تململت في نومتها بعدما سمعت صوت أختها تحاول إيقاظها. لقد بقيت مستيقظة طوال الليل بعد تركها له بتلك الطريقة، فعادت إلى المنزل بملامح جاهدت كي تجعلها طبيعية. حمدت ربها إنها لم تجد سوى والدتها التي حيتها بإقتضاب مقصود، ثم صعدت إلى غرفتها بأقصى سرعة.
طوال الليل كانت تبكي أحياناً، وتتوقف عن البكاء أحياناً أخرى، حيث تفكر مجدداً بكل شيء يحدث معها. ثم تعود كلماته القاسية تخترق عقلها، فتنهال الذكريات عليها مجدداً، لتنخرط في بكاء مرير لا ينضب. فتحت عينيها أخيراً، تتأمل حنين التي جلست بجانبها على سريرها تسألها بقلق: "هل أنتِ بخير؟ إنها المرة الأولى التي تبقين بها نائمة كل هذا الوقت." اعتدلت حياة في جلستها تسألها بصوت مبحوح قليلاً: "كم الساعة الآن؟ ردت حنين بجدية:
"قاربت الثانية ظهراً." سيطرت الدهشة على ملامح حياة للحظات، غير مصدقة إنها نامت حتى الثانية ظهراً. لكنها عادت وتذكرت إنها لم تغفُ فعلياً حتى الساعة السادسة صباحاً. "لقد تأخرت في النوم قليلاً البارحة." قالتها بخفوت، لتومئ حنين برأسها قبل أن تنهض من جانبها تخبرها: "غيري ملابسك بسرعة، ثم اتبعيني إلى الطابق السفلي فالغداء سيجهز بعد قليل." هزت حياة رأسها بعدم استيعاب لما تسمعه، وقد عادت ذكريات ليلة البارحة تهاجمها مجدداً.
انتبهت أخيراً على مغادرة أختها غرفتها، لتغمض عينيها وهي تعود بظهرها إلى الخلف، تحاول طرد تلك الأفكار المؤلمة بعيداً عنها. جذبت هاتفها الذي أغلقتُه البارحة في طريق العودة، لتقرر فتحه أخيراً. فتجد عشرات الاتصالات منه، بل ورسائل لم ترغب بقراءة ما فيها. فأغلقت الهاتف مجدداً، وهي تستند بظهرها على السرير، تشرد بما حدث وكيف انقلبت سهرتهما هكذا. نهضت من مكانها أخيراً، تتجه نحو الخزانة التي تحوي ملابسها بخطوات رتيبة.
أخرجت ملابس لم تدرك حتى إذا ما كانت متناسقة أو لا، وسارعت ترتديها وهي تفكر إنها ستتحدث مع والدتها بعد الغداء، رغم عدم رغبتها في التواصل معها في أي شيء، لكنها مجبرة على ذلك. كلام نديم البارحة أعادها إلى نقطة الصفر، فعاد نفورها من والدتها يطفو على سطح مشاعرها من جديد. غيرت ملابسها وسرحت شعرها، قبل أن تهبط درجات السلم بملامح جاهدت لجعلها عادية.
وجدت حنين مع والدتها في صالة الجلوس، فألقت التحية بخفوت، قبل أن تجلس على مسافة منهما بصمت، لتسمع والدتها تسألها بنبرة بدت لها مترددة: "هل كنتِ البارحة مع ذلك الشاب الذي يريد خطبتك؟ تأملتها حياة للحظة بنظرات لا توحي بشيء، قبل أن تومئ برأسها وهي تجيب باقتضاب: "نعم، كنت معه." زمّت أحلام شفتيها تردد بعدم رضا واضح: "فكري مجدداً في قرارك يا حياة. أنتِ تستحقين شخصاً أفضل."
عادت حياة تتأمل والدتها مجدداً، وقد بدت نظراتها هذه المرة غير مريحة، فشعرت أحلام إن ابنتها ستقول شيئاً يشابه نظراتها الجافة قليلاً. "نديم غني للغاية." قالتها بصوت بارد لا حياة فيه، فتتأمل نظرات والدتها التي بدت في البداية غير مستوعبة سبب ما قالته. لكن حياة أكملت بنفس النبرة: "ورث أموالاً وشركات عن والده."
