هم بالوقوف فجأة وقبض على معصم ندى فتأوهت بخفة وهو يقول بحده: -بقول اطلعي شوفي الأولاد! ثم تركها فأمسكت بمعصمها واتجهت نحو الدرج مهرولة لتنفذ رغبته. فقالت والدته بتذمر: -رحيم بلاش المعاملة دي. مسح على جبينه واستدار كليته لينظر إليها وهو يومئ بالإيجاب ثم عاد إلى المقعد ليجلس عليه متسائلاً: -حضرتك عايزة مفتاح بيت بابا ولا معاكِ نسخة؟! لتجيب عليه بتلقائية:
-لاء يا حبيبي مش محتاجين نروح البيت.. أنا هسافر كندا بكرة زيارة علشان أشوف أختك وعلاء هيقعد معاك. نظر رحيم إلى شقيقه الذي يبدو عليه الحنق ثم أومأ بالموافقة مضطراً.. ونهض وهو ينادي السيدة وفيه لتأتي فوراً وطلب منها مرافقة والدته إلى غرفتها وعلاء إلى إحدى الغرف الزائدة ثم عاد إلى المكتب يتابع عمله.. **بعد مدة من الزمن..**
كانت ندى حبيسة غرفتها تاركة الأطفال مع جدتهم.. تركت العنان لتفكيرها في الليلة الماضية وحديث رحيم لها لتتذكر معطفه الذي يزين الدولاب.. فنهضت عن الفراش متجهة نحو الخزانة لتقوم بفتحها وتأخذ المعطف تحسس عليه بيدها الأخرى ثم ضمته إليها مستنشقة عطره الخيالي.. وأخذته حجة للتحدث معه فخرجت من غرفتها أخيراً متجهة نحو غرفة المكتب ووقفت أمام الباب لتستمع إلى صوت الطفلين من الخارج يتحدثون إلى جدتهم عن كل شيء وأخبرتها أشرقت أنها تحب ندى كثيراً وكثيراً.. فلاحت ابتسامة واسعة على ثغرها ناظرة اتجاه اليسار وهو اتجاه الحديقة ثم قرعت الباب وفتحته بعد أن أذن بالدخول..
دخلت مغلقة الباب خلفها لتجده يدخن سيجارته بعنف ناظراً إلى شاشة الحاسوب.. وقفت أمام المكتب وقد اختفت ابتسامتها تدريجياً عندما رأت المطفأة ممتلئة بالسجائر ثم أطرقت عيناها وهي تقول: -جبتلك الجاكيت وشكراً لحضرتك. نفث دخان السيجارة ثم أطفأها في المطفأة وهو ينظر إليها بنظرات قاتلة متسائلاً بنبرة ثقيلة: -أي اللي بينك وبين وائل عشان يتصل ويطمن عليكِ؟! رفعت عيناها إليه بلهفة ووجدت نفسها تومئ بالنفي وأجابت بهدوء:
-لاء مفيش حاجة بينا خالص. جَزَّ أسنانه ونهض متسائلاً بعصبية مفرطة: -ليه بيتصل يسأل عليكِ؟! .. لاء ومن بجاحته بيطلب مني رقمك عشان يطمن عليكِ بنفسه. شعرت بالتوتر والغضب من عصابيته وقامت بوضع المعطف على المقعد والتفتت متجهة نحو الباب وهي تقول بحزن ممزوج بالغضب: -بعد إذن حضرتك. ضرب على المكتب بقبضة يده بقوة متحدثاً بعنف: -استني عندك..
توقفت عن السير مغمضة عيناها بقوة قابضة قبضتها والتفتت بهدوء دون أن تنظر إليه تاركة العنان لدموعها الخائنة تهبط على وجنتها.. فاندهش عندما رأى دموعها لينتفض قلبه ويشعر بالضعف واستقام ظهره يتنهد بعمق حتى ارتفع صدره وهبط عندما زفر بهدوء.. ثم اتجه نحوها بخطوات سريعة ووقف أمامها قائلاً بنبرة رجولية هادئة: -ندى من فضلك متعيطيش.
رفعت رأسها تنظر إليه بعتاب وفي لحظة حرك مقلتيه يميناً بعيداً عن نظراتها فلم يتحمل نظرات العتاب الموجهة إليه كالأسهم الحادة لتصيب هدفها جيداً وهو قلبه.. ووجدت نفسها تتحدث ببكاء هستيري: -أنا استحملت كتير.. كتير أوي.. أنت زيك زي بابا بالظبط بيتعصب عليا ومد أيده عليا.. بجد أنا مخنوقة جدًا مش طايقة نفسي ولا طايقة الدنيا.. حرام كفاية بقى.
