الفصل 4 | من 19 فصل

رواية حب فوق الغصون الفصل الرابع 4 - بقلم ساره نيل

المشاهدات
28
كلمة
1,934
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 21%
حجم الخط: 18

ارتدت فستاناً من لون اللافندر الفاتح، وفوقه جاكيت قصير من قطن البوليسير ذا اللون الكريمي. وفي لفة رقيقة جعلت خمارها ذا اللون الكريمي أيضًا، فكانت في غاية الرقة والاحتِشام. ووضعت بمعصمها إكسسوارًا رقيقًا من الفضة يتدلى منه ريشات صغيرة. "يا صباح اللبن على الناس القشطة." "أيه صباحك إللي كله منتجات ألبان ده يا غِصن؟ قبلت والدها من وجنتيه وقالت بمرح: "كله كالسيوم يا عبدو ومفيد للعظام."

"الله يبارك لك يا حاج عبدو، متقاوحش معاها مش هتاخد لا حق ولا باطل." "بقا كدا يا هدهد؟ دايمًا ظلماني كدا.. ماشي." احتضنها والدها بحنان مُقبلاً رأسها بدِفء قائلاً: "كله ألا غِصن دي حبيبة أبوها دي." "أيوا أقعد دلع فيها يا أبوها، أما أدخل أجهز الفطار قبل ما يحصلي حاجة." قامت غصون وحملت حقيبتها قائلة: "أنا همشي أنا يا هدهد علشان ألحق." "طب والفطار يا غصون، مفيش خروج من البيت قبل ما تفطري، مش هيحصل."

"حيلك بس يا هدهد، هو أنا أصلًا بسهو على نفسي.. بس النهاردة هفطر من عند البت أمينة، هعدي عليها أخد السندويشه بتاعتي." "سندويشه برودة وأمينة تاني؟ "سيبيها يا أم غصون براحتها، أهي تغيرة." ركضت نحو والدها وطبعت قُبلة على رأسه، ثم طبعت مثلها على خدّ والدتها قائلة وهي تخرج: "ربنا يخليكم ليا، يلا سلام ومتنسوش تدعولي." ابتسم والداها وقالت والدتها: "مش ببطل والله يا بنتي، ربنا يسترِك ويهديك كمان وكمان ويحققلك ما تتمني."

"ربنا يصلح حالها وينور طريقها يارب." بينما غصون وقفت أمام إحدى العربات الخشبية الموضوعة على ناصية أحد الشوارع وقالت بإبتسامة عريضة: "صباح الخير يا شيف أمينة." "يا صباح الورد على غصون الورد، أيه يا غصغص؟ عاش من شافك يا أوختي، أيه كبرتي علينا ولا أيه؟ "أمينة الحرمية، خلي قلبك أبيض يا بت إنتِ، عارفة إللي أختك كانت فيه." "آآآه ماشي يا سراقة، عارفة إن أمينة طيبة بقاا وهتقولك خلاص سماح." تدخلت سيدة

من الخلف قائلة وهي تتخصر: "سماح ماتت يا أختي إنتِ وهيّ.. واحدة تقول سراقة والتانية حرامية، يا فرحتي يا ناس." قالت غصون وهي تُقبّل رأسها: "صباح الخيرات يا خالتي أم أمينة." "لسة فاكرة يا غصغص.. على العموم صباح الورد يا بنتي." تدخلت أمينة قائلة: "هاا طلباتك أيه يا غصون هانم.. الطلب المعتاد؟ "أكيد يا أمينتي." وبدأت أمينة بإعداد الشطيرة وغصون تتابعها بشغف، فأمينة تُحضر أشهر وأشهى شطائر الجُبن التي تعشقها غصون.

