الفصل 5 | من 50 فصل

رواية حب رحيم الفصل الخامس 5 - بقلم سمر عمر

المشاهدات
116
كلمة
4,568
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

لم تعلم لماذا انتفض قلبها فجأة فور سماعها لكلمات أشرقت الصغيرة. أخذت تفكر وتساءل نفسها: هل حقًا سيأتي يومًا ويقع رحيم في حبها ويتزوجها، أم أنها مجرد أوهام وأحلام يقظة؟

ضمت قدميها إلى صدرها وارتكزت بذقنها إلى ركبتيها، والطفلان يشاهدان الرسوم المتحركة مع تناول الفشار. نظرت أشرقت إليها للحظات حتى انتبهت ندى لنظراتها. فابتسمت لها لتبادلها الصغيرة بابتسامة طفولية، ثم عادت بالنظر إلى التلفاز وهي تخبر نفسها أن ندى حزينة بسبب حديثها. فتلفتت برأسها إليها ثانية ثم اقتربت منها وهمست بجوار أذنها: "زعلتي علشان قلتلك اتجوزي بابا؟

تنظر ندى إليها ومسحت على وجنتها برقة، وارتسمت ابتسامة على ثغرها على عكس التوتر القاطن داخلها، وقالت بهدوء: "أبدًا يا حبيبتي.. بس ماينفعش تتكلمي في موضوع زي ده.. أوكيه؟ أومأت بالإيجاب فقبلتها على وجنتها وتركتها تعود إلى مكانها تشاهد التلفاز.

تابعت ندى الرسوم المتحركة وابتسمت على ضحكاتهم، ولم تنتبه من باب الغرفة الذي انفتح بفضل عدم إضاءة المصباح الكبير وصوت التلفاز المرتفع نوعًا ما. أغلق رحيم الباب ينظر إلى الخيمة المفتوحة من الجانبين بابتسامة بسيطة غير واضحة، ثم تقدم نحوها وانحنى بجذعه ليراهم منسجمان مع التلفاز. فلاحت ابتسامة جانبية على ثغره لتجعله أكثر وسامة.

ثم دخل بهدوء ليجلس أمام ندى. فنظرت إليه بلهفة وقد خرجت شهقة خفيفة من بين شفتيها، واضعة يدها أعلى صدرها. فرفع حاجبيه متعجبًا وهو يقول ببعض من السخرية: "ماعرفش أن قلبك رهيف اوي كده."

أطرقت رأسها خجلًا، خصتا بعد أن طلبت أشرقت منها الزواج منه. وجاء شعور مفاجئ في رأسها وهي أن من المحتمل أن تكون طلبت من والدها ذات الطلب. فيما نظر الطفلان إلى والدهم في دهشة، فتبادلت نظراته بينهم وهم مذهولان من وجوده معهم. فخرجت من فاه ضحكة خفيفة تشبه صوت عزف الكمان.

لتنظر ندى إليه بلهفة غير مصدقة أن ذلك الجبل قد ضحك للتو. ولكن ليست كأي ضحكة، بل ضحكة جعلت قلبها يخرج من بين ضلوعها كي يأسره بضحكته دون وعي منه. فيما أقترب رحيم من أطفاله وبدأ يدغدغهم بطريقة عشوائية. ليضحك ريان أخيرًا وأيضًا أشرقت. ولكن نظرت ندى إلى ريان بابتسامة خفيفة.

ثم عادت بالنظر إلى رحيم الذي يمزح مع أطفاله وشردت به لتلعن قلبها لوقوعه في عشق رجل متزوج ويعشق أطفاله ولم يفكر في الزواج قط، وألا كان تزوج بدلًا من أن يبحث عن مربية لهم. فاقت من شرودها بلهفة، انتفض قلبها بمجرد أن نظر إليها تاركًا أطفاله يشاهدان التلفاز. حركت مقلتيها بشكل دائري بتوتر، ثم خرجت من الخيمة ووقفت وهي تقول دون أن تنظر إليه: "طيب أنا هروح أنام بقى طالما حضرتك جيت تقعد معاهم." رفع أحد حاجبيه وتساءل بمكر:

"مش عايزة تقعدي معايا ولا أيه؟ وضعت يدها حول عنقها وأخذ صدرها يعلو ويهبط باضطراب وهي تجيب بنبرة اضطراب: "أبدًا.. أنا بس مصدعه شوية وعايزة أنام."

