في مكان آخر مختلف من حيث البساطة، صوت قهقه عالية يملئ المكان وصوت ناعم يقول: -كل دا حصل معاكي، زي الأفلام، بس حاسة بالأسف على الرجل، كان مستني شكر وامتنان ولكن اتصدم من لسانك الطويل. أجابتها "وتين" بإمتعاض وعدم تصديق: -أنتي شمتانة فيا؟ لا وكمان حاسة بالأسف عليه هو، دا إنسان همجي ومفيش عنده ذرة احترام، ومغرور ومتكبر. قالت مريم بلا مبالاة:
-انتي عارفة بأني حقانية وصريحة، ومش عشان انتي صحبتي هقف معاكي وأنا شايفة إني بتغلطي، هو معملش حاجة غلط، وبعدين إحنا عارفين إنك معقدة يا قلبي، وهو ذنبه إيه، أقل حاجة كنتي تشكريه كانت هتكون كفاية. ثم ضحكت مرة أخرى. نهضت وتين من على الفراش وهي تقول بغضب: -انتي عارفة؟ انتي كمان غبية، والغلط مني عشان اتكلمت معاكي، ومتنسيش إنه أهانّي هو كمان. مريم بعدم تصديق: -ليه؟ كنتي عايزاه يعمل إيه وإنتي شتمتيه الأول.
جلست وتين مرة أخرى بجوارها وهي تقول بيأس بعد تفكير: -طيب معاكي حق، بس قوليلي أعمل إيه دلوقتي، عرفت إن ليهم قرايب في الصعيد، تفتكري هعرف أقابلهم؟ قالت مريم بتسأل: -عايزة أعرف منين الثقة اللي خلتك تفتكري إنهم هيرحبوا بيكي، متنسيش إنهم مش أهلك. ظهر الحزن على وجه وتين وتدمع عينيها، تداركت مريم حديثها قائلة بإعتذار: -آسفة يا وتين مقصدتش، كل اللي عايزة أقوله إن الكل مش زي بعضه. ثم قامت بضمها وتربت على ظهرها. قالت وتين:
-عشان كده عايزة أشوف بنفسي، لقيت خلاص عنوانهم بالتحديد ناقص بس إني أسافر. استسلمت مريم من محاولة إقناعها بأن ما تفعله دون فائدة ولكن ستفعل ما تريد وستكون بجوارها دائماً: -هتسافري إمتى؟ أخبرتها وتين: -هستنى نهاية الأسبوع، هكون قبضت فلوسي. أومأت مريم وهي تقوم بالإستعداد للنوم. تسطحت وتين وهي تنظر للسقف وتفكر بما سيحدث لاحقاً وفور غلق عينيها ظهر أمامها وجه أمير الغاضب وهو يقترب منها. نهضت بفزع وهي تنظر أمامها، نهضت مريم
هي الأخرى وهي تقول بقلق: -حصل إيه، إنتي كويسة؟ ظهر الإرتباك على وجه وتين وهي تنفي: -ولا حاجة، يلا ننام. وبالفعل دقائق وغرق الاثنان بالنوم. بعد مرور أسبوع، في مكان ما تحديدًا بصعيد مصر، في ساعة الظهيرة. تزاحم الكثير من الناس ليصعدون على متن الحافلة الممتلئة بالفعل، ولكنها الوحيدة، حاولت وتين الصعود على متنها وهي تدفع من أمامها كما يحدث معها، وعندما أصبحت بداخلها لم تجد مكان للجلوس لتظل واقفة كما الكثير.
ظلت السيدات ترمقها بنظرات غريبة، فهي على عكسهم كان ملبسها مختلف، وبالنسبة لهم تلك الملابس لا تناسب المرأة. كانت الحافلة مليئة بالضجة وصراخ الأطفال الذين يجلسون على أقدام أمهاتهم والبعض منهم ينظر إلى وتين بدهشة وسخرية أيضاً. زفرت وتين وهي تفكر بتلك الأطفال، البعض قد يندهش منها ولكنها لا تحب الأطفال بل تعتبرها مخلوقات غريبة ويبدو أيضاً أن الأطفال لا يحبونها، وتشكر الله كثيراً على هذا، كائنات مستفزة. تمتمت بترجّي:
-يارب خلي الأتوبيس دا يوصل مبقتش قادرة. قطع تمتمتها طفل يملأ وجهه بالحلويات وأمسك يدها فلوّث يدها وملابسها بشوكولاتة، فصاحت به وبوالدته قائلة: -ابعدي ابنك عني، إنتي مش شايفة الفرح اللي عمله في وشه بالشكولاتة، ياربي، بوظ هدومي هعمل إيه دلوقتي؟! قالت الأم بإعتذار لا تعنيه: -معلش يا ختي، مانتي شايفة أطفال والأطفال أحباب الله، متقلقيش، في حمام عمومي العربية هتقف عنده ابقي انزلي نظفي نفسك.
