الفصل 19 | من 27 فصل

رواية حب بين نارين الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نورهان ناصر

المشاهدات
16
كلمة
6,885
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

كان يطالع الرسالة باستغراب. من هذا؟ ولماذا راسله؟ وماذا يقصد بكلامه؟ والأهم من كل هذا، كيف وصلت إليه؟ "ده ده أكيد واحد مخبول، أو يمكن وصلت ليا بالغلط! أنهى حديثه ثم ألقى الظرف بإهمال ولم يهتم. نهض واتجه إلى غرفته، بدل ثيابه واستحضر دروسه، وجلس يذاكر بجدية. هذه سنته الأخيرة في الجامعة، إدارة الأعمال.

وبعد مرور عام، تخرج أمجد من الكلية بامتياز وشرع في تأسيس شركته الخاصة. في أول يوم افتتاح الشركة، فوجئ بوجود ظرف غريب الشكل موضوعٌ على مكتبه. صرخ أمجد بغضب وهو ينادي السكرتيرة الخاصة به: "مين اللي جاب الظرف ده هنا؟ وإزاي حد يدخل مكتبي في غيابي؟ إيه التهريج ده؟ ابتلعت السكرتيرة لعابها بتوتر وهتفت بعدم فهم: "أنا آسفة يا أمجد باشا، بس معنديش أدنى فكرة عن اللي حضرتك بتقوله. ظرف إيه ده؟ رفع أمجد الظرف بيده

وهو يلوح به ويهتف بغضب: "أنا اللي بسألك! بقولك إيه؟ هاتي لي تسجيلات الكاميرا بسرعة، تكون على مكتبي، روحي! "حاضر! جلس أمجد على مقعده وأمسك الظرف بيده. بينما ذهبت السكرتيرة لتلبي طلبه، فتح الظرف وكما توقع، وجد رسالة به. كُتب بها: "أغلى حاجة عندك هاخدها منك وعن قريب، مش بعيد." توتر أمجد كثيرًا وعلى الفور تذكر أنه وجد رسالة مثل هذه قبل سنة من الآن.

قطع عليه توتره طرق على باب مكتبه. فأذن بالدخول، ودلفت السكرتيرة وهي تخفض رأسها للأرض بتوتر، ثم قالت: "مستر أمجد، الكاميرات فيها عُطل فني! رمقها أمجد بغضب شديد: "نعم؟! صمت قليلًا ثم أردف في داخله: "ده الموضوع بجد بقى، وفي حد مستقصدني!

مضى أسبوع، وأيضًا تكررت الرسالة بنفس الصياغة، رسالة تهديد. وازداد القلق بداخله أكثر، فليس في يده دليل ملموس. في أحد الأيام، عندما عاد إلى منزله بعد يوم عمل متعب، وجد نفس الظرف أمام باب شقته وكُتب فيه: "تم وحصل". توتر أمجد، وأخذ الخوف يتسرب في داخله شيئًا فشيئًا. من يرسل له هذه التهديدات الجادة؟ أخذ يفكر، ما أغلى شيء قد يفقده في حياته كلها؟ عائلته هي أغلى شيء. أيعقل أن أحدهم قد أصابه مكروه؟

لذا قرر العودة إلى مصر بأقصى سرعة. *** كانت تركض بأقصى سرعة لديها وهي تتنفس بصعوبة بالغة. وجدت نفسها فجأةً مُحاطة بالمياه من كل النواحي، وهي محصورة في المنتصف. وأخذت المياه تتدفق بقوة كبيرة وارتفعت الأمواج العاتية، بينما لم يكن هناك أحد. أخذت تتلفت حولها، لا أحد. هذه هي النهاية؟ معقول؟

أغمضت عينيها ببطء وانهمرت دموعها كشلال. وما إن اقتربت تلك الموجة منها، ومض في ذاكرتها صورة له وهو يمسك بيدها ويجلسها على حجره، وهي تتعالى أصوات ضحكها لتعبر عن سعادتها الغامرة بقربه. فتحت عينيها سريعًا وأخذت تنادي عليه بكل ما أوتيت من قوة. "مــــــراد!

قالتها لميس وهي تنتصب على الفراش مذعورة إثر ذلك الكابوس المزعج. دارت بعينيها تبحث عنه في الغرفة معها، لكنها لم تجده. توترت كثيرًا، ثم نهضت من على الفراش وأشعلت الأنوار. وعندما استمعت لصوت الأمواج، ارتعدت أوصالها أكثر وشعرت بتصلب قدميها فجأةً. عندما أدركت أين هي، إذن لازالوا في عُرض البحر. عند هذه النقطة، وأخذ قلبها يخفق بشدة. شعرت بالدوار يجتاحها، ترنحت في مشيتها وأخذت تنادي عليه بصوتٍ جاهدت لإخراجه من جوفها، فخرج مُتقطعًا دل على خوفها.

"مُـ... ـراد... مراد، انت فين؟ كانت الباخرة تهتز إثر تلاطم الأمواج مع بعضها البعض. كانت قادرة على الشعور بها، ومع كل هزة كانت ترتعد مفاصلها بزعر. أحست أن قدماها تجمدتا من الخوف. أخذت تسير ببطء شديد حتى خرجت من الغرفة وهي تستند على سطح الجدار.