نظر إليها عاقداً بين حاجبيه متأثراً بحديثها وبدون تفكير جذبها إليه ليعانقها بكلتا يديه وضمها إليه بقوة فتشبثت في قميصه من الخلف تبكي قهراً على حالها.. رفع يده يمسح على شعرها بلطف هامساً: -خلاص اهدي.. ندى..
زم شفتيه ولم يكمل حديثه مغمضاً عيناه بقوة فضمها إليه أكثر حتى شعر وكأنه سيخترق جسدها مستنداً بذقنه على رأسها.. طاب قلبها المجروح تدريجياً وتوقفت عن البكاء فقد شعرت بالراحة عندما بكت داخل عناقه القوي هذا.. لتفيق على نفسها محررة قميصه من قبضتها فابتعد عنها قليلاً واضعاً وجنتيها بين راحتي يديه ونظر إليها قاطباً جبينه فخجلت من نظراته لها وأطرقت عيناها وهو يقول بصوته الرجولي الهادئ:
-أنا مش عايزك تتعرفي على أي حد والسلام.. علشان كده اتعصبت. ما زال يخبئ عليها غيرته التي فاقت حد الجنون ولكن هي تعلم جيداً السبب وشعرت بالحزن عندما خبأ عليها ووجدت نفسها تقول بتذمر طفولي: -لاء قول الحقيقة. بدأت مقلتيه السوداء تفحص ملامح وجهها عشقاً واعترف بينه وبين نفسه أنه يغار عليها حقاً.. ولم يستطع مقاومة هذا الجمال أكثر فقال دون تفكير: -الحقيقة إني بغيّر عليكِ يا ندى.. ومش عارف السبب.
اصطبغ وجهها بحمرة الخجل وتوترت معدتها بفضل قلبها الذي انتفض وخرجت شهقة خفيفة من بين شفتيها عندما شعرت بيده الرجولية تمسح دموعها.. فاستدارت بكلتيها لتهم بالخروج ولكن كان رحيم أسرع منها بوضع راحته على الباب وباليد الأخرى أدارها إليه ليلتصق ظهرها بالباب.. نظرت إلى الأرض وصدرها يعلو ويهبط برهبة شديدة.. فقال بجدية: -ارفعي رأسك وبصيلي.
أغمضت عيناها بقوة وهي تومئ بالنفي عدة مرات فلاحت ابتسامة جانبية على ثغرة ثم أقترب منها حتى أصبحت شفتيه مجاورة لأذنها لتشعر بأنفاسه الساخنة على وجنتها فجَزَّت أسنانها بقوة وتفرك في أصابع يديها وهو يهمس بنبرة ثقيلة: -أنتِ بتحبيني يا ندى..
جحظت عيناها مع حبات العرق الباردة التي انتشرت في جميع جسدها.. فاستمع إلى صوت أنفاسها السريعة فهبط بمقلتيه إلى عنقها الذي أصبح براقاً بفضل العرق البارد الذي انتشر عليه.. ثم عاد بالنظر إليها فأدارت رأسها إلى الاتجاه الآخر وهي تقول بأنفاس متقاطعة: -أرجوك… سَبْنِي أخرج. رفع يده ليمسح على وجنتها المبللة فأغمضت عيناها بقوة فيما وضع شعرها خلف أذنها هامساً بحسم: -مش هسيبك تخرجي غير لما تحطي عينك في عيني وتعترفي إن كلامي صح.
وَمَأْتْ بالنفي فابتسم وأصر على أن تنظر إليه فدفنت وجهها في كفيها وهي تقول بنبرة بكاء: -مقدرش.. مقدرش. سحب يديها عن وجهها وضعهما بجوارها ثم رفع يديه وأحاط بهما وجنتيها رافعاً رأسها إليه رغماً عنها.. فأغمضت عيناها بشكل طفولي فضحك ضحكة خفيفة لترخي أعصابها بمجرد أن سمعت ضحكته التي تعشقها ولكن لا زالت محافظة على إغلاق عيناها فقال بحسم: -ندى مش هسيبك غير لما تبصيلي وتقوليلي.. بتحبيني ولا لاء. نفخت في شدقيها بسأم
وقالت بعصبية فلتت منها: -يعني مش قادرة أبص لعنيك وحاسة إني هموت ولسه عايز إجابة. مسح على وجنتها بلطف شارداً في وجهها الطفولي ثم أقترب منها ليترك قبلة هادئة على وجنتها بالقرب من شفتيها.. فجَزَّت أسنانها بقوة وخرجت شهقة من بين شفتيها وقشعريرة في جسدها ليشعر بها فابتعد عنها وتراجع خطوتين للخلف وانتظر أن تفتح عيناها ولكن ما زالت واقفة مكانها كالصنم فرفع حاجبيه متعجباً وهو يقول: -خلاص يا ندى اخرجي.