حرك رأسه بتفهم وتمنى لها ليلة سعيدة وهي أيضًا. وبمجرد أن خرجت من الغرفة وضعت يدها على صدرها الذي يدق بشدة، مستنشقة الهواء بعمق وبدأت تلتقط أنفاسها بهدوء. ثم هبطت الدرج واختبأت داخل غرفتها، بل ووضعت الوسادة على رأسها أيضًا وذهبت إلى النوم بهدوء تام مانعة نفسها من التفكير في أي شيء. في الصباح

الساعة الحادية عشر والنصف خرجت ندى من الغرفة وهي تعلم أنها تأخرت اليوم على الأطفال. ولكن تعلم جيدًا أن اليوم يوم الجمعة ولا توجد دراسة. اتجهت صوب المطبخ ولكن توقفت عن السير عندما رأت رحيم يهبط الدرج بالهيبة والشموخ المعتاد عليهما، يرتدي سروالًا من الجينز الأزرق وكنزة رصاصي وعلى صدره اسم ريان بالإنجليزية وحذاء رياضي.

هبط الدرج ووقف يرتدي معطفًا رياضيًا بنفس لون الكنزة وهو يلقي بالصباح على ندى دون أن ينظر إليها. فبادلته الصباح بابتسامة مشرقة. وبعد لحظات رأت ريان يهبط الدرج ويرتدي مثل أبيه، ولكن الاختلاف في اسم الكنزة، فكنزته الصغيرة تحمل اسم رحيم. أعجبت ندى كثيرًا بهذا التصميم الرائع واتسعت ابتسامتها. فيما مسك رحيم بيد طفله الصغير وغادر المنزل تحت أنظار ندى.

بعد أن غادر تنهدت بعمق لتستنشق عطره الرجولي الساحر الذي ترك رحيم القليل منه قبل أن يغادر. فأغمضت عيناها واستدارت حول نفسها ببطء مستنشقة العطر. ثم توقفت وفتحت عيناها السعيدة وتابعت السير إلى المطبخ وألقت تحية الصباح على سيدة وفيه والخادمة الأجنبية. وتناولت خبزًا دائريًا لتضع داخله قطعة جبنة ثم جلست أمام الطاولة تتناوله. وبعد أن ابتلعت أول لقمة تساءلت: "هو رحيم بيه متعود ياخد ريان معاه صلاة الجمعة؟ ثم قطمت لقمة ثانية

وسيدة وفيه تجيب عليها: "أيوه.. وبعد الصلاة بيجي ياخد أشرقت ويقضوا اليوم في النادي." ابتلعت الطعام ثم بللت شفتيها بلسانها وهي تومئ برأسها وقالت بهدوء: "شيء كويس." ثم تابعت سرًا: "احتمال ما اشوف رحيم النهارده." جلست السيدة وفيه على المقعد المجاور لها وتساءلت بهدوء: "رحيم بيه اداكي فلوس؟ لتنظر ندى إليها في تعجب وهي تلوك الطعام داخل فاها ببطء ثم ابتلعته وردت عليها بسؤال: "فلوس؟! فلوس ليه؟

"أصل دي أول جمعة ليكي وأنتِ معانا.. وكل ما مربية تيجي كان رحيم بيه بيجربها أسبوع بس معجبتوش يوم الجمعة بيديها حقها ويطلب منها تمشي.. ده إذا مامشيتش من نفسها زي ما اتنين عملوا قبل كده." حركت رأسها بتفهم فتنهدت وفيه بحزن وتابعت: "وأنا بصراحة مش عايزة تمشي يا ندى."

