_السلام عليكم، إزيك يا بابا. _وعليكم السلام، الحمد لله يا غصن، إيه القمر هل علينا وبيتصل يعني.. مش انت لسه في الشغل. _أيوا يا أبي لسه في الشغل بس كنت عايزة بس أستأذن من حضرتك على مشوار كدا. _خير يا غصون في حاجة ولا أيه يا بنتي. _عم سيد الساعي اللي في الشركة هنا انت عارفه، بنته مسك تعبانة وبتعمل عملية خطيرة في القلب وهو كان مهموم وخرج بسرعة على المستشفى لأن مراته لوحدها.
_لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يشفيها ويعافيها يارب، خلاص يا بنتي روحي واقفي جنبهم بس متتأخريش يا غصون علشان في موضوع كدا عايزك فيه. _حاضر يا بابا ومتنساش تقول لماما، بس هو في حاجة ولا أيه! _خلاص يا بنتي مع السلامة لما تيجي نبقى نتكلم. خرجت من الشركة بعد ما أخدت إذن بالخروج ساعة بدري عن ميعادها، ركبت أول تاكسي قابلها وقالت للسائق عنوان المشفى بعد أن أخدته من العم سيد. بعد قليل وصلت للمستشفى.
طلعت تسأل عن مكانهم وبتدعي من جواها ربنا يشفي مسك وميحرقش قلب أهلها عليها. _السلام عليكم، ممكن أعرف مكان بنته جت هنا تعمل عملية اسمها مسك سيد. قالت موظفة الإستقبال بعملية: _أيوا يا فندم مسك في غرفة العمليات لسه مخرجتش وأهلها منتظرين في استراحة العمليات. _تمام، طب فين الإستراحة. _في الدور الرابع على الشمال. _شكرا جدا.
صعدت للمكان على أقدامها وهي بتبص حوليها على المرضى اللي داخلين وخارجين واللي بيتوجع واللي أهله واقف يدعي بترقب، أهوال وأوجاع مختلفة. قالت غصون بدموع محبوسة ومن قلبها بصدق: _يارب انت الحنين اشفيهم وخفف عنهم يارب، انت أحن عليهم مني ومن أي حد.. الدنيا مليانة اضحكي يا غصون ربنا رحيم قوي وانت في نعمة مش حاسة بيها ده انتي لما بيجيلك شوية صداع بتبقي على أخرك.
الحمد لله يارب، شكرا يارب على كل شيء سامحني على أخطائي وذلاتي يا أرحم الراحمين. فعلا الحكمة من زيارة المريض كبيرة قوي وبتخلي الواحد يقف مع نفسه وقفة جديدة، الاتعاظ من ابتلاءات الغير اللي أكيد مقابلها ثواب عظيم من رب العالمين ولها عوض كبير وتخفيف للذنوب. الحمد لله دائمًا وأبدًا، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به خلقه وفضلني على كثير من عباده.
وصلت الدور الرابع واتلفتت حولها في المكان فتفاجأت بـ عدي اللي تفاجأ بيها برضه. شعرت بالحرج وأخفضت عيونها ثم رددت تحية الإسلام على استحياء: _السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال العم سيد بدهشة لما شافها: _وعليكم السلام، آنسة غصون! تعبتي نفسك ليه بس يا بنتي. قالت بهدوء وداخلها متوتر لتواجده ولا تعلم لماذا: _ولا تعب ولا حاجة يا عم سيد، مسك أختي ولازم أكون جنبكم في موقف زي ده. _ربنا يباركلك يا بنتي كتر خيرك.
ذهبت بإتجاه الخالة فادية التي تبتهل بالدعاء وهي تبكي، تسائلت غصون وهي تجلس بجانبها وتربت على كتفها بمواساة لترتمي الأخرى على كتفها تبكي فاحتوتها غصون ومسدت على ظهرها برفق: _أخبار مسك إيه؟ محدش من الدكاترة طمنكم؟ لم يستطع العم سيد الذي يجلس بإنهيار الإجابة وأيضًا لم تختلف زوجته عنه، فأجابها عدي بنبرة رزينة هادئة:
_إن شاء الله بخير، الدكتور قال العملية ماشية تمام ومعدش وقت وهتخرج بس هي العملية بتاخد وقت ودا اللي مقلقهم. _عم سيد استعين بالله واصبر، البكا عمره ما هيفيد مسك صدقني كل اللي يقدر يساعدها هو الدعاء، ادعيلها انت وخالتي فادية وخلي عندكم أمل ويقين بالله ومتنساش إن ربنا على كل شيء قدير، ده اختبار لكم ولازم تنجحوا فيه وادعوا وانتوا كلكم يقين، أنا واثقة إن مسك هتخرج وربنا هيتم شفاها على خير وهتمارس حياتها بطبيعية جدًا كمان.
