني مرة، وجوازنا صحيح وأنتِ هتوافقي عليه أنتِ فاهمة غصبًا عنك. وأنتِ المفروض من حقي عليكِ تحترميني وده أقل حاجة. ومتعرفيش إنك لما ترضيني تبقي رضيتي ربك يا مدام. ربنا جعل رضاه من رضا الزوج لما الزوجة تحترم جوزها وترضيه زي ما قال رضا الرب من رضا الأب." صمت قليلاً يراقب تعبيرات وجهها بعد كلامه، فلمح بها حزن شديد لأنها تدرك تمامًا أن ما قاله صحيح. "قال الرسول الكريم:
(فإني لو أَمرتُ شيئًا أن يسجدَ لشيءٍ؛ لأمَرتُ المرأةَ أن تسجُدَ لزوجِها، والذي نفسي بيدِه، لا تُؤدِّي المرأةُ حقَّ ربِّها حتى تُؤَدِّيَ حقَّ زوجِها) "قال رسول الله: (لو تعلمُ المرأةُ حقَّ الزوْجِ، لم تَقْعُدْ ما حضَرَ غدَاؤُهُ و عَشَاؤُهُ؛ حتى يفرَغَ منه) قبضت لميس على يدها تبدد ذلك الحزن الذي ارتسم على عينيها: "ده لما تبقى جوزي فعلاً!
رمقها مراد بغيظ شديد ثم اندفع تجاهها، فارتدت لميس خطوة للخلف لتستقر فوق الفراش تشهق بخوف. أعربت شفتيه عن ابتسامة واسعة وهو يميل عليها ينظر إلى عينيها مباشرة وهو يتحدث بهمس خافت، بينما هي اشتعل وجهها خجلًا: "أنا جوزك فعلاً بالقانون، لكن شرعًا معاك حق مليش حق عندك. بس أنا أقدر اخليك توافقي شرعًا كمان لو عايز." أعقب حديثه بغمزة من عينيه ثم أخفض بصره إلى شفتيها. رفعت لميس يديها ووضعتهما على صدره تبعده عندما لاحظت نظراته،
لتهتف بخفوت: "ابعد عني." قرب مراد وجهه منها أكثر وهو يلعب بأعصابه يهمس بنبرة رقيقة: "متأكدة؟ ابتلعت ريقها الذي جف مكملة حديثها بخفوت: "ابعد عني، متلمسنيش." ابتسم مراد بعبث وهو يكمل حديثه بينما يبتعد عنها: "اطمني، مش هموت عليك. أنتِ آخر واحدة في الكون ده تهز لي شعرة أصلاً." وكم كان كاذبًا في تلك العبارة. أما لميس، فعلى الرغم من أنه ابتعد عنها ولبى رغبتها، إلا أنها كأنثى شعرت بالإهانة من فحوى كلماته.
ثم استطرد مراد قائلاً بسخرية: "وبعدين أنتِ عامية مبتشوفيش. أنا مش وريتك قسيمة الجواز. إيه مشوفتيش الاسم... قالت لميس وكأنها تذكرت بالفعل: "مراد! غمغم مراد بتهكم: "أيوة اسمي مراد. ماله يعني الاسم مش عاجب سيادتك، ولا كنتي مفكرة اسمي إيه بقى؟ عبده كفتة! قال الأخيرة ساخرًا، فشـهقت لميس بقوة وتجاهلت سخريته، وهي تضع يدها على فمها بصدمة عندما جال في ذاكرتها بعض المقتطفات الصغيرة وأخذت تحدث نفسها قائلة:
"ينتابني شعور غريب وكأني أعرفك، لكني كنت دائمًا أنفي هذا الشعور. مراد مراد، هذا هو اسمك... اسمك هذا ذكرني بمن لم يفارق تفكيري ولا مخيلتي حتى بعد ما كبرت وصرت شابة يافعة... **قالت لميس بحب وبراءة وهي تضع يدها على كتفه:** "مش تزعل. أنا لميس!
