الفصل 17 | من 27 فصل

رواية حب بين نارين الفصل السابع عشر 17 - بقلم نورهان ناصر

المشاهدات
15
كلمة
4,251
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

كانت تهرول هاربةً، عقلها يرفض وبشدة تصديق ما سمعته من تلك الخادمة. أيعقل أن لا ترى صديقتها بعد الآن؟ كانت تعد الليالي والأيام لكي ترى لميس، أن تعبها معها لم يضع هباءً. أخذت تبكي بشدة وهي تخرج من فناء المنزل، وسارت بغير هدى نحو الطريق الرئيسي وهي تتذكر آخر مرة رأت فيها صديقتها. تذكرت تذمرها وضيقها من أفعالها، ومحاولتها لإقناعها بالحجاب، وكل نصائح التي كانت تُسديها لها على أمل أن تميل لها وتستمع لما تقوله.

وفي موجة بكائها تلك، أغلقت عينيها ولم تنتبه على تلك السيارة المسرعة. وللحق، خطأ سارة لأنها قطعت عليه الطريق فجأةً، فلم يتمكن الآخر من تفادي الاصطدام بها. فصرخ بهياج: "حاسبي يا آنسة! صرخت بشدة واصطدمت مقدمة رأسها بسيارته، ثم انزلقت لتستقبلها الأرض بين ذراعيها وبرفقتها سحابة سوداء ابتلعتها. زفر هو بحنق وهو يلعن تحت أنفاسه، ثم قال: "أهو ده اللي ناقص!

أنهى حديثه ثم ترجل من سيارته. كان الطريق خاليًا. ازدرق ريقه بتوتر شديد، ثم نظر إلى الفتاة المجثية أرضًا. انحنى ليراها عن كثبٍ وبتوتر، مد يده ليرى إن كانت ما تزال على قيد الحياة. تنهد بارتياح عندما وجدها تتنفس. كم أن إصابة رأسها لا تبدو بهذا السوء، ومع ذلك يجب عليه الاطمئنان أكثر خشية أن يكون هناك نزيف داخلي. نظر في الشارع لعله يجد امرأة تساعده في هذا الموقف. الطريق فارغ. زفر بضيق وهو يستغفر، ثم قال:

"أنا مضطر، سامحني يارب، بس هي اللي طلعت فجأة! أنهى حديثه ثم مال عليها وقام برفعها من على الأرض واتجه بها إلى سيارته وهو ينعي حظه العاثر. ***

كانت قد انتهت من أداء صلاتها وهي تحمد الله على حماية لطفلتها. ابتسمت بهدوء بعد رؤيتها لعمها وطمأنته على ابنتها بأنها بخير، ثم رددت أذكارها برضا. حتى انتهت وقامت بطي سجادة الصلاة وجلست على السرير وأخرجت هاتفها. ثم ضغطت على رقم معين وانتظرت بفارغ صبرٍ أن تسمع الإجابة على اتصالها. وحينما فتح الخط، زفرت فيروز وبنبرة يملؤها العتاب كادت تتحدث، ولكن لسانها لم يُسعفها فوجدت نفسها تصمت فجأة بعد أن كان لديها الكثير لتقوله.

"مرحباً! أجلّت فيروز صوتها بهدوء: "أمي! أجابتها جنار بتوتر: "إزيك يا فيروز؟ فيروز بحزن: "معقولة بتسأليني وأنتِ عارفة حالتي إيه؟ جنار بحزن: "حبيبتي أنا آسفة، بس عملت كده علشان أحمي بنتك، افهميني! فيروز بهدوء: "ولو كان لازم تقوليلي، مش تخبي عليا." صمتت قليلاً وابعدت الهاتف عن أذنها وهي تبكي بشدة، ثم تابعت بنبرة صوت متقطعة: "إزاي يا أمي تعملي فيا كده؟ مفكرتيش في حالتي هتكون إيه وأنا متخيلة إن البنت دي تكون بنتي؟