ثم اتجهت إلى الغرفة المجاورة لها، طرقت الباب ولم تسمع إذن الدخول. فعاودت الطرق مرة أخرى، وأيضًا بلا إجابة. قبضت بيدها على مقبض الباب، وفتحت الغرفة، وأيضًا لم تجده. دلفت إلى الداخل وأخذت تجول بعينيها في أنحاء الغرفة، وأيضًا لا أثر له. خطر هاجس مُرعب في خاطرها: أيعقل أنه تركها هنا ورحل؟ أخذت تهز رأسها بقوة نافية هذا الاحتمال. لا، ليس معقولاً أن يفعل بها ذلك. "مراد... مراد، بلاش تخوفني، انت فين؟

على فكرة أنا قلبي واجعني، مش حمل هزارك." صمتت قليلًا ثم تابعت بحزن وهي تقول كأنها تحادث نفسها: "هزار وهو من إمتى بيهزر معايا... امتلأت العبرات في عينيها وأخذت تبكي بصوتٍ مرتفع. ثم جلست على الأرض بتعب شديد وهي تبكي بشدة وتهذي بكلماتٍ غير مترابطة: "سيبتني ليه؟ لا مش معقول تكون مشيت! مراد! صمتت قليلاً عندما سمعت صوت وقع أقدام تأتي من عُلية الباخرة. دب الأمل في قلبها ونهضت سريعًا وخرجت من الغرفة، صعدت السلم للأعلى. ***

كان يوليها ظهره وبيده شيء ما وينظر للبحر بتركيز شديد. تقدمت بضع خطوات وتبين لها أن بيده سنارة صيد. قبضت على يدها بغيظ ووجدت نفسها تتجه إليه وهي تشتعل غضبًا، ثم بلا أي مقدمات ضربته بقبضة يدها على كتفه. التفت مراد لها بدهشة، وقبل أن ينطق، أخذت تكيل له لكمات متتالية على صدره ووجهها محمرٌ للغاية دل على شدة انفعالها.

أمسك مراد بيديها وقبض عليهما في يده وهو يحاول أن يشل حركتها. ثم احتضنها من الخلف، بينما هي أخذت تتحرك بهيستيرية واغرورقت عينيها بالدموع. تمتم مراد باستغراب من هجومها عليه: "في إيه مالك؟ صابحة تجري شكل للبيع؟ انت كنت نايمة بتحلمي إنك بتضربيني ولا إيه؟ لم تزعن له وتابعت تحركها الهيستيري وهي تبكي، فتمتم مراد باستغراب: "مالك؟ اتهدي بقى وفهميني في إيه؟ قامت لميس بعض يده المقيدة لحركتها، وتحررت من تقييده لها،

وأخذت تصيح به وهي تبكي: "أنا فكرتك سيبتني هنا ومشيت! حرام عليك بقى، انت بتعمل فيا كده ليه؟ حدجها مراد بغضب وهو يقول مستهجنًا ما وصل إليه عقلها: "وأنا هاتنيل أرجع إزاي بتفكيرك ده؟ إيه هاخدها سباحة لحد الشط مثلاً؟ شعرت لميس بالخجل من تسرعها. فهو محق، كيف لم تفكر في ذلك؟ خوفها طغى على عقلها، فلم تحسن التفكير. تمتمت بأسف وإحراج: "أنا آسفة، مفكرتش صح بس خوفت لما ملقتكش في الأوضة، ومعرفش خطر في بالي إنك مشيت!

هدأ مراد قليلاً ثم أمسك بيدها التي تخبئ بها وجهها، ثم أجلسها على المقعد وتمتم بنبرة هادئة عندما أدرك خوفها: "طب تعرفي أنا صاحي من إمتى؟ علشان شوية سمك... على أمل اصطاد ولو شبشب حتى، بس زي ما أنتِ شايفة ولا أي حاجة. اللهم لا حسد، أنا بجد مبهور بيا، ولا ديل سمكة حتى! ضحكت لميس بخفوت على حديثه ثم قالت بصوت هادئ: "ينفع أجرب أنا؟ أومأ مراد برأسه ومد يده بالسنارة وهو يقول: "اتفضلي، أما نشوف هتصطادي لينا إيه؟

نظرت لميس للبحر وتذكرت رهابها منه، فشعرت فجأة بالدوار. فتراجعت للخلف وأعطته السنارة وهتفت بتلعثم: "لأ خلاص، مش عايزة!

اقترب مراد منها ووقف خلفها ومد يده ووضعها على يدها الممسكة بالسنارة. تفاجأت لميس بحركته وتوترت كثيرًا، لا تدري لما بات قربه منها يربكها بهذا الشكل. كانت دقات قلبها تدق كالناقوس، تكاد تجزم أنها وصلت إلى مسامعه. أرخى مراد يدها عن السنارة، ثم هتف مراد بهدوء قرب أذنها وانفاسه الدافئة تضرب سطح بشرتها، بينما هو كان يصب تركيزه على البحر: "متخافيش، أنا معاكِ. اتنفسي بهدوء وأنا معاكِ، مفيش داعي للخوف، الموضوع بسيط!

لا تدري لما اطمأنت بعد كلامه هذا. نبرة صوته الهادئة بعثت الأمان لها، وأيضًا تكراره لتلك الكلمة "أنا معاكِ" جعلها تكاد تطير من السعادة. وهنا صرخ عقلها بهياج: أي أمان تتحدثين عنه؟ كاد يقتلكِ قبل يومين، وأيضًا سعادة؟ هل أنتِ مجنونة يا فتاة؟ تململت لميس بتوتر من قربه منها وهي تهمس بصوت منخفض: "عندي خوف من البحر، دايماً بحلم إني في نص البحر وفي موجة عالية هتغرقني." ابتسم مراد بهدوء ولا يزال يستند أعلى

كتفها ويديه تمسكان بيديها: "مفيش داعي للخوف ده كله، أوهام في عقلك. على ما أتذكر، أنتِ عايشة في جو نفسي، يعني والدتك وجدتك دكاترة نفسيين، ليه محاولتيش تتغلبي على مخاوفك دي؟ هتفت لميس بشرود: "محدش كان متفرغ لي، كل واحد منهم كان في عالمه الخاص بيه. أنا كنت بينهم، بس كنت عايشة لوحدي! لاحظ مراد اهتزاز السنارة بين يديه، فقال بسعادة وكي يصرف ذهنها عن شرودها: "اتحركت، يا فرج الله! "آه فعلاً، كده اصطدنا حاجة!