كان مُتكورًا على نفسه يضم ساقيه إلى صدره وهو يبكي وشفتاه ترددان اسمًا واحدًا، وهو اسم صغيرته "لميس". وفور إحساسه بيد رقيقة توضع على كتفه وتبعها همس خافت، رفع رأسه ونظر إليها، كانت تنظر إليه ببسمة لطيفة، ثم سحبها إلى أحضانه وهو يبكي بشدة. **تراجعت لميس للخلف حتى اصطدمت بجدار الغرفة وتغاضت عن ألم ساقها، وهي تنظر نحوه بدهشة كبيرة بينما هي أخذت تردد بينها وبين عقلها قائلةً:** "مستحيل!
حاولت إجلاء صوتها ولكنه خرج مُتقطعًا: "أنـ..ـت مراد صــ..ـديقي الصـ..ـدوق صح؟ قول ساكت ليه؟ ريحني أنت هو صح؟ رفع مراد رأسه ونظر إليها ثوانٍ ثم أشاح ببصره عنها وهو يغمض عينيه. تحاملت لميس على نفسها وحاولت الاقتراب منه ولكنها وقعت متألمة. التفت مراد نحوها بهلع ثم اتجه إليها وأمسك بوجهها بقلق وهو يقول: "لميس وريني رجلك بسرعة، لازم أشوفها!
كانت لميس تنظر نحوه بدهشة، لا ترى عيناها سوى صورة ذاك الشاب المنطفئ والحزين الذي ظلت صورته محفورة في ذاكرتها ولم تنسه يومًا. ثم قالت بصوتٍ مُجهد: "أنت هو صح؟ رد رد عليا؟ أجابها مراد وهو يحملها بيده: "مش وقته!
أنهى كلمته ثم وضعها على السرير واتجه إلى خارج الغرفة. غاب بضع دقائق وعاد وهو يحمل بيده شيئًا ما، تبين أنها علبة إسعافات أولية. ثم اقترب منها وقبل أن يرى قدمها هتفت بتوتر وهي شبه واعية، وما كادت تنطق حتى سحبتها غمامة سوداء لتغلق جفنيها من شدة التعب. طالعها مراد بقلق: "لميس لميس فوقي." صمت قليلاً ثم تابع: "أنا آسف على اللي هعمله، بس أنتِ مراتي! أنهى كلمته وأخذ يكشف عن مكان إصابة قدمها وصُعق بما رأى. كيف لم يشعر بها؟
كيف تركها هكذا تعاني ورحل بدون أن يطمئن بأنها بخير؟ كيف تحملت كل ذلك الألم وحدها؟ كانت قدمها اليسرى مُصابة بشدة وتنـزف بغزارة، يبدو أنها قد دعست على شيء حاد بينما كانت تركض هاربة منه، لذلك صرخت بقوة ووقعت على الأرض غائبة عن الوعي، في حين ظن هو أنها أُغشِي عليها من صوت الرصاص.
تنهد بحزن ثم أمسك قدمها وبدأ يعقمها جيدًا وأزال آثار الدماء وشرع في لفها بالشاش الأبيض وتضميدها جيدًا حتى انتهى. ثم عدل وضعية رأسها على الوسادة ودثرها جيدًا، ثم انسحب بهدوءٍ من الغرفة. تزامن خروجه مع ارتفاع قرآن الفجر. ابتسم من بين حزنه وخرج من الغرفة. أغلق الباب وجلس على الكرسي الهزاز وهو ينظر للسماء يفكر في الخطوة التالية، لتأخذه ذاكرته نحو تلك الأيام التي رافقته طوال حياته وتمنى لو بمقدوره إزالتها من ذاكرته يومًا ما.