شعرت والدتها بالبرودة تغزو روحها، وقد بدأت تستوعب سبب هذا المسار الذي اتخذته حياة في حديثهما. لتضيف حياة بنبرة لا تخلو من القسوة، وهي تشدد على كل حرف يصدر منها: "أعلم جيداً ما تفضلينه في الرجال عموماً، ونديم لديه ما ترغبينه أكثر من أي شيء. لديه الكثير من المال والأملاك، وبالتالي سيجعلني أعيش حياة مرفهة رغيدة. بل ربما ستكون حياتي أفضل من حياتك أنتِ أيضاً، فوالده رحمه الله أغنى من زوجك حتى."
أنهت حياة كلماتها، لتلاحظ الجمود الذي كسى ملامح والدتها، بينما حنين تتطلع إليها بلوم دون أن تتفوه بحرف واحد. صمت تام سيطر على المكان. صمت امتد للحظات مرت كالدهر على ثلاثتهم، خاصة حياة ووالدتها. أخيراً كسرت أحلام هذا الصمت، حيث هتفت بصوت هادئ، رغم الألم الشديد الذي ظهر في عينيها: "أنا كنت أتحدث عن وضعه كونه سجين سابق وفي تهمة كهذه. كنت أفكر في مصيرك ومصير أولادك مستقبلاً عندما يدركون ماضي والدهم." "أخبرتك إنه بريء."
قالتها حياة بهدوء لا يخلو من الجمود. لتهتف والدتها بجدية، محاولة نحي ألمها جانباً في هذه اللحظة: "الناس والمجتمع لا يدركون ذلك. بالنسبة لهم، هو مجرم كان يتاجر في الممنوعات." قاطعتها حياة بقوة وثبات: "لا يهمني الناس ولا المجتمع. لا يهمني أي أحد. أنا أثق كونه بريء، وهذا أكثر من كافي بالنسبة لي."
تبادلت مع والدتها النظرات، قبل أن تستمعا إلى صوت أقدام أحدهم تقترب منهما. فوجدا أشرف يتقدم نحوهم، ملقياً التحية عليهما، حيث قد عاد لتوه من عمله. بعد الغداء. دلفت حياة إلى غرفتها، تتبعها والدتها، حيث طلبت حياة منها أن تتحدث معها على انفراد، وفضلت أن يتم الحديث في غرفتها. أغلقت أحلام الباب خلفها، ثم وقفت بالقرب منها، تتأمل ابنتها التي تقف مقابلة لها، تعقد ذراعيها أمام صدرها، تبدو متأهبة لقول شيء ما. "أسمعك يا حياة."
قالتها والدتها بجدية، وهي تتأمل تردد ابنتها الذي ظهر بوضوح على ملامحها. تردد سرعان ما سيطرت عليه حياة، وهي تتحلى بالثبات، وتخبرها بهدوء: "سأغادر اليوم وأعود إلى منزلي." تجهمت ملامح والدتها للحظات، قبل أن تسألها بنبرة خافتة منزعجة: "لماذا؟ أضافت تسألها مجدداً بلهفة: "ألستِ مرتاحة هنا؟ هل أزعجكِ أحد؟ ردت حياة بسرعة:
"أبداً. الأمر ليس كذلك. أنا فقط أشتاق لمنزلي. أرغب بالعودة إليه. ذلك هو منزلي حيث قضيت فيه كل سنوات عمري." أضافت بجدية وصدق: "لكنني سآتي دائماً إلى هنا لأجلك ولأجل حنين." قاطعتها والدته بترجٍ:
"لا تفعلي هذا يا حياة. لم يمر سوى القليل جداً على بقائك هنا، حتى إنني لم أشبع منكِ بعد. لا تغادري الآن. انتظري قليلاً من فضلك. أنا لم أصدق موافقتك على البقاء هنا بجانبي. لم تسعني الفرحة وقتها، لتأتين وتخبريني بعد أيام معدودة إنك ستغادرين." "افهميني من فضلك. أنا بالفعل لا أرتاح سوى هناك. أعدك إنني سأزورك دائماً." قاطعتها والدتها مجدداً بألم: "ولماذا لا تعيشين معي كما يفترض أن يحدث مع كل أم وابنتها؟ تنهدت