مشوفتيش حالتي كانت عاملة إزاي وأنا... قاطعتها جنار بدموع: "وأنا علشان كده خليت عمك أحمد يقولك، مقدرتش أسيبك عايشة في العذاب ده كتير، بس مكنش فيه غيرك يثبت إن البنت ماتت علشان نوهم رجالة المافيا، سامحيني يا فيروز، والله عملت كده لأني بحبكم." صمتت فجأة وهي تبكي هي الأخرى بشدة. فقالت فيروز وهي تمسح دموعها:

"عارفة يا أمي، بس الموقف كان صعب، أنا كنت بموت ومش قادرة أصدق إن بنتي تموت بالطريقة دي. بتوجع أوي يا أمي، أنا مش عارفة إزاي اللي في يوم كان جوزي يعمل كده؟ مش قادرة أصدق، منه لله!! ما إن أتت على ذكر ذاك المسمى بزوجها حتى هتفت جنار بتوتر: "فيروز، فيه حاجة أنا خبيتها عنك! "حاجة إيه؟ عمي أحمد حكالي كل حاجة!

أغمضت جنار عينيها بحزن شديد عندما أدركت بأن العم أحمد لم يخبرها بشأن عودتها لزوجها الحقير قبل زمن بعيد. وعندما طال صمتها، هتفت فيروز تحثها على إكمال الحديث: "ها يا أمي، سكتي ليه؟ جنار بتوتر: "عز رجعك لعصمته." شهقة قوية خرجت من فم فيروز تدل على استنكارها ما تفوهت به والدتها، ثم قالت: "ده اللي هو إزاي يعني؟ ماما، أنتِ عارفة أنتِ بتقولي إيه؟ جنار بحزن: "أيوة، هو بعد سفرك رجعك لذمته قبل ما شهور عدتك تنتهي، فهمتي! "إيه؟

إزاي يعمل كده وليه؟ "إزاي دي بقى معروفة، لأنه واحد معندوش أخلاق، فتتوقعي منه كل حاجة. أما ليه بقى عمل كده، فـيمكن علشان يعجزك أو يفضل رابطك بيه، أو علشان يضمن سكوتك! صاحت فيروز بغضب شديد: "لازم يطلقني، ميشرفنيش أفضل على ذمة واحد زيه! "هيحصل يا قلبي! "بنتي لميس، لميس فين يا أمي؟ وأنتِ واثقة في اللي اسمه مراد ده؟ ابتسمت جنار بهدوء: "جدًا، متقلقيش على لميس معاه، ده صديقها الصدوق و... قاطعتها فيروز وهي تسألها:

"إيه بقى حكاية صديقها الصدوق ده؟ "هو أحمد مش قالك ولا إيه؟ حركت فيروز رأسها بهدوء وكأن والدتها تراها: "لأ، كل اللي قاله إن مراد ده مديون بحياته ليها، وحكالي إنك كنتي بتاخديها معاكِ لما تروحي له، وهي اعتبرته صديق ليها وبس كده. في حاجة أنا معرفهاش؟ جنار بهدوء: "لأ، كل الأمور وضحت قدامك، المهم خلي بالك كويس ونفذي اللي أحمد قالهولك بالحرف! أخرجت فيروز تنهيدة قوية وهي تردف بتوتر: "تمام، بس أنا عايزة أشوف بنتي، وحشتني!

"هي هنا في تركيا، وأنا شفتها النهاردة. بقولك إيه، المغرب على آذان، يلا سلام! "تمام، ده يدوب العصر، ماذن بقاله شوي! ضحكت جنار بخفة: "فرق التوقيت بقى يا روحي! فيروز بهدوء: "معاكِ حق، بس سؤال، أنتِ بتعرفي عربي إزاي يعني؟ أقصد اتعلمتي إمتى علشان أفهم بس! ابتسمت جنار وهي تتذكر تلك الأيام المحفورة بذاكرتها، ثم ردت بهدوء:

"والدك كان معلمني يا قلبي، وبعدين أنا عشت في مصر فترة كبيرة واتعلمت بسرعة، بس انتوا مأخدتوش بالكم. بس وبعدين والدك اتوفى وأنا رجعت بلدي، وهناك هكلم مين بالعربي؟ فرجعت للغتي الأم وبس كده. ولما شرفتيني أنتِ وحفيدتي، كان كلامكم كله تركي وأنا محبتش أتكلم عربي لأنه كان قليل وكان خاص بوالدك الله يرحمه، مكنتش بتكلم قدام حد ولا حد عرف إني بعرف عربي. المهم، سيبك، يلا هروح أتوضى!

