دفع الباب بعنف بالغ ودخل، رغم السكيرتيرة التي تحاول منعه، لكنه دخل. بل أمسك ذاك القابع على مكتبه من مقدمة ملابسه، صائحًا بعنف: -فين بنتي يا ضرغام؟ أنا متأكد إن إنت اللي خطفتها. أبعد ضرغام يديه عن قميصه ببرود، ونظر إلى السكيرتيرة قائلاً: -روحي إنتِ على شغلك دلوقتي. ما إن خرجت السكيرتيرة حتى صاح مجددًا: -بقولك فين بنتي؟ -بنتك بخير.
قالها ببرود، وكأنه لم يفرق فتاة عن أهلها ويسبب لهم الرعب والذعر. بينما خاب أمل محمد الأخير بأن يكون ضرغام ليس الفاعل، وجُن جنونه من بروده، قائلاً: -إنت إيه؟ معندكش إحساس؟ اسمع... البنت ترجع البيت، فاهم؟ استدار ضرغام ينظر عبر ذلك الحائط الزجاجي الذي ينظر منه دائمًا، وقال: -بنتك في بيتها أصلًا. -إيه؟ إزاي يعني؟ قالها محمد بدهشة، بينما استدار له ضرغام مجددًا قائلاً بابتسامة باردة: -اطمن يا عم محمد... بنتك في بيت جوزها.
صاح محمد غاضبًا وهو يعيد إمساكه من مقدمة قميصه: -عملت اللي في دماغك واتجوزتها؟ هذه المرة أزاح ضرغام يديه بحدة، وقد تخلى عن بروده، وصاح: -متعملش نفسك مش واخد بالك إني بحبها... رفضتني لما اتقدمتلها، وكنت هتجوزها بسرعة لأقرب عريس كويس اتقدم عشان تحميها مني، مش كده؟ لم ينطق محمد بشيء، فهو لا يستطيع إنكار ما قاله. بينما ابتسم له ضرغام بانتصار. ***
كان يقف أمام ذلك الحائط الزجاجي كالعادة في السادسة مساءً، يراقب تلك الفتاة عادية الملامح، ولكنها جميلة في عينيه بشكل لا يوصف. لكم يهيم بها عشقًا، تلك الفتاة! يحبها بشكل لا يوصف، ولا يجد مبررًا لهذا الحب حتى الآن. فقط يحب رقتها، صوتها الناعم، ملامحها العادية، طيبتها، ملابسها المحتشمة. هو باختصار، يحب كل شيء بها، ولكن يكتفي بالمراقبة من بعيد. ابتسم بمرارة قائلاً في نفسه: -هي فين وأنا فين.
راقب خروج أباها من الشركة ورحيلهما معًا. تحرك بثقل ليجلس على كرسي مكتبه الوثير. منذ عام تقريبًا وهو يراقبها من بعيد، فهو يحبها بجنون، ولكن لم يحاول الاقتراب، فهو مختلف عنها كثيرًا. والدها يعمل بشركته، فهو محاسب مجتهد، وعلم من مصادره الخاصة أن تلك الفتاة تسمى ياسمين. تخرجت من كلية الصيدلة منذ عام، وتعمل في شركة أدوية قريبة بعض الشيء من شركته التي يعمل بها والدها.
تنهد، مرجعًا رأسه إلى الخلف بإرهاق. حبها يرهقه ويثقل قلبه كحامل الهم. طُرق الباب ودلف شخص إلى الداخل، ولكنه لم يتحرك من مكانه ولم يفتح عينيه المغمدتين حتى، فهو يعرف هوية الطارق، فمن ذا الذي يجرؤ أن يدلف إلى مكتبه أو أن يطرق بابه حتى قبل السادسة والنصف مساءً، إلا إذا كان صديقه المقرب سليم. منذ أن وقع صريع حبها، وهو يحرم على الجميع دخول مكتبه من السادسة حتى السادسة والنصف، وذلك حتى لا يرى أحد نقطة ضعفه... حبه المؤلم.
قال سليم، وهو يراه متألمًا كالمعتاد: -ضرغام... إنت لازم تحط حد للموضوع ده بقى. لم يجبه ضرغام، ولم تتغير حالته. تنهد سليم جالسًا على أحد الكراسي أمام مكتبه، قائلاً: -طب فهمني ليه مش عايز تاخد خطوة؟ اعتدل ضرغام في جلسته، مبتسمًا بسخرية، قائلاً: -لو اتقدمتلها هترفضني. -إنت إيه اللي مخليك متأكد أوي كده أنها هترفضك يعني؟ نهض ضرغام واقفًا أمام الحائط الزجاجي من جديد، يراقب الشارع، قائلاً: -البنت دي متدينة جدًا يا سليم...
إيه اللي هيخليها تقبل بواحد زيي؟ نهض سليم واقفًا أمامه، قائلاً بجدية: -اسمع يا ضرغام... إنت قلت لي قبل كده إن البنت بيجيلها عرسان... يعني ممكن تضيع من إيدك. لو إنت عايزها بجد لازم تاخد خطوة، يا إما تغض النظر عنها بقى. قال ضرغام، وهو ما زال يراقب الشارع بشرود: -مش هينفع... مش هينفع أتقدملها ومش هينفع أغض النظر عنها. -أيوة وبعدين يعني ما لازم الموضوع ده يكون له آخر. أكمل سليم بغير اقتناع:
-البنات بتموت فيك ونفسهم في نظرة منك... إشمعنا دي يعني اللي هترفضك؟ التفت ضرغام له، قائلاً بجدية: -عارف محمد عبد الكريم المحاسب؟ رد سليم سريعًا: -آه طبعًا أعرفه... وهو في حد ما يعرفوش في الشركة؟ ده راجل فريد من نوعه. -أهي البنت دي بقى تربيته. تنهد سليم بسأم، قائلاً: -خلاص بقى يا ضرغام، هو مفيش غيرها. على فكرة فيه بنات حلوة ومحترمة وكل حاجة... إدي نفسك فرصة تبص بره. تنفس ضرغام بعمق، محاولًا كبح عصبيته: -سليم. -نعم.
-اطلع بره عشان متغباش عليك. -حاضر. قالها سليم بطاعة، فهو لا يود إغضابه على كل حال، فضرغام من الشخصيات العصبية نوعًا ما، ورغم أنه يسيطر على عصبيته، ولكن أحيانًا يعميه غضبه، وحاليًا لا يريد سليم لوجهه الوسيم أن يتشوه. *** وصلت ياسمين إلى منزلها مع والدها محمد، وكالعادة استقبلتهما أختها ريم بمرحها الدائم.
ياسمين فتاة رقيقة للغاية، كل ما بها رقيق، صوتها الناعم، شعرها البني الطويل نسبيًا، عينيها البنيتان. ورغم أنها لا تعد جميلة، إلا أن ملامحها أيضًا رقيقة، على عكس أختها الصغرى تمامًا. ريم أختها الصغرى، حاليًا هي في السنة الثانية بكلية الألسن. شرسة بعض الشيء، ورغم تشابه ملامحها مع ملامح أختها، إلا أن ملامحها تبدو قوية، ليست رقيقة كما هي أختها. -سمسمة يلا غيري هدومك وتعالي... عملت لك البيتزا اللي بتحبيها.
كانت ريم هي من قالت تلك الكلمات، فردت عليها ياسمين سريعًا: -حاضر... هغير بسرعة وجاية حالًا. ذهبت ياسمين لتبدل ملابسها سريعًا، بينما سعدت ريم لسعادة أختها. جاءت ياسمين بسرعة، قائلة: -يلا... أنا جعانة موت. خرجت والدة ياسمين، المدعوة منيرة، من المطبخ، قائلة لياسمين باستنكار: -مش كنتي أكلتي حاجة تنفعك عشان الأنيميا اللي عندك يا ياسمين. رد زوجها محمد: -خلاص يا منيرة، سيبها تاكلها مرة من نفسها.
ابتسمت ياسمين لوالدها برقة، وشرعت في الأكل، بينما تنهد محمد ناظرًا إليها بعدم ارتياح وقلق. يعلم أن رقتها تلك تجذب الشباب إليها، حتى وإن كانت عادية الملامح وقصيرة القامة نسبيًا، حتى وإن كان وزنها أقل من المفترض أن يكون عليه، فهي نحيفة نسبيًا وتعاني من أنيميا وينخفض ضغط الدم لديها في بعض الأحيان.
يقلق عليها بقدر كبير، حتى أنه لا يقلق على ريم بذلك القدر، فرُيم شرسة، قوية، تجيد الدفاع عن نفسها وقت الحاجة لذلك، على عكس ياسمين الرقيقة. أفاق من دوامة أفكاره على صوت زوجته منيرة: -مالك يا محمد؟ مش بتاكل ليه؟ أجاب سريعًا حتى لا ينتابها الشك، فقلبها الأمومي سيذعر إن علمت بما يفكر به: -باكل أهو. *** كان ضرغام غارقًا بالعمل، حين دخل سليم إلى مكتبه، قائلاً: -ضرغام... مش يلا بقى. -طب أنا هروح أعمل إيه يعني؟
قال سليم جالسًا بإرهاق: -ترتاح شوية يا بني. ثم أكمل وهو يتثاءب: -وأنا كمان عايز أرتاح وأنام شوية. أنهى حديثه، ناظرًا لضرغام، فوجده لا يسمعه من الأساس، فهو قد غرق بالعمل من جديد. قال سليم باستنكار وهو ينهض: -أنا ماشي... خليك إنت كده. رحل سليم، وظل ضرغام على حاله لعدة ساعات أخرى. *** في الصباح، كانت ياسمين تستعد للذهاب للعمل، عندما قالت منيرة: -ابقي كُلي حاجة يا ياسمين بدل ما تدوخي في نص اليوم. قالت ياسمين بملل:
-حاضر يا ماما. خرجت ياسمين من المنزل، ذاهبة إلى عملها. وصلت إلى الشركة أخيرًا، وذهبت مباشرة إلى مكتبها المجاور لمكتب صديقتها سلمى، قائلة: -السلام عليكم. ردت سلمى السلام، مرحبة بياسمين، قبل أن تقول: -عرفتي إن صاحب الشركة عرضها للبيع؟ اندهشت ياسمين، وقالت برجاء: -لا متهزريش. -والله عرضها للبيع. جلست ياسمين على الكرسي الذي خلف مكتبها بخيبة أمل، قائلة: -فيه ناس كتير هتتأذى من الموضوع ده. ردت سلمى بتفكير:
-لو اللي هيشتري الشركة مش هيقفلها ولا هيغير الموظفين، يبقى محدش هيتأذى. -ولو غيروا الموظفين؟ -هنتأذى كلنا... تفتكري إيه اللي هيحصل؟ ردت ياسمين بتنهيدة: -مش عارفة... الله أعلم. *** حمل سليم بعض الأوراق، متجهًا إلى مكتب ضرغام. طرق الباب وفتحه، دالفًا إلى الداخل. كان ضرغام يقف أمام الشرفة يراقب الشارع. فقال سليم: -خير... واقف عندك من دلوقتي ليه؟ لم يجبه ضرغام. فاقترب سليم منه، قائلاً: -إنت جيت إمتى؟ أجاب ضرغام،
وهو ما زال يراقب الشارع: -أنا مروحتش أصلًا. تنهد سليم بقلة حيلة، فهذا ليس جديدًا على ضرغام. -نفسي أعرف مبتروحش ليه... هو إنت ملكش بيت؟ تنهد ضرغام بثقل، قائلاً: -لا ليا... بس فاضي. ثم أكمل بمرارة: -عارف إن أنا شخصية غريبة، بس مبحبش الوحدة... أنا هروح البيت أعمل إيه يعني؟ هاكل وأنام عشان أجي تاني الصبح... طب ما أنا بعمل كده هنا... باكل وبنام في الأوضة اللي جنب المكتب. استدار ينظر لسليم، قائلاً:
-عارف امتى هيكون فيه سبب بجد يخليني أرجع البيت؟ كان سليم في انتظار ما سيقوله، عندما قال ضرغام بتمني: -لما أتوز ياسمين. تحرك ضرغام، جالسًا خلف مكتبه، بينما زفر سليم بضيق، ثم قال: -طب بقولك إيه... ما تحاول تلفت نظرها ليك. قال ضرغام بدهشة: -ألفت نظرها؟! جلس سليم أمام المكتب، قائلاً بجدية: -أيوه تلفت نظرها. -إزاي؟ -كل اللي عليك تعمله إنك تنزل الساعة ستة تركب العربية وتمشي، وتكون بس متشيك كده ومسرح شعرك حلو.
صاح به ضرغام بحدة: -إنت أهبل يا بني؟ قلت لك دي غير... مش هتبص لي عشان لابس شيك ووسيم وشعري حلو. قال سليم سريعًا: -يا بني افهم... ليه ميكونش عم محمد لما بيروح بيحكي عن شغله شوية، وأكيد جاب سيرتك في مرة، فممكن هي يكون عندها فضول تعرف الراجل ده شكله إيه. قال ضرغام بتفكير: -ولو مطلعش عندها فضول؟ رد سليم ببساطة: -يبقى مخسرتش حاجة... بص إنت شكلك ملفت للانتباه أصلًا، مش عشان وسيم ولا كده لأ...
بس إنت عندك هيبة كده بتلفت النظر. كل اللي أنا عايزك تعمله بس إنك تنزل الساعة ستة تعدي من قدامها كده وتركب العربية وتمشي... بس مش أكتر... كأنك بتقول لها أنا موجود... بس. فكر ضرغام قليلًا، ثم قال: -ولو ملفش نظرها؟ -يبقى مش مكتوبالك بقى... أعملك إيه؟ -خلاص موافق. قالها ضرغام بحماس، فهو أخيرًا يأخذ خطوة تجاهها... تجاه من يعشقها قلبه بشدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!