ظل كريم يقرأ هذه الأوراق الخاصة بأدهم حتى توقف عن القراءة وجحظت عيناه، وفي ذهول تام ودهشة نظر أمامه. كريم: إزاي دا؟ مش ممكن! أكيد في حاجة غلط! طب أعمل إيه دلوقت؟ وظل يحادث نفسه: أعمل إيه؟ أعيد التحاليل تاني؟ بس إزاي؟ أدهم عمره ما هيعيد التحاليل دي تاني، دا وافق بس علشان ما أزعلش. يا رب حِلها من عندك. وظل يفكر ويفكر ولكنه لم يصل إلى حل يريح باله.
وبعد يوم عمل شاق عاد كل منهما إلى المنزل وهما في حالة إرهاق شديد، ثم صعد كل منهما إلى غرفته الخاصة. عند أدهم، أخذ حمامًا باردًا وذهب في سبات عميق. أما كريم، فأخذ حمامًا باردًا لعله يطفئ ناره، ولكنه لم يفعل شيئًا، وجفاه النوم، وظل مستيقظًا طوال الليل يفكر ماذا يفعل.
وحل الصباح عليه وهو كما كان منذ الليل يفكر في أمر أدهم ويفكر كيف يقوم بإقناعه بإعادة التحاليل، ولكن لم يجد طريقة لإقناعه، وبعد تفكير كثير توصل إلى فعل شيء لم يحمد على عقباه فيما بعد، ولكن لم يوجد لديه أي بديل لفعل ذلك. ثم قام بتبديل ملابسه والهبوط لأسفل لتناول طعام الإفطار بصحبة أدهم. فهبط كريم وعلى معالم وجهه الإرهاق الشديد، وكان في انتظاره. أدهم: مالك يا عم عامل كده ليه؟ شكلك مش مظبوط. كريم: مفيش حاجة.
أدهم: مفيش حاجة إزاي؟ أنت مش شايف نفسك. كريم: متشغلش بالك أنت، هو بس ضغط شغل. أدهم: ربنا يعينك. كريم: يا رب. صحيح يا أدهم، بقولك عايزك تعدي عليا النهاردة في المستشفى، فيه شوية أوراق عايزة إمضتك. أدهم: إن شاء الله هعدي عليك النهاردة بعد الشغل. كريم: إن شاء الله. يلا سلام، علشان عندي شغل كتير. أدهم: ماشي وأنا كمان قايم معاك. وذهب كل منهما إلى عمله.
في المستشفى عند كريم، في داخل مكتبه ظل جالسًا يرتب للأمر الذي سيفعله لإعادة التحاليل إلى أدهم. وبعد مرور الوقت، ذهب إليه أدهم وطرق باب المكتب ودخل دون استئذان كما يفعل دائمًا وجلس أمامه. أدهم: ها يا عم فين الأوراق اللي عايزة تتمضي؟ كريم: مالك داخل مستعجل ليه؟ أدهم: تعبان يا عم وعايز أروح أرتاح. كريم: ماشي، بس تشرب إيه الأول؟ أدهم: أشرب؟ أشرب إيه يا عم؟ وبعدين من إمتى وأنت بتعزمني على حاجة في مكتبك يا معفن؟
توتر كريم قليلًا لأنه بالفعل لم يقم باستضافة ويقوم الآخر بطلب ما يريد بنفسه عبر الهاتف. كريم: أنا معفن ماشي. قولت مرة أعزمك فيها، أنا غلطان. أدهم: مش عايز حاجة يا عم. يلا هات الأوراق. كريم: يا عم أنا ريقي ناشف مشربتش حاجة من الصبح وقولت أجيبلك معايا. أدهم: قول كده بقى علشان أنت أساسًا عايز تشرب، وأنا اللي كنت ابتديت أشك في الأمر، ما هي مش عوايدك. ماشي يا سيدي هات لمون.
رفع كريم هاتفه، وكان أحد الممرضين الذين يثق فيهم كريم ينتظره في غرفة إعداد المشروبات، وحين جاء الاتصال على رقمه الخاص، ذهب لإحضار ما أمره به من قبل. طرقات على باب المكتب. مريم: ادخل. دخل هذا الممرض وهو يحمل كوبًا من عصير البرتقال وآخر من الليمون وقدمه إليهم. لاحظ أدهم أن هذا ليس عامل البوفيه. أدهم: أمال فين عم سعيد ولا أشرف؟ نظر الممرض لكريم وتوتر كريم قليلًا.