أومأت فيروز بهدوء وأغلقت مع والدتها وهي تشعر بارتياح. ثم أحضرت المصحف الخاص بها وجلست ترتل فيه قليلاً. مضى وقت ليس بقصير، انتهت من التلاوة وجلست على فراشها ولاحت ذاكرتها لتتذكر ما اتفقت عليه مع عمها. *** "اسمعيني بقى، عايزك في حاجة مهمة، ركزي معايا! أومأت فيروز بانتباه: "أيوة يا عمو، كلي أذان صاغية! قال العم أحمد بهدوء: "هتروحي لعز المستشفى وتفهميه إنك... أردفت فيروز بمقاطعة عندما أدركت ما ينتوي قوله:

"إزاي بس ده أنا لسه الصبح كنت هموته بإيدي؟ العم أحمد بهدوء: "فاهمة، أنتِ فهمتي إيه بس؟ مانا فاهم كل ده. اسمعي اللي بقولك عليه، أنا عايز منك نمرة التليفون بتاعة المحامي بتاعه، عارفاه اللي كان شغال معاه الأول! فيروز بتذكر: "آها عرفته، ماشي، هحاول! "خلي بالك، متخليهوش يشك فيكِ. ولو معرفتيش، فتشي في تليفونه على أي رقم غريب، اسم غريب، فهماني؟

حاولي تطلعي منه بأي معلومة، أي حاجة، يمكن نعرف نوصل لرقم حد من اللي شغالين في المافيا عن طريقه. طبعًا عز ذكي ومش هيكون مسجله بإسمه، فهتلاقيه مسجله بإسم مستعار، ممكن تلاقيه مسجله ميكانيكي أو أي حاجة تاني." صمت ثم أردف وهو يزفر الهواء:

"ولو معرفتيش تلاقيه زي ما قولتلك، شوفي آخر حد اتكلم معاه وهاتي الرقم، واحنا هنعرف بطريقتنا هو بتاع مين. طبعًا رجالة المافيا بيغيروا أرقامهم باستمرار، بس على الأقل يعني بيقعد معاهم مدة مش قليلة، وبعدين بيكسره ويرموه. فانتي ادعي إنه يكون الرقم لسه شغال. أنا كمان عايزك تحطي شريحة التتبع دي معاه، وفيها كمان مسجل للصوت. خلاص، اللعب بقى على المكشوف. خدي بالك، اعتمادي على الله ثم عليكِ! "إن شاء الله، متقلقش، سيبها على الله!

"ونعم بالله، بس الحرص واجب. أهم حاجة مش عايزك ترتجلي، اللي أقوله نفذيه، ماشي؟ وبلاش حتة الذكاء الزيادة دي اللي عندك! "متقلقش، كله هيبقى تمام! "المهم يا ستي، هاتي أنتِ بس الرقم وأنا هبقى أقولك الخطوة الجاية، وخذي الرقم ده، هو اللي هكلمك منه، وخذي بالك الرقم ده متراقب عشان هتابعك في كل خطوة بخطوة عشان أكون معاكي وأقدر أحميكِ." صمت وأردف بمرح:

"وإلا چنار هانم تشعلقني ويبقى البنت وأمها شغالين تحت إيدي، واحدة جاسوسة والتانية لاعبة دور الضحية! ضحكت فيروز بقوة: "أنت مش معقول يا عمي! "خلاص بقى يا فيروزة، الله! فرجتي علينا الكافيه كله يا شيخة! *** "يارب نجينا منه وخلصنا من شره وخرجه برى حياتنا بقى." ***