ابتسمت ندى فضمتها وفيه إليها بحنان لتشعر هي بحنان الأم التي فقدته منذ سنوات ولا تود أن تبتعد عنها قط. وبعد لحظات ابتعدت عنها لتتابع عملها في المطبخ وأكملت ندى طعامها. بعد ساعة إلا ربع تقريبًا عاد رحيم وكانت أشرقت في انتظاره بعد أن ساعدتها ندى على ارتداء ثياب رياضية وتحايلت أشرقت عليها أن تأتي معهم ولكن رفضت ندى ووعدتها بأنها ستأتي في المرة القادمة. غادرت أشرقت مع والدها وجلست ندى على الأريكة التي تقع في حديقة المنزل.

ثم تجولت الحديقة لنصف ساعة تقريبًا وعادت إلى الأريكة مجددًا وهي تزفر بسأم. شعرت بالوحدة فقد تعلقت كثيرًا بالأولاد وبالأخص رحيم. كانت تراه أكثر من أربعة مرات في اليوم ولكن الآن لم تعد تراه. ذهبت الشمس ليأتي القمر الساطع. وفي الثامنة مساءً عاد رحيم برفقة أولاده الصغار. ليصعد ريان غرفته فيما بحثت أشرقت عن ندى وأخذت تنادي عليها. ووقف رحيم ليتابع هذا.

خرجت ندى من غرفتها بابتسامة واسعة وركضت إلى تلك الصغيرة لتعانقها ورفعتها عن الأرض تضمها إليها باشتياق واضح. ثم قبلتها على وجنتها وأنزلتها على الأرض برفق وهي تقول معقدة حاجبيها باشتياق واضح: "وحشتيني جدًا.. جدًا جدًا." بادلتها أشرقت بالاشتياق ثم ودعتها وذهبت إلى غرفتها تحت أنظار ندى السعيدة حتى دخلت الصغيرة غرفتها.

همهم رحيم فالتفتت إليه لتشعر بدقات قلبها تدق داخل صدرها ونظراتها له تهتف بالاشتياق والحب. اتجه رحيم نحو غرفة مكتبه وهو يقول بنبرة رجولية: "ندى تعالي المكتب من فضلك." نظرت إليه بعينين متسعتين وقد ابتلعت ابتسامتها بمجرد تذكرها لحديث السيدة وفيه. فهل حقًا من الممكن أن يستغنى عنها كما فعل مع البقية أم ماذا؟ بدأ ذلك السؤال يحوم حول رأسها ولا تعلم له إجابة، بل إجابته بين يدي رحيم.

لحقت به ودخلت الغرفة. رأته يجلس أمام المكتب ينفث دخان سيجارته في الهواء ماسكًا بورقة بيضاء. فابتلعت لعابها واهتزت قدميها قليلًا خوفًا من أن يستغنى عنها. ولكن رفع رحيم عينيه إليها وتحدث بهدوء ولكن ببعض الجمود: "ندى حقيقي أنتِ ممتازة علشان قدرتي تخلي أشرقت تحبك بالطريقة دي."

جزت أسنانها وأخذ صدرها يعلو ويهبط بوضوح أثر توترها الذي أثر على معدتها وشعرت بالغثيان. فكل ما جاء في رأسها هو أن تكون أشرقت أخبرته بالزواج وعلم أنها طلبت منها ذلك. ولكن ما فكرت به كان مجرد وهم. حيث تابع رحيم بصوته الرجولي الذي خطف قلبها من بين ضلوعها: "الأيام اللي فاتت دي كنت براقب تصرفاتك مع الأولاد.. وعرفت قد إيه أنتِ بنت لطيفة وكمان بتحبيهم."