جذب مراد السنارة وهو يغمز لها وهو يقول بنبرة حانية: "هنشوف، وسعي أنتِ كده! ابتعدت لميس للخلف وأخذ هو يجذب السنارة بقوة حتى تمكن من إخراجها. كانت سمكة متوسطة الطول. هتفت لميس بفرحة وأخذت تقفز عاليًا بطفولية: "اصطدت سمكة كبيرة! هيييييه! نزع مراد السنارة عن السمكة ورفع إحدى حاجبيه بسخرية. رأت لميس نظرته، فقالت مصححةً بخجل: "أنت ساعدتني شوية! ضحك مراد حينها وقال: "شوية؟ كتر خيرك! ابتسمت لميس بخجل، فسمعته يقول:

"يلا ساعدني بقى، ولا هتوقفي تتفرجي عليا! "ها... لا هساعدك أهو! ثم اقتربت منه وجلست بجواره ووضعت السمكة المتوسطة الطول في الدلو. بينما هو جهز الطعم وقام بإلقاء السنارة مرة أخرى، ولميس كانت تنظر له وعلى وجهها ابتسامة صافية. وكان مراد يلتفت لها بين الفينة والأخرى وهو يبتسم. ومضى وقت ليس بطويل، فهتفت لميس بمرح: "على فكرة أنت بطيء أوي كده، مش هنفطر انهاردة بالوضع ده! رفع مراد رأسه عن السنارة ونظر لها بتهكم مضحك: "والله؟

طب تعالي يا سريعة ووريني همتك! تراجعت لميس وهي تقول: "لأ كمل ياسطا، إحنا آسفين! "ياسطا! صمت قليلًا ثم حدقها بنظرة متفحصة. ابتلعت ريقها بتوتر من نظرته، فتابع هو بمرح قائلاً: "أنت يا بت تركية بجد ولا بتشتغليني؟ بهت وجه لميس من سؤاله ثم قالت باستغراب: "أي السؤال ده؟ "لا بجد بسألك، العيون الزرقاء دي والكلام التركي وكله كوم، وياسطا دي كوم تاني! "بشجع لهجة بلدي! حرك مراد رأسه بيأس وهو يردف بنبرة هادئة:

"اللغة باظت يا جماعة! "هي لسه هتبوظ، مهي باظت، ده أنا كل ما أفتح فيس بشوف حاجات عجب، وكل يوم يخترعوا حاجة لما عقدوني! "ربنا يهدي. المهم كفاية كده بقى، ده إحنا اتنين بس، ولا أنتِ عازمة حد معانا! ابتسمت لميس بلطف وهي تقول: "ها... لا كفاية، هاتوا بقى وأنا هدخل أنضفه وا... قاطعها مراد وهو يحمل الدلو ويتحدث بنبرة صافية: "لأ أنا هعمله وهدوقك أكلة سمك مشفتيش ولا هتذوقي زيها!

كانت لميس تنظر له ببسمة فقط ولم تجبه. فجأة بدأت تنظر له من منظور آخر، وكأنه ليس خاطفها ويريد الانتقام من والدها، بل وحاول قتلها من يومين. حينها توتر مراد من نظرتها تلك، فتنحنح ثم قال: "طيب أنا هدخل أعمله، وأنتِ اعملي لنا شوية سلطة! أفاقت لميس من فقاعتها الوردية وتنحنحت بحرج، ثم اخفضت بصرها وهتفت بتوتر هي الأخرى: "تمام."

تابعته للداخل وشعور بالسعادة بدأ يدغدغ ستائر قلبها الذي حفظته ولم تستهلك مشاعرها في أشياء لا فائدة منها. وفي وسط تلك المشاعر، كان يدق العقل إنذارات الخطر. فتجاهل القلب حديثه وشرع يوجهها نحو سعادتها، ولو كانت مؤقتة. *** كان مسطحًا على فراشه بذلك المشفى منذ أسبوع مضى، عندما اقتحمت عليه الغرفة وهي تقول بتوتر شديد: "أمجد رجع؟ نظر لها عز بدهشة وهو يقول بضيق: "إيه؟ إمتى؟ خطت فيروز أرضية الغرفة ثم هتفت بضيق:

"معرفش، بس أنا شوفته امبارح! "كويس إنه رجع علشان يرجع حق أخته من ابن محمد... صاحت فيروز بدموع: "مش كفاية خسرت بنتي؟ انت إيه معندكش إحساس؟ أنا خايفة على ابني، حرام عليك، كله بسببك! "مفيش داعي لخوفك ده، أنا ورايا رجالة ياكلوا الحديد! ابتسمت فيروز بسخرية ودموعها تهبط بصمت: "وكانوا فين رجالتك دول لما بنتي ماتت؟ إبعد ابني عن شغلك الوسـ... رفع عز إبهامه بغضب وهو يحذرها: "فيروز، الزمي حدودك! "ملكش حق عندي، فاهم؟

حقك اتلغى من زمان، وملكش دعوة بتصرفاتي.." قاطعها عز متهكمًا: "ومين قالك إنه انتهى؟ أنا لسه ليا كلمة عليك، أنا رديتك من زمان يا شاطرة، ودلوقت تسمعي كلامي وتنفذيه! ادعت فيروز عدم علمها وقالت متصنعة الصدمة: "كذاب، إنت طلقتني! "ورجعتك في نفس اليوم اللي سافرتي فيه، ودلوقت تلمي هدومك وتروحي على الفيلا بتاعتي، مفهوم؟ بدل ما أرفع قضية وأطلبك في بيت الطاعة، ووقتها هكرهك في حياتك! "انت إزاي تعمل كده؟