كان ينظر إليها ولا يعلم لما شعر بالحزن على رؤيته لها تعاني هكذا لمجرد أن تتنفس. زفر الهواء بضيق ثم ضغط على السرعة أكثر. بينما هي تشهق بقوة وتنتفض بجواره. مد يده بتردد ثم أمسك بيدها وضغط عليها، بينما يتابع قيادة السيارة بسرعة كبيرة. يريد أن يطمئنها، أن يخبرها أنه معها، ولكن ضاعت الكلمات منه، فأخذت شفتيه ترددان بما جال في خاطره. "لميس، خليكِ معايا، متغبيش عن الوعي، اتنفسي!

رفعت لميس رأسها ونظرت إليه وعيونها تتدفق منهما الدموع بكثرة، إلى جانب صعوبة تنفسها. لاحظ مراد أنها بدأت تغمض عينيها ببطء، فأخذ يضغط على يدها يحسها على التماسك أكثر: "اتماسكي، اتنفسي، حاولي!

أومأت برأسها بضعف شديد، ولكن خارت قواها فجأةً. شعر مراد بتراخي ذراعها بين يديه، فأوقف سيارته بقلق شديد قد تزايد مع رؤيته لها تشهق بقوة أكثر وكأنها تختنق. ثم فك حزام الأمان من حولها وسحبها باتجاه جعلها تتوسط صدره. يد ملتفة حولها والأخرى يضعها على مقود السيارة. فعل ذلك حتى يشعر بها ما تزال على قيد الحياة، ثم أخذ يزيد السرعة أكثر.

وبعد وقت، وصلت السيارة أخيرًا إلى وجهتها. أوقف السيارة ثم ترجل منها وهو يحملها بين يديه وسار بها باتجاه الممر. رأته إحدى الممرضات فهتفت سريعًا: "ما الأمر؟ رد مراد بضيق: "أزمة ربو! أومأت برأسها ثم أشارت له على غرفة الطوارئ وجعلته يمددها على الفراش، بينما هي ذهبت واستدعت الطبيب. وما إن رآه، هتف مراد بغضب: "لقد قلت أريد طبيبة! تعجب الطبيب ومعه الممرضة التي هتفت لتهدأ من الموقف: "استدعوا الطبيبة هازان، أعتذر سيدي!

أومأ مراد باقتضاب ثم وجه نظره إلى لميس الغافية. أخذ يمسح على جبينها بقلق ويده ممسكة بيدها، لا يريد تركها، يخشى ضياعها، أن يترك يدها وترحل هي الأخرى. أغمضت جفونها بتعب شديد وهدأت حركة جسدها، فأخذ مراد يهزها بشدة وهو يقول بصوت مرتفع نسبيًا وبنبرة قلقه: "لميس، أوعي تسبيني. فيه حاجات كتير عايز أقولك عليها. مش أنا صديقك الصدوق؟ أوعي تسيبي أيدي، اتماسكِ علشان والدتك." صمت قليلاً ثم تابع بحزن عميق: "وعلـ...

ـشاني أنا مستنيكِ! مضت دقائق وحضرت الطبيبة، فهتف مراد بإنفعال: "ما هذا التأخير؟ اسرعي، إن حالتها تسوء! الطبيبة هازان: "إهدأ قليلاً، لا تنسى أنك بمشفى والآن أخرج ودعني أباشر عملي! تنهد مراد بضيق ثم خرج من الغرفة، في حين شرعت الطبيبة في مباشرة عملها. فالحالة لا تحتمل التأخير أكثر، وضعت على وجهها قناع الأكسجين وأمرت الممرضة أن تجري لها جلسة تنفس صناعي. وبعد وقت، خرجت الطبيبة، فاتجه مراد نحوها وهتف بنبرة صوت قلقة:

"هل هي بخير؟ ردت الطبيبة مبتسمة: "نعم، إنها الآن بخير، لكن عندي بعض التعليمات. إنها تعاني من مرض الربو، النوبة هذه المرة كادت تودي بحياتها لما تأخرت في إعطائها الجهاز الخاص بها، كما أنها تعاني من ضغط نفسي. أرجو منك الاعتناء بها جيدًا. شفاها الله وعفاها، واعتذر لأني تأخرت، ولكن كان معي مريض آخر! "تمام، لا بأس. اعتذر على انفعالي، ولكن كنت قلق جدًا. والآن، هل يمكنني رؤيتها؟

أومأت الطبيبة برأسها، ودلف مراد إلى الغرفة. وجدها مسطحة على الفراش وذاك الجهاز يحجب وجهها عنه. مضت دقائق كان يخفض مراد فيها رأسه للأرض ريثما تنتهي من جلستها. وتذكر انفعاله غير المبرر فيها هي وصراخه عليها بقوة وعدم انتباهه إلى ضيق تنفسها وشهقاتها المرتفعة وارتجافها بين يديه. أخذ يحدث عقله: هل أعماه غضبه عن رؤية بكائها؟ عن ضعفها ونحيبها وصعوبة تنفسها؟ علام يعاتبها؟ بأي حق يحاسبها؟ هل المرء منا يختار والديه؟

هل اختارت أن يكون والدها بهذا السوء؟ لا، لم تفعل. ولا أي منا بيده أن يختار. إنها لا ذنب لها، ضحية مثله، بل وإن حياتها لا تفرق عند ذاك الحقير المسمى بوالدها. صرخ بداخله وهو متضايق من نفسه، كاد يفقدها. معقول يفقدها؟ كان وقع هذه الكلمة غريبًا على مسامعه. أخذ قلبه يرددها مرارًا وتكرارًا. وهل هي تعني له حتى يحزن على فراقها؟

صمت فجأة وهز رأسه بقوة، ينفض التفكير فيها بأي شكل. لم يفق من موجة شروده إلا على صوتها المتعب وهي تسأله من أسفل قناع الأكسجين: "لـ... ـيه انـ... ـقـ... ـذتـ... ـني؟ رفع رأسه ونظر إليها مطولًا ثم تنهد وأجابها مغيرًا مجرى الحديث: "حاسة بحاجة؟ قادرة تاخدي نفسك؟ همست لميس بتعب: "جاوبني، ليه؟ "ما دام بقيتي كويسة، يلا نمشي! تزامن حديثه مع رؤيته للممرضة تنزع عنها جهاز الأكسجين وتمتمت بالدعاء لها: "شفاكِ الله!

ابتسم مراد في وجهها، فخرجت الممرضة واستدعت الطبيبة التي أتت بدورها وقالت: "أتمنى أن تهتمي بصحتك أكثر من هذا. لولا مجيء زوجك في الوقت المناسب لم تكوني بيننا الآن! ردت لميس بتعب وهي تقول: "بسم الله الرحمن الرحيم: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ۚ هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} صدق الله العظيم!

ابتسم مراد على ردها، ها قد عادت لميس كما يعهدها. بينما ازدرقت الطبيبة ريقها بتوتر ملحوظ وأوصت مراد على الاهتمام بها، ثم أذنت لها بالرحيل. "على فكرة، هي مكنش قصدها حاجة يعني! قالت لميس بضيق فقد أزعجها رؤيته وهو يحدث الطبيبة وينظر لعيونها: "وأنا قولت إيه؟ بعدين الأعمار بيد الله واللي ربي مقدره هيكون، ومافيش حد يقدر يوقفه. وربي مقدر إن لسه في عمري بقية، يعني مش بفضلك ولا إنك أنقذتني، أنت مجرد سبب بس!

تفاجأ مراد من هجومها عليه بهذا الشكل، فتمتم بذهول من حدتها: "طيب، براحة، فيه إيه؟ حصل إيه لكل ده؟ "أنا عايزة أمشي." صمتت قليلاً، ابتلعت ريقها وأردفت بحزن: "يظهر إن الدكتورة عجباك أوي، أنا ماشية، خليك أنت! "أنتِ جرى لعقلك حاجة؟ فيه إيه؟ قالت لميس بتعب وبنبرة مائلة للبكاء: "أنا عايزة أمشي، وعلى فكرة، بصك ليها حرام، المفروض تغض البصر مش واقف تبحلق فيها كده.