تمعن بالنظر في مقلتيها التي تشبه وجهه قهوته الصباحية الرائعة مقطب جبينه متابعًا: "الحب يا ندى بيبان من التعامل والعينين كمان.. عشان كده.." رفعت حاجبيها قليلًا وقد شعرت بالهدوء واستمعت إليه باهتمام حيث تابع: "أنتِ هتكملي مع الأولاد لحد ما تزهقي أنتِ وتمشي.. حقيقي أنا مطمن عليهم معاكِ."

اتسعت ابتسامتها والتقطت زفيرًا قويًا وزفرته بهدوء تام وبدأت تشكره كثيرًا على مدحه لها أولًا ثم على موافقته لمكثوها في المنزل مع الأولاد. ثم استأذنت منه وغادرت لتخبر السيدة وفيه بسعادة غامرة.

بعد مرور أيام تليها أيام وبدأ الربيع يهل بنسماته الرائعة والزهور التي على وشك أن تفتح وتملئ الحياة بهجة وسرور. وأيضًا الشمس الرائعة التي تعطي للأشجار والورود بريقًا خاصًا يخطف الأنظار. وفي المساء حيث تدق العقارب إلى الساعة الرابعة والربع مساءً. كان يحتسي القهوة في الخارج ليرى الأشجار والزهور الطبيعية ليشعر بالاسترخاء وجو الربيع الهادئ. زقزقت العصافير فوق الأشجار فرفع رأسه إليهن ولاحت ابتسامة جانبية على ثغره.

بعد لحظات استمع إلى صوت ندى تتحدث مع أشرقت فاختفت ابتسامته تدريجيًا. بينما خرجت ندى حاملة سلة زهور وأشرقت هي الأخيرة تحمل سلة زهور متوسطة الحجم. وقف الاثنان أمام بستان زهور صغيرة وبدأت ترتب الزهور بمساعدة أشرقت.

نظر رحيم إليها وقد رفع أحد حاجبيه وتحولت نظراته إلى الحدة الثابتة عندما رأى ثياب ندى. المكونة من شورت قصير من خامة الجينز وكنزة حمراء ذات حملات عريضة. شعر بالضيق من ثيابها تلك ونظر إلى الأمام قاطبًا حاجبيه بتذمر. ولفت انتباهه حارس الحديقة يتطلع إلى ندى لينظر رحيم إليها ثانية وقد لمعت عيناه بلمعة الغيرة الواضحة.

ثم عاد بالنظر إلى ذلك الشاب الذي حتمًا سيقتله والذي مازال يتطلع إليها. فنادى عليه بصوت حاد لينظر إليه بلهفة فيما نظرت ندى إليه هي الأخيرة قاطبة حاجبيها. وقف الحارس أمامه فتحدث رحيم بصوت جهوري: "روح أنت وقف قدام البوابة." أشار الحارس خلفه وهو يقول في تعجب: "بس أنا دايما.." رفع عينيه إليه والتي لمعت من شدة الغضب مقاطعًا له بعصبية: "أنا كلامي يتنفذ."

أومأ بالموافقة ونفذ رغبته فورًا. مما تعجبت ندى من تصرفه وشعرت أيضًا بالغضب من معاملته لهذا الحارس. نظر إلى ندى بحدة فتوترت وتابعت عملها فورًا. ليعود بسوداويته إلى الأمام وصدره يعلو ويهبط قابضًا قبضته يضرب بها على ركبته بخفة. بعد دقائق قليلة انتهت ندى فصفقت أشرقت لها سعيدة بتلك الزهور فقبلتها ندى على وجنتها ثم مسكت بيدها واتجهت نحو الداخل. فناداها رحيم بصوت خشن دون أن ينظر إليها: "ندى.. لحظة لو سمحت."

توقفت عن السير وطلبت من أشرقت أن تدخل وسوف تلحق بها لتنفذ رغبتها فورًا. وتقدمت نحوه لتقف إلى جواره دون أن تتحدث. تطلع إليها بحدة وقد رفع أحد حاجبيه وقال بعدم قبول: "من فضلك اللبس ده ما يتلبسش في البيت." نظرت إلى ثيابها ثم عادت بالنظر إليه وتحدثت ببرود: "دي طبيعة لبسي.. وأنا بستنى الربيع عشان اخد حريتي في اللبس."