أنا بكرهك يا أخي، حل عننا بقى، منك لله، حسبي الله ونعم الوكيل فيك! "يلا غوري من وشي." قالت فيروز بهدوء وثقة بالخالق وهي تتجه للخروج: "﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾. ليك يوم وربنا سبحانه يمهل ولا يهمل، وبكرة تشوف كلامي." أنهت حديثها واتجهت خارج الغرفة وأغلقت الباب خلفها بقوة. فهمس عز وهو يعاود التسطح على فراشه:

"روحه بلا رجعة! خرجت من عنده تبكي بشدة على حالها وما آلت إليه الأمور. ثم استغفرت ربها وخرجت من المشفى. قابلها أمجد عند بوابة الدخول، فتخطته وكادت تذهب، فاستوقفها صوته يهتف بهدوء يصحبه قلق من هيئتها. كانت عيونها حمراء من شدة البكاء. "مالك؟ ابتسمت بهدوء وما زالت توليه ظهرها وقالت بحزن: "يهمك أمري؟ روح لابوك حبيبك! قال أمجد بتوتر: "هو حبيبي فعلاً، على الأقل متخلاش عني! التفتت له فيروز وقالت بضيق: "متخلاش عنك؟

إنت واعي للي بتقوله ده؟ ده بعتك أمريكا وحطك في مدرسة داخلية، ولا كان بيروحلك أصلاً، وتقولي متخلاش عني! فتح أمجد فمه بنية الحديث ولم يعرف بما يجيبها، فكلامها صحيح: "بس... قاطعته سريعًا وهي تقول بصوت مختنق من فرط انفعالها: "مش لاقي حجة تقولها، أمجد سيبني في حالي، روح لحبيب قلبك، بس أعرف كل اللي بيحصل وهيحصل من ورا الملاك بتاعك!

ثم تركته ورحلت. توتر أمجد كثيرًا من حدتها وانفعالها عليه بهذه الطريقة. هل يعقل أن يكون كلامها عن والده صحيح؟ وضع حيرته على جنبٍ الآن. وليرى والده ويعلم منه الحقيقة. نعم، والده بريء، لم يفعل أي شيء. مسكين، هكذا أقنع نفسه. ***

كان يراقبه وهو يعمل وبسمة لطيفة تعتلي ثغرها. كان يبدو مثل طاهٍ محترف. راقبته كيف يقلب السمك على المشواة بمهارة، كما غزت الرائحة الزكية أنفه، وأيضًا تلك الخلطة العجيبة التي قام بتتبيل السمك فيها، رائحتها أكثر من رائعة. فابتلعت لعابها بتوتر وهتفت بتلعثم: "اتعلمت الخلطة دي منين؟

ابتسم مراد بهدوء وهو يجيبها، ولا يعلم لما شعر بالسعادة من محادثتها له وأنها تفتح معه بعض الأحاديث. يبدو أنه كان في حاجة إلى تلك العزلة منذ زمن. ابتسم أكثر وهو يتأملها بصفاء. جالت صورتها على خاطره فجأةً عندما رآها أول مرة، فتمتم مع نفسه: "زي زمان، وجودك معايا بينسيني الدنيا ولو لوقت بسيط بس! طال صمته فشعرت لميس بالإحراج، ظنت أنه تجاهل حديثها. فتنحنح مراد بصوت هادئ وقال:

"أنا عشت لوحدي فترة طويلة في أمريكا واتعرفت على ماتيلدا...

كانت تستمع له بإصغاءٍ تام واستمتاع بحديثه معها. وبمجرد أن تفوه بذلك الاسم، حتى تحول وجهها إلى الضيق. رأى مراد ضيقها الذي بدا على وجهها من قطبة حاجبيها، فتنحنح ثم قال بتوضيح. بالطبع لم يخطر بباله أنها تغار عليه، هذا أمر مستبعد، ولكنه يعلم أنها ملتزمة جداً وترفض أن يكون هناك علاقة صداقة أو أي مسمى بين النوعين، الذكر والأنثى، لا يوجد سوى مسمى واحد واضح وصريح وقد بينه الله، مسمى شرعي وهو رابط الزواج فقط. كما أن الحلال بين والحرام بين.

"ماتيلدا دي كانت شغالة في مطعم سمك تحفة حرفيًا. هي أمريكية بس أصولها من بلد تانية، ما علينا يعني. هي علمتني الخلطة دي." صمت مراد قليلاً ثم تابع ببراءة: "هي اللي طلبت وأنا وافقت. هتعجبك أوي، أنا واثق! رمقته لميس ببسمة متهكمة وهي تردف بضيق: "هنشف!