حياة وقالت بخفوت موجع: "هذا الكلام لا يناسبنا نحن، وأنتِ تعلمين هذا. سنوات وكلا منا تعيش في عالمها لوحدها. لذا ما تقولينه غير منطقي على الإطلاق." "لكنني كنت أرغب بوجودك معي طوال تلك السنوات. كنت أريد أن تعيشي معي بين أحضاني. وأنت تعلمين هذا جيداً يا حياة." ردت حياة بجمود لم يقتصر على نبرة صوتها فقط، بل كسا ملامحها أيضاً: "لم أكن لأفعل ذلك. لم أكن لأتخلى عن والدي." همست أحلام بألم: "لكنكِ تتخلين عني أنا، أليس كذلك؟
إسترسلت بصوت موجوع: "رفضتني سابقاً وتفعلين المثل مجدداً." صاحت حياة بلا وعي: "هل أصبح الذنب ذنبي الآن؟ أنا من رفضتكِ بينما أنتِ كنتِ الضحية. هل هذا حقاً ما ترينه وتشعرين به؟ متى تستوعبين بعد إنكِ المذنبة الأولى في كل شيء؟ متى ستفهمين مقدار ذنبكِ في حقي وحق والدي، بل مدى أنانيتكِ وجحودكِ؟ تطلعت إليها والدتها بعينين باكيتين تهذي بعدم تصديق:
"أنتِ لم تسامحيني بعد. لم تغفري لي ذنبي كما أخبرتني. ما زلتِ تتحدثين بنفس الطريقة السابقة وترينني بنفس السوء." "الغفران ليس سهلاً يا والدتي العزيزة، خاصة في حالة كحالتنا. لكنني مع هذا أحاول. أحاول أن أنسى وأسامح. أحاول بإستمرار والله يشهد على ذلك. أحاول أن أتجاوز كل ما مررت به. أن أتناسى على الأقل. أحاول أن أقوم بواجبي نحوكِ كما يتطلب الدين والمنطق. ماذا يمكنني أن أفعل أكثر من ذلك؟ ماذا تنتظرين مني أكثر؟
توقفت حياة عن حديثها بأنفاس لاهثة، وقد شعرت إن هذا الحديث كان قاسياً عليها مثلما كان قاسياً على والدتها. "أنا أخطأت، نعم أعترف بهذا، لكنني أدركت خطأي بعد أعوام قليلة وجاهدت لإصلاحه." قالتها والدتها بقوة وثبات، لترد حياة بألم: "هناك أخطاء يصعب تجاوزها، خاصة عندما تأتي من أقرب الناس إليك." أضافت والدموع بدأت تأخذ طريقها على وجنتيها:
"أنتِ لا تعلمين ما عايشته بسببكِ وما شعرت به. لا تعلمين كيف استطعت تقبل ما فعلتيه وتناسيه وإدعاء عدم الإهتمام بما فعلته. أنا وصلت لمرحلة تمنيت فيها لو متُ بدلاً مما فعلتيه! وضعت أحلام يدها على فمها تكتم شهقة كادت أن تصدر منها، بينما إسترسلت حياة وهي تهز رأسها بإبتسامة متألمة:
"نعم تمنيت ذلك. فشعور الفقدان أهون بكثير من شعور النبذ والخذلان. نعم تمنيت ذلك مراراً، حتى إنني تمنيت لو كذب والدي علي وأخبرني إنكِ ميتة ولستِ حية ومتزوجة من آخر وجدته أفضل منه." هزت والدتها رأسها نفياً عدة مرات، تحاول أن تكذب ما سمعته، عندما قالت أخيراً بصوت باكي: "أنا أخطأت نعم، لكنني كنت مضطرة لذلك. كنت صغيرة ولم أتحمل الفقر والحاجة. كنت أرغب بحياة مترفة."