كريم: عم سعيد تعبان وتلاقي أشرف بيودي طلب لحد ودا بيساعده النهاردة. الممرض: أيوه فعلًا. تؤمروا بحاجة تاني؟ كريم: شكرًا روح أنت. اشرب يا عم يلا خلينا نشوف اللي ورانا. شرب أدهم عصير الليمون، وبعد قليل ذهب في سبات عميق بفعل المنوم الذي وضعه هذا الممرض في العصير بأمر من دكتور كريم.
وأمسك كريم الهاتف وطلب إحضار سرير نقال إلى غرفة مكتبه، وقاموا بحمل أدهم والذهاب به إلى غرفة التحاليل والأشعة، وقام بإجراء كافة التحاليل والأشعات المطلوبة للاطمئنان على صحة صديقه، وقام بالإشراف على كل هذا بنفسه حتى لا توجد أخطاء وإعادة التحاليل مرة أخرى.
وبعد أن فاق أدهم علم كل شيء ما عدا الذي اطلع عليه كريم في التحاليل السابقة معلنًا أنه قد تم استبدال التحاليل بأشخاص آخرين، فقاموا بإعادة التحاليل مرة أخرى لجميع من كانوا بهذا اليوم. غضب أدهم كثيرًا وأخذ يثور عليهم لفعل شيء هكذا بدون إرادته، وذهب من المستشفى وقاطع كريم لمدة ما يقرب الشهرين وعاد إلى دمياط مرة أخرى، فهو من الأساس من هذه البلدة وباشر عمله من هناك، وإن استدعى الأمر يذهب إلى القاهرة ويعود في نفس اليوم.
ولم يتواصل مع كريم طوال هذه المدة ولا يجيب على اتصالاته. إلا في هذا اليوم الذي كان يوجد به بالقاهرة وعلم بوفاة أحد أصدقائه والذي كان هو الآخر صديق كريم، وذهب كل منهما لحضور مراسم الدفن والعزاء وتقابلا سويًا، وبعد تأدية واجب العزاء رحلا معًا، وبعد الابتعاد بقليل عن العزاء.
نظروا إلى بعضهما قليلًا من الوقت، فأدهم قد افتقده كثيرًا وهذه المرة الأولى في عمر كليهما أن يتخاصما. أما عن كريم، فهو كان قد افتقده هو الآخر بقوة، ولكن ما ينغص عليه حياته بماذا يخبره بأمر التحاليل الخاصة به؟ هل يخبئ الأمر لعدم الابتعاد مرة أخرى أم يبوح بما يجيش في صدره؟ لا يعلم ماذا عليه فعله. وبعد وقت ارتمى كلاهما في حضن الآخر وظلا لبعض ثوان وهما في أحضان بعض لا يتحدث أحد.
وبعد وقت أبعدوا ونظروا لبعض وابتسموا في حب شديد لصداقتهم هذه. ثم ذهبوا لتناول الطعام معًا، وهاتف أدهم زوجته بأنه عليه المبيت لعدد من الأيام في القاهرة لوجود بعض المشاكل في العمل، وانقضى اليوم بينهم. أما في اليوم التالي، فهو كان يوم إجازة اتفقا على ألا يذهبا إلى مكان وجلسوا معًا بالمنزل، وبعد وقت حاول كريم كثيرًا فتح المحادثة بخصوص التحاليل وفي الآخر. كريم: عايز أكلمك في حاجة. أدهم: خير في إيه؟ كريم: بخصوص التحاليل.
تهجم وجه أدهم قليلًا لأنه يريد مقاطعة كريم مرة أخرى، فضغط على أعصابه بشدة ليتمسك قليلًا للاستماع إليه، وبعد ذلك إنهاء هذا الحوار. أدهم: خير؟ تحدث كريم بما يجيش في صدره بدون تجميل الصورة فالموضوع لا يتحمل ولا وقت للتجميل، وبعد الانتهاء. جحظت عين أدهم بشدة وقام بإمساكه من ياقة قميصه. أدهم: أنت بتقول إيه؟ أنت واعي للي بتقوله دا؟ كريم: أهدى يا أدهم بالراحة. أدهم: بالراحة إيه وزفت إيه؟
ثم نفض ياقة قميص كريم من يده وجلس على المقعد بإهمال وهو لا يصدق ما استمع إليه.