لم ترغب بالحديث معه عن صداقته مع تلك الفتاة. لربما فهمها خطأ هذه المرة. مع أنها من داخلها تغلي، وليس هناك سببٌ محدد لضيقها ذاك. فهو كان يعيش في أمريكا، حيث لا حياء ولا أخلاق، ولا دين. امتقعت ملامحها بمجرد تخيل تلك الحياة، وأخذت تردد بداخلها بخضوع: الحمد لله على نعمة الإسلام. ومع ذلك، فقد اختنقت من مجرد تخيل أن له صديقة غيرها. الفكرة لا تروقها، فهو كان وما زال صديقها الصدوق. تنحنح مراد ثم قال:

"على فكرة ماتيلدا أسلمت وهي على اتصال بيا! "وأنا مالي يعني؟ بتقولي ليه؟ وبعدين لما هي أسلمت بتتصل بيك ليه بقى؟ ابتسم مراد بمشاكسة: "أعتبرها غيرة دي؟ شهقت لميس باستنكار وهي تقول: "نعم؟ غيرة إيه دي؟ وأغير منها ليه؟ وعلشانك إنت؟ ضم مراد ما بين حاجبيه بتهكم وعينيه تنظران لها بغيظ شديد: "ليه؟ مش جوزك وحقك تغاري؟ صمت قليلًا ثم تابع بسخرية: "وإيه؟ علشانك إنت؟ إيه مش عاجبك؟

على الفكرة البنات بتموت عليا، أنا كنت خاربها في أمريكا." بالطبع إنه يمزح، ولكنه راقه أن يرى ضيقها ذاك، وإن أسنده تحت مسمى الغيرة، رغم أنه يعلم أنها انزعجت لسبب بسيط وهو لأنها ملتزمة. تجاهلت لميس حديثه وقالت لكي تخفي توترها وضيقها مما تفوه به: "جوزي إيه؟ أرجوك بلاش كلام في الموضوع ده، كلها مسألة وقت بس وكل واحد هيروح في طريق، مش كل شوية جوز....

ترك مراد تقليب المشواة واتجه إليها وأمسك بيديها يجذبها نحوه تحت تعجب لميس منه، التي كانت تنظر إليه بصدمة. وما إن لاحظت نظراته تلك، أبعدت يده عنها بغضب. إلا أن مراد لم يفلتها، ثم طبع قبلة بوجنتها بقوة طفيفة بعض الشيء وهو يبتسم، مردفًا: "دي علشان تعرفي أنا جوزك ولا لأ! هتفت لميس بانفعال: "متعملش كده تاني لو سمحت! "يبقى بطلي تستفزيني! تساقطت عبرة انفلتت من عينيها، ثم أولته ظهرها وخرجت مسرعة تركض للأعلى.

ألقى مراد بالملعقة من يده وزفر بحنق شديد، وجلس على إحدى المقاعد وأغمض عينيه. وصدرت أصوات مشاحنات بين قلبه وعقله. أخذ العقل يلقي بأسئلته المتتالية المنفعلة: لما تنزعج عندما تقول أنك لست زوجها؟ أتخدع نفسك؟ هي تقول الحقيقة أم أنك تنكر ذلك؟ هل ترى في إمكانك الاستمرار في تلك العلاقة؟ بينما على الجهة الأخرى صرخ

القلب وهو يرمي بإجاباته: انزعج لأنها تعني لي الكثير، وإن كنت أبغض هذا الشعور. أما في الاستمرارية، فأنا أعاني الحدين معًا، في بعض الأحيان أرفض وبشدة، وفي أحيان أخرى أجد نفسي أتمسك بها. هل تفهم شيء؟ "آه يا لميس، مش عارف أنا من بين كل الناس اتعلق بيك أنتِ... يارب أبعدها عني، أنا مش قادر ولا نافعها... *** وبأعلى السفينة:

كانت تجلس وهي تضم ركبتيها وتمسح بيدها على خدها بقوة تزيل أثر قبلته. أخذت تبكي بشدة، لا تريده أن يقترب منها مطلقًا. تخشى أن تتعلق به، أو لنكن دقيقين في الوصف، هي بالفعل متعلقة به منذ زمن. والآن قلبها هذه الفترة في حالة عدم اتزان. مشاعرٌ متداخلة بدأت في الاختلاط عليها، مشاعر لم تجربها من قبل. وآهٍ من تلك المشاعر. همست في داخلها برجاءٍ وهي تقول بدموع بينما تردد داخلها بصمت: "يا إلهي، لا تعلقني به!

فجأة أضحت الأمور غير واضحة بالنسبة لها. لما الآن تجرب هذه المشاعر؟ لما يخفق قلبها للشخص الخطأ؟ للنار؟ نعم، قلبها يتجه بقدميه للنار. مع الأسف، بدأت أولى الشرارات بالتدفق في قلبها. معقول؟ هل ينبض قلبها بمشاعر له؟ هي تعلم أن ذلك مستحيل، وأن الوداع قد اقترب، ولا ترى أن هناك أمل في الاستمرار. أي استمرار؟ صعب. كيف يستمر زواجهم في وسط تلك النيران المشتعلة؟ بالأحرى، كيف يمكن أن ينمو حبٌ بين تلك النيران؟

ألن تلتهم تلك النيران قلوبهم وتطغى على شرارة الحب في بدايتها فتمحي أثرها من الوجود؟ أخذ يردد عقلها: لا فائدة، لا فائدة. لذا علينا الابتعاد قبل أن نندم في وقتٍ لا يسعفنا فيه ندمنا! نظرت لميس للسماء قائلة: "اللهم اقطع هذه العلائق من قلبي ولا تعلقني به يا رحمن يا رحيم، دلني على الطريق الصحيح! ***

كان يقود سيارته عندما قطع عليه شروده اهتزاز الهاتف بجواره. نظر للرقم باستغراب وكاد يرد. توقف الرنين فجأة. أوقف السيارة وأمسك هاتفه وكاد يعاود الاتصال عندما وجد فيروز تتصل به. وضع الهاتف على أذنه يهتف بهدوء: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته! جاءه صوتها تهتف بنبرة خافتة كأن صوتها قد هرب منها. ردت السلام وقالت له:

"بقولك يا عمي أنا معرفتش أجيب أي حاجة انهاردة، بس متقلقش، هو دلوقت خلاني أرجع بيته وهناك أنا واثقة إني هلاقي حاجة! زفر العم أحمد بإحباط: "مش مشكلة، أمجد فين دلوقت؟ أجابته فيروز بنبرة متعبة: "عنده، قابلته وأنا خارجة من المستشفى! "مالك؟ حاسس إنك تعبانة؟ أدمعت عينا فيروز تقول بحزن: "مش قادرة أستحمل نظرة الكره في عيون ابني ليا! ولا أنا طايقة اللي اسمه جوزي ده! هتف العم أحمد وهو يعقد حاجبيه أثناء نظره إلى شاشة هاتفه:

"فيروزة، خليكِ معايا كده، في رقم من الصبح بيرن عليا، هرد عليه وأكلمك! قالت فيروز بدموع: "خلاص اقفل يا عمي، وأنا هكلم ماما! "لأ متكلميهاش من الخط بتاعك، كلميها من الخط اللي بتكلميني منه، ليكون مراقبك! "حاضر! ثم أغلقت معه واتجهت إلى المرحاض (عافانا الله وإياكم) *** بينما عند العم أحمد، فتح الخط والتوتر بلغ منه ما بلغ. مرت ثوانٍ قبل أن يسمع أحدهم يهتف بهدوء. فتح العم أحمد عينيه بصدمة: "انت فين طيب؟

تنهد العم أحمد براحة وهو يتنفس الهواء بسعادة يقول: "تمام، عارف المكان ده! مسافة الطريق وأكون عندك. متأكد إنك عارف! "لأ متقلقش، هكون لوحدي. سلام عليكم! أغلق معه وابتسامة كبيرة اعتلت وجهه، ثم تمتم بداخله: "الحمد لله! وضع هاتفه في تابلوه سيارته، ثم انطلق مسرعًا وهو يدعو أن تجني تلك المكالمة ثمارها، كما بثت في داخله الأمل في انتهاء هذا الكابوس. ***

كان يستمع لحديثه بإصغاءٍ، ثم صاح وهو يقف مستنكرًا وهو يقول بصوت مرتفع نسبيًا وبنبرة حادة: "إزاي يا بابا تصدق إنها ماتت؟ لأ وبعدين اللي بتقوله ده مش مقنع، يعني إيه مش عارف مين اللي عملها؟ توتر عز من هجوم ولده وأيضًا يبدو غير مقتنع بما يقوله له. أخذ أمجد يقارن ما قصته والدته له، وبين حديث والده الذي لا يصدقه طفل في السادسة من عمره. استفاق على صوت أبيه يردف بنبرة متهكمة: "هو ده اللي حصل؟

عايز تصدق أنت حر، وسيبني بقى علشان أنا مريض وأنت عليت الضغط عندي! "تمام، أنا ماشي دلوقت، بس كلامنا ما انتهاش! *** كان يقف خلفها بتوتر، بينما هي تجلس وهي مخفضة الرأس وتضم ركبتيها. اقترب منها بتوتر وهتف بنبرة صوت هادئة: "هتفضلي قاعدة كده؟ طب أنا جهزت السفرة، يلا مش هتاكلي! بقت محدقة بالبحر ولم تجب عليه. تنهد مراد بضيق، ثم جلس بجوارها فتمتمت باحتجاج: "المكان واسع، مش عارفه أنت ليه... قاطعها سريعًا وهو يقول:

"وأنا عاجبني المكان هنا! تحاشت النظر لعينيه وهتفت بضيق: "طيب وأنا سيبالك هي مخضرة، عن إذنك! أنهت حديثها ثم نهضت. وما كادت تخطو خطوة حتى أمسك مراد بيدها، فالتفتت له مستفهمة. فتابع مراد بهدوء: "رايحة فين؟ أجابته لميس بتهكم: "في داهية! ضغط مراد على يدها بقوة، فتأوهت بصمت وارسمت على ملامحها علامات الضيق الشديد. ثم شعرت برغبة ملحة في التقيؤ. جذبت يدها من يده بقوة واتجهت سريعًا إلى الأسفل صوب المرحاض (عافانا الله وإياكم)

، وأغلقت الباب خلفها. نهض مراد وذهب ورائها وهو قلق عليها. ثم انتظرها حتى خرجت. كانت ملامحها مجهدة ووجهها مصفرٌ وعلامات الإعياء واضحة عليها. "أنتِ كويسة؟ ردت عليه بتهكم: "وده يهمك؟ أنا قولتلك مبحبش البحر وأنت مُصر تقعدني هنا وأنا معدتي قلبت. ها، اديني قولتلك، هتعمل إيه؟ أردف مراد وهو يتنهد: "هنرجع بس بعد يومين، معلش استحملي." ثم شرد مراد قليلاً. *** عودة إلى الوراء. كان مراد يتحدث بالهاتف مع أحدهم: "انت متأكد يا رامي؟

أجابه رامي بضيق: "أيوة متأكد، شوفتهم بعيني في تركيا. لازم تخبي لميس الفترة دي لحد ما أبلغك إنهم مشوا! شد مراد على شعره بغضب: "أمال الزفت مقاليش ليه؟ ليلته فل معايا، بس يصبر! "هو مش معاهم على فكرة، يظهر معاقب. المهم يا سيدي، اديني قولتلك! قال مراد بغضب وهو ينظر إلى البحر: "تمام، أنا هتصرف. مستني تلفونك، سلام! فاق من شروده على صوتها المتعب: "أنا خلاص مش قادرة أستحمل دوار البحر...