_يارب يا بنتي يارب يا غصون ادعيلها كتير انتي قلبك نضيف وطيبة. قالت الخالة فادية بانهيار: _يارب يا بنتي ونعم بالله.. يارب يا حنين علينا يارب اجبر بخاطرنا يارب وفرج الكرب. ابتسم عدي تلقائي أول ما سمع كلماتها اللطيفة واللي كان لها وقع جميل على قلبه، رقيقة شبه الورود اللي فوق الغصون، هي غصون رقيقة مجمعة أحلى وأندر الورود. اتنهد بعمق وربت على ظهر العم سيد قائلًا:
_يلا يا عم سيد نصلي العصر حاضر وإن شاء الله ربنا يفرجها من عنده، يلا شد حيلك كدا المسجد جنب المستشفى عالطول. _بشمهندس عدي إحنا تعبناك معانا والله كتر خيرك انت عملت اللي عمر ما كان حد يعمله أنا مكسور... قاطعه عدي وقال بحزم: _عيب الكلام ده يا عم سيد أنا مش زي ابنك ولا إيه، وبعدين أنا معملتش حاجة ولو سمحت متقولش الكلام ده تاني. يلا بينا نصلي العصر.
قام عم سيد وسنده عدي ده كله كان تحت مسامع غصون اللي ابتسمت بإبتهاج لإختلافه الملحوظ لكن زاد ندمها على سوء ظنها. قالت للخالة فادية برفق: _يلا إحنا كمان يا خالتي تعالي نصلي ونبرد قلبنا بالصلاة وبإذن الله فرج ربنا واسع. قامت الخالة فادية معاها بصمت ومشت ببطء يناسب عمرها بالإضافة لحزنها الذي يثقل كاهلها، تمسكت بغصون من ذراعها، وقالت بإمتنان:
_ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي، وقفتك معانا دي انتي والبشمهندس عدي مش هننساها أبدًا ربنا يبارك فيكم يا بنتي. _أنا معملتش حاجة يا خالتي فادية، المسلمين لو موقفوش جنب بعض وساندوا بعض أمال مين يعمل كدا، إحنا كلنا إخوة ودي كلها حاجات بسيطة. _ربنا يكتر من أمثالكم يا بنتي. دخلوا المسجد وغصون ساعدتها في الوضوء ووقفوا متراصين بعد ما سمعوا إقامة الصلاة. وفور أن سمعت صوت الإقامة العذب أدركت أنه عدي.
ودون أن تدري ارتسمت إبتسامة ندية على شفتيها. وكانت الصلاة هي أول شيء يجمعهم. انتهت الصلاة وخرجوا سويًا ثم صعدوا مرة أخرى للمشفى وجلسوا مرتقبين أمام غرفة العمليات، وبعد قليل أتى العم سيد بمفرده فاعتقدت أنه رحل. قالت غصون سرًا: _استغفر الله العظيم.. استغفرك وأتوب إليك يارب، يارب يا حبيبي متعلقش قلبي بغيرك، خايفة قوي يارب من أن أعمل حاجة تغضبك وتزعلك مني وكمان توجعني وتأذيني.
بستعين بك يا الله وبستنجد بك أنا ضعيفة وبخاف من الوجع بس قوية بيك يا أرحم الراحمين. دقائق وخرج طاقم من الدكاترة والممرضين انتبهت غصون وهرولوا جميعًا بإتجاههم. قالت الخالة فادية بلهفة أم: _طمني يا دكتور، بنتي عاملة إيه.. هتبقى كويسة، أنا عارفة إن ربنا مش هيردني خايبة أبدًا. ابتسم الطبيب ببشاشة:
_اطمني يا حاجة ربك كبير، بفضل الله تمت العملية بنجاح وكان فيها تيسير وسهولة أنا مشوفتهاش قبل كدا، الآنسة مسك بأمر الله هتقوم زي الحصان وأفضل من الأول كمان لأنها مكانتش برعايتنا دي برعاية الرحيم. أول ما قال الكلام ده عم سيد سجد على الأرض بإنهيار وبكى بتشنج وصوت عالي وبيكرر من بين بكائه: _لك الحمد يارب.. لك الحمد يارب. غصون دموعها نزلت تلقائي غرقت وشها وبصت لفوق وقالت بكل حب ويقين وامتنان:
_أنا كنت واثقة.. أنا كنت عارفة.. انت عمرك ما خيبت ليا رجاء وظن.. أنا بحبك قوي يارب.. انت حبيبي يارب. بينما صرخت الخالة فادية ببكاء: _حنين يارب.. حنان ومنان شكرًا يارب العالمين. كان عدي واقف في بداية الممر وشاف فرحتهم ابتسم وهمس وهو بيغمض عينه: _لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد بعد الرضا ولك الحمد إذا رضيت، أشفي كل مريض يارب. قال الطبيب الشاب والذي وجهه يحمل البشاشة والصفاء بإبتسامة وهو يرى فرحتهم:
_إن شاء الله الآنسة مسك هتتنقل للعناية لغاية ما تفوق كدا ونطمن عليها وتقدروا تدخلوا تشوفوها كمان. تسائلت فادية بلهفة: _هي كويسة يعني يا دكتور.. ليه عناية هو في خطر عليها. _لا لا طبعًا بس علشان تبقى تحت المراقبة وناخد بالنا منها أكتر والحمد لله على سلامتها. _الحمد لله، الله يسلمك يابني. ورحل الطبيب عبيدة وهو يبتسم ويحمد الله على إعانته له ويدعو أن يتم شفاءها إلى أن تتماثل تمامًا. قابل عدي الذي ابتسم له وتسائل:
_إيه يا دوك كل حاجة تمام. _بفضل الله يا هندسة، أنا بشكرك إن استعنت بيا في العملية دي. قال عدي بمرح وهو يغمز له: _الله الله.. ده شكل الصنارة غمزت ولا إيه عبيدة باشا. _طول عمرك دماغك شمال يا صاحبي كدا وبتفهم غلط. _قصدك بفهم صح! _روح روح يا أخ النحنوح انت كمان.. محدش أحسن من التاني ولنا قاعدة طويلة سوا. _سلام يا أخ عبيدة. اقترب منهم وهو يحمل بين يديه أكواب من القهوة وعبوات عصير وبعض الشطائر، مد يده ووضعهم بينهم ثم قال:
_عارف إن لو قولتلكم تعالوا تاكلوا حاجة مش هتوافقوا، اتفضلوا دي حاجة بسيطة على الأقل علشان تقدروا تقفوا على رجليكم وأتمنى محدش يعترض. قالت فادية وهي تمسح دموعها: _والله يا بني أنا محرجة منك. إنت من الصبح واقف معانا وشيلت هم مش همك. _لو سمحتي يا حاجة متقوليش الكلام ده صدقيني أهم حاجة بنت حضراتكم تكون بخير وتقوم بالسلامة. اعتبريني زي ابنك.
_الخير موجود لسه يا بني والدنيا لسه بخير. ربنا يبارك في إللي ربيتك ومتشوفش وحش فيك ويسعدك يا عدي. _الله يباركلك يا أمي. اخفضت غصون عيونها وفركت إيديها بتوتر بدأ يسيطر عليها في وجوده. استعانت بالحوقلة والإستغفار. "في حاجة غريبة أووي أيه إللي بيحصل ده!! قلبها!!! بيدق بطريقة مرعبة جداً. دا إللي كانت بتدعي دايمًا إن ميصبهاش. بيدق بطريقة بتخوفها! فضلت تضم إيديها بقوة. دلوقتي بتتمنى إنها تهرب في أي مكان.
قرب عدي منها ومد إيده ببعض العصائر والشطائر وقال وداخله مضطرب لمجرد الحديث معها: _اتفضلي يا آنسة غصون حاجة بسيطة بقالك فترة هنا وجاية من الشغل. بلعت ريقها وحاولت تخرج صوتها وهي حاسة بالحرج والإضطراب. تنحنحت وقالت بتحشرج وصوت متقطع: _أنا شكرًا يعني مش عايزة.. مش جعانة. _يعني هتكسفي إيدي يا آنسة غصون؟ يلا اسمعي الكلام وخديه الله يهديك. أماءت برأسها وسحبت ما بيده دون أن تنظر. _شكرًا يا بشمهندس. ابتسم وقال ببعض المرح:
_إحنا مش في الشغل. تقدري تقولي عدي بس بلاش بشمهندس. احمرت وجنتيها وكان لابد من الهروب. وقفت بتوتر وهرولت وهي تقول بتوتر: _تلفوني بيرن هرد عليه.. عن إذنكم. خرجت بعيدًا وسندت على أحد الجدران وهي تتنفس بعنف واضعة يدها على قلبها: _لطفك يا الله. أول مرة يحصلي كدا في حياتي. بجد وجوده خطر جدًا. غابت الشمس وكان لابد لها من العودة للمنزل. بعد أن استعادت أنفاسها وهدأت دقاتها عادت لهم. قال لها العم سيد:
_يلا يا غصون روحي إنت يا بنتي كفاية عليك كدا مينفعش تتأخري أكتر من كدا. وإنت يا بشمهندس عدي كتر خيرك يا ابني من صباح ربنا وإنت واقف على رجلك. ماسكه بقت بخير وكدا كدا مش هتفوق إلا الصبح. قالت غصون وهي تودعهم: _حاضر يا عم سيد وإن شاء الله هاجي أشوف ماسكه بكرا بعد ما تفوق. لو إحتاجتي أي حاجة كلميني يا خالتي فادية. _ماشي يا بنتي. يلا روحي علشان متتأخريش وابقي طمنيني إنك وصلتي. _حاضر. مع السلامة.
واستدارت راحلة دون أن تنظر خلفها. بينما قال عدي بجدية: _لو في أي حاجة متترددش ترن عليا يا عم سيد. وأنا هتابع معاك. _إن شاء الله يا بني ربنا يبارك فيك. _السلام عليكم. _وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وخرج عدي خلف غصون التي وقفت تنتظر سيارة أجرة من تلك المنطقة البعيدة. وجدها تقف بمثل هذا الوقت وفي تلك المنطقة فوقف عاجزًا حائرًا لا يدري ماذا يفعل! أيعرض عليها أن يوصلها أم ماذا! اقترب منها ببطء حتى وقف خلفها.
وقال بهمس: _آنـسـة غـصـون.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!