ربنا قال في كتابه العزيز: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)

وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ} ربنا أمرنا سواء راجل أو ست بغض البصر اجتنابًا للفتن، وأمر المرأة بالستر، وإن زينتها تكون بس لزوجها، مش مباحة للكل كده." سخر مراد ضاحكًا: "عارف ده كله، أنتِ بقى مضايقة ليه؟ ها؟ أنا مش قولتلك ملكيش دعوة، أنتِ هتتحاسبي معايا، خليكِ في حالك، فاهمة! أبص ولا ما أبصش، ملكيش فيه!

"أنت حر، بس من واجبي أنصحك و... أردف مراد بسخرية وهو يناظرها بتهكم: "واجبك، قولتيلي بقى، وإيه كمان يا زوجتي العزيزة؟ "أنا عايزة أمشي! "أنتِ عليك عفريت اسمه 'عايزة أمشي' ولا إيه؟ عمومًا، يلا، أنا أصلًا مبحبش جو المستشفيات ده! أنهى حديثه واقترب منها ليحملها، فاستوقفته وهي تقول بصوت منفعل: "على فكرة، أنا مش مشلولة وأعرف أمشي لو... شهقت بقوة ثم أمسكت برقبته فقد حملّها على حين غفلة دون أن يعبئ بحديثها. تمتمت

لميس بتوتر يصحبه خجل: "نزلني، عيب كده! ضمها مراد إلى صدره وهو يهتف بغيظ: "يلا من سكات يا بتاعة الزينة لجوزها، وأنتِ مش هاين عليك تقلعي الطرحة حتى! ابتلعت لميس ريقها وهتفت بخدين محمرين من الخجل: "مراد، نزلني، أنا هامشي، مش هطلع كده، يلا نزلني! ابتسم مراد وهو يحرك رأسه بالنفي وبلا وعي يده تشتد حولها تزيد من ضمها إليه: "تؤتؤ، يلا بعدين، أنا جبتك هنا وأنا شايلك برضو، مش هتفرق! "بس كنت غايبة عن الوعي، وإلا مكنتش سمحتلك!

رفع مراد حاجبه بسخرية: "تسمحي لي؟ أنتِ مش قدي، فاسكتي طيب، ويلا." صمت قليلاً ثم تابع بتسلية: "ولا على رأيك، الدكتورة عجبتني فعلاً و.... قاطعته باستنكار وهي تقول أثناء ضمها بعفوية لرقبته: "يلا نمشي من هنا! ابتسم مراد بسمة واسعة: "أنا قولت كده بردو! ثم خرج بها من الغرفة وهو يحملها، بينما جميع عاملي المشفى كانوا يحلقون بهم. فاأخفت لميس وجهها في صدره من شدة الخجل، بينما الآخر كان يبتسم على خجلها وهي تخبئ نفسها به.

خرجا من المستشفى وانزلها مراد ثم فتح لها الباب. دخلت لميس وقبل أن يصعد هو الآخر، استوقفه صوت أنثوي يقول: "مراد! نظرت لميس إلى من يتحدث ولمَ لم يصعد بعد، فرأته يضحك وهو يهتف بنبرة سعيدة أثارت حفيظتها حوله: "أسيل دي أنتِ بجد! أسيل ببسمة تحدثت عربي مكسر: "نعم، أنا مراد. بتهمل إيه هنا؟ ما كاد مراد يجيبها حتى هتفت لميس بإنزعاج وغيرة: "مش هنمشي بقى! نظرت أسيل إلى صاحبة الصوت ثم قالت: "لميس، أنتِ موش كده؟

طالعتها لميس باستغراب: "أنتِ تعرفيني منين؟ أسيل ببسمة: "صديقي الصدوق، العصير، اللعب بالعربية والقطر، موش معهقول نسيتي! "أنا مش... تنهد مراد قائلاً: "دي الممرضة أسيل يا لميس! لميس بتذكر: "آها صح، أهلاً! أسيل ببسمة: "انتوا بتهملوا إيه هنا؟ "لميس كانت تعبانة شوي بس! أسيل ببسمة: "حمدلله على سلامتك. أنا مضطرة أمشي. فرصة حلوة إني شفتكم، باي! مراد بهدوء: "وإحنا كمان!