*** **عودة إلى الوراء** كانت حالته مذرية، تنساب الدموع من عينيه بحرقةٍ بينما لا يزال يجلس على الأرض يضم جسد أخته إلى صدره وهو ينظر نحو والدته التي غابت عن الوعي. أخذ مراد يهذي بتعب شديد وهو يقول: "أنا معاكم مش هسيبكم. لميس أنا جيت، خليكم معايا. فين بابا؟ بطلوا هزار بقى. يا ماما لميس مش بتتنفس، يا ماما خليها تقوم يا ماما كفاية كده... وضع أخته على الأرض واتجه نحو والدته التي أمالت رأسها واستندت على حافة الفراش
وقال لها وهو يبكي بشدة: "ماما، ماما إيه الدم ده؟ ماما مش بتردي ليه؟ يا ماما شوفي لميس قومي كده! التفت إلى أخته وكم أحزنه قلبه على رؤيتها بتلك الحالة، فركض إليها وحملها وهو يضمها إلى صدره ويبكي بشدة ويقول بهذيان: "أنا آسف آسف يا حبيبتي. دلوقتي هتدفي وأنا معاكِ هنا مش هسيبك أبداً يا حبيبتي." صمت قليلاً يبتلع تلك الغصة التي تشكلت في حلقه جراء بكائه الحاد ثم تابع: "بابا هييجي دلوقتي وهيساعدنا....
ترجل من سيارته وهو يدعو الله في قلبه ألا تسوء الأمور أكثر. أخفض رأسه واتجه نحو باب الفيلا الرئيسي فوجده مفتوحًا، هتف بدهشة: "إيه ده؟ أمال فين الجارد وعم جمعة؟ أنهى كلمته وهو يتلفت في أرجاء الفيلا بتوتر شديد، المكان يسوده هدوء مُريب. أخذ يسرع خطواته نحو الداخل حتى وصل إلى الباب الداخلي وما كاد يضغط الجرس حتى رآه نصف مغلق، ازدادت ضربات قلبه بشدة وأخذ يدعو بداخله: "أستر يا رب."
ثم دلف إلى الداخل وما كاد يتحرك حتى اصطدمت قدماه بشيءٍ ما وكاد يقع إلا أنه تحامل على نفسه وتماسك. رفع رأسه ونظر إلى الأرض فوجد حقيبة صغيرة، على الفور علم لمن هي؟ فهتف بقلق: "مراد هو رجع طيب، أمال البيت عامل كده ليه؟ إيه الهدوء.....
وما كاد يكمل كلامه حتى وصل إلى مسامعه صوت صُراخ حاد يأتي من الأعلى. "مراد" قالها بشفاه مرتعشة ثم اتجه إلى الدرج بخطواتٍ سريعة حتى وصل إلى الطابق المطلوب. وفور وصوله صُعق بما رأى، شهقة قوية صدرت منه وهو يرى هذا المشهد، مراد يجلس وحوله بركة من الدماء ويضم جسد صغير بين أحضانه. شعر كما لو أن جميع أطرافه قد شُلت، وقع قلبه أرضًا. اقترب منه وهو يقول بقلق بالغ وبداخل عقله يستهجن ما حدث هنا: "مراد إيه اللي بيحصل هنا؟
رفع رأسه ونظر إليه وهو يبكي بشدة ويشير على أخته وهو يقول بصوتٍ باكي: "عمو أحمد شوف..... لميس ساكتة مش بترد عليا، هي.... بردانه أوي وأنا بدفيها.... بردانه جسمها بارد.... أوي. أنا عمال أغطيها وأحضنها وهي مش بتدفي خالص! خفتت نبرة صوته وهو يتابع ويقول بنبرة خافتة إن دلت على شيء فهو بالتأكيد على ضعفه وعجزه وقلة حيلته: "قولي أعمل إيه؟
جثى أحمد على ركبتيه وبلا شعور منه انهمرت الدموع من عينيه بحرقة شديدة وهو ينظر لمراد بألم، ثم دنا منه وما كاد يتكلم سمع صوت ارتطام جسد ما بالأرض. لم يكن قد انتبه له عند دخوله الغرفة. رفع رأسه ونظر إلى مصدر الصوت، وجد زوجة صديقه وهي تفترش الأرض ووجهها غارق في الدماء.
