جلسوا الفتيات على مائدة الغداء يتناولون طعامهم، كانت مديحة تشعر بسعادة لوجودهم معاها، فكم سئمت الوحدة الإجبارية التي كانت تحياها، فبعد مغادرة ابنها الوحيد وتركها خلفه ولم يعد يحادثها إلا نادرًا، ولكن بوجود مريم ووتين شعرت بأنها لم تعد كذلك. نهضت مريم وهي تقول: -هموت وأنام. أجابتها مديحة: -بعد الشر، ادخلوا ارتاحوا وراكم مشاوير كتير بكرة إن شاء الله تلاقوا شغل على طول.
نهضت الفتاتين ودلفوا إلى غرفتهم بعدما انتهوا من الطعام واغتسالهم، فور عبورهم الباب ركضت مريم إلى الفراش وهي تقذف بجسدها عليه وهي تتنهد براحة، اقتربت منها وتين بهدوء وهي تجاورها في الفراش. قالت مريم وهي تنظر للسقف: -تفتكري بكرة هنلاقي شغل؟ صمتت وتين وهي ما زالت تنظر لأعلى ولم تجبها سوى بنظرة لها بأمل وابتسامة صغيرة، عادت الفتاتين إلى النظر لأعلى حتى غفت مريم بعدما أغلقت الإضاءة فكسى الظلام الغرفة،
حاولت وتين النوم ولكن دون فائدة، فرأسها لا يكف عن التفكير بالغد، نهضت بهدوء وهي تتوجه إلى الشرفة وقامت بفتحها، استقبلتها نسائم البحر المنعشة، أغمضت عينيها وهي تبتهل لله بأن يكون غدًا أفضل من اليوم، نظرت إلى الأمواج المتراطمة في الأحجار حتى شعرت بأن النوم يناديها فأغلقت النافذة وعادت للتسطح للنوم وهذه المرة غفت بسهولة. كان النشاط يملأ المنزل، فمنذ استيقاظهم وهم متحمسون بشدة. قالت مديحة:
-أفطروا الأول أنا جهزت الأكل، تعالوا قبل ما تنزلوا. اقتربت الفتيات من طاولة الطعام وبدأوا بالأكل، نظرت مريم في ساعة يدها وهي تترك الطعام: -يلا بسرعة عشان نلحق قبل الزحمة، تسلم إيدك يا دوحة على الأكل. قالت وتين: -يلا، سلام يا دوحة، ادعيلنا. ظلت مديحة تراقب الفتيات وهم يغادرون المنزل وفي داخلها ظلت تدعي لهم. وقفت وتين ومريم تنظران لهذا المبنى التجاري الضخم، صاحت وتين فجأة قائلة بصوت مرتفع:
-يلا ندخل ونكسب الشغل مش هنمشي غير شغلين هنا. فزع البعض من الذين يمرون من جوارهم، ولكنهم لم يبالوا بهم، دلفوا للداخل وتقدموا للمدير الذي سيعينهم بالمول، وبعد حديثهم أخبرهم بأن مريم ستعمل كمحاسبة كاشير، أما وتين ستعمل في قسم لعب الأطفال، وذلك لوجهها الطفولي كما أخبرها، خرجتا الاثنتان وتين بوجه متجهم ومريم بسعادة. قالت الأخيرة: -أنا عوزة أفهم فيها إيه لما تشتغلي في قسم الأطفال، دول حتى لطاف. تهجم وجه وتين وهي تقول:
-بتخنق منهم، مش بحبهم، دول تتفرجي عليهم من بعيد وتعملي ليهم باي باي، مش تتعاملي معاهم. طمأنتها مريم وهي تقول: -اطمني متأكدة إنك هتعرفي تتعاملي معاهم، دي بس شوية لحد ما يشتروا اللي هيشتروه، مانتيش هتأكليهيم وتغيرلهم البامبرز، ها اجمدي كده وافرحي إننا خدنا الشغل. أومأت وتين برأسها، وغادرت كل منهما إلى القسم الخاص بها، وجدت وتين أنها يجب أن ترتدي زي مخصص لقسم الأطفال،
لذلك ذهبت لارتداء ملابس العمل والذهاب لبدء يوم عمل جديد. استدعت ملك السائق للاستعداد للذهاب للتسوق، وبالفعل ما كانت سوى دقائق وكانت السيارة تتحرك بهم للذهاب، صاح سيف بحماس فقالت ملك بتحذير: -زي ما اتفقنا هنروح نعمل شوبينج، وبعدين هتيجي البنات اللي هختار منهم مرافقة ليك، مش عوزة شقاوة منك. قال سيف وهو يغمز بعينيه: -عيب يا لوكا خالي عندك ثقة فيا، كله هيكون تمام. تنهدت وهي تنظر للخارج قائلة:
-مش مطمنة ليك يا بتاع الثقة إنت. لم تصل كلماتها إلى سيف الذي كان يخطط لشيء آخر تمامًا، وصلت السيارة فترجلت ملك وسيف ودلفوا داخل المول، ركض سيف كعادته نحو قسم الأطفال وتركته ملك لأن المكان آمن ولن يستطيع الخروج وهناك عاملين مسؤولين عن ذلك، اقترب سيف من القسم، وذهب نحو الألعاب التي يرغب، قام بسحب عربة وهو ينظر بتمعن نحو الألعاب. عند وتين ظلت تنظر نحو الأطفال الذين يختارون ألعابهم، لاحظت وجود طفلة تنظر أمامها دون تحرك،
ظلت تراقبها وعندما لاحظت توقفها تحركت اتجاهها باستسلام وهي تتنهد بيأس، نظرت لما تنظر له تلك الصغيرة، ثم رمقتها بعينيها، قالت بهدوء: -أظن دي أحلى. نظرت لها الصغيرة بفضول فـضغطت على شفتيها ثم قالت: -دي فيها مميزات أكتر وشكلها أحلى، عشان كده لو محتارة دي أفضل. قالت الصغيرة بلطافة: -بس سوزي عندها واحدة شبهها. عقدت وتين حاجبيها باستفهام فأردفت الصغيرة: -أنا لو جبت زيها هتفكرني بقلدها. أومأت وتين بتفهم،
ونزلت لمستواها قائلة: -أظن هيكون أفضل لو تفكري إنتي عوزة إيه مش سوزي هتقول إيه، اختاري اللي تحبيه. نظرت الصغيرة لأسفل تفكر بما قيل، ثم سرعان ما رفعت رأسها بحماس قائلة: -أنا هخدها. نهضت وتين وهي تحضرها لها فأخذتها الصغيرة وهي تبتعد عنها، قالت وتين بخفوت: -الموضوع طلع سهل. ثم ذهبت للبحث عن طفل آخر لتقوم بمساعدته. كان سيف يبحث عن ألعاب الذكاء، ولكنه شعر بالحيرة من الاثنين الذين أمامه،
فكانت مستويات الذكاء عالية باللعبتين، ووقف يشعر بالحيرة يشتري أيهما، عندها شعر باقتراب امرأة وتنظر له نظرات بلهاء من وجهة نظرها. اقتربت وتين من ذلك الطفل الذي يجر عربة الألعاب الصغيرة، كان يقف مثل تلك الفتاة الصغيرة، نظرت له بحماس فهي ستساعده كالفتاة السابقة، فهي لاحظت أن الأطفال يبدون مترددين عند شراء الألعاب، تمعنت فيه عندما وجدت تلك الحيرة ترتسم على وجهه، وعندما نظرت إلى ما ينظر،
لاحظت أن تلك المستويات التي ينظر لها شديدة الصعوبة لمن في سنه، لذلك قامت بإحضار مستوى يليق به، ولكن نظر لما في يدها بشيءء وهو يحضر الاثنين الذي كان ينظر لهم ووضعهم في العربة، وقال بتجاهل: -غبية. شهقت وتين وأوقعت اللعبة من يدها، ثم تحركت خلفه وهي تقول باستفهام: -استنى هنا أنت قولت إيه؟! وقف فجأة فكادت تقع فوقه فهو قصير بالطبع مثل أي طفل في سنه، التفت لها بجمود وهو يقول: -غبية. صاحت وتين بوجهه ونسي أنها في مكان
عملها وتحادث طفل صغير: -مين دي اللي غبية؟ ، قصدك على اللعبة صح؟ نظر سيف لأعلى بتكبر وهو يقول دون خوف: -إنتي، اللعبة هتكون غبية إزاي يعني هي عندها عقل، بس هقول إيه معزورة استيعابك بطيء ودا باسم تاني اسمه غباء. التفت سيف ليغادر بهدوء وكأنه لم يفجر جبهتها منذ قليل، تارك خلفه وتين تنظر أمامها بذهول، تمتمت بصدمة: -دا راجل قصير صح؟! أفاقت على ابتعاده فصاحت بغضب أعمى: -تعالى هنا بقولك. نظر سيف خلفه، ليجفل من ركضها اتجاهه،
فترك العربة وركض للاختباء من هجومها، دخل لمنزل من الألعاب المطاطية، رأت وتين قدمه قبل أن تختفي بالدال، فابتسمت بخبث وهي تقترب منه تنوي الانتقام منه، تحركت خلفه، وبالفعل دخلت تلك اللعبة ولكنه بحركة واحدة قام باستخدام ألة حادة، وقام بتمزيق المنزل، لتحتجز بداخله عندما انهدم المنزل وهي بداخله كادت تختنق عندما بدأ الهواء يقل بداخله ولكنها وصلت للمخرج بصعوبة، فأخرجت رأسها وجسدها ما زال بالداخل،
أغمضت عينيها وضغطت على شفتيها بغيظ، عندما رأته يقف أمامها بانتصار، وارتفعت شفتيه في ابتسامة متغطرسة، نظرت له بدهشة وهي تحاول التذكر أين رأت ذلك الطفل أو الراجل القصير من قبل، فتلك التصرفات ليست لطفل بتأكيد، تمتمت: -والله ما هسيبك. تحركت بعصبية تبعد عنها ما يعيقها، وبالفعل خرجت، نظر سيف حوله عن مكان يختبئ به، وبالفعل وجد إحدى الألعاب على شكل إسطوانة ضخمة، فقز بداخلها وهو يضم قدمه نحو صدره، ظلت وتين تبحث عنه،
وجدت ذلك المنديل الذي كان يضعه في ملابسه يقع بجوار إحدى الألعاب، اقتربت منه بخبث وهي تحضر شيء آخر لوضعه عليه فنحجزه كما فعلت سابقًا، صاح سيف بغضب وهو يضرب ما حوله، قالت وتين بغباء: -بتقول إيه مش شايفاك. صاح سيف من الداخل: -الكلام بيتسمع مش بيتشاف يا غبية. تهجم وجه وتين وزالت ابتسامتها بحرج، قالت بغيظ منه: -خالي عقلك يخرجك بقى. في تلك الأثناء انتهت ملك من تسوقها وذهبت للبحث عن سيف، ولكنها وجدت صوت سيف يصيح،
أسرعت اتجاهه، فور أن رأت وتين ملك قادمة قامت بإزاحة ما وضعته ووقفت بجوار سيف الذي ما زال بداخل. قالت ملك: -يلا سيف عشان نمشي كفاية لعب. خرج سيف بشعر وملابس غير مرتبة وينظر لو تين بغضب، قام بالخروج ونظر لو تين بغيظ، وقال لها بهمس: -اللعبة لسه مخلصتش. ثم تحرك مع ملك، ولكن قبل أن يخطوا بعيدًا، وقف فجأة فظهر الخبث في عينيه، فقال بدهاء: -مش كنتي عوزة مرافقة ليا، أنا خلاص اخترت واحدة وصدقيني مش هطفشها. نظرت
ملك له بعدم تصديق وقالت: -وأنا المفروض أصدق، وبعدين البنات هتيجي خلاص عشان أختار منهم. ضم سيف ذراعيه ناحية صدره وهو يقول: -أنا خلاص قررت مش عاوز مرافقة غير دي. ثم أشار بإصبعه ناحية وتين، التي شعرت بالخوف وهي تراه يشير اتجاهها ظنت أنه أخبرها بما حدث، وما جعل دقاتها تتزايد هو اقتراب ملك وهي تنظر لها بتجهم، ولكن فجأة ابتسمت ملك وهي تقول: -تحبي تشتغلي معايا، هديكي اللي عوزاه. نظرت وتين اتجاه سيف الذي ينظر لها بانتصار،
فجعلها تتأكد أن هناك شيء ما، لذلك قالت بتردد: -أنا بشتغل هنا، بس شغل إيه ده؟ -هتكوني مرافقة لسيف. تهجم وجه وتين وهي تنظر لذلك الصغير، لاحظت ملك ما حدث فأسرعت بالقول: -8 آلاف. فتحت وتين فمها، ثم حاولت الحديث ولكن أردفت ملك سريعًا: -عشرة، أرجوكي سيف حبك أوي وعوزك تكوني مرافقة ليه، صدقيني هترتاحي جدًا، وأنا بنفسي هكلم صاحب المول لو مرتاحتش ترجعي تشتغلي هنا تاني. صمتت وتين فجأة،
كانت ترغب بالرفض فهي لا تطيق التعامل مع الأطفال، وذلك سيف، جعلها تتأكد من خيارها، ولكن المبلغ المالي ضخم ولن تحصل على مثله في مكان آخر، ولكن أي مرافقة تلك التي تحصل على ذلك المبلغ فقط لأنها تجالس طفل، أومأت وتين برأسها، فأخرجت ملك كارت به أرقامها وعنوان الفيلا الخاصة بهم، وقالت: -هستناكي بكرة الصبح نتفق على كل حاجة، قدامك النهاردة تظبطي أمورك. ثم أخذت سيف وتغادر، وقبل أن يختفوا أمام أنظارها،
التفت سيف برأسه وهو يشير لها بإصبعه على عينيه. وهنا ابتلعت ريقها بخوف، وقالت: -طبعًا لازم عشرة، دا المفروض بالمنظر دا أخد مليون، دا سفاح. نفضت أفكارها وهي تتمتم: -يعني حته عيل زي دا يخوفني، ولا هوا، ميهزنيش، بقى هو بيتحداني أنا بقى اللي هربيك، يا غبية، أنا وإنت والعمر طويل. نظرت حولها بتوجس فالمكان حولها تم تدميره بسببه، عقدت حاجبيها وهي تقول بهمس: -بس أنا متأكدة إني شفته قبل كده بس فين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!