جز أضراسه حتى تحرك صدغاه ونهض فجأة ينظر إليها بنظرات كالجحيم. فاتسعت عيناها وتراجعت للخلف خطوتين ولكن سرعان ما هدأت من نفسها ووقفت تواجه بثبات. كانت عيناه تتحدث بالغيرة ولكن هي بلهاء لم تفهم نظراته تلك وأصرت على أن تعاند معه. ابتلع لعابه بشدة حتى تحرك عنقه وهو يتحدث بنبرة رجولية ثقيلة: "اللبس ده ممنوع يتلبس تاني.. مابحبش حد يعصي أوامري." رفعت كتفيها بلا مبالاة وهي تتنهد بعمق ثم قالت بابتسامة واسعة:

"وأنا مابحبش حد يتحكم في لبسي." بدأ يلهث بصوت مسموع بفضل غضبه المفرط منها ومن تصرفاتها. فيما تركته ندى ودخلت المنزل. جلس على الأريكة ومسك بفنجان القهوة وجز أسنانه بشدة حتى سمع صريرها قابضًا على فنجان القهوة بقوة حتى ابيضت أنامله. ثم رفعه وألقى به أرضًا لينكسر إلى قطع صغيرة. رأته السيدة وفيه وهي تخرج إلى الحديقة ووقفت أمامه في دهشة متسائلة: "حصل أي يا بني عشان تكسر الفنجان؟ جز اضراسه ثم هدأ من نفسه ورخى أعصابه

ليجيب بثبات ولكن بجمود: "ما حصلش حاجة." ثم تركها ودخل متجهًا نحو غرفة مكتبه ليدخل مغلقًا الباب خلفه بقوة من شدة غضبه. فيما ابتسمت وفيه فقد استمعت إلى شجاره مع ندى قبل أن تأتي وتصنعت عدم الفهم. وبما أنها تفهم كل ما يحدث حولها علمت لماذا غضب رحيم منها لأنه يغار عليها ولابد أن يعترف بهذا.

لملمت قطع الفنجان الصغيرة ونظفت المكان جيدًا. وبعد أن دخلت المنزل وقفت أمام باب غرفة المكتب تدق عليه ودخلت عندما سمح رحيم بالدخول. أغلقت الباب خلفها وتقدمت نحو المكتب فأنزل قدميه التي كانت أعلى المكتب على الأرض احترامًا لها فهي بمثابة والدته. نفث آخر دخان سيجارة سحبه واطفأها في المطفأة الخاصة بها. فيما جلست على المقعد المجاور للمكتب وتحدثت بوضوح: "أنا سمعت كلامك مع ندى قبل ما أخرج." ليرفع عينيه إليها

مقطب جبينه حيث تابعت بمكر: "أنت ماينفعش يا بني تتحكم في لبسها." استند بمعصمي يديه إلى المكتب وقد اشتعل الغضب داخله من جديد متحدثًا بغيرة دون أن يقصدها: "يعني عجبك لبسها المايع ده والحارس واقف قدامها يبص عليها؟ اتسعت ابتسامتها وقد رفعت إحدى حاجبيها بمكر وقالت بهدوء: "بس مهما أن كان أحنا ملناش نتحكم في لبسها.. لو لابسه مايوه حتى." ضرب على المكتب بكف يده بعنف لتتسع عيناها في دهشة ونهض متحدثًا بعصبية بالغة:

"مايوه.. المايوه ده في بيتها مش هنا." تساءلت بهدوء تام: "ممكن أعرف متعصب ليه؟ سؤالها جعله يستفيق على نفسه وينتبه لغضبه الزائد. فاتجه صوب النافذة التي تقع على يمينه ووقف عاقدًا ذراعيه أمام صدره دون أن يجيب على سؤالها. فالتفتت برأسها إليه وقد تأكدت من إحساسها تمامًا. نهضت واقفة وهي تستدير بكلتها وقالت دون تردد وبثقة زائدة: "أنت بتغير على ندى."

