اسمي بسمة. ترتيبي الثانية بعد أخي أحمد. عشت طفولة حزينة وقاسية بسبب مشاكل العائلة التي لم تكن تنتهي. أبي وأمي تزوجا في سن صغيرة. كان أبي لا يزال لم يتجاوز التاسعة عشرة، وأمي في السادسة عشرة. أبي كان وحيد أهله، ورزقوا بعد طول انتظار ببنت، وهي عمتي سعاد. لذلك كانت مدللة جداً وطائشة، لا أحد يستطيع أن يلمها، حتى والداها لم يكونا يستطيعان قول "لا" لها في أي شيء.
أبي كان يحب فتاة أخرى، لكن أهله رفضوا أن يزوجوه إياها، لأنهم كانوا يعرفون ويتأكدون أن عمتي ستطفشها من البيت. وقرروا أن يزوجوه بنت عمته، وهي أمي. كانت عاقلة ورزينة رغم صغر سنها، وكان واضحاً أنها ستقدر على تحمل مسؤولية بيت وعائلة مثل عائلة أبي. كل العائلة كانت تفكر هكذا، غير عالمين أن لكل واحد طاقة تحمل معينة.
أبي في البداية لم يعتبرها زوجة أبداً. كان لا يطيق رؤيتها، ونادراً ما كان يقضي وقته في البيت. كان وقته كله إما في العمل أو بالخارج مع أصدقائه، مقضيها خروجات وصيد، وسايب أمي وحدها تواجه مشاكل عمتي وجدتي. كانوا يهينونها ويشتمونها، وأحياناً كانوا يضربونها. كانت عمتي تكذب عليها وتفتري عليها في كل صغيرة وكبيرة، وجدتي كانت تصدقها بالطبع. كانت أمي ترى منهم كل أنواع الظلم، رغم أنها لم تكن مقصرة في شيء في شغل البيت، ولا معنا، ولا معهم. لكن عمتي كانت تغار منها وتحاول إيذاءها بأي طريقة. والمشكل أن جدتي دائماً كانت ترى أن ابنتها على حق، ونحن المخطئون.
أنجبت أمي أول ولد، وهو أحمد أخي. وكان الكل فرحانين به، ويدللونه جداً، وكان نسخة طبق الأصل عن أبي. بعده بسنة ولدت أنا. كان يوم ولادتي كأنه يوم جنازة. تحكي لي أمي وتقول: "يوم ما اتولدتي، أنا الوحيدة التي كنت فرحانة بأنه جاءت لي بنت توسعني وتشيل معي الهم. الكل كان يتحسر ويتذمر، حتى أبي". قال: "يالا معليش بقى، المهم عندك أحمد ما يزعل، مسيرها تجيب له أخوه".
بعد أن أنجبت أمي، زادت مشاكلها مع جدتي وعمتي، وزادت مضايقاتهم لها، خصوصاً بعد أن أنجبت بنتاً
ثانية: دلال. كانت أمي تشتكي لأبي وطوال الوقت تبكي، لأنها فعلاً استحملت منهم كثيراً ولم تعد قادرة على التحمل، خصوصاً أنه لم يكن ينصفها أبداً، وهي أصلاً لم تتجاوز العشرين سنة. كان أبي عصبي جداً ولم يكن يعرف كيف يتصرف. أحياناً كان يرى بعينه ظلم أمه وأخته لها، ولم يكن يقدر أن يفعل شيئاً، لأنه كان خائفاً أن يزعل أمه منه، التي كانت دائماً تهدده بأنها ستغضب عليه.
الوحيد الذي كان يطمئننا أنا وأمي هو جدي، الذي هو خال أمي. لكنه كان ضعيف الشخصية. جدتي كانت مسيطرة عليه، ولم يكن يجرؤ أن يرد عليها. كل ما كان يقدر أن يفعله هو أن يغافلها ويأتي ليطمئن أمي ويقول لها: "استحملي عشان خاطري، مسيرها تتغير وتحبك لما تتأكد قد إيه أنتِ طيبة."
أما أبي، فمن كثرة الخناقات والمشاكل وشكاوى أمي التي لا تنتهي أبداً، كان يفرغ كل شحنة الغضب فيّ وفي أخي. كانت جدتي تدافع عن أخي ولا تدعه يضربه، لكن كنت أنا أتحمل كل الإهانات والضرب. وعلى عكس أخي، كانت جدتي وعمتي تستمتعان كثيراً وهو يضربني، رغم صغر سني. كان يضربني لأتفه سبب، وأحياناً بدون سبب حتى. من كثرة ما كان متعصباً، كان أحياناً يمر بجانبي فيجدني جالسة، فيقوم
يخبطني قلمين ويقول لي: "غوري من وشي أنتِ كمان، وأنتِ شبهها" -يقصد أمي. ما هو أصلاً لم يكن يحبها، ولم يعرف أن يحبها، خصوصاً أنها كانت تشتكي طول الوقت. مرت الأيام، وعصبية أبي كانت تزيد، ولهذا كانت أمي تخبئنا من وجهه. كل ما كنت أتذكره هو: "اجري استخبي، باباكي زمانه جاي. يالا بسرعة اقفلي على نفسك، باباكي وصل!
" لدرجة أني كنت أترعب عندما أسمع صوته، حتى وأنا مستخبية داخل القبو. أما أحمد، فكان يخرج عندما يقرب أبي من الرجوع من الشغل. كان طوال وقته عند جماعة أقارب لنا من بعيد، لكنهم ساكنون قريب منا.
الغريب في الأمر أنه لم يكن يسأل عنا أصلاً، حتى لو لم يرنا لمدة أسبوع، كأنه ناسي أنه عنده أولاد. حتى أن أمي حكت لي مرة حادثة، كان عمري وقتها أقل من سنة. أكلت من علبة تبغ كان حاططها جدي وناسيها. فقدت الوعي لمدة ثلاثة أيام. وجدتي هددتها لو قالت له، ستجعله يطلقها بسبب إهمالها. وأمي، من خوفها منه وسذاجتها، فضلت تخبئني وترضعني بالسر، وسايباني عند جدتي، حتى لا يكتشف ما حصل.
كانت جدتي تقول لها: "بلاش نجيب له سيرة، وهو لو حصل وماتت، نبقى نقوله: ارتفعت حرارتها فجأة ومش عارفين مالها." بس في اليوم الرابع، فقت من الغيبوبة، وأبي ولا شاكك في حاجة، ومحدش جاب له سيرة بالموضوع ده.
المهم، نرجع بقى لدلال. كانت دلال قربت على السنتين، وأصبحت بهجة البيت. كانت تشبه أبي، بيضاء جداً وشعرها أشقر. وكلما كانت تكبر، كانت تأسر الكل بحيويتها وجمالها. كانت تتكلم كثيراً وترغي مع الناس كلها، حتى الجيران كانوا يحبونها. عكسي أنا، لم يكن يُسمع لي صوت بسبب كل المشاكل النفسية والرعب الذي كنت أعيشه من كثرة الضرب. بدأت علاقة أمي وأبي تتحسن، وكانت دلال تملأ عليهم البيت. لكن حصل الذي رجع كل شيء للاسوأ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!