فتحت عيناها ببطء لم تجده أمامها حقاً فابتلعت لعابها برهبة ووجدت نفسها تسقط أرضاً واضعة يدها أعلى صدرها.. فهتف باسمها بنبرة تعلوها القلق متقدماً نحوها ليمسك بيديها لينهضها وأحاط خصرها بيده الأخرى متجهاً بها نحو الأريكة وجعلها تجلس عليها.. ثم جلس إلى جوارها ممسكاً بيدها الباردة بين راحتي يديه لتشعر بدفئها.. نظر إليها مقطباً جبينه متسائلاً بهدوء: -ندى ليه كل التوتر ده؟ وضعت يدها الأخرى على جبينها وهي تومئ
بالنفي وقالت بصوت مبحوح: -مش عارفة.. مش عارفة.. أنا لازم أروح أوضتي. ثم نهضت مهرولة إلى الباب وخرجت راكضة إلى الغرفة لتختبئ داخلها وجلست على حافة الفراش تنظر إلى الفراغ بشرود وكلماته تتردد في أذنيها بصوته الرجولي الذي خطف قلبها ”الحقيقة إني بغيّر عليكِ يا ندى“.. أخذت تلك الجملة تتردد في أذنيها حتى استوعبتها وألقت بظهرها إلى الفراش تنظر إلى السقف بابتسامة رقيقة.. ***
مضت ثلاثة أيام لم يحدث شيئاً جديداً سوى سفر والدته إلى كندا.. وحافظت ندى على ألا ترى رحيم فتشعر بالخجل الشديد ولم تستطع أن تنظر إليه قط.. كانت تتناول الغداء قبل معاده حتى لا تضطر وتراه على مائدة الطعام.. واليوم ذهبت مع ريان وأشرقت إلى المدرسة بسيارتها فقد أرسلت المعلمة جواباً إلى ولي أمر ريان..
دعت أشرقت لتدخل إلى فصلها ثم أمسكت بيد ريان واتجهت نحو مكتب المديرة ودخلت بعد أن أذنت بالدخول.. تصافحا ورحبت المديرة بها ثم جلست على المقعد المجاور للمكتب وريان يقف بين قدميها وتضمه إليها وبعد حديث طال بينهم عن ريان ختمت المديرة حديثها بتذمر: -دا غير أن واجب الرياضيات يومياً كاتبه غلط.. ومش بيحفظ دروسه ولو حد من زملائه اتكلم معاه بيتخانق معاه. تنهدت ندى بحزن وأخذت تمسح على شعر ريان وقالت بهدوء:
-أوعدك أن ريان هيتغير تماماً وهيكتب واجباته صح كمان.. أنا واثقة من كده لأن أشرقت اتغيرت تماماً ولما بتكلم معاها بتحكيلي عنك. اتسعت ابتسامة ندى ثم استأذنت وخرجت من المكتب بل من المدرسة بأكملها.. توقفت عن السير وجلست على ركبتيها أمام ريان الحزين ومدت له يدها وهي تقول: -أي رأيك نروح الملاهي سوا والمقابل إنك تسمع كلامي ونكتب الواجب سوا. نظر إليها للحظات ثم وضع يده في يدها وقال مبتسماً: -ديل.. موافق.
قبلته على وجنته ثم نهضت وفتحت له باب السيارة ليجلس على المقعد ووضعت حزام الأمان عليه ثم اتجهت إلى الباب الثاني لتجلس أمام المقود وغادرت متجهة نحو مدينة الألعاب..