توتر أحمد ونهض سريعًا ليرى زوجة صديقه، فوجد نبضها ضعيف. رفع رأسه وهو ينظر لتلك العائلة التي تدمرت بالكامل. فهو كان قد أتى ليخبرهم بأن محمد قد قُبض عليه بالأمس بتهمة الإتجار في المخدرات والسلاح أثناء سفره، وبأنه كان عميلًا لإحدى المافيا العالمية، وبأن شركاته انتهت وانتقلت ملكيتها إلى رجلٍ مجهول الهوية وبتوقيع زوجها على نقل أملاكه. ولكنه صُعق بما رآه هنا: "مراد مراد فوق معايا كده وقولي مين عمل كده فيهم؟
والدتك لسه عايشة، لازم ننقذها! رفع مراد عينيه له يهتف بدموع: "ولميس لميس جسمها بارد يا عمو. انقذها! وضع العم أحمد يده على رأسه ثم أسرع باتجاه خزانة الملابس وأخرج منها بعض الفوط واتجه إلى سميرة الغائبة عن الوعي وأمسك بوجهها ووضع تلك الفوطة في فمها ليوقف نزيفها قليلاً. ثم اقترب من مراد وحاول إخراج لميس الصغيرة من أحضانه ليرى نبضها، ولكن للأسف كانت الصغيرة قد فارقت الحياة: "البقاء لله يا مراد. قوم معايا يلا!
صرخ مراد صرخات متتالية وهو يبكي بشدة ويقول: "لا لا متقولش كده. لميس عايشة لأ لااااااااااااااااا." صفعة قوية هبطت على وجنته جعلته يتسطح أرضًا، تبعها قول العم أحمد وهو يقول معتذرًا: "أنا آسف يا بني إني عملت كدا، بس لازم تفوق. أمك لسه فيها النبض، لازم ننقذها ولازم تعيش علشان تعرف مين عمل كدا في أختك وتجيب لها حقها. فوق معايا. أنا عارف يابني كويس إن أبوك لا يمكن يعمل كدا!
كانت عيناه مُتسعتين تنساب الدموع منهما بينما زاغت الرؤية أمامه، يسمع همسات تصدر من فم العم أحمد ويرى شفتيه تتحركان، ولكنه غير واعٍ لأي شيء مما يقوله. تركه العم أحمد بعد أن كان يمسك كتفيه وأخرج هاتفه وهاتف أحدهم وهو يقول: "بسرعة يا مجدي، بسرعة دي كارثة كارثة حرفيًا. يلا بسرعة متتأخرش. جهزلي طيارة خاصة بسرعة هنروح على تركيا. يلا وابقى بلغ البوليس!
وبعد مرور نصف ساعة، وصلت سيارة كبيرة مجهزة بأحدث الأجهزة الطبية ومعها مرافق. أخذ العم أحمد والدة مراد ومعه مراد بعد أن أمر المرافق بإعطائه إبرة مهدئة لينام حتى يتمكن من تأمينه هو ووالدته، بينما نظر بعينيه للصغيرة لميس بعيونٍ باكية وهو يقول بصوتٍ منفعل من هول ما حدث: "هجبلك حقك يابنتي!
وهكذا تمكن العم أحمد من تأمين حياة مراد عن طريق إبعاده. فهو كان يعتقد في البداية أن من فعل ذلك رجال المافيا، ولكنه بالطبع لم يصدق بأن صديقه قد يفعل مثل ذلك الأمر، وهو أن يعمل معهم أو أن تكون له صلة بهم. من المستحيل أن يصدق هذا. هو يعلم أن من لفق تلك القضايا ظلمًا لصديقه هو ذاك الحقير عز، ولكنه لا يعلم أنه أيضًا هو المتسبب بتلك المجزرة التي حصلت هنا. على الأقل مؤقتًا، وتولى هو كافة الأمور على أن الأم ماتت مع ابنتها حتى يأمن حياتها، بينما مراد قد أخذه معه إلى تركيا حيث يعيش وأرسل والدته إلى إحدى المشافي النفسية لكي يتولوا العناية بها.