ثم صعد إلى الأعلى في سرعة وقام بتبديل ملابسه وأخذ متعلقاته وذهب دون إلقاء أي نظرة لمن هو في مكانه لعلمه أن الأمر قد فاق تحمل صديقه، وصعد الآخر إلى سيارته وقادها بسرعة كبيرة وهو يتذكر كل كلمة ألقاها بها صديقه إليه، فهو يكاد يجن كيف ولماذا، واغرورقت عينه بالدموع وظلت تهبط دون وعي منه، وأصبحت الرؤية أمامه مشوشة وفجأة ظهر أمامه سيارة كبيرة حاول تفاديها ولكن قد فات الأوان، فانقلبت السيارة به عدة مرات ثم توقفت، وتجمعت
المارة عليه وحاول بعض المارة إخراجه من السيارة والبعض الآخر قاموا بالاتصال بالإسعاف وجاءت الإسعاف وحملته هو وقائد السيارة الآخر وذهب إلى المستشفى، ولحسن حظه أن المستشفى القريب هي المستشفى الخاص به هو وصديقه، وبعد وصوله إلى هناك رآه بعض العاملين وتعرفوا عليه وقاموا بالاتصال بمدير المستشفى الذي أتى على الفور وكان مازال داخل غرفة العمليات.
وقام هو بالاتصال على والد زوجة أدهم وفي نفس الوقت فهو عم أدهم. كريم: السلام عليكم. عم أدهم: وعليكم السلام. مين معايا؟ كريم: أنا كريم جوهر يا عم فؤاد. فؤاد: أيوه إزيك يا بني أنت عامل إيه؟ كريم: مش وقت الكلام دا يا عمي. فؤاد: في إيه يا كريم يا بني وصوتك قلقني مالك في إيه؟ كريم: أدهم يا عمي عمل حادثة وهو دلوقت في العمليات، بلغ مراته وأخته إحنا في المستشفى بتاعتنا. فؤاد وقد ظهر على صوته الفرح الشديد وحاول مداراته.
فؤاد: مات؟ كريم: فال الله ولا فالك. إن شاء الله هيبقي كويس. فؤاد: متأخذنيش يا بني أنا من الخوف عليه مش قادر أتلم على أعصابي. كريم: محصلش حاجة متر أَقفل دلوقت. وأغلق الهاتف دون انتظار رد الآخر لأنه لا يحب هذا الرجل على الإطلاق. فؤاد الشاذلي يبلغ من العمر ٥٥ سنة وهو عم أدهم، ولكن قلبه مليء بالسواد، ليس لديه غير ابنة واحدة وهي زوجة أدهم. ظل كريم واقفًا على باب غرفة العمليات وهو يدعو الله أن يشفي صديقه.
وعلى الجانب الآخر دخل الأب غرفة ابنته وكانت تتحدث في الهاتف. فؤاد: اقفلي يا بت الخروب دا كده واتعدليلي. هي: في إيه يا با في حد يخش على حد كده افرض يعني بغير هدومي ولا حاجة. فؤاد: ودا وقته يا بنت الكلب؟ اسمعيني جوزك عمل حادثة. جحظت عيناها بشدة من هول ما سمعت. هي: إيه؟ حادثة؟ حادثة إيه وإمتى؟ فؤاد: اتعدليلي يا أختي وأنا أقولك. هي: قول يا با.
فؤاد: كريم شريكه لسه مبلغني حالًا وهو دلوقت في المستشفى. قومي يلا بسرعة البسي ولبسي العيال علشان ننزل القاهرة حالًا. هي: ................... فؤاد: في إيه يا بت مالك ساكتة ليه؟ أوعي تكوني زعلانة عليه. هي: وإيه يعني يا با لما أزعل عليه؟ مش جوزي وأبو ولادي وابن عمي كمان. فؤاد: وحياة أمك عليا أنا الكلام دا. هي: خلاص يا با عايز إيه دلوقت؟ هي: عايزك تلبسي بسرعة علشان نروحله وأنا هروح أبلغ أخته هي كمان باللي حصل.
هي: حاضر يا با. فؤاد: بت عايزك كده مركزة وعينك في وسط راسك وتعرفي كل حاجة عن مال جوزك علشان لما يموت نعمل إعلان الوفاة على طول سامعة. استمعت هي إلى حديث والدها وسرحت فيه قليلًا وعلى وجهها علامات السعادة وهي تتخيل امتلاكها لكل شيء، ثم فاقت على نداء والدها لها. فؤاد: بت أنت يا بت. بت يا صبرين أنت يا بنت المركوب. صبرين: إيه في إيه يا با بتزعق ليه؟ فؤاد: روحتي فين يا أختي؟ يلا اتشَهْلي.