كنت أشعر دائماً إنني أستحق حياة أفضل بكثير من تلك الحياة البائسة التي أعيشها. هذا ليس مبرراً. قالتها حياة بإباء، لتومئ أحلام برأسها وهي تمسح دموعها بأناملها وتقول: معك حق، هذا ليس مبرراً بالفعل. لكنني كما أخطأت حاولت تصحيح خطئي، حاولت التواصل معك مراراً لسنوات، لم أمل يوماً من تلك المحاولات. بعد ماذا؟
لقد تأخرت كثيراً على ذلك، لقد تأخرت لدرجة إنني كبرت وفهمت ما يحدث، فهمت سبب غيابك، فهمت وليتني لم أفهم فتلك كانت أسوأ طعنة تلقيتها في حياتي. حياة. قالتها والدتها وهي تحاول التقدم نحوها واحتضانها، لكنها ابتعدت وهي تضيف باكية:
ربما قد يكون كلامي قاسياً للغاية، لكنه لن يوازي قسوة ما مررت به وما شعرت. كان أسوأ شعور مررت به عندما أدركت إن أول وأقسى ألم تلقيته في حياتي جاء من الشخص الأقرب لي، ممن يفترض إنها الأقرب لروحي وقلبي، منك أنت، أمي. أكملت بنشيج خافت:
عليك أن تعلمي أيضاً إنني حاولت، حاولت تجاوز مشاعري هذه وفتح صفحة جديدة معك حتى البارحة. كلمات قليلة سمعتها من أحدهم كانت كافية لتحطيم جميع محاولاتي البائسة لأدرك إنني لن أتحرر من ألم تخليك عني مهما حدث. أنهت كلماتها واندفعت خارج الغرفة ودموعها تهطل على وجنتيها بغزارة. هبطت درجات السلم بخطوات سريعة ثم اتجهت نحو الباب المؤدي للحديقة عندما توقفت على صوت نضال يناديها مستغرباً حالتها تلك وخطواتها الراكضة.
إلتفتت نحوه بنصف إستدارة فرأى وجهها الباكي قبل أن يجدها تندفع خارج المنزل غير آبهة بندائه القلق عليها. *** دلف إلى الشقة التي تمكث بها أخته بعد غياب يوم كامل. أطلق تنهيدة بطيئة وهو يتقدم إلى الداخل ليجد خديجة تخرج من غرفتها وهي تحمل صينية الطعام والذي يبدو إن شقيقته لم تمس منها شيئاً. هزت خديجة رأسها بأسف ليتنهد مجدداً وهو يتقدم إلى غرفتها.
طرق على الباب بخفة ثم دلف إلى الداخل ليجدها تجلس على السرير تحتضن جسدها بذراعيها وملامحها شاردة تماماً كأنها في ملكوت آخر. اقترب منها وجلس بجانبها قبل أن يلمس على شعرها بكفه فيراها تنكمش على ذاتها لا إرادياً. تقدم نحوها أكثر يحيط جسدها بذراعيه يهمس لها بصوت خافت: لا تخافي يا جيلان، أنا عمار، شقيقك. شعر بارتجافة جسدها تخف تدريجياً ليجذبها نحو صدره وأنامله ما زالت تمشط شعرها الناعم برقة وحنو.
ظلا على هذه الوضعية لمدة من الزمن حتى أبعدها عنه قليلاً يتأمل عينيها اللتين تتحركان في جميع أنحاء الغرفة بعيداً عن وجهه. انظري إلي يا جيلان. أمرها بصوت هادئ رقيق لترفع عيناها في وجهه فتلمع الدموع الحبيسة داخلهما بينما بدأت شفتاها ترتجفان كالعادة. شعر بنار حارقة تشتعل داخل صدره وهو يراها حالتها تلك ووضعها المأساوي بينما هو عاجز عن فعل أي شيء لها.
عاجز عن مداواتها بل الأسوأ إنه عاجز عن نيل حقها من ذلك المجرم الذي لا يعرف عنه أي شيء فالطبيب أخبره بل حذره بوضوح ألا يتطرق إلى هذا الموضوع الآن فحالتها النفسية لن تتحمل ذلك وهو بدوره لا يعلم أي شيء عما يحدث فلا يعرف كيف حدث ما حدث وكيف تعرضت أخته لكل هذا.