قطب بين حاجبيه في صدمة فكلماتها كفيلة بأن تغضبه حقًا. وليس لأنها مخطئة بل لأن كبرياءه الحاد يمنعه من الاعتراف بأنه حقًا يغار عليها كثيرًا. استدار لها بكلته بوجه محتقن غاضبًا حقًا من حديثها وتساءل بنبرة كبرياء ثقيلة: "هغير عليها ليه؟ .. مين دي عشان أغير عليها؟ .. دي مجرد مربية للأولاد." "اسمع يا ابني أنا الحمد لله بفهم الناس كويس أوي.. وعارفة إنك معجب بندى.. بس الكبرياء الحاجز الوحيد بينك وبينها."

غادرت فور انتهائها من حديثها فاستدار رحيم إلى النافذة ثانية يفكر في حديثها بتمعن. ليعترف بينه وبين نفسه أنه معجب فقط بشخصيتها واستطاعت أن تعلق أبناءه بها في وقت قياسي. عصر جبينه بأنامله عاقدًا حاجبيه لعل ندى تخرج من أفكاره. لا يود أن يفكر بها أو يهتم لأمرها فلم يفعل هذا من قبل.

استمع إلى صوت جرس الباب فأزاح يده عن جبينه واتجه صوب باب غرفة المكتب فيعلم أن الذي يدق الباب جاء من أجله. خرج ووقف ناظرًا إلى الباب واضعًا يديه في جيبي سرواله ليرى ندى قد فتحت الباب ووقفت تتحدث مع ذلك الشاب الذي تعرفت عليه وتبتسم له وهي تصافحه.

في لحظة شعر بالغضب وهو يتطلع إلى ثيابها باشمئزاز ثم تقدم نحوهم بخطوات سريعة تشبه الإعصار. ووقف قابضًا على معصمها بخفة فنظرت إليه قاطبةً حاجبيها ثم وضعها خلف ظهره ليكون هو أمامه يتطلع إليه بشراسة تقتل ملامحه أشلاء. فاختفت ابتسامة ذلك الشاب وكاد أن يتحدث ألا أن.. قال رحيم بصوت جهوري وهو يمد يده إليه: "هات الدعوات و روح أنت الشركة."

رفع علبة سوداء متوسطة الحجم واعطاها إليه ثم غادر. فأغلق رحيم الباب بعد أن ترك معصم يدها فنظرت إليه بتأفف. التفت ينظر إليها بنظرات تتطاير بشرارات من الجحيم وقد لمعت عيناه بلمعة الغيرة وتحدث بعصبية مفرطة: "مش قلتلك اللبس ده يتغير." حدقت به في تعجب من تصرفه البالغ معها وفي لحظة لمعت عيناها بالدموع وتساءلت بحدة ممزوجة بنبرة البكاء: "هو لبسي ماله مش فاهمه؟ .. أي اللي مضايقك؟

خرجت السيدة وفيه من المطبخ على صوتهم العالي تنظر إليهم بشفقة على ندى. بينما أشار رحيم إلى ثيابها عاقدًا حاجبيه حتى خيل لها بأن لا فارق بينهما ونظراته ستقسمها نصفين وهو يوبخها بحدة: "لبس مايع ووقح.. إزاي تفتحي الباب باللبس ده؟ جزت أسنانها وقد هبطت دموعًا خائنة على وجنتيها من طريقة أسلوبه التي مازالت غير معتادة عليه وقالت بتحدي: "علشان ده مش لبس بيتي أنا بخرج بيه."