وخرج من الغرفة وتركها هي تقوم بتبديل ملابسها هي وأولادها.
وذهب هو في اتجاه غرفة نرمين شقيقة أدهم، فإنهم كانوا يمكثون جميعًا في منزل واحد وهو منزل جد أدهم، وله فيه النصف هو وشقيقه بعد موت والده وعمه، النصف الآخر الذي هو الآخر ملكًا لهم بعد شراء والد أدهم من أخيه الأصغر حقه في المنزل بعد أن عرضه الآخر عليه لعمل مشروع له ولابنته، ولكنه أخذ المال وظل يبعثر فيه في اليسار واليمين، وبعد ذلك ذهب لأخيه وظل يبكي على أمواله وخسارتها في المشروع الوهمي هذا.
أخذ يطرق باب غرفتها حتى قامت نرمين بفتح الباب. نرمين: أيوه يا عمي في حاجة؟ بعد أن رسم الحزن على وجهه ببراعة. فؤاد: امسكي نفسك يا بنتي، عندي ليكي خبر وحش. بعد أن وقع قلبها في قدمها. نرمين: في إيه يا عمي وقعت قلبي. فؤاد: أدهم أخوكي. جحظت عينها بشدة. نرمين: أدهم؟ ماله أدهم؟ ما تتكلم على طول يا عمي. فؤاد: أدهم عمل حادثة وفي المستشفى.
خرجت صرخة هزت أركان المنزل وهي تنادي عليه، وظلت تبكي بحرقة فهذا من تبقى لديها بعد رحيل والدها ووالدتها. فؤاد: اهدي يا بنتي وروحي البسي هدومك علشان هننزل القاهرة دلوقت. ذهبت بعقل مشتت لتبديل ملابسها، وبعد انتهاء الجميع صعدوا إلى السيارة ومعهم سائق وذهبوا إلى القاهرة. بااااااااااااااااااك فاق أدهم من شروده على رنين هاتفه ولم تكن غير شقيقته. أدهم: حبيبة قلبي. نرمين: كل بعقلي حلاوة... حبيبتك... بإمارة إيه؟
أدهم: وأنتي عايزة إمارة؟ أنا كدا أزعل. نرمين: والنبي مين له حق يزعل أنا ولا أنت... مفيش مرة تفكر أنت وتتصل عليا. أدهم: أنت عارف الشغل وقرفه، والله غصب عني. نرمين: ربنا يعينك يا حبيبي. أدهم: يا رب... المهم قوليلي أنتي عاملة إيه؟ نرمين: أنا تمام الحمد لله. أدهم: يا رب دايماً و... وقبل أن يتحدث. نرمين: معلشي يا حبيبي معايا ويتنج هرد عليه وأرجع أكلمك تاني. أدهم: ماشي يا حبيبتي. نرمين: سلام. أدهم: سلام.
وبعد أن أغلق الهاتف صعد إلى غرفته واستلقى على السرير وذهب في سبات عميق. ................................. عاد كريم إلى منزله وبعد تناول الطعام في الخارج صعد إلى غرفته وأخذ حماماً دافئاً وألقى بنفسه على السرير وأخذ يفكر في حياته. إلى متى سيظل هكذا؟ إلى متى سيظل وحيداً؟ إلى متى سيظل بدون عائلة؟ إلى متى سيظل بدون زوجة؟ إلى متى سيظل يفكر بها؟ لقد مرّ به العمر وهو لا يفكر في امرأة غيرها.
وهي التي لم تفكر به في يوم من الأيام بشكل آخر غير الأخوة والصداقة لا غير ذلك. وبعد وقت قد طال في التفكير بها دعا ربه كثيراً أن يريح قلبه ويهديه إلى الخير. وإن كان له نصيب معها فتكون له، وإن لم يكن له نصيب بها لا يعلق قلبه أكثر من ذلك بها. فهو ظل يحبها كثيراً ولا يبوح لأحد من هي. هي التي عشقها منذ الصغر ولم تبادله مشاعره لذا احتفظ بمشاعره داخله. وأثناء تفكيره بها تصاعد رنين هاتفه باسمه،
نظر في الهاتف بدهشة: هل هي فعلاً هي التي تقوم بالاتصال به؟ قام بالرد على الفور. كريم: السلام عليكم... مش معقول...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!