حتى الصور التي أرسلها ذلك الحقير لراغب لم تفيده بشيء بعدما لم يتواصل ذلك النذل مع راغب مجدداً لكي يتفق معه على المبلغ الذي يريده وهذا الأمر يقلقه ويقلق راغب بشدة فتصرف كهذا يبدو مريباً وتبعاته تثير القلق في نفوسهم. لماذا لا تتناولين طعامك؟ سألها بجدية لتجيب بصوت منخفض بالكاد يسمع: لا أريد. أغمض عينيه للحظة قبل أن يفتحها وينحني نحوها محيطاً وجهها بكفيه محاصراً عيناها بلونهما الذي يماثل لون عينيه مردداً
بهدوء وقوة في ذات الوقت: لا تفعلي هذا بنفسك، ولا تخفضي وجهك وتتحدثي بهذه الطريقة، أنت لم تفعلي شيئاً يجعلك تتصرفين بهذه الطريقة، لا تخجلي ولا تشعري بالعار يا جيلان فأنت ضحية والجاني هو من يجب أن يشعر بذلك. ارتجفت شفتاها مجدداً وهذه المرة لم تستطع السيطرة على دموعها فهطلت على وجنتيها بحرقة ليجذبها مجدداً نحوه صدره يهدهدها كطفلة صغيرة وهي بالفعل كانت طفلة تحتاج الكثير. هش لا تبكي، لا تبكي يا صغيرتي.
أبعدها قليلاً عنه متأملاً وجهها الباكي بينما جسدها ما زال مرمياً داخل أحضانه فهتف بهيمنة وتسلط يليق به: ما عاش من يبكيك وأنا حي يا جيلان، أقسم بربي سآخذ حقك كاملاً وسأجعلك ترين ذلك بنفسك. أقسم بربي إنني سأفعل المستحيل لأعيد لك شرفك وأستعيد حقك كاملاً. ابتلعت غصتها داخل حلقها دون رد لتسمعه يهتف برجاء: فقط كوني قوية وساعديني يا جيلان، لا أريد أن تبقي هكذا، محطمة وضائعة. عندما لم يجد رداً منها قبض على كفها يرجوها مجدداً
بلطف أكبر: كوني أقوى يا جيلان ولا تستمري في حالتك تلك، جاهدي مع نفسك لتتجاوزي ما حدث وأنا معك، خطوة بخطوة. تأملته بوجع فشدد من قبضته قائلاً: اتفقنا يا جيلان. أومأت برأسها أخيراً على مضض ليمنحها ابتسامة خفيفة مصطنعة قبل أن يهمس بنبرة متأنية: أنت تدركين جيداً إنني لا أريد سوى مصلحتك، تعلمين هذا جيداً، أريدك أن تثقي بي يا جيلان، وأن توافقي على ما سأقوله. سيطر الخوف على ملامحها بينما أكمل هو بجدية وتروي:
ستتزوجين ابن عمك يا جيلان. انتفضت مبتعدة عنه بسرعة البرق تصيح بلا وعي: لن أتزوج، لا أريد. حاول التقدم نحوها مردداً برجاء: جيلان ارجوك. لكنها ابتعدت عنه أكثر تصرخ بقوة: لا أريد، أنا لا أريد أن أتزوج، لا أريد ذلك. أضافت تهمس بنحيب مكتوم: لا تفعل بي ذلك، ارجوك. جيلان أنا أريد مصلحتك، أريد أن أعيد لك شرفك. قالها بصدق لتهز رأسها نفياً وهي تصر على رفضها: لا أريد، لا أريد. أغمض عينيه محاولاً السيطرة على أعصابه للحظات
قبل أن يفتحها ويقول بجدية: افهميني يا جيلان، أنت الآن صغيرة، لكنك ستكبرين يوماً ما وتفهمين ما أقصده، أنا أريد حمايتك، حماية شرفك الذي لن أسمح لأي شخص أن يمسه بحرف واحد، الزواج سيفعل كل هذا، سيكون زواجاً مؤقتاً يا جيلان، عامان فقط وينتهي، لن يجرؤ أحد على إيذائك طوال هذين العامين كما إنني سأكون بجوارك دائماً، والله لن أتركك لحظة واحدة بدوني ولن أسمح لأي شخص أن يمسك بسوء حتى ذلك الذي سيصبح زوجك. أضاف بجدية متأملاً
بكائها الصمت: أقسم برحمة أمي التي هي أمك لن يمسك أي مخلوق بسوء فأنا سأكون معك وجوارك دائماً وأبداً. لحظات وارتفع صوت نحيبها أكثر ليجذبها بقوة نحوه صدره فتتمسك هي بأحضانه وصوت شهقاتها العالية تمزق قلبه وحقيقة إنه سبب كل ما حدث تقتله بلا رحمة. *** شعرت بجسده الثقيل يسقط على السرير جوارها فرفعت جسدها قليلاً تسأله وهي تتأمل ملامحه المرهقة: أين كنت يا مهند؟ أجابها وهو مغمض عينيه: كنت في الملهى مع أصدقائي.