ثم تركته واتجهت صوب غرفتها لتختبئ داخلها وتعانق وسادتها لتبكي. فيما عاد رحيم إلى غرفة المكتب مغلقًا الباب خلفه بقوة ولم يكترث للسيدة وفيه التي كانت توبخه بنظراتها. اتجهت هي صوب غرفة ندى ووقفت تدق الباب فتركت ندى الوسادة لتمسح دموعها وأذنت بالدخول بعد أن علمت أنها وفيه. دخلت مغلقة الباب خلفها وجلست أمامها على حافة الفراش فيما كانت ندى تنظر إلى الفراغ بحزن واضح. "ماتزعليش يا بنتي.. رحيم خلقه ضيق." مسحت أعلى

أنفها وهي تتساءل ببلاهة: "مش عارفة لبسي مضايقه في إيه؟ لتضحك وفيه ضحكة خفيفة لتنظر ندى إليها في تعجب. توقفت عن الضحك مكتفية بابتسامة خفيفة وتحدثت بالهمس: "رحيم بيغير عليكِ يا ندى.. فهمتي؟! ابتلعت لعابها بصوت مسموع تنظر إليها في دهشة غير مصدقة ما هتفت به للتو. فوضعت يدها على كتفها وقالت بتأكيد: "وأنتِ بتحبيه يا ندى."

جزت أسنانها بخجل شديد وأخذت تفرك في أصابع يديها واصبغت وجنتاها بحمرة الخجل ليخرج منها صهد يأكل وجهها. ونظرت إلى الأمام تتساءل بارتباك: "حضرتك.. بتقولي أي؟ "بقول اللي أنا شيفاه وحساه." اقتربت منها وأحاطت كتفيها بذراعها وتحدثت بهدوء: "جيجي هانم كانت محجبة ونجلاء هانم والست رنا كمان.. وهو حمش حبتين." أدارت رأسها ناحيتها ببطء وقد تلاشت حديثها وتساءلت بسعادة تشعر بها داخل قلبها: "هو بيغير عليا بجد؟

لتضحك ضحكة خفيفة وهي تومئ بتأكيد ثم رفعت إحدى حاجبيها وهي تقول بابتسامة واسعة: "والغيرة بدايتها حب." ثم قبلتها على وجنتها وطلبت منها أن تذهب إليه وتتحدث معه بهدوء لكن بعد تبديل ثيابها واتفقا الاثنان على حديث واحد ثم تركتها وغادرت.

نهضت ندى عن الفراش وأخذت تستدير حول نفسها وشعرها القصير يتطاير حولها حتى وصلت إلى خزانة الملابس وبدلت ثيابها بفستان صيفي أنيق بثلث كم. يصل إلى بعد ركبتيها بقليل لونه أحمر هادئ وحزام على الخصر بنفس اللون عليه فراشة بيضاء. ثم مشطت شعرها وخرجت متجه صوب غرفة المكتب.

وقفت تدق الباب ثم فتحته وأدخلت رأسها فقط رأته يدخن سيجارة ويتحدث في الهاتف. نظر إليها بجمود وظلت على هذا الوضع حتى أنهى المكالمة. ولم يعط لها اهتمام لكونه غاضبًا منها وأخذ يرتب دعوات حفل عرض أزياء الشركة. دخلت مغلقة الباب خلفها وتقدمت صوب المكتب ووقفت قائلة: "أنا عرفت كل حاجة." رفع إحد حاجبيه وتمالك أعصابه ولم يظهر عليه أي ردة فعل عندما استمع إلى كلماتها والتي أوحت له أن السيدة وفيه أخبرتها بأنه يغار عليها.

تابعت بابتسامة خفيفة: "مدام وفيه قالت لي أن اللبس ده ممنوع يتلبس هنا.. يعني البيت ملتزم شوية." سحب آخر ما في السيجارة إلى صدره ونفثه بالهواء ثم أطفأها في المطفأة الخاصة بها ونهض وهو يحمل الكروت دون أن يكترث لحديثها. فلوت ثغرها بتذمر بينما هو متجه صوب الباب. ركضت إليه لتقف أمامه فجأة التفت فاصطدم بها لتسقط الدعوات من بين يديه.