عند وصولها صفت السيارة داخل المكان المخصص للسيارات.. ثم حررت ريان من حزام المقعد لينزل من السيارة ودخلا إلى مدينة الألعاب.. ثم استقلوا لعبة تسير ببطء ثم تسقط في المياه فأغرقتهم ليرفع ريان يديه يصرخ بسعادة.. ثم ترجلوا منها وندى ترفع شعرها المبلل على هيئة كعكة ثم أخذته واستقلوا الكثير من الألعاب ثم جلسوا لتناول المثلجات والفشار..
بعد مضي ثلاث ساعات تقريباً نظرت ندى إلى ساعة يدها التي تدق الحادية عشرة والربع صباحاً ثم انحنت بجذعها ومسحت على أنف الصغير قائلة: -يلا بقى على البيت ترتاح شوية وبعدين نبدأ مذاكرة. حرك رأسه موافقاً وأحاط عنقها بذراعيه الصغيرتين فضمته إليها رافعة إياه عن الأرض فقال بسعادة: -شكراً يا ندى حبيبي ندى. قالت كلماتها وهي تضمه إليها أكثر ثم أنزلته برفق وأمسكت يده لتغادر المدينة عائدة به إلى المنزل. ***
كان رحيم يبحث عنها في جميع أنحاء المنزل فقد شعر بالاشتياق إليها ولم يتحمل فراقها أكثر.. دخل إلى المطبخ يسأل عنها لتخبره السيدة وفيه بأنها ذهبت إلى المدرسة لتتابع أخبار الطفلين لترتسم ابتسامة على شفتيه لكونها تهتم بأطفاله بهذه الطريقة.. ثم خرج من المطبخ ليستمع إلى صوت سيارة فعلم أنها ندى فدخل المطبخ ثانية وقال بهدوء:
-ممكن تعمليلي قهوة وبلاش تطلعي أنتِ علشان تعب رجلك.. ابعتيها مع ندى هي وصلت.. على بس ما اتكلم مع واحد صاحبي في الجنينة. أومأت موافقة وبدأت في تحضير القهوة فيما صعد رحيم إلى غرفته ولم يتحدث مع صديقه كما أخبرها لتوافق ندى بأن تصعد إلى غرفته بعد أن تعلم أنه ليس داخلها.. فيما دخلت ندى مغلقة الباب خلفها وتركت ريان يصعد إلى غرفته سريعاً.. بينما هي اتجهت نحو المطبخ لتلقي السلام على السيدة وفيه وبعد تبادل السلام
قالت وهي تتابع القهوة: -ندى معلش طلعي القهوة دي لرحيم بيه في أوضته. شعرت بالتوتر بمجرد أن سمعت اسمه فقط فماذا عن مقابلتها له وجهاً لوجه وتساءلت بتوتر: -هو… هو في أوضته؟! أجابت وهي تضع القهوة داخل الفنجان: -لاء هو في الجنينة هيخلص تلفون ويطلع.
زفرت بهدوء وشعرت بالارتياح قليلاً ثم تناولت صينية القهوة الصغيرة من يدها وخرجت لتصعد الدرج ووقفت أمام الغرفة ممسكة بالمقبض لتديره.. فنهض رحيم عن الفراش سريعاً ووقف خلف الباب.. فيما دخلت ندى مباشرة إلى الاتجاه اليمين لتضع القهوة على المنضدة الصغيرة الذي أمامها المقعد الذي يشبه الكتاب المفتوح.. ثم التفتت متجهة نحو الباب بخطوات سريعة قبل أن يأتي رحيم ولم تعلم أنه خلف الباب.. وكادت أن تخرج ولكن كان رحيم أسرع منها في إغلاق الباب.. لينتفض جسدها وشهقت بفزع ثم ركضت إلى الباب محاولة فتحه ولكن أمسك بمعصمها ليديرها إليه وجعل ظهرها يلتصق بالباب..
فأطرقت رأسها بتذمر، وهو يتأمل ملامحها باشتياق واضح قائلًا: «لازم أعمل خطة يعني علشان أشوفك». شعرت بقشعريرة في جسدها بمجرد أن سمعت صوته اللي اشتاقت أذنيها لسماعه، وقالت بتوتر: «عايزة أروح أوضتي أرتاح». تنهد بسأم ومسح على وجهه، ثم قال بتأفف: «أعمل إيه علشان تتعاملي معايا زي الأول؟!
». عضت على شفاها السفلى مغمضة عيناها، فاقترب منها وأمسك بيدها رافعًا إياها إلى شفتيه ليطبع قبلة رقيقة على راحتها، لتعشر بدفء شفتيه. فجزت أسنانها وحاولت سحب يدها، ولكن شدّد عليها مثبتًا إياها على شفتيه، ثم وضعها على وجنته لتشعر بلحيته السوداء كم هي ناعمة، وتود أن تراها ولكن الخجل يسيطر عليها كليًا. فيما كان ينظر إليها بجدية الحب المنبعث من عيناه، رافعًا يده الأخرى نحو ذقنها التي أمسك بها وقال
بجدية ممزوجة بنبرة حب: «ندى بصي لي .. بصي لعيوني .. فيها كلام كتير عايزك تقرئيه». حاولت أن ترفع رأسها ولكن هذا صعبًا عليها حقًا، فطلب منها أن تنظر إليه ثانيةً فحركت رأسها بالنفي عدة مرات، ثم وجدت نفسها تبكي. فتنهد بهدوء وجذبها إليه واضعًا وجنتها اليسرى على صدره، مستندًا بذقنه على رأسها قائلًا: «خلاص بطلي عياط ...
بلاش شغل الأطفال ده». قال آخر كلماته بمزاح، فتوقفت عن البكاء ورفعت يدها متجهة نحو وجنتها، وقبل أن تصل إليها كان قد قابضًا على معصمها وابتعد عنها لينظر إليها، فأطرقت عيناها وشعرت بأنامله تمسح دموعها
وهو يقول بنبرته المميزة: «أنا اللي اتسببت في الدموع دي، فلازم أنا اللي أمسحها..». ثم طلب منها أن تنتظر دقيقة وتركها متجهًا نحو باب خزانة الثياب ودخل. فنظرت حولها مستنشقة عطره بأريحية واضعة يدها أعلى صدرها. وعندما عاد رحيم أطرقت رأسها لتشعر بالخجل يتجدد داخلها مسيطرًا على قلبها بقوة. فيما أمسك الأخير يدها يرافقها إلى الأريكة التي تشبه مقاعد الملوك وجلسوا عليها، ثم وضع رابطة عنقه على عينيه وقيدها من الخلف جيدًا حتى لا يرى سوى الظلام. أمسك بيدها يرفعها إلى حيث عينيه لتشعر
برابطة العنق وهو يقول: «يلا يا ندى بصي لي بقلب جامد». رفعت رأسها ببطء لتنظر إليه أخيرًا لتراه يغطي عينيه. فلاحت ابتسامة جانبية على ثغرها وأخذت تفحص ملامح وجهه بتمعن واشتياق، وهي تخبر نفسها أنها اشتاقت لرؤيته كثيرًا ويتجدد حبه في قلبها في كل دقيقة تمضي عليها. هبطت بيدها إلى وجنته لتحرك أناملها على لحيته الناعمة دون وعي، فاقترب منها برأسه حتى أصبحت المسافة بينهم شبه معدومة، لتختلط أنفاسهم لتصبح واحدة. رفع يده ليضعها
على وجنتها الناعمة، وأخذ يمررها على وجهها حتى هبطت إلى شفتيها في رحلة إلى عنقها الناعم ليحيط عنقها، وهي ما زالت شاردة في ملامح وجهه، وفاجأها بخطف قبلة من شفتيها بعد أن انحنى برأسه قليلًا ملتصقًا بأنفه في أنفها بقوة تاركًا يدها. ليضع يده على شعره من الخلف ليفك رابطة عنقه ويزيحها عن عينيه، ثم أحاط عنقها بيديه يقبلها بشغف وحب، ليس لديه رغبة في أن يبتعد عنها، يود أن يظل يقبلها حتى آخر نفس في عمره. فاقت على نفسها عندما
ابتعد عنها ببطء ليأخذ نفسًا عميقًا، ثم عاد بتقبيلها ثانية. جحظت عيناها لتشعر بعدها بقشعريرة في جميع مفاصل جسدها، وفي لحظة أغمضت عيناها مغشيًا عليها. ليشعر بثقل جسدها فابتعد عنها فورًا لتميل رأسها يمينًا. فربت على وجنتها بلطف
يناديها بنبرة قلق واضحة: «ندى .. ندى .. بطلي دلع يا ندى..». شعر ببرودة جسدها أسفل أنامله فاتسعت عيناه بقلق نابع من قلبه الذي حتما سيتوقف عن النبض. حملها على ذراعيه واضعًا إياها على الفراش برفق، ثم وضع الغطاء عليها وتناول الهاتف ليتصل على دكتور صيدلي قريب من منزله، وطلب منه أن يحضر عاجلًا، ثم أنهى المكالمة وجلس بجوار ندى ممسكًا بيدها ويمسح عليها وينظر إليها بقلق. بعد دقائق رن جرس الباب فعلم بأنه الطبيب، وخرج مسرعًا يهبط الدرج بدرجتين، فيما خرجت السيدة وفيه من المطبخ متجهة نحو الباب، فقال مسرعًا: «سيدة وفيه خليكي أنا هفتح..». توقفت عن السير تنظر إليه وكادت
أن تتحدث ألا أنه تابع: «دا صديق ليا جايلي .. اتفضلي أنتِ انتظري حتى دخلت المطبخ حتى لا تعلم شيئًا وتقلق على ندى. ثم فتح الباب مرحبًا بالدكتور، ثم أخذه إلى الطابق العلوي من ثم إلى غرفته وأغلق الباب. فقام الدكتور بقياس ضغطها وبعد أن انتهى تناول
واحدة من حبوب الضغط وقال: «هي بخير بس ضغطها واطي بسبب توتر شديد..». ثم أعطى له الحبة متابعًا: «أول ما تفوق تاخدها وهتبقى كويسة .. بس تبعد عن التوتر». أومأ بالفهم ثم أعطى له المال ورافقه حتى غادر وعاد إلى ندى ثانيةً. وضع القليل من الماء على يده ومسح على وجنتيها برفق، وانتظر لدقائق قليلة حتى بدأت تفتح عيناها ببطء رافعة يدها لتضعها على رأسها. فلاحت ابتسامة على ثغرها، وعندما رأته أمامها شهقت بفزع ورفعت ظهرها عن الفراش محاولة الهرب من نظراته. فأمسك
بذراعيها وهو يقول بجدية: «ندى أنتِ دايخة .. اصبري». أشاحت بوجهها بعيدًا فتركها وأخرج الحبة من التغليف الخاص بها، ثم قرّبها من شفتيها فنظرت إلى يده بلهفة ثم أخذت الحبة وتناولت بعدها الماء. عندما تذكّر هيئتها همّ بالضحك داخليًا كاتمًا ضحكته تاركًا أثرها بابتسامة خفيفة على ثغره ناظرًا إلى الأمام. انتظرت للحظات ثم وضعت قدميها على الأرض وجاءت تقف، أمسك بيدها فأغمضت عيناها وهو يتساءل باهتمام: «عاملة إيه دلوقتي؟!
». حاولت أن تحرر يدها من يده ولكن تشدّد عليها وهي تجيب بارتباك: «أحسن .. متشكرة». قطب جبينه بمرح وهمس بجدية: «اغمى عليكِ من قبلة واحدة .. ماكنتش أعرف إنك رقيقة أوي كده». ضربته على صدره بيدها الأخرى بطريقة
طفولية وهي تقول بحنق: «أنت وقح .. وأبعد عني بقى». لم يستطع كتم ضحكاته أكثر وانفجر ضاحكًا ثم ترك يدها، فنهضت تركض إلى الباب لينهض هو الأخير مستديرًا بقامته لينظر إليها حتى خرجت مغلقة الباب خلفها. وضعت يديها على وجنتيها لتشعر بحرارتها العالية، ثم خبأت نفسها في غرفتها وهي تتوعد بأنها ستحاول بشتى الطرق أن تبتعد عنه ولن تراه ثانية. «بعد مدة من الزمن..» موعد وصول أشرقت إلى المنزل فخرجت من غرفتها لتستقبلها كعادتها، وأخذتها إلى الغرفة لتساعدها في تبديل ثيابها، ثم تركتها تذهب إلى غرفة الطعام وجلست مع أبيها وعمها وشقيقها يتناولون الغداء في صمت، فيما تناولت ندى الغداء مع السيدة وفيه
في المطبخ فتساءلت بفضول: «مبقتيش تتغدي معاهم ليه زي الأول؟! ». ارتبكت في البداية ولكن سرعان ما استعادت نفسها وأجابت بثبات: «علشان مستر علاء .. يعني هما عيلة مع بعض».
لتقول بجدية: «ما تقوليش كده يا ندى .. أنتِ بقيتي واحدة منهم». ابتسمت متمتمة بالشكر، وبعد الانتهاء من تناول الطعام صعدت ندى إلى غرفة ريان لتساعده في واجباته المدرسية بحب، ولم يخلُ الدرس من المرح والمشاكسة بينهم. وبعد أن انتهى من الرياضيات وبدأ بالحل وحده دون مساعدة ندى، صفقّت له بابتسامة واسعة ثم قبلته على وجنته، فنهض من مكانه متجهًا نحوها ليقبلها
على وجنتها ثم قال بسعادة: «شكرًا». أجلسته على قدميها وبدأت تمزح معه بالدغدغة ليضحك بصوت عالٍ. فيما فتح رحيم الباب ووقف ينظر إليهم بابتسامة جانبية، ثم دخل مغلقًا الباب خلفه لينظروا إليه، ولكن سرعان ما أشاحت ندى بوجهها بعيدًا وقلبها بدأ يدق في صدرها. فيما ركض ريان إلى والده بابتسامة واسعة ليعانقه، رحيم حاملًا
إياه عن الأرض وقال بسعادة: «أيه الضحكة الحلوة اللي ردت روح بابا دي..». قبّل ريان على وجنته فيما نهضت ندى عن الأرض تُوَلِّي ظهرها وتفرك في أصابع يديها. في حين قال رحيم موجِّهًا حديثه لها: «شكرًا يا ندى عشان أنتِ السبب في السعادة دي». ابتسمت باضطراب ثم التفتت متجهة نحو
الباب بخطوات سريعة قائلة: «العفو .. هسيبكم مع بعض شوية». ثم خرجت مغلقة الباب خلفها تزفر بهدوء، ثم هبطت الدرج لترى علاء يجلس على الأريكة واضعًا قدميه أعلى المنضدة المقابلة له يعبث في هاتفه بملل. وعندما رآها ترك الهاتف جانبًا لينادي عليها فاقتربت منه ووقفت تنظر إليه في صمت، فقال وهو يتفحّصها
ببرود: «ممكن تعملي لي قهوة..». كادت أن تتحدث ألا أنه قال مسرعًا: «عارف إنك هنا علشان الأولاد بس .. لكن أنا بحب دايماً أدوق القهوة من إيد الجميلات». رفعت حاجبها متمتمة بالشكر على ذوقه العالي كالبلهاء، ثم تقدّمت نحو المطبخ ودخلت لتقوم بتحضير القهوة المضبوطة له. عقب انتهائها حملت صينية الفنجان الصغيرة وخرجت متجهة نحوه، وفي نفس الوقت كان رحيم يهبط الدرج وتفاجأ عندما رآها تضع أمامه فنجان القهوة، وقف كالصنم يتابع هذا عن بعد. طلب علاء منها أن تنتظر حتى يتذوّق القهوة، ثم أخذ أول رشفة ليرفع حاجبيه بإعجاب، ثم تناول ثاني رشفة ونظر إليها بإعجاب قائلًا: «رائعة .. زيك بالظبط يا ندى..». ثم وضع الفنجان ومد يده إليها متسائلًا: «تسمحي لي؟؟
». نظرت إلى يده بعدم فهم متسائلة: «أسمح لحضرتك بإيه؟ مش فاهمة». مد يده ليمسك بيدها فتعجّبت له وهو يقول بابتسامة ماكرة: «أمسك إيدك..». طبع قبلة رقيقة عليها فجحظت عيناها وسحبت يدها فورًا، فيما جَزَّ رحيم أسنانه وهبط الدرج كالوحش القاتل، بينما هو قال بهدوء: «كان لازم أبوس الإيد اللي عملت القهوة».
قال رحيم بصوت جهوري: «ندى .. تعالي عايزك في مكتبي بخصوص ريان». نفّخت في شدقيها بسأم وتركت علاء يحتسي القهوة بأريحية، ولحقت برحيم الذي دخل الغرفة للتو لتجده يشعل سيجارته ونفث دخانها بعصبية، ثم طلب منها أن تغلق الباب لتنفّذ رغبته ووقفت تنظر إلى الأرض تفرك في أصابع يديها. نظر إليها قاطبًا حاجبيه بتذمر وتساءل ساخرًا: «أنتِ هنا بتشتغلي ساعي ولا مربية للأطفال؟! ». تنهدت
بصوت مسموع وقالت بسأم: «هو طلب مني قهوة فـ..». قاطع حديثها بعصبية مفرطة وهو يحدّق بها بعينين لامعتين من الغيرة: «ارفضي .. أنتِ هنا علشان الأطفال وبس .. مفهوم؟ ». تجمع الدموع حول مقلتيها وقالت بنبرة بكاء: «أنا بجد مليت .. شوية تعاملني بهدوء وشوية بعصبية .. وأنا معملتش حاجة لكل ده أصلًا». أطفأ السيجارة التي لم تنتهِ بعد وزفر بهدوء ليرخي أعصابه، وتحدّث
بهدوء ولكن بصوت رجولي: «ندى ممكن تبصي لي .. أنا مش عارف أتكلم معاكِ..». فكرَتْ أن تنظر إليه ولكن في لحظة تذكّرت قبلته فشعرت بالخجل الشديد والارتباك، ولم تمتلك شجاعة كافية لتنظر إليه. انتظر للحظات طويلة
ولم تنظر إليه فقال بهدوء: «خلاص براحتك .. بس عايز أقولك تجنبي علاء على قد ما تقدري .. صعب عليَّ أقولك كده علشان هو في الأول وفي الآخر أخويا الكبير .. لكن هو وصلني لكده». تذكّرت حديث السيدة وفيه عنه فأومأت بالفهم، وهو يتمعّن بالنظر إليها يود أن يعتذر لها على حديثه الحاد معها، ولكن شيئًا ما داخله منعه من الاعتذار. فَمَسَحْ على شعره من الأمام للخلف وهو يتقدّم نحوها لترى أقدامه التي تقترب منها، فَتَرَاجَعَتْ للخلف حتى التصق
ظهرها بالباب وقالت بتوتر: «أنا .. أنا ورايـ..». توقّف عن السير عندما علم بتوترها مقاطعًا
لها بحنق: «روحي شوفي ريان». غادرت فورًا مهرولة إلى الدرج ثم صعدت تحت أنظار علاء حتى دخلت غرفة ريان. بعد لحظات خرج رحيم متجهًا نحو شقيقه وجلس على المقعد المجاور للأريكة واضعًا قدمًا فوق الأخرى، فَنَظَرْ علاء إليه ببرود وهو يضع سبابته داخل الفنجان بعد أن انتهى من تناوله للقهوة، ثم وضَعَهُ في فَاهْ يَتَذَوَّقُ البنْ مَهْمُومًا بِاسْتِمْتَاعٍ. لينظر رحيم إليه بنظرة نارية وقال بحدَّة: «علاء، انكل مختار كل يوم بيستناك ومبتروحش المصنع». زفر بسأم ووضع الفنجان أعلى المنضدة وقال مضطَّرًا: «خلاص هروح بكرة يا رحيم».
قال بجدية: «تمام .. المهم بقى .. ندى هنا علشان ريان وأشرقت مش علشان تعملك قهوة..». تساءل ببرود: «ومين يعملي قهوة؟! ». ليجيب عليه بنفس البرود حتى لا يعصِب: «في خادمة هنا وكمان السيدة وفيه موجودة». ابتسم بخفَّة وقال ساخرًا: «آه أنت عايز ندى تبقى خاصة بيك». ليتعجَّب من حديثه متسائلًا: «خاصة بيا؟ تقصد إيه؟! أجاب بوقاحة: -أقصد إن إنت وهي مع بعض في المكتب وقافلين على نفسكم في المكتب، معرفش بتعملوا إيه يا دهاعب.
يعبث لسانه داخل فاه. يضرب بقبضته على يد المقعد غاضبًا من حديثه، بل اشتعلت نيران الغيرة في قلبه. لا يطيق كلمة عليها وكاد أن ينهض ويكسر فكه أشلاء حتى لا يستطيع أن يتحدث ثانية، ولكن تمالك نفسه لكونه شقيقه الأكبر وقال بصوته الرجولي الحاد: -مش هرد عليك علشان أنت للأسف أخويا الكبير وعلشان إنت في بيتي. ولآخر مرة هقولك ملكش دعوة بندى ومتفكرش إنك تجيب سيرتها على لسانك تاني.
ثم نهض من مكانه متجهًا نحو المكتب ليدخل مغلقًا الباب خلفه بقوة. حتى لا يتشاجر معه فلا يطيق أن ينظر إليه. فيما تناول علاء الفنجان مستندًا بظهره إلى الأريكة واضعًا قدميه أعلى المنضدة وبدأ يخرج البن بسبابته لتذوقه وكأنه مخدر اعتاد عليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!