ولكن الشيء الوحيد الذي عجز عن فعله هو أن ينقذ صديقه وتبرئته من تلك التهم، وذلك لأنه التزم بالصمت ولم يدافع عن نفسه، فلم ينكر تلك التهم التي وُجهت إليه. وساءت حالته بعد ما علم ما حدث لأسرته. هذا الشيء الوحيد الذي ظل نادمًا عليه العم أحمد طوال حياته أنه لم يتمكن من إنقاذ صديق عمره، ولكنه عتب عليه بأنه استسلم سريعًا لليأس. *** **عودة إلى الواقع**
لم يفق من شروده سوى عندما أحس بيد تمسح على وجهه تلك الدموع التي انفلتت من عينيه وخانته لتهبط على وجنتيه. فتح عينيه المحمرتين من شدة بكائه. لم تصدق عينيه ما رأت الآن، هتف بدهشة لم يستطع إخفاءها: "لميس! أجابته بصوتٍ هادئ وهي لازالت تمسك وجهه: "أيوة لميس يا مراد. أخيرًا لقيتك! نهض مراد فجأةً وأولاها ظهره وهو يقول بنبرة يحاول إظهار فيها تماسكه برغم كل شيء: "إيه اللي طلعك وطلعتي إزاي؟ رجلك مصابة مينفعش تمشي عليها دلوقتي!
همست لميس بدموع: "طب أرجوك رد على سؤالي وريحني. أنت هو صح؟ ارتبك مراد وهو مازال يوليها ظهره ثم تابع مغيرًا مجرى الحديث، وكان في نبرة صوته سخرية: "دلوقتي بتلمسيني؟ مش بينه حرام وأنا أجنبي عنك مع إني جوزك؟ كررت لميس بدموع: "أنا..... عاوزة أفهم بس.... قولي أنت هو... قاطعه مراد ساخرًا: "أنتِ إيه؟ عمرك ما هتفهميني." أخفض صوته وهو يكمل، ولكن في داخل عقله: "زي ما كنتي مش فهماني زمان! "أنا مش فاهمه... قاطعه مراد بضيق:
"سيبني لوحدي. عايزة تعرفي أنا مين؟ أنا اللي عايز أحرقك. أنا اللي كنت من كام ساعة بس كنت هقتلك. نسيتي! تجاهلت لميس ما قاله ورددت بأمل: "هسمعك طيب فهمني إزاي بس رجعت تاني؟ وليه طيب عايز تنتقم مني؟ أنا عملتلك إيه؟ إزاي أنا مراتك؟ حرام عليك فهمني ريحني من حيرتي دي؟ أمسك مراد بوجهها بين يديه يهتف بغضب:
"وأنا مش عايز أريحك. أنا مش اللي بتقول عليه ده. أنا واحد تاني. افهمي. أنا عمري ما كنت صديقك ال مش عارف إيه ده. عمرنا ما كنا أصحاب. اللي يجمعني بيكي هو الانتقام وبس. مش لمجرد إني اسمي مراد على اسم صاحبك ده. وبعدين عملالي ملتزمة وانت بتحبي على روحك وبتصاحبي أهو! أنهى مراد حديثه وهو يفلت وجهها، فبكت لميس بشدة وتهاوت أرضًا من شدة تعب قدمها. لم يشفق عليها، رمقها بضيق فقط. فهمست بتحشرج:
"ده مكنش مجرد صديق، ده صديق طفولتي كلها وأنا مش شفته من سنين من وقت ما كنت بالإعدادية تقريبًا ولا أعرف عنه حاجة. اختفى من حياتي. وآه بعزه جدا ومش هنكر ليه في قلبي مكانة كبيرة. وبعدين كلنا بشر وبنغلط. محدش قالك إني ملاك مبيغلطش. وحتى لو بحبه زي ما بتقول، فده بيني وبين نفسي. بس اللي جوايا مخرجش لحد غيرك دلوقتي." ***
كانت لا تزال متسطحة على الفراش مصعوقة بما قاله الطبيب أمس. عقلها بعد لا زال لم يستوعب أنها لن ترى ابنتها مجددًا. أخذت تبكي بشدة. لم يقطع عليها موجة بكاءها الحاد سوى ارتفاع نغمة هاتفها. لتمتد يدها بارتجافٍ وتمسك به. وجدته "special number"، رقم خاص. بضعفٍ رفعت الهاتف ووضعته على أذنها. وصلها صوت الطرف الآخر وهو يهتف بهدوء. ........... اتسعت حدقة عينها بصدمة كبيرة وهتفت بشفاه مرتعشة: "إزاي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!