زمت شفتيها تردد بعبوس: تركتني منذ البارحة لتسهر مع أصدقائك. لم يجبها بل اكتفى بهمهمة خافتة لتتقدم نحوه وتضع يدها على صدره تسأله بقلق: أنت بخير، أليس كذلك؟ فتح عينيه يتطلع إليها للحظات قبل أن يسأل ببرود: تخافين علي يا تقى؟ ردت بسرعة: بالطبع أخاف عليك يا مهند، أنت زوجي وحبيبي وكل شيء بالنسبة لي. أضافت وعيناها ظهر فيهما الألم والخوف: أنا فقط أخاف أن تتركني يا مهند، أخشى أن تتخلى عني.
رفع جسده قليلاً موازياً لارتفاع جسدها قائلاً بجدية: أخبرتك إنني لن أفعل ذلك مهما حدث، ثقي بي يا تقى. أومأت برأسها دون رد بينما تقدم هو نحوها يلمس جانب وجهها بأنامله قبل أن يهمس وهو يقرب شفتيه من شفتيها: اشتقت لك يا تقى. ضحكت برقة وهي تبادر بتقبيله: أنا أكثر شوقاً لك يا قلب تقى. جذبها نحوه يعانقها بحميمية بينما أنامله أخذت تزيح حمالات قميص نومها لينجرفا سوياً يتبادلان الشوق داخلهما بإستمتاع.
بعد مدة كانت تقى تفترش صدره العاري بينما مهند يمرر أنامله فوق ذراعها بصمت. رفعت وجهها قليلاً تتأمل ملامحه الخشنة الوسيمة قبل أن تطبع قبلة بطيئة على وجنته تتبعها بقبلة أخرى على شفتيه بادلها إياها بسرعة. ابتعدت عنه أخيراً تهتف بصوت لاهث: سأقتلك يا مهند إذا فكرت إن تلمس يوماً أي واحدة غيري. أضافت حيث ظهر التملك واضحاً في نظراتها المجنونة:
جسدك محرم على أي امرأة سواي حتى شفتيك محرمتين على غيري، إن فكرت يوماً أن تلمس سواي فلن أتردد لحظة واحدة في قتلك ثم قتل نفسي بعدها. تعجب من نظراتها في تلك اللحظة والتي بدت غير طبيعية فسارع يعتدل في جلسته يجذب جسدها العاري سوى من غطاء خفيف يستره داخل صدرها يخبرها بهدوء: لن أفعلها يا تقى، أنا أحبك أنت ولا أرغب بسواك. رفعت عينيها نحوه تتأمله بصمت للحظات قبل أن تقول وهي تمرر إصبعها على ذقنه النابتة قليلاً:
ليس بيدي يا مهند، أحبك بل أعشقك، أموت فيك حباً، أهيم بك يا مهند، حاول أن تستوعب قوة مشاعري ارجوك. أضافت وعيناها تشتعلان بنيران حارقة: أغار بجنون وفكرة أن تشاركني أخرى بك تقتلني دون رحمة. لا توجد أي واحدة تشاركني بك يا تقى، جيلان مجرد زوجة على الورق فقط لا غير، أما واقعياً فأنت زوجتي الوحيدة وحبيبتي أيضاً. تمتمت بعبوس: اسمها جيلان إذا. أضافت بجمود