وضعت أمينة قطع الجُبن الرومي على سطع الساج، ووضعت أعلاه أنواع أخرى من الجُبن، فصنعت خليطًا ذائبًا منهم، ثم رشّت بعض التوابل. وبعد التقليب والمزج المستمر، نقلتهم داخل قطعة من خبز الفينو العريض والسميك، والتي تصنعه أمينة بذاتها، وغلفته ليبقى ساخنًا. "أحلى سندويشه لأجمل غِصن في الحديقة كلها." "عايزة أقولك إن لُعابي سال يا بت أمينة، حاجة كدا تفتح النفس." وضعت أمينة عبوة حليب صغيرة معهم وقالت بطيبة:

"بالهنا على قلبك يا ست غصون، ويلا يا أختي على شغلك علشان متتأخريش." "روحي ربنا يرزقك كدا يا بت يا أمينة بباشا مشهور كدا ويقعدك في قصر طويل عريض، وأهم حاجة يكون واحد من بتوع التموين ولا حاجة؛ علشان يريحك من دوشتهم يا بنتي." "شقيتي وتعبتي يااامه وربنا هيجبرك وهترتاحي يا أمينو، وكلمة بقولهالك." قالت جملتها الأخيرة وهي تهرول مُسرعة نحو أحد الأتوبيسات، لتبتسم أمينة قائلة: "مجنونة والله."

وبمجرد أن قالت غصون تلك الجُمل، كأن السماء كانت مفتوحة.. فكانت سيارة سوداء تعرج للشارع حيث تلك العربة الخشبية، ولم يــكن ســوى…. ولجت للشركة بحماس كعادتها، وأوشكت على الصعود، لكن لفت أنظارها العمّ سيد وهو يجلس بأحد الزوايا حزينًا مُطأطأ الرأس. ذهبت إليه على الفور وتسائلت بقلق: "عم سيد مالك قاعد كدا ليه؟ شكلك مهموم." رفع الرجل رأسه بحزن وقال بإستنجاد: "بنتي يا أستاذة غصون.. هتروح مني."

"إهدى بس يا عم سيد وقولي هي مالها، وإن شاء الله خير، ربك موجود يا راجل يا طيب، وإن ضاقت فعند الله المخرج." "مطلوب ليها عملية في القلب يا بنتي وتكاليفها غالية، وأنا مش حيلتي ألا مُرتبي ومش عارف أعمل أيه." رددت بحزن وعقلها يعمل بجميع الجهات لمساعدته: "لا حول ولا قوة إلا بالله، وحد الله كدا وربك هيحلها صدقني.. طب إنتَ مجربتش تاخد سلفة من الشركة ولا حتى قرض؟

"روحتلهم يا بنتي واترجيتهم ومحدش وافق، وقالوا مفيش عندنا قروض لحد.. حاولت أستلف بس مين هيسلف واحد زيّ مبلغ كبير كدا." "أيه يا عمّ سيد الكلام ده.. دا إنتَ حتى راجل عارف ربنا، أوعى تكون باليأس ده، أوعى تيأس من رحمة ربنا." "شوفت الناس إللي رفضت تديك دي، هو مين عطاهم!

وإللي عطاهم قادر يعطيك، كل محنة وفيها منحة، ولازم يكون عندك حُسن ظن بالله ويقين، وصدقني ربنا هيفرجها وهيَسخر إللي يجيبهم لغاية عندك، لأن رب العالمين لا يُكلف نفسًا إلا وسعها ومش هيحملك مالا تطيقه." "ونعم بالله يا بنتي، يعني قوليلي أعمل أيه يا أستاذة غصون." "صلي ركعتين قضاء حاجة بنية تفريج كربك وربنا كبير." توقفت فجأة وقالت مُتسائلة: "عمّ سيد هو إنتَ سألت المدير إللي جاي جديد ده؟

"لا والله يا بنتي، بعد ما روحت لرئيس مجلس الإدارة نفسه ورفض وصاحب الشركة ومراته رفضوا كمان، قولت أكيد هو كمان هيكون رده نفس الرد، يعني هيعمل أيه يعني." تلكأت في كلماتها لكن قالت ببعض الثقة والاطمئنان التي لا تعلم مصدره وهي تتذكر هيئته المختلفة:

"مش هتخسر حاجة يا عمّ سيد، وهو باين عليه مختلف عنهم وابن حلال، كلمة يمكن يكون ليه طريقة ويكلم صاحب الشركة.. استعين بالله كدا وأنا معاك وهدور من جهتي بردوه، وعرفني هيرد عليك ويقولك أيه بس." "حاضر يا أستاذة غصون، هنزل أصلي ركعتين وربك كبير وقادر على كل شيء.. وهكلم أستاذ عُدي وأشوف كدا." ورحل الرجل من أمامها لتظل تنظر في أثره وبعض التساؤلات ثارت بداخلها عن موقف هذا المدير الجديد. ماذا سيقول؟

شعرت بالضيق من مجرد رفضه مساعدة العمّ سيد. "يا ترى هيقبل يساعده ولا يكون زيّ غيره، بس واضح أووي إن مختلف عن إللي هنا." أفاقت على نفسها وتنحنحت قائلة: "وأنا مالي مختلف ولا غيره." دخلت المكتب فوجدته خاليًا، صفا وأسيل وأروى وأحمد لم يأتوا بعد. "أحسن حاجة إنهم مجوش والله علشان أكل السندويشه بمزاج وأبدأ شغل."