مد مراد يده وأمسك بوجهها، فابتعدت للخلف بزعر. نظر مراد لفعلتها باستنكار ولا يدري لما شعر بالحزن. تمتمت لميس بتوتر: "أنا... قال مراد وهو يبتسم بحزن: "متخافيش، أنا مش هعملك حاجة تاني! "أنا هدخل أصلي الظهر! أومأ مراد بهدوء ثم أردف ببسمة صغيرة: "طيب تمام، عارفه اتجاه القبلة بقى ولا لأ؟ حركت لميس رأسها بالنفي وهي تجاوبه بتوتر: "مش عارفه، أنت عارف؟

هز مراد كتفيه دلالة على أنه لا يعلم. أطرقت لميس رأسها للأرض بشرود وهي تفكر. فقاطع أفكارها مراد وهو يسألها: "طيب وهتعملي إيه؟ طالعته لميس بشرود وهي تقول: "المفروض أصلي على حسب اجتهادي في السؤال عليها، بس بما إن مفيش غير حضرتك هنا، زائد إنك مش عارف، وإحنا في وسط البحر، فأنا هصلي على حسب اجتهادي ونيتي لجهة معينة، ولا إعادة عليَّ! "اختلف الفقهاء في تلك المسألة، وقال بعضهم: أن من اشتبهت عليه القبلة ولم يجد من يسأله

-أي عن اتجاه القبلة -اجتهد وصلى ولا إعادة عليه؛ لأنه مأمور بفعل ما غلب عليه ظنه وقت الفعل، وصلاته صحيحة في هذا الوقت، والله أعلم." أومأ مراد لها واتجه إلى غرفته توضأ هو الآخر واتجه إلى غرفتها. طرق الباب طرقات خفيفة، وبعد لحظات سمعها تهتف له بالدخول. "صليتي ولا لسه؟ "لأ لسه، ليه؟ قال مراد مبتسمًا: "هنصلي جماعة! "ماشي!

فرش مراد المصلى ووقف أمامها وشرع في الصلاة وهو يأمها في الصلاة بخشوع. في البداية لم تستطع التركيز في الصلاة، فطلبت منه أن يتوقف. ثم زجرت نفسها واستعاذت بالله من الشيطان ثلاثًا ونفثت عن يسارها ثلاثًا، ثم انتبهت للصلاة وصلّت خلفه بخشوع. انتهوا من الصلاة فهتفت لميس بهدوء: "إحنا هنطول هنا، أنا مش معايا هدوم؟

"أيوة احتمال نطول، معلش استحملي. زائد لو فتحتي الدولاب ده هتلاقي هدوم ليكي، وياريت تفكي الخمار ده، أنا مش غريب يعني! أومأت برأسها وتجاهلت باقي حديثه. اتجه مراد نحو باب الغرفة وقبل أن يذهب قال: "غيري وتعالي علشان تأكلي، وياريت متعانديش، مستنيكي برة! *** كان يقود سيارته وهو يتلفت في الأرجاء بحثًا عن ذلك المكان. زفر بضيق وهو يضرب على مقود السيارة بتوتر: "إيه المنفى ده؟!

أنهى حديثه وهو يمعن النظر في الطريق بحثًا عن أي علامة تدله أين هو الآن. عندما وجد هاتفه يومض بضوء خافت ثم يعاود الكرة مرة أخرى، تنبه العم أحمد عليه وامسكه بعد أن أوقف سيارته لبضع دقائق، ثم فتح الخط ووضع الهاتف على أذنه: "أيوة يا فيروز! جاءه صوت فيروز المتوتر: "عمي، أنا لقيت ملف قديم، معرفش هيفيدك ولا لأ؟ "إيه هو؟ ملف إيه ده؟ قالت فيروز بقلق: "ملف فيه صور لوالدة مراد ورسايل كان كاتبها ليها، بس يظهر موصلتلهاش!

"طيب يا فيروز، صوري الملف ده ورجعيه مكانه، علشان أنا في مشوار دلوقت. أكلمك بعدين، خودي بالك من نفسك، يلا سلام عليكم! أغلق معها ثم أشغل محرك السيارة واتجه إلى وجهته. ظل يسير حتى لمح من بعيد ما يشبه كوخاً. أوقف سيارته ونظر حوله بريبة. المكان يكاد يكون خالياً من العمار. المنطقة هادئة، هدوء يبعث الزعر في الأوصال. "استر يا رب، بسم الله توكلت على الله، اللهم أنت حسبي!

أخذ يسرع الخطى حتى وصل إلى ذلك الكوخ، ثم دق الجرس. دقائق وظهر من خلف الباب آخر من توقع رؤيته. "سعيد! هتف المدعو بسعيد بحزن شديد: "حضرة العقيد! قال العم أحمد وهو ينظر إلى سعيد بعدم تصديق: "انت عايش؟ ده أنا كنت بدأت أفقد الأمل في وجودك يا راجل! "طيب تعالى ادخل، أنا اللي كلمتك النهاردة، متعرفش أنا تعبت قد إيه علشان أقدر أوصل لرقمك، بقالي سنين بدور عليك! تمتم العم أحمد بسخرية: "القلوب عند بعضها!

تنحى المحامي سعيد وسمح له بالدخول، فقال العم أحمد بهدوء: "أنا عارف إنك كنت شريكه في كل حاجة... "أيوة، كنت شريك الزفت عز في كل أعماله الوسـ... "يعني لو استدعيتك في المحكمة هتشهد وتعترف عليه إنه نصب على محمد الألفي، وكمان لفق له قضايا باطلة، وكمان هو اللي اتهجم على بيت محمد الله يرحمه، والباقي أنت عارفه. ده السبب اللي خلاك تكلمني؟ شكلك ندمان. لو ندمان بجد وكنت بتدور عليا، يبقى تثبت لي صدق كلامك! أدمعت

عيون سعيد وهو يقول بحزن: "لا، أنت مش هتستدعيني لحاجة. أنا هديك اللي يوديه في داهية لحبل المشنقة على طول، ولو لزم الأمر هشهد، بس اسمعني، أنا عندي طلب واحد بس وهقولك على كل حاجة، وممكن أشهد كمان! "طلب إيه؟ سقطت دموعه وهو يردف بنبرة ضعيفة: "بنتي، عايزك تلاقيني بنتي. هو أخدها مني عشان يخرسني، بنتي كانت هتبقى محامية زيي، كانت يا دوب خلصت الثانوية وداخلة أولى كلية حقوق، ومش عارف آخدها فين. أنا نفسي أشوفها قبل ما أموت!