اتسعت عيناها وفاها فيما جز هو أسنانه وجلس نصف جلسة يلملم الكروت فجلست على ركبتيها لتساعده وعيناها مسلطة عليه. وبعد أن انتهى رفع رأسه لتتقابل سوداويته مع قهوته المفضلة فتحدثت عيناهما بالحب للحظات من التأمل ووجد نفسه غارقًا بها ولا يود أن يكون هناك شاطئ للنجاة. بل يود أن يكون غريق عيناها حتى نهاية العالم.

ثم هبطت مقلتيه إلى وجنتيها التي تشبه زهور الربيع دون وضع مساحيق التجميل عليها فهذه هي طبيعتها. ثم هبط بسوداويته إلى شفتيها الوردية المتفرقة عن بعضها قليلًا وبدأ يفحص ملامح وجهها مرارًا وتكرارًا من بداية عينيها إلى شفتيها بنظرات حب ممزوجة بجدية العشق. لتشعر بالخجل وقلبها بدأ يدق بصوت مسموع حتى نبض صدرها لأعلى وأسفل وابتلعت لعابها بصوت مسموع ثم نهضت وهي تقول بتلعثم: "أسفه."

أتى نظرة على فستانها ثم رفع عينيه ببطء قاطبًا جبينه ونهض يتأمل فستانها الذي يجعلها أميرة على عرش الحب. بل على عرش قلبه الذي امتلكته في وقت قياسي ومد يده ليأخذ الكروت من يدها محاولًا لمس يديها الناعمة ونجح في ذلك. ثم ابتسمت عيناه فعضت على شفاها السفلى من الداخل فلم تتحمل ابتسامة عينيه تلك. في حين قال رحيم بجدية بقصد مضايقتها: "كنتِ من شوية شبه الرجالة." لتتسع عيناها وقد رفعت إحدى حاجبيها مشيرة إلى نفسها متسائلة بحنق:

"أنا شبه الرجالة؟ حرك رأسه تأكيدًا ثم اتجه صوب الباب وبمجرد أن مضى من أمامها لاحت ابتسامة رجولية ثابتة على شفتيه وقال بهدوء: "لكن دلوقتي شبه الأميرات." ثم خرج فاتسعت ابتسامتها تضم يديها إليها وتنهدت بعمق لتشعر بالنشوة والسعادة من كلماته البسيطة. ثم نظرت إلى الأرض لترى كرت من كروت الدعوة على الأرض فانحنت بجذعها لتأخذه وفحصته بعينيها ثم نظرت إلى الأمام بسعادة قائلة: "عرض أزياء.. وأود."

دخل رحيم المكتب وهو يتنحنح فالتفتت إليه بسعادة وقالت بترجي: "عايزة أجي معاك عرض الأزياء.. أرجوك." ثم ارتفعت حاجبيها بشكل طفولي فتعجب كاتمًا ضحكاته على شكلها ثم سحب الدعوة من يدها متجه صوب المكتب وهو يقول بقصد العند: "لأ ماينفعش." ضربت الأرض بقدمها وهي تزفر كالأطفال فالتفت إليها بثقل فنظرت إليه بترجي. ليجد نفسه يتقدم نحوها بخطوات ثقيلة فلم يستطع مقاومة هذا الجمال بعد الآن ووقف يمد يده بالدعوة وقال بصوت

رجولي ذات كبرياء عالي: "تقدري تيجي.. لكن مش معايا.. تيجي لوحدك زي أي حد." جزت أسنانها بتأفف وأخذت الدعوة وظل ينظر لها بجمود للحظات ثم التفت عائدًا إلى المكتب فهمست بغيظ: "متعجرف."

لتصل كلماتها إلى مسامع أذنيه فلاحت ابتسامة جانبية على ثغره فقد راقت له كلماتها. ولكن كلمات تلك الجميلة فقط وعشق كلمة متعجرف من شفتيها الوردية ذات صوت مميز يخترق القلب فورًا دون مقدمات. وتوعد لها بأنه سيقوم بعمل تصرفات تجبرها على قول كلمة "متعجرف".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...