وبعد مُدة أخرجت طعام إفطارها وبدأت تلتهم الشطيرة بنهم وتلذذ، وتُصدر الهمهمات المستمتعة بالطعام، وترتشف الحليب البارد بتمهل. "البت أمينة إيديها تتلف في حرير.. حاجة كدا وهم، إن شاء الله هجيب واحدة بكرا بردوه، مش خسارة فيها العشرين جنية." بينما في الخارج كان يسير نحو مكتبه، فوجدها على هذا الوضع، فلم يكن منه إلا أنه ابتسم بإتساع من قلبه على حالتها وتصرفاتها المجنونة.

وبعدما طال وقوفه مثل المتلصصين، فاق على نفسه وهرول مبتعدًا وهو يلتفت من حوله. "لا أنا حالتي بقت تخوف.. على رأي بيلا، أيه هيخليني أستنى وخير البر عاجله. وأخيرًا يا ست غصون هتبقى ملكة مملكتي.. يارب وفق ويسر الأمور يا الله." دخل مكتبه ثم جلس بتأنٍ وأمسك بالمصحف، ثم وبصوت عذب بدأ بترتيل سورة البقرة كعادة إعتادها صباح كل يوم. عند غصون، أخرجت مفكرة صغيرة وبدأت تكتب المهام المطلوبة منها وإللي أنجزتها.

"الحمد لله صليت الفجر حاضر وقولت أذكار الصباح وكمان قرأت جزء من الوِرد بتاعي.. آآه وكمان سورة البقرة هقرأها في البريك دا شيء أساسي." "عندي بقا تصميم خريفي النهاردة لازم أكمله، وهبدأ في المجموعة المطلوبة بإذن الله والحمد لله رب العالمين ربنا ألهمني الفكرة، يارب أتوفق فيها." "ااه وبعدين بقاا عندي روتين للبشرة وعندي كيّ هدومي." "بالإضافة أكيد مواعيد صلاة الفروض الخمسة في وقتها." "وأختم اليوم بأذكار المساء وجلسات الذكر."

"وأيه كمان … ااااه حلقتين من “شامة في البراري” إزاي أفوت شامة..! "أنا كدا رتبت اليوم وأسيبه يجري زيّ ما ربنا مقدر، بس ربنا يعيني ويقويني وأخلص كل المطلوب." رفعت رأسها للسما وقالت من كُل قلبها: "يارب يا رحمن يا رحيم ساعد عمّ سيد وفك كربه يارب، يارب أشفي بنته وفرج همه يارب، إنتَ على كل شيء قدير وبالإجابة جدير." "كدا إتفاقنا على الخطة دي، ومتقلقوش عندي غيرها يعني كدا كدا مش هتقعد فيها."

قال أحمد كدا وهو في السيارة لصفا وأسيل. ردت صفا بغلّ وحقد: "مش هرحمها دا أنا ناوية على كتير." "عايزكم تنفذوا كل إللي مطلوب منكم بالحرف الواحد، وكمان بلاش كلام قدام أروى تمام." "تمام يا أحمد يلا بينا." صعدوا إلى المكتب وولجوا للداخل دون بث كلمة واحدة. تعجبت غصون من حالتهم لكن آثارت الصمت ولم توجه كلمة واحدة إليهم. قالت السكرتيرة بهدوء: "بشمهندس عُدي.. عمّ سيد الساعي عايز يقابل حضرتك." رفع رأسه وقال بتعجب:

"خير إن شاء الله.. ماشي خليه يتفضل." ودخل العمّ سيد بقلب مرتجف ويدعو الله أن يجد هنا ما يبغيه… ليواجه أخر فرصة ووسيلة له…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...