ودعتهم أسيل ثم اتجه مراد وصعد السيارة وانطلق بها. وعم الصمت حتى قطعته لميس وهي تقول بحزن: "ممكن تحكي لي كل حاجة أنا مش عارفاها! نظر لها مراد بهدوء: "أنتِ مستعدة للي هقوله؟ "مبقتش فارقة، بس قولي وخلاص! "تعالي، هاخدك مكان لطيف وهناك نتكلم ونحط النقط على الحروف! أومأت لميس بهدوء: "ماشي! *** كان يجلس على إحدى المقاعد والتوتر بلغ منه ما بلغ، حتى رأى إحدى الممرضات تخرج من الغرفة فنهض على الفور: "في إيه؟

طمنيني، البنت كويسة؟ ردت الممرضة بعملية: "هي كويسة، مفيش حاجة خطيرة الحمد لله. الخبطة مش جامدة ومافيش نزيف داخلي... قاطعها وهو يقول: "أمال ليه التأخير ده كله؟ الممرضة بعملية: "لأنها كانت واخدة مسكن ونايمة، بس تقدر تشوفها لو تحب، هي دلوقتي فاقت!

أومأ برأسه، فمن واجبه الاطمئنان عليها. فتحت الممرضة له الباب وغابت دقائق في الغرفة تخبرها بأن من صدّمها بسيارته يريد أن يطمئن عليها. فعدلت سارة من وضعها واستقامت في جلستها، ثم قالت للممرضة بأن تخرج له وتأذن له أن يدخل: "حمدلله على سلامتك يا آنسة... لم ترد عليه، أومأت برأسها بدون كلام، ثم قالت له بصوت هادئ: "أنا متشكرة لحضرتك، واسفة." صمتت ثم انفجرت في البكاء بحدة وهي تقول، بينما اعتقدت أنه قد خرج، فهي كانت تجلس

وتضع رأسها بين ركبتيها: "لميس، سبتيني ليه يا قلبي؟ سبتي انكل عز لمين؟ سيبتي صاحبتك؟ آآآآخ، مش قادرة أستوعب ولا أصدق، مين ليه مصلحة في خطفك أو أذيتك؟ كان على وشك الخروج من الغرفة بعد أن اطمأن عليها، ولكن التقطت أذنيه صوت انتحابها، فظن أنها تتألم، فعاد إليها وقال بنبرة قلقه: "هو حضرتك كويسة؟ سارة بتوتر: "هو حضرتك لسه هنا؟ أنا بخير، بس...

تحدث هو بفضول ليعرف لمَ خرجت تركض بتلك الطريقة على طريق سريع. أيعقل كانت ترغب بالانتحار؟ تنهد ثم أقنع نفسه أنه من واجبه أن ينصحها، فقال: "ليه حضرتك كنتي طالعة تجري على الطريق بشكل ده؟ معقول عايزة تنتحري؟ سارة بدموع: "أنا آسفة، سببت لك مشاكل. قالولي إن حضرتك فضلت معايا طول اليوم، بس." صمتت قليلاً ثم أردفت بدموع:

"أنا مش ممكن أفكر في الانتحار. أنا سمعت خبر مش كويس عن أعز صحباتي، كانت مخطوفة واليوم سمعت إنها ماتت. مش قادرة أصدق، لميس مش قادرة أتخيل إني مش هشوفها تاني! "هي اسمها لميس؟ لميس إيه؟ سارة بدموع: "لميس عز الدين الحديدي! "إيه؟ بتقولي إيه؟ سارة بصدمة: "مال حضرتك في إيه؟ بتزعق ليه كده؟ هتف بغضب شديد: "أختي أنا مخطوفة! سارة بصدمة: "هو أنت أمجد؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...