صمت قليلًا ثم أخرج صورة من جيب سترته وأعطاها له، فقال العم أحمد بهدوء وهو ينظر للصورة بتفحص: "متقلقش، هنلاقيها وهدور لك عليها، بس أرجوك ساعدني! "هساعدك عشان أريح ضميري! "خطف بنتك من إمتى؟ عليه سعيد وهو يمسح دموعه: "من ست سنين، هي دلوقت ماشية في الـ 25. أنا نفسي أشوفها قبل ما أموت! "متقلقش، هنلاقيها! تبدلت تعابير وجه سعيد وأردف بنبرة هادئة: "أنا عرفت إن بنته اتخطفت فعلاً، ربك يمهل ولا يهمل، وكما تدين تدان!

سأله العم أحمد بهدوء: "وأنت عرفت منين؟ وأنت في المنفى ده؟ أجابه سعيد بهدوء: "لأنه جالي هنا بنفسه وسألني عن ابن محمد الألفي... وقتها عرفت إن الولد اللي كان عايز يخلص عليه كبر ورجع ينتقم لأبوه وعيلته! "طيب ولما سألك عن ابن محمد، قلت له إيه؟ قال سعيد بتهكم وهو يتذكر لقاءه مع عز: "قلت له إني معرفش، ومقابلتوش ولا شوفته، وكمان أنا معرفش شكله أصلاً. وقولت له أنت حابسني هنا، هخرج أروح فين؟

مبقاش ليا حد، مراتي من بعد ما عرفت بشغلي الوسـ... معاه، وإن بنتي أخدها مني سابتني وراحت لأهلها في الصعيد، وأنا سابني هنا في المنفى اللي انت شايفه ده! "أها! نهض سعيد فجأة واتجه إلى غرفة رتيبة. غاب لبضع دقائق ثم عاد وقال وهو يمد يده بشيء ما: "دي عليها أبشع شيء عمله في حياته، وزودت عليها بعض الملفات من شغله في المافيا، دي هتجيب لك خبره ويبقى على رأي اللي بيقولوا... go to hell!! توسعت عيون العم أحمد بصدمة: "أنت قصدك...

*** كانت تجلس شاردة الذهن، عينيها تبكيان بلا شعور منها كلما تذكرت ما فعله وما شعرت به، وذلك الأحمق في صدرها الذي بدأ بالخفقان بقوة ويرغب بالمزيد من قربه. ثم فجأة اشتغلت في المذياع أغنية تركية حزينة بلا موسيقى، فقدت كلمات. تفاجأت لميس بها، ثم بتردد خرجت من غرفتها واتجهت إلى السطح، فبعد أن تناولوا الفطور الذي أتى في موعد الغداء أيضًا. دلفت إلى غرفتها ولم تخرج منها.

كان مراد شارد الذهن يجلس على حافة الباخرة يضع قدميه في الماء، ولم ينتبه على خروجها. كان عقله شارد مع كلمات الأغنية... Kalbim söyle ne oldu bize «قل لي يا قلبي ماذا حدث لنا» Nasıl ihanet etti sözumüze «كيف خُنا الوعد الذي قطعناه» Ah kalbim sevmek iyi gelmez bize « آه يا قلبي الحب لا يريدنا» Biraz çeksek bile çıkarız düze «ولو استمرينا قليلا سنتجاوز ذلك» Onu bir daha görmeyi inan istemezsin

« صدقني لن تريد رؤيته مرة أخرى » Sana da acı verir bu son halleri « وأنت أيضًا ستتألم من آخر ما حدث لي» Bilirim sen de benim kadar kolay selimezsin «أعلم أنت أيضاً لا تستطيع مسحه بسهولة » هتفت لميس بتوتر: "مراد! هتبرد كده.. قوم انت قاعد كدا ليه أصلاً؟! Ama şimdi başka renkate bakiyor gözlerin «ولكن عيناك الآن تنظران بألوان مختلفة »

لم يرد عليها، بقى يحدق في البحر، أو هكذا اعتقدت، حيث كان يجلس وهو يوليها ظهره، فلم تر وجهه. Ağla kalbim ağla «ابكي يا قلبي ابكي» Sen ağla kalbim ağla «ابكي يا قلبي ابكي» Sus ssein duyulmasin ľçinden ağla «اصمت لكي لا يسمع أحد صوتك وأبكي من داخلك» اقتربت منه بهدوء وقامت بإطفاء المذياع بتهكم وهي تقول بضيق: "على فكرة بكلمك! المفروض ترد من باب الذوق!

وأيضًا بلا رد. اقتربت منه أكثر بخوف شديد، فهي منذ مجيئها معه لم تقترب من الحافة أبدًا، حتى عندما حاولت أن تصطاد السمك معه هذا الصباح، فضلت أن تكون على مسافة آمنة من الحافة حتى لا تصاب بالدوار. أخذت تسير ببطء شديد وهي تنظر للحافة برعب ونبضات قلبها تدق بقوة. "على فكرة كده أنت بتخوفني، مراد، مراد... شهقة صدرت منها وهي تراه يسند رأسه على سياج الباخرة وعينيه مغمضتان. وفجأة اهتزت الباخرة فانزلق جسده ليستقر في البحر...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...