شعرت وتين بالإرهاق بسبب وقوفها طويلاً، لم تجد حل سوى وضع حقيبتها أرضاً والجلوس فوقها. بعد مرور دقائق أوقف السائق الحافلة وهو يقول: -قدامكم نصف ساعة قبل ما العربية تطلع تاني. نهضت وتين سريعًا بحماس وهي تدلف للمرحاض، تجعد وجهها وهي تنظر لمنظره، ولكنها دلفت سريعًا قبل أن يسبقها أحد، فكرت هل أمن نزع ملابسها هنا.
نزعتها سريعا وهي تمسح يدها بالماء، حتى الصنبور معطل والمياه ضعيفة، لم تجد ما تعلق عليه ملابسها فوضعتها فوق الباب، وفور وضع ملابسها لم تجد تلك اليد وهي تسحبهم وتدلف للمرحاض المجاور. راقبت وتين مكان ملابسها الخالي بصدمة وهي تنظر لجسدها العاري إلا من القليل قبل أن توضع ملابس أخرى مكان ملابسها، سحبتهم وهي تسرع بإرتدائهم دون أهمية، فالأهم الآن أن تمسك ذلك اللص.
في الجانب الآخر وجدت والدة الطفل وتين وهي تركض بالإتجاه الآخر للحافلة، صاحت بها: -إنتي راحة فين العربية هتمشي! عندما لم تجد رد قالت للسائق: -متستناش شكلها مشت. نفخ السائق بغضب وهو يتمتم سبابًا بسبب انتظارهم الغير مجدي. خرجت وهي تصيح ولكن لم تجد أحد يرتدي ملابسها حتى، ركضت في الإتجاه المعاكس للحافلة فلم تراها وهي تغادر. نظرت حولها ونظرات الناس ترمقها بدهشة ومصابة بإحتقار.
نظرت لنفسها لتجد زراعيها ظاهرين وجزء كبير من ظهرها، فمن المفترض أنها ملابس عروس، وكما يحدث في تلك البلاد أنهم يرتدون أشياء تخفي جسدهم، ولكن يبدو أن العروس الهاربة لم تترك لها سوى القطعة العلوية. نفخت بغيظ وهي تنظر حولها لتجد تلك السيدة التي تبيع الفواكه على الطريق، كانت تضع بعض الأقمشة بجوارها تخبئ بها الفواكه من الذباب وقبل أن تقول شيء سحبت ذلك القماش البالي الذي يشبه الوشاح ووضعته حولها.
وللعجب لم تنطق المرأة، فوجه وتين لا يبشر بالخير مطلقًا. نظرت لمكان وقوف الحافلة ولكن لم تجدها، ظلت تلتفت حولها لتركض ناحية سيدة الفواكه قائلة: -كان في أتوبيس هنا راحت فين؟ أخبرتها السيدة أنها غادرت، شعرت بأن دماغها سينفجر وشحب وجهها وهي تتذكر أنها تركت حقيبتها هناك، سحبت شعرها بغيظ وهي تطلق سبابًا.
وفي الدقيقة الأخرى لم تجد أحد معها بالمكان، نظرت بغيظ لما حولها، فتقرر أن تنتظر على الطريق لعل أن تكون هناك حافلة أخرى فتلحق الأولى. وبعد انتظارها طويلاً ظهرت بالنهاية سيارة فأوقفتها سريعًا وهي تطلب من سائقها أن يجعلها تصعد معه. نظر لها ولشكلها بتوجس قائلاً: -إنتي عروسة؟ بررت له ما حدث معها، فقرر إيصالها كما أرادت.
جلس أمير مع أصحاب الأرض التي جاء لشرائها، كان المنزل مليء بالناس والكل ترتسم السعادة على محياه، كما أن المنزل مزين كما أصحابه والأضواء الملونة منتشرة والزغاريد في كل مكان. سأل أمير الرجل الكبير الذي يجلس أمامه: -مش هنشوف الأرض؟ صاح الرجل الكهل وهو يقول بترحاب: -دلوقتي لو عايز، بس من رأيي إنك تحضر معانا اليوم، إنت عارف الليلة فرح بنتي. ثم أردف وهو يصيح وينادي: -شريف حضر العربية عشان الباشمهندس يشوف الأرض.
ثم أخبر زوجته قائلاً: -هنروح ونرجع جهزي كل حاجة البيه هيحضر معانا الفرح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!