الفصل 20 | من 56 فصل

رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل العشرون 20 - بقلم سارة علي

المشاهدات
26
كلمة
7,450
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

غادر المكان بسرعة وملامحه تنطق بالكثير. اختار المغادرة أفضل من التحدث معها بعدما رآه حيث لا يثق بردة فعله وقتها، خاصة مع ذلك الغضب الذي سيطر عليه كليًا وهو يراها تقف قبالته وتبتسم له بإرتباك خجول. بينما الأخير يتأملها بعينين مشعتين بهما شيئًا خاصًا استطاع تمييزه بسهولة. ضغط على مقود سيارته بعصبية وتشتت لينتبه على رنين هاتفه أخيرًا. والذي أخرجه من حالته تلك ليجذبه فيرى والدته تتصل به.

أجاب على الهاتف مجبرًا رغم عدم رغبته في التحدث مع أحدهم. عندما جاء صوت والدته يسأله عن أحواله باهتمام ولهفة. أجابها يخبرها إنه بخير قبل أن يسمعها تطلب منه القدوم إلى الفيلا. أراد الرفض فلا رغبة له في رؤية أحد الآن. هو يحتاج إلى الانفراد بنفسه قليلًا وموازنة الأمور داخل عقله. هم بالرفض لكن سمع والدته تضيف بنبرة تحمل قلقًا واضحًا: "غالية ليست على ما يرام يا نديم.. أريدك أن تأتي وتتحدث معها فأنت أقرب إليها مني."

صمت قليلًا قبل أن يسأل وقد انتقل القلق إليه: "هل حدث شيء ما لا أعلمه؟! ردت والدته بجدية: "تعال وتحدث معها بنفسك وهي ستخبرك بكل شيء." أضافت بتنبيه: "لكن لا تجعلها تدرك إنني من طلبت منك ذلك." "حسنًا سآتي." قالها بصوت لا يخلو من التعب قبل أن يودعها ويغلق هاتفه مغيرًا وجهته حيث الفيلا الخاصة بعائلته. *** تجلس على سريرها كالعادة تلقي نظرة بين لحظة وأخرى نحو هاتفها.

فهو اتصل بها عدة مرات طوال اليوم وهي بدورها تجاهلت كافة اتصالاته مقررة التمسك بقرارها الذي أخذته. حملت هاتفها تفتحه وتقلب فيه دون اهتمام حقيقي قبل أن تفتح حسابه على الفيسبوك. وتتأمل صوره للحظات فيرف قلبها لا إراديًا نحوه. لكنها تنهر نفسها فورًا. تحاول إقناع نفسها إن الأمر لا يستحق كل هذا التهويل. فهي كانت منذ أيام لا تطيق ذكره حتى فمالذي تغير ليؤثر بها هكذا وبهذا الشكل.

أم إنها من كانت تصطنع كرهه ومن داخلها كانت تنجذب إليه بشدة؟! نهرت نفسها بقوة فهو رغم كل شيء لا يناسبها. وهي شعرت بذلك منذ أول لقاء. فكلامه الجريء وصراحته الفجة لم تعجبها بتاتًا. فهي رغم تحررها الفكري بل المظهري أيضًا لكنها دومًا ما كانت تضع حدودًا صارمة مع الرجال حولها. لذا فهو لم يلقِ استحسانها منذ البداية. وجاء موضوع طلاقه وطفله ليزيد الطين بله. أخذت تقلب في حسابه بفضول فلم تجد سوى بضع صور.

توقفت عند إحداهن حيث كانت تجمعه بطفله يبتسم له بوجه صافٍ وحبه الشديد لابنه واضح داخل عينيه. أغلقت الهاتف بسرعة تنهر نفسها مجددًا على دخولها حسابه والتقليب به. لقد اتخذت قرارها وعليها الالتزام به. وأما عنه ومحاولاته للتوصل معها فستعرف كيف تقطع هذا التواصل تدريجيًا. سمعت صوت طرقات على باب غرفتها. ونهضت من مكانها لتتجه نحو الباب وتفتحه فتجد نديم أمامها. قفزت تحتضنه بسعادة وهي التي لم تره منذ يوم ميلادها.

قبل أن تبتعد عنه بعد لحظات تسأله بقليل من الاستغراب: "أليس غريبًا وجودك هنا وفي هذا الوقت؟! ابتسم بخفة وقال: "جئت لأراكما أنتِ ووالدتي خاصة إن عمار ليس موجودًا هنا هذه الأيام." عقدت حاجبيها تسأله بتعجب: "كيف علمت بعدم قدومه هنا؟! هو بالفعل لم يأتِ إلى هنا سوى مرتين بعد حادثة ليلى حيث يدخل غرفته لدقائق ثم يغادر بعدها." رد بسرعة: "أمي أخبرتني بذلك." أضاف يسألها: "هل ستتركيني واقفًا عند الباب؟! ألن تطلبي مني الدخول؟!

قالت بسرعة وهي تضرب على جبينها بيدها: "بالطبع تفضل." ضحك وهو يدلف إلى الغرفة مغلقًا الباب خلفه. قبل أن يجلس على الكنبة الموضوعة جانبًا فتجلس هي بدورها جانبه تسأله: "إذا كيف حالك؟! وكيف حال حياة؟! لم أتواصل معها بعد عيد ميلاد حيث انشغلت ببعض الأمور لكنني سأتصل بها غدًا." رد باقتضاب: "بخير." سألته بحماس: "متى ستقيمان حفل خطبتكما؟! هل ستطلبها من والدتها أم.." قاطعها بسرعة وعاد الضيق يغزوه مجددًا: "اتركينا من حياة الآن."

ثم أضاف بنبرة جعلها طبيعية كي لا تشك غالية بشيء: "هي الآن مشغولة في وضع والدتها الصحي لذا سنؤجل كل شيء حتى يستقر وضعها وتطمئن هي عليها." ابتسمت قائلة: "شافاها الله وعافاها." أضافت بجدية: "وما أخبار عملك؟! هل بدأت بتنفيذ المشروع؟! قاطعها مجددًا: "اتركينا مني الآن.. أريد التحدث معك." "يبدو إن مجيئك إلى هنا ليس عفوياً كما توقعت." قالتها بخفة ليبتسم وهو يقول: "ذكاؤك دومًا ما يثير إعجابي يا شقيقتي." ضحكت بعفوية ثم قالت:

"ماما من طلبت منك المجيء لأجلي، أليس كذلك؟! تنهد وقال: "هي لم تقل شيئًا سوى إنك لست على ما يرام." أكمل يتساءل بهدوء: "ماذا يحدث معك إذا يا غالية؟! أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت: "ليس شيئًا مهمًا يا نديم.. مجرد شاب يحاول التقرب مني." "من هو؟! سألها بهدوء محاولًا السيطرة من ضيقه من فكرة أن يتقرب شاب من أخته. لكنه يدرك إن غالية لم تعد صغيرة كما إنه يثق بحكمتها ورزانتها.

لذا فلا داعي للخوف لكن رغما عنه يغضب قليلاً من الفكرة أو ربما يغار على شقيقته وحيدته. "شاب عادي يا نديم.. اسمه فراس ولديه أعمال مشتركة مع شركتنا." صمتت قليلًا ثم قالت بصراحة فهي لا تحب الكذب عمومًا خاصة مع شقيقها الذي تجمعها به علاقة وطيدة: "حاول أن يتحدث معي أكثر من مرة بل أرسل لي هدية يوم ميلادي." سألها وقد تغضن جبينه بضيق واضح: "هل أخذتيها؟! ابتلعت ريقها وهي تومئ برأسها لينتفض من مكانه مرددًا بعصبية:

"كيف تأخذينها؟! كيف تأخذين هدية من شخص غريب؟! كيف تتصرفين هكذا يا غالية؟! نهضت غالية من مكانه محاولة تهدئته وقد فاجأتها ردة فعله التي لا تشبه بتاتًا شخصيته العاقلة الرزينة المتفهمة دائمًا. لتقول بصوت متهدج متوتر قليلًا: "اهدأ يا نديم.. أنا كنت سأعيدها له." قاطعها بغضب: "عيد ميلادك منذ ثلاثة أيام يا غالية.. ماذا تنتظرين كي تعيديها له؟! أضاف وهو يحاول السيطرة على غضبه بعدما رأى اضطراب ملامحها:

"افهمي يا غالية.. إنه أمر غير مقبول أن تقبلي هدية من شخص لا يجمعك به أي رابط." ابتلعت غالية غصتها وقالت: "معك حق.. لقد أخطأت وسوف أصحح خطئي." تنفس بقوة ثم قال: "ماذا حدث بعدما أرسل لك الهدية..؟! ردت بصوت خافت متحشرج: "التقيت به في أحد المطاعم.. تحدثنا قليلًا و... صمتت ليسألها بنفاذ صبر: "وماذا؟! ردت بنفس الخفوت: "وجدت إنه لا يناسبني." سألها بملامح هائجة وعينين مشتعلتين: "هل ضايقك؟! هل تصرف بطريقة غير لائقة معك؟!

أجابت بسرعة ونفي: "كلا أبدًا.. على العكس تمامًا.. كان محترمًا في حديثه لكن... توقفت مجددًا تنظر إلى ملامح أخيها المترقبة لتضيف بتجهم: "مطلق ولديه طفل." تجهمت ملامح نديم تمامًا بعدما قالته. ليهتف بسرعة ودون تفكير: "مرفوض.. إياك أن تفكري مجرد التفكير به.. أعيدي له هديته واقطعي علاقتك تمامًا به.. لا أنا ولا أمي سنقبل به.. هل فهمت يا غالية؟!

كان يتحدث بلهجة شعرت بها قاسية و ملامح وجهه الأخرى كانت باردة حانقة بشكل جديد عليه. وهي التي كانت تنتظر ردة فعل مختلفة منه فهو لطالما عرف كيف يحتويها ويساندها في كل شيء. أومأت برأسها تكتم دموعها. ورغم إنها قررت مسبقًا قطع أي مجال للتواصل معه لكن سماعها لرفض أخيها القاطع آلمها بشكل غريب. "كنت سأفعل ذلك أساسًا." هز رأسه متفهمًا قبل أن يقول بقوة:

"لا تكرريها يا غالية.. لا يصح أن تقبلي أي هدية من شخص لا تعرفينه ولا يجمعك به أي شيء." هزت رأسها موافقة ثم رفعت بصرها نحوه لتجد ملامحه محافظة على جمودها. قبل أن يهتف بجدية:

"لا أعلم لماذا أشعر إن هناك شيء داخلك تأثر به ولكن تأثرك به خطأ شديد عليك إصلاحه بسرعة.. مطلق ولديه طفل يا غالية.. الفكرة لوحدها مزعجة ولا أظن إنك مستعدة لتعيشي ما عاشته والدتي بوجود طفل آخر لزوجها من امرأة غيرها.. لا أنا ولا والدتي سنقبل أن تعيشي نفس الوضع وتصبحين نسخة جديدة من والدتي.. أنت تدركين جيدًا ما عاناه الجميع بل عايشتي كل هذه المعاناة والتي ما زالت مستمرة.

لذا انفذي بجلدك كما يقولون واختاري رجلًا لم تسبقك أخرى إليه قبلك ولا يمتلك طفلًا من امرأة سواك." ألقى كلماته الأخيرة على مسامعها وغادر. لتغمض عينيها عينيها بوجع ثم تفتحها وهي تفكر إن ما قاله نديم صحيحًا للغاية. وإن قاله بطريقة قاسية قليلاً لكن الحقيقة مهما كانت قاسية ستظل أفضل بكثير. ومن جديد تتأكد إن قرارها هو الصحيح وبالتالي لا رجعة لها عنه. ***

تسير داخل صالة الجلوس ذهابًا وإيابًا وعيناها لا تفارقان تلك المرأة التي تقف في نهاية المكان. وفي ملامحها حزن شديد مخلوط بالرجاء. توقفت مريم تتطلع إلى المرأة بتفكير للحظات قبل أن تتقدم نحوها وصوت كعب حذائها العالي يصدح في المكان. تأملتها خديجة وفستانها المفتوح أثار استنكارها. لكنها لم تظهر ذلك بالطبع. بينما وقفت مريم أمامها تصطنع ابتسامة وهي تسأل بلطف كاذب: "تلك الفتاة.. أكملت تدعي النسيان: "ماذا كان اسمها؟!

ردت خديجة بخفوت: "جيلان." هتفت مريم بسرعة: "آه نعم جيلان.. ما علاقتها بعمار؟! صمتت خديجة تتأملها مفكرة بما يجب أن تقوله. وفكرة إن عمار لا يخبر أحدًا عن وجود أخته سيطرت عليها. وبالتالي هي لا تستطيع أن تتفوه بشيء قد لا يرضيه. "دعيه هو من يخبرك." قالتها خديجة بهدوء. لتضغط مريم فمها بقوة تمنع نفسها من قول شيء غير لطيف. عندما فتح الباب وخرج عمار من الغرفة يخبر خديجة:

"هي نامت الآن.. ابقَ معها حتى الصباح.. أنا سأغادر الآن وأعود خلال ساعات.. قبل الفجر ستجديني هنا. ومع هذا إذا حدث أي شيء اتصلي بي.. غدًا ستأتي الأخصائية النفسية باكرًا فكوني جاهزة لاستقبالها." هزت خديجة رأسها بتفهم ثم استأذنته ودلفت إلى جيلان. بينما استدار هو أخيرًا نحو مريم ليجدها ترمقه بنظرات مستهجنة. قبل أن تقول بنبرة هجومية: "من تلك الفتاة وماذا فعلت بها كي تصل إلى هذه الحالة يا عمار؟! لكنه اكتفى بأمرها:

"اتبعيني يا مريم." أخوك يسبقها بخطوات. عندما صاحت بعناد: "لن أتحرك خطوة واحدة قبل أن تخبرني من تلك الفتاة وماذا حدث معها؟! أنت المسؤول عن وضعها هذا.. أنا متأكدة من ذلك." وقف لفترة في مكانه موليا ظهرها له محاولًا ضبط أعصابه. لكنها تقدمت نحوه ووقفت جانبه تصرخ به: "الفتاة تبدو في أسوأ حالة ممكنة.. تتصرف كالمجانين.. وضعها مؤلم.. مالذي فعلته بها بالضبط..؟! لأي درجة ألمتها..؟! هل كنت تعذبها..؟؟ هل غررت بها..؟! اغتصبتها..؟!

أضافت وهي تقبض على ذراعه بقوة تصيح بها بكره أعمى: "إنها ما زالت في طور الطفولة.. طفلة كهذه كيف وصلت لهذه الحالة..؟! كيف أصبحت هكذا..؟! ماذا فعلت بها يا عمار..؟! بأي طريقة أذيتها..؟! توقفت عن حديثها وهي تراه يحرر ذراعه من قبضتها. ثم يقبض بدوره على رقبتها دافعًا جسدها نحو الخلف حيث ارتطم جسدها النحيل بالحائط. لحظات وحرر رقبتها من سجن كفيه. ليتحدث وهو يثبتها على الحائط خلفه بذراعيه:

"أهملتها.. عاملتها بقسوة.. تركتها وحيدة في عالم موحش كهذا حتى جاء من استغل وحدتها وضياعها. جاء من اغتصبها بكل وحشية فقتل كل شيء بها وجعلها بالشكل الذي رأيتيه الآن. مجرد حطام أجاهد لتجميعه.. أفعل المستحيل كي أنقذها من ذلك الظلام الذي وقعت فيه وأنا أدرك جيدًا إنها لن تتحمل ما حدث بسبب عمرها الصغير وبرائتها الفطرية." زفر نفسه بقوة ثم قال أخيرًا بألم تراه لأول مرة على وجه ذلك الرجل الذي عرفته ظالمًا متجبرًا لا يهزمه شيء:

"إنها أختي يا مريم.. جيلان أختي.. هل أدركت من تكون هي وماذا حدث معها وكيف أصبحت هكذا؟! ابتعد عنها بعدها يوليها ظهره مجددًا ويمسح على وجهه يكفيه. بينما همست هي بصوت غير مسموع وعدم تصديق: "أخته." لحظات قليلة واستدار نحوها نصف استدارة يخبرها بصوت آمر والجمود عاد يكسو ملامحه: "اتبعيني هيا كي أوصلك إلى منزلك." أضاف بعدها بصوته القوي: "ولا تفتحي فمك بكلمة واحدة طوال الطريق لإنني لا أرغب بسماع أي شيء في الوقت الحالي." ***

في صباح اليوم التالي. خرجت من مقر الشركة بملامح فرحة وهي تشعر إن عملها في هذه الشركة سيضيف لها الكثير. تثق بذاتها وقدرتها على إثبات وجودها حتى تصبح موظفة دائمة. فهي تعلم جيدًا إنها تمتلك كافة المؤهلات لذلك. دائمًا ما كانت تطمح للتفوق في مجال دراستها وتحقق ذاتها رغم الظروف الصعبة المحيطة بها. لكنها كانت مصرة على إثبات وجودها وساعدها ذكاؤها في ذلك.

فاجتهدت طوال سنوات دراستها في المدرسة لتحصل على معدل عالٍ جدًا في الثانوية يؤهلها لدخول كلية الطب. لكنها اختارت الصيدلة بدلًا عنها. فهي من وجهة نظرها تحمل مستقبلًا أفضل ويمكنها التقدم بها والنجاح بسرعة أكبر. وها هي اليوم تخطو أولى خطواتها الحقيقية. انتبهت لرنين هاتفها فأخرجته من حقيبتها لتجد نضال يتصل بها. أجابته فورًا: "مرحبًا نضال." جاءها صوته الرجولي الرخيم يقول: "أهلًا حياة؟!

أخبريني.. كيف كانت مقابلتك وكيف وجدتِ الشركة..؟! ابتسمت بخفة تجيبه: "المقابلة جيدة للغاية والشركة أفخم بكثير مما توقعت." قال نضال بجدية: "لقد حدثني سامر بعد خروجك.. هو معجب بملفك جدًا.. لم تخبريني إنك الأولى على دفعتك في العامين السابقين.. فوجئت عندما أخبرني بذلك." تنحنت تجيبه: "أخبرتك إنني متفوقة في مجال دراستي حتى إنني لا أحتاج إلى توصية.. ألا تتذكر..؟! رد عليها بهدوء: "بلى أتذكر." صمت للحظة ثم قال:

"لكن أنت تكوني من المتفوقين شيئًا وأن تكوني الأولى على دفعتك شيئًا آخر." "ماذا تقصد؟! سألته وهي تشعر بوجود شيء ما خلف حديثه. فسمعته يقول بجدية: "سأخبرك بما أقصده عندما ألتقيك مساءً." ردت بجدية: "أنا غادرت المنزل صباح اليوم." شعرت بالانزعاج في نبرته وهو يقول: "بهذه السرعة." ثم أضاف بلهجة جادة: "على العموم سنتحدث لاحقًا فهناك شيء مهم سأخبرك إياه."

ودعها بعدها لتغلق الهاتف وهي تنظر إليه باستغراب وشعور الارتباك بسببه يداهمها مجددًا. وفي تلك اللحظة تذكرت نديم وتمنت لو كان هو من يتصل بها ويطمئن عليها. فتخبره بسعادة عما حدث وربما يتحدثان سويًا عن مستقبلها وما ينتظرها. شعرت بغصة شديدة تحكم قلبها فحاولت أن تسيطر على ارتجافة قلبها بألم صريح. لتشير إلى إحدى سيارات الأجرة مقررة العودة إلى منزلها عازمة على إزاحة نديم من أفكارها حاليًا. رغم إدراكها جيدًا صعوبة ذلك. ***

دلفت إلى غرفة أختها بعدما طرقت على باب الغرفة أكثر من مرة. أغلقت الباب خلفها وتقدمت إلى الداخل لتجد مريم تجلس على سريرها والغطاء يغطي النصف السفلي من جسدها. ترتدي بيجامتها الخفيفة المكونة من شورت قصير وتي شيرت ذو حمالات رفيعة وتضع السماعات في أذنها. ورغم إن عيناها مفتوحتان لكنها بدت شاردة في ملكوت آخر. ويبدو إن صوت الموسيقى الصاخب جعلها لا تشعر بدخولها إلى غرفتها من الأساس. اقتربت منها وجلست جانبها لتشعر بها أخيرًا.

فتزيل سماعاتها بسرعة وهي تبتسم بخفة متأملة مظهر ليلى الأنيق. ورغم إن ليلى دائمًا ما كانت أنيقة للغاية بل هي تحرص دائمًا على انتقاء كل ما هو أنيق ومميز. وبالتالي طلتها هذه شيء معتاد بالنسبة لها. لكن ما جذبها حقًا ملامحها التي استعادت جزءًا من حيويتها بشكل أسعد قلبها وجعل الأمل يعود داخلها بأن تتجاوز ليلى محنتها تلك أخيرًا. "صباح الخير." قالتها ليلى بابتسامة صادقة. لترد مريم تحيتها وتضيف متسائلة:

"ما سر كل هذه الأناقة..؟! هل لديك موعدًا هامًا..؟! ابتسمت ليلى وردت بهدوء: "شيئًا كهذا… ربما لا تعلمين بعد لكنني باشرت عملي في الشركة البارحة." هتفت مريم بتعجب: "ستعملين في الشركة..؟! غريب." أومأت ليلى برأسها وهي تهتف بخفة: "هو غريب قليلًا خاصة إن مجالي دراستي مختلف تمامًا. إضافة إلى إنني لم أرغب يومًا في العمل في مجال التجارة." صمتت لوهلة ثم قالت: "لكنني غيرت رأيي وأحببت أن أشارك والدي في إدارة الشركة."

إسترسلت بنبرة مقصودة: "وأنتِ بالطبع ستنضمين إلينا بعد تخرجك." ابتسمت مريم وقالت بحماس: "ربما سأتدرب في الأشهر القادمة من العطلة." "سيكون رائع." قالتها ليلى تدعمها في قرارها مفكرة إن عليها التوغل في الشركة وعلى مريم أيضًا فعل ذلك. بعد اكتشافها لوجود أخ يشاركهما في كل شيء. هتفت مريم بتردد: "ولكن ما سبب هذا التغيير..؟! هل حدث شيء لا أعرفه..؟! حركت ليلى كتفيها تردد ببساطة:

"أدركت إن لا شيء يستحق ما كنت أفعله وأدركت إنني خسرت سنوات من عمري هباء دون أن أحرز أي تقدم ولو بسيط في حياتي." عقدت مريم حاجبيها تسألها بحيرة: "ولم الآن بالذات أدركت هذا..؟! ما الذي تغير..؟! زفرت ليلى نفسها ثم قالت: "ليس مهمًا يا مريم كل ما تسألين عنه.. المهم إنني أدركت واستوعبت وهذا بحد ذاته يكفيني حاليًا."

"أنا سعيدة لأجلك حقًا يا ليلى… ربما كنت أقسو أحيانًا عليكِ في حديثي لكنني كنت أريد مصلحتك.. كنت أريدك أن تخرجي من تلك الشرنقة التي سجنتِ بها نفسك." ابتسمت ليلى رغم ألمها لتلك الذكريات. قالت وهي تربت على كف مريم: "لم أنزعج منك يومًا يا مريم.. أنا أتفهم جيدًا سبب ذلك وأعلم إن غايتك الوحيدة هي مصلحتي وأتفهم أيضًا طبعك الحاد قليلًا." "إذا متى ستتطلقين من ذلك الوغد..؟! قالتها مريم بحماس.

لتختفي ابتسامة ليلى بشكل أثار قلق مريم. التي سمعت أختها تجيب أخيرًا بهدوء وثبات: "لن أتطلق منه يا مريم.. الآن فقط. طبعًا… لكنني سأتطلق في المستقبل القريب وفي الوقت الذي أحدده أنا." تجهمت ملامح مريم وهي تستمع إلى ما تقوله أختها. لتسألها فجأة وبوجوم: "هل تراجعت عن دعوة الطلاق..؟! اكتفت ليلى بإيماءة من رأسها. لتزم مريم شفتيها بعبوس قبل أن تهم بقول شيء ما. لكن ليلى سبقتها وهي تقول بجدية:

"هذه المرة لم أتراجع لأجله وليس خوفًا من عمار أيضًا.. هذه المرة تراجعت لأجلي.. لأجل مصلحتي." "أنا لا أفهم أي شيء." هدرت بها مريم بعبوس. لتقول ليلى بثقة: "ستفهمين كل شيء وحينها ستدركين إن تصرفي هو الصحيح." أضافت بترج: "فقط كوني جانبي يا مريم فأنا أحتاج دعمك هذه الفترة أكثر من أي شيء." سارعت مريم تقول: "بالطبع سأكون معك.. أنا دائمًا جانبك يا ليلى.. أنتِ أختي الوحيدة.. ليس لي سواك ولستِ لي سواي."

سيطر الضيق على ملامح ليلى للحظات من حديث مريم. وهي تتذكر أمر أخيها السري. لتهتف بابتسامة مريرة: "نعم نحن فقط لا غير." أضافت تدعي التفكير: "هل تعلمين..؟! ربما لو كان لدينا أخ سيكون الوضع مختلف قليلًا." عقدت مريم حاجبيها تردد بنبرة مستهجنة: "كيف سيختلف..؟! قالت ليلى عن قصد تحاول اكتشاف ردة فعل مريم. رغم إن داخلها تدرك ردة فعلها جيدًا: "يعني ألا يقولون وجود الأخ نعمة.. يعني الأخ سندًا لأخواته و... قاطعتها مريم بتهكم:

"ما هذا الكلام القديم يا ليلى..؟! أنت بالطبع تمزحين.. لا أظن إنك تفكرين حقًا بهذه الطريقة المتخلفة." ابتسمت ليلى بتوتر وقالت: "أنا فقط أفكر إن وجود أخ معنا ربما كان أفضل لنا حيث يقف بجوارنا ويحمينا." قاطعتها مريم بعنفوان:

"لا طبعًا.. الأمر لا يفرق أبدًا.. أنا وأنتِ ندعم بعضنا دائمًا ولسنا بحاجة لأي شخص.. وإذا كنت ترين نفسك بحاجة لأخ حقًا فاعتبريني أخوكِ وستجديني دومًا سندك لك بل سأقتل من يحاول الاقتراب منك أو إيذائك." ضحكت ليلى رغم دموعها التي تراكمت داخل عينيها تأثرًا. لتعانق مريم بخفة وهي تقول: "أنتِ حقًا وجودك نعمة في حياتي." بادلتها مريم عناقها ثم ابتعدت عنها. لتسمع ليلى تقول بتأني:

"أنا فقط أحيانًا أفكر قليلًا.. ما الذي يجعل والدي يكتفي بنا دون أن يحصل على صبي يحمل اسمه ويرث اسمه عائلته..؟! أنت تعلمين إن الرجال يريدون الصبي دائمًا مهما أحبوا بناتهم.. فكيف إذا كان الرجل كوالدي بمكانته وثروته وفوق هذا وحيد عائلته..؟! مطت مريم شفتيها تردد: "نصيبه يا ليلى.. أراد الله أن تخسر والدتي رحمها أثناء حملها الثالث بل وخسرت الصبي الذي كانت تحمله أيضًا.. ووالدك بدوره تقبل هذا فجميعنا ندرك مدى حبه لها."

ابتسمت ليلى بسخرية لم تنتبه مريم لها. والتي أكملت بشرود: "رغم اختلافي معه في أغلب الأمور إلا إنني لا أستطيع أن أنكر إعجابي الشديد نحوه في هذه النقطة… هو يحب والدتي كثيرًا ويساندها كثيرًا خاصة أمام أخواته اللاتي يتفنن في تذكيرها دومًا بعدم قدرتها على إنجاب الصبي الذي سيرث اسم جدك المبجل." صمتت ليلى ولم تعلق. فكل ما دار في بالها في تلك اللحظة ردة فعل مريم عندما تعلم الحقيقة. والتي تدرك جيدًا إنها ستكون مخيفة للغاية.

*** كان يعمل على بعضًا من ملفات العمل عندما رن هاتفه. فسارع يجيب على المتصل والتي لم تكن سوى الطبيبة النفسية التي أرسلها لجيلان صباح اليوم. سيطر الوجوم على ملامحه وهو يسمع حديث الطبيبة التي أخبرته عن التزام جيلان الصمت وعدم رغبتها في قول أي شيء. لتحترم هي بالتالي رغبتها وتنسحب مقررة المحاولة معها مرة أخرى بعد يومين. "ما العمل إذا يا دكتورة..؟! قالها عمار بصوت قلق. ليأتيه صوت الطبيبة الجاد:

"نحن ما زلنا في البداية يا سيد عمار.. لم تمر سوى أيام معدودة على الحادثة.. أنت يجب أن تدرك إن الأمر ليس سهلًا وإن ما يحدث معها وتصرفاتها طبيعية للغاية." تنهدت ثم أضافت: "سيد عمار.. جيلان مرت بتجربة بشعة جدًا لفتاة في سنها بل إنها تجربة بشعة لأي فتاة في أي عمر كان.. هي ستحتاج إلى علاج طويل وصبر كبير. لكن كن واثقًا إنها ستشفى.. نعم شفائها سيأخذ وقتًا طويلًا لكن تأكد إنني سأعالجها بإذن الله..

فقط الصبر يا سيد عمار.. هي تحتاج لعلاج طويل وربما يصل لسنوات.. لكن لا تقلق مع مرور الوقت سأعرف كيف أحصل على استجابات ولو بسيطة منها وتدريجيًا ستتفاعل معي.. نعم شفائها تمامًا قد يستغرق سنوات. لكن خلال هذه السنوات ستتحسن أوضاعها تدريجيًا وبعد كل فترة ستجدها في حال أفضل من السابق." "اطمأننت قليلًا بعد كلامك هذا يا دكتورة." ردت عليه بسرعة:

"اطمئن سيد عمار وثق بي وأنا أعدك إن حالتها ستتحسن مع مرور الوقت.. على الأقل اليوم كانت هادئة صامتة وإن لم تتجاوب معي.. أنا أيضًا سأكتب لك مهدئات تحتاجها قليلًا هذه الفترة." "حسنًا أنا أعتمد عليك يا دكتورة وكلي ثقة بك." قالها بجدية قبل أن ينهي المكالمة. وهو يتنهد بقليل من الراحة وكلام الطبيبة أراحه كثيرًا. فهذه الطبيبة تعتبر الأفضل في البلاد وقد عالجت حالات ميؤوس منها كما أخبره أحد أصدقائه.

قرر أن يعود ويضع تركيزه أمام أحد الملفات. عندما فوجئ بليلى تقتحم الباب والسكرتيرة تتبعها محاولة منعها. استدارت ليلى نحوها تصيح بها بحدة: "ألا تفهمين..؟! أنا زوجته ويحق لي الدخول إلى مكتبه دون إذن منك." نظرت السكرتيرة إلى عمار. لتستدير ليلى نحوه برأس مرفوع وملامح ثابتة. فيشير عمار إلى السكرتيرة: "اخرجي أنت الآن." خرجت السكرتيرة فورًا. بينما نهض عمار من مكانه متقدمًا نحوها حتى وقف قبالها على بعد

مسافة قصيرة يسألها بسخرية: "هل لي أن أعرف سبب تشريف المدام مكتبي المتواضع..؟! وقبل أن تجيب أضاف بجدية: "إذا كان موضوع الطلاق سبب مجيئك فأخبرتك مسبقًا إنني لن أطلق حتى." ردت بسرعة وثبات: "لا أريد الطلاق." تعجب مما تقوله. لكنه نحى تعجبه جانبًا وسأل ببديهية: "لماذا أتيتِ إذا..؟! ابتسمت بهدوء قبل أن تجيب بسلاسة:

"أتيت لأخبرك إنني تراجعت عن دعوى الطلاق… كما إنني سأسافر معك إلى روما كممثلة عن شركة والدي لأجل الصفقة التي اتفقتما عليها." ضحك هازئًا مرددًا بخفة: "ومن سيقبل بهذا..؟! تفاجأت بها تتقدم أكثر منه. تقف أمامه وتواجهه حيث العين بالعين ونبرتها ثابتة حازمة لا تقبل جدالًا: "ستقبل يا عمار.. ستقبل إجبارًا عنك.. من الآن فصاعدًا الأمور ستسير كما أريد أنا وأنت بدورك ستتقبل هذا." هناك شيء ما تغير بها. ليس شيئًا واحدًا بل أشياء.

كانت تبدو امرأة أخرى. قد يبدو الشكل نفسه لكن الروح مختلفة. ونظرة العين تنبئ بشيء ما قادم. شيء لا يمكن أن يستهين به. هو أذكى من أن يستهين به. بدأت اللعبة إذا وعليه أن يشرع كافة أسلحته ضدها. التوى فمه بإبتسامة جانبية وهو يقول: "ثقتك الكبيرة مثيرة للإعجاب حقًا." شملها كاملاً بنظراته متأملًا فستانها الأسود الأنيق والذي يصل إلى منتصف ساقيها ذو أكمام مربعة تغطي النصف العلوي من ذراعيها.

وترتدي من الأسفل حذاء أنيق للغاية لونه مائل للكريمي ذو كعب عالٍ رفيع. بينما قلادة طويلة قليلًا ناعمة من نفس اللون الكريمي تزين رقبتها. شعرها الأشقر مصففًا بعناية وملامحها الجذابة تضع عليها القليل من مستحضرات التجميل. بدت طلتها مميزة تجمع بين الرقي والجاذبية. هتف أخيرًا وهو ينتهي من تفحصها: "بل إن كل شيء فيكِ يثير الإعجاب." تنهدت مرددة بعدم مبالاة: "سنسافر سويًا إلى روما." سألها بهدوء: "ما سبب ما تفعلينه..؟!

تراجعك عن الطلاق ورغبتك في السفر معي..؟! أضاف بنبرة ماكرة: "هل هي محاولة منك لإثارة غيرته..؟! رمقته بنظرات باردة ثم ردت: "شيء لا يخصك.. أنا حرة فيما أفعله.. والتراجع عن دعوة الطلاق يصب في صالحك أيضًا على ما أظن." "كما تريدين.. أنا فقط أتمنى حقًا ألا يكون تصرفك هذا بدافع إثارة غيرته لإنني بصراحه أحزن كثيرًا وأنا أراك لا تهتمين بشيء سواه ولا يشغل بالك غيره." كزت على أسنانها قبل أن تخبره بقوة:

"لا تتدخل فيما لا يعنيك.. أخبرتك مسبقًا إن هذا الأمر برمته لا يخصك." "ألستِ زوجي ويحق لي الاهتمام بك وتنبيهك عندما تحاولين إيذاء نفسك." قالها بعبث. لترميه بنظرات كارهة قبل أن تطلق تنهيدة مسموعة ثم تقول: "أريد عنوان منزل والدي الثاني." أضافت قبل أن يتحدث هو: "أنا متأكدة إنك تعلم عنوان منزله… أريده من فضلك." تأملها قليلًا ثم اتجه نحو مكتبه يحمل هاتفه يبحث عن عنوان المنزل فيه. حيث حفظه في هاتفه.

عاد نحوه ورفع شاشة الهاتف أمامه لتسحبه بسرعة تقرأ العنوان تحفظه عن ظهر قلب. أعادت له الهاتف وهمت بالتحرك خارجًا. عندما فوجئت به يهتف بها: "حاولي ضبط أعصابك يا ليلى… لا تتصرفي بتطرف ولا تسمحي لإنفعالك أن يسيطر عليك.. كوني أقوى منها وتصرفي بطريقة تحافظين من خلالها على مكانتك ومكانة والدتك.. حاولي التصرف بطريقة ذكية بلا تهور قد يقلل منك أمامها." رمقته بنظرات متعجبة مما يقوله. ليبتسم بخفة وهو يقول:

"لا تستغربي حديثي.. تذكري إنني مررت بوضع مشابه لوضعك بل عايشته لسنوات.. أعلم مقدار صعوبة ما تشعرينه مثلما أعلم مقدار خوفك من تلك المواجهة.. فقط تحلى بالقوة والشجاعة الكافية فالمواجهة ليست سهلة أبدًا." ابتلعت ريقها بضعف أخفته بقوة. ثم سارعت تخرج من المكان. تاركة إياه يتابعها. وهناك شعور ضئيل من الشفقة تكون داخله نحوها. سرعان ما قتله في مهده. وهو يهز رأسه بخفة مقررا العودة إلى عمله. ***

أمام الفيلا الخاصة بزوجة والدتها وقفت ليلى تتأمل الفيلا من داخل سيارتها. تتطلع إلى الفيلا من الخارج متأملة فخامتها. وهي التي تقع في إحدى أرقى مناطق البلاد. لكن على الطرف الآخر من العاصمة مما يجعل المسافة بين الفيلا خاصتهم وهذه بعيدة للغاية. أغمضت عينيها للحظات قبل أن تفتحها وتحسم أمرها. حيث فتحت باب السيارة وهبطت منها متقدمة إلى الداخل. ليسمح الحارس لها بالدخول بعدما أخبرته إنها تريد رؤية الهانم صاحبة الفيلا.

دلفت إلى الداخل تتأمل الحديقة الواسعة. حيث بدت الفيلا توازي الفيلا خاصتهم من ناحية الفخامة والرقي. لكن يبدو إنها أصغر حجمًا من خاصتهم. فتحت الخادمة لها الباب لتلج إلى الداخل. حيث تقدمت خلفها نحو صالة الجلوس. لتتأمل ذلك الصبي الصغير وهو يركض نحو الخادمة يطلب منها شيئًا ما لم تنتبه عن ماهيته. وهي تتأمله بشعره الأشقر وعيناه الزرقاوان. وقد بدا شبيهًا بوالدها بل بمريم أيضًا التي لطالما شبهها الجميع بوالدها.

ابتلعت غصتها داخل حلقها. وهي ترى الطفل يتأملها بنظرات متسائلة. قبل أن يذهب مع الخادمة. لتشعر بالغضب يملؤها في تلك اللحظة. وفكرة إن هذا الطفل الصغير أخيها بدت غير مقبولة بالنسبة لها. "مساء الخير." سمعت صوت أنثوي يقتحم المكان. لتلتفت بسرعة نحوها فتتجمد مكانها للحظات تستوعب ما تراه. تلك المرآة تعرفها جيدًا. كيف لا وهي ابنة خال أبيها التي دوما ما كانت تراها في المناسبات.

بل وتزور منزلهم دائمًا مع أفراد عائلة والدها عندما تدعوهم والدتها في أغلب المناسبات الخاصة بهم. تلك المرأة التي كانت تبدو لطيفة للغاية. بل إن والدتها تمدحها دائمًا وتخبرها إنها طيبة. بل والأسوأ كانت تتعاطف معها بعد طلاقها مرتين. "أنتِ..؟! قالتها ليلى بعدم تصديق. بينما تغضن جبين المرأة للحظات. قبل أن تحاول رسم ابتسامة على وجهها مرحبة بابنة زوجها الكبرى: "أهلًا ليلى.. كيف حالك..؟! لكن ليلى هتفت بعدم تصديق:

"أنتِ هي زوجته." هزت رأسها وهي تجيب بهدوء: "نعم أنا زوجته وأم طفله." "لا أصدق.. لأي درجة أنتِ حقيرة ووضيعة..؟! قالتها ليلى بملامح مشمئزة. لتصيح بها الأخرى: "لا أسمح لك.. لا تتجاوزي حدودك معي يا ليلى.. أنا زوجة والدك وأم أخيك.. لا تنسي هذا." ضحكت ليلى بسخرية ثم قالت: "وتملكين الجرأة لتتحدثي أيضًا." "لم أرتكب ذنبًا لأخجل." توقفت عن حديثها وهي تستمع إلى رنين جرس الباب.

يتبعه دخول والدها الذي يبدو إن هناك من أخبرهم بقدومها. وقف والدها في المنتصف ينقل بصره بين الاثنتين. لتبدأ ليلى الحديث تشير إليها بقوة لا تخلو من السخرية: "هذه يا بابا.. هذه من تزوجتها على أمي.. هذه من اخترتها زوجة لك وأم لطفلك… ضحكت تضيف: "أليست هذه ابنة خالك المسكينة..؟! البريئة التي تطلقت مرتين دون ذنب..؟! ابنة خالك التي كانت تأتي لمنزلها وتستقبلها والدتي أفضل استقبال..؟؟ كيف استطعت فعلها يا بابا..؟!

كيف تزوجت بها..؟! هتفت زوجة والدها بقوة: "اسمعيني جيدًا.. والدك لم يفعل شيئًا خطأ.. هو من حقه أن يحصل على الصبي الذي يريده." هتفت ليلى بجدية: "من الجيد إنك تعلمين جيدًا إن زواجه منك بدافع الحصول على صبي ليس إلا… إذا أنت تدركين إنك مجرد وعاء يحمل الصبي الذي يريده لا أكثر." "أنا لا أسمح لك.. على الأقل أفضل من والدتك التي عجزت أن تمنحه صبيًا واحدًا حتى." "سهام اصمتي." قالها والدها بنبرة حازمة. لكن ليلى أوقفته

بإشارة من يدها وقالت: "دقيقة من فضلك يا بابا.. تلك التي عجزت عن منحه صبيًا واحدًا لو قطعت نفسك إربًا إربًا ولو أصبحت خادمة أسفل قدميه لن تصلي إلى مكانتها… تلك التي تسخرين منها هي زوجته الأولى وحبيبته وأم ابنتيه.. تلك التي تتحدثين عنها بهذا الشكل كونت عائلة ناجحة لسنوات وكانت نعم الزوجة التي يفتخر بها زوجها دائمًا وأبدًا. بينما كنت تنتقلين أنت من زيجة فاشلة لأخرى فأصبحت تبحثين عن أي رجل يقبل بمطلقة مثلك.

لكنك لم تجدي أم تظنين إني لا أعرف تاريخك الأسود في محاولاتك للحصول على زوج يقبل بك.. تلك التي تتحدثين عنها هي الزوجة الأولى والوحيدة أمام الجميع.. أما أنت فكما قلت منذ لحظات.. أنت مجرد وعاء لا أكثر. ولو كان والدي يحترمك حقًا لما تزوجك وأنجب منك سرًا دون أن يتجرأ ويخبر والدتي بالحقيقة لإنه يعلم جيدًا إنها لن تبقى على ذمته لحظة واحدة وهو بدوره لا يتحمل خسارتها.. لإن والدتي لا تقبل برجل تشاركها به أخرى مثلك أنت..

والدي يحبها لدرجة اختار أن تعيشان انت وابنك الذي تتباهين فيه في الظلام فقط كي لا يخسرها." تأملت ليلى ملامح زوجة أبيها التي تشنجت تمامًا. لتسمعها تقول بثقة: "عماتك يعلمن بزواجنا." وبالرغم من ألمها مما سمعته إلا إنها لم تظهر ذلك. خاصة وهي كانت تتوقع معرفة عماتها بالأمر. لذا ابتسمت ببرود وقالت: "أعلم.. ولكن ماذا عن البقية..؟! بقية أفراد العائلة..؟! الأصدقاء..؟! العامة…؟!

لا أحد يعلم سوى عماتي وبالتأكيد أخوانك… ولكن أمام الجميع وفي مجتمعنا والدتي هي الزوجة الوحيدة." "ليلى من فضلك." قالها والدها برجاء. لترمقه بنظرات كارهة جعلت قلبه ينتفض بين أضلعه من نظرات لأول مرة يراها من ابنته الكبرى. بينما أكملت ليلى بقوة وثبات: "أقسم لك يا سهام إنك لن تهنئي لحظة واحدة في حياتك بعد الآن." أشارت إلى والدها تصيف عن قصد:

"هذا الرجل والدي وسيظل والدي وإن كنت تظنين بإنجابك الصبي ستأخذينه منا فأنت مخطئة.. هو والدي وأنا وأختي لن نتنازل عن حقنا فيه مهما حدث. أما حق والدتي فسوف أسترده منك عاجلًا ليس آجلًا." "أم ولدي." قالتها سهام بقوة وشموخ مستفز. لتهتف ليلى بعدم فهم: "عفوًا..؟! فترى سهام وهي تضع كفها على بطنها التي انتبهت لأول مرة على انتفاخها الضئيل: "أنا حامل مجددًا… الطبيبة أخبرتني إنه صبي… ستحصلين على أخ ثانٍ قريباً يا ليلى."

تجمدت ملامح ليلى بعدم تصديق لما تسمعه. هناك أخ ثانٍ سيأتي على الطريق. زوجة والدها تحمل ذكرًا آخر. الوضع يتقدم نحو الأسوأ. وماذا عن والدته..؟! ما وضعها في كل هذا..؟! *** نظرت حياة إلى هاتفها بشرود بعدما انتهت من مكالمتها مع نضال. الذي اتصل بها يطلب رؤيتها للتحدث معها في أمر مهم جدًا. لم تفهم ما يريده منها وسبب إصراره على رؤيتها. ووجدت نفسها حائرة بين القبول أو الرفض. وهو يطلب منها أن يلتقيها في أحد الأماكن العامة.

تنهدت بصمت وهي تتذكر قبولها عرضه واتفاقها على مقابلته في مطعم اختارته بنفسها مضطرة لذلك. بسبب شعورها بالخجل من أن ترفض طلبه. لكنها الآن تشعر بالندم على القبول. فهي لا تحبذ مقابلته لوحديهما دون علم نديم. الذي رغم ما حدث بينهما تشعر بضرورة إخباره. أساسًا خروجهما سويًا البارحة وذهابهما إلى البحر كان تصرفًا خاطئًا أنبت نفسها عليه كثيرًا. لكنها بالفعل كانت منهارة لدرجة لم تنتبه لما تفعله.

زفرت أنفاسها بضيق مفكرة فيما ستفعله وكيف ستتصرف. فكرت ولمعت فكرة في ذهنها سارعت لتنفيذها. بعد حوالي ساعة دلفت حياة مع حنين إلى المطعم. حيث ينتظرها نضال. والدي تعجب عندما رأى أخته مع حياة. فهتفت حياة بسرعة بعدما ألقت التحية: "جلبت حنين معي لإننا متفقين منذ البارحة أن نذهب مساء اليوم إلى المول القريب من هنا للتسوق." هز نضال رأسه رغم إدراكه إنها تقصدت جلب حنين معها لعدم رغبتها برؤيته لوحدها. ورغم ضيقه من وجود حنين.

لكن إعجابه بها وبتصرفها زاد كثيرًا. جلستا الفتاتان أمامه. عندما أشار للنادل حيث دون الأخير طلباتهما. هتفت حياة تسأله: "إذا ما هو الشيء الذي أردت رؤيتي لأجله..؟! ابتسم بهدوء ثم قال: "هناك عرض رائع يقدمه سامر صديقي لك." عقدت حياة حاجبيها بتعجب. بينما حنين تراقب ما يحدث بعدم رضا. هتف نضال بجدية يشرح لها مقصده: "سامر ليس مجرد مديرًا للشركة فقط.. هو أيضًا أحد المسؤولين الأساسيين في قسم البعثات في وزارة التعليم.

عندما رأى درجاتك وتفوقك بل وتحدث معك ورأى كم تتمتعين بثقة واضحة وذكاء أدركه بفطنته وجد بك المؤهلات المناسبة لإرسالك في بعثة إلى الخارج." "بعثة إلى الخارج..؟! هتفت بها حياة بعدم تصديق. ليومئ نضال برأسه وهو يبتسم بهدوء. بينما سألت حنين بجدية: "أين يعني..؟! في أي بلد..؟! أجاب نضال بجدية: "كندا… هناك حيث ستكمل سنتها الأخيرة في إحدى أعرق الجامعات على حساب الدولة وبعدها يمكنها أن تقدم على الدراسات العليا." هتفت حنين أخيرًا

بنبرة ذات مغزى: "غريب سامر هذا.. من مقابلة واحدة قرر أن يرسلها في بعثة كهذه لا يحصل عليها سوى القليل جدًا جدًا." هتف نضال بجدية وعيناه تتأملان حياة الساهمة: "أين الغريب في ذلك يا حنين..؟! هو وجدها تستحق." هتف بعدها مشيرًا إلى حياة التي انتبهت إلى ما يقوله: "إنها فرصة لا تقدر بثمن.. فرصة لن تأتيك سوى مرة واحدة يا حياة… هناك في كندا ستجدين كل ما هو أفضل… أنت بالطبع تدركين مدى التطور هناك." صمتت حياة ولم تعرف ماذا تقول.

ما يقوله نضال لم تتوقع أن يحدث في أبعد أحلامها. بعثة إلى كندا هي حلم يتمناه الأغلبية. هناك حيث سيكون مستقبلها مضمون بل حياتها بالكامل مضمونة. هناك حيث ستثبت نفسها وتتألق في مجال دراستها وربما تصل إلى مراتب عالية. تعلم جيدًا مدى صعوبة نيلها في بلادها المتأخرة علميًا بمراحل عن كندا. هل تفعلها وتوافق..؟! هل تترك كل شيء خلفها وتسافر هناك حيث بداية جديدة ومختلفة كما قال نضال..؟! وماذا عن نديم..؟! هل ستتركه هو الآخر..؟!

ابتسمت بسخرية مريرة وهي تهمس لنفسها بألم: "تتحدثين وكأن تركك له سيؤثر به لهذه الدرجة.. أفيقي يا حياة.. أنت مجرد دواء… دواء يوجد له مئة بديل… دواء لجروحه التي تسببت بها أخرى.. أخرى هي من قتله تركها له وليست ترككِ أنتِ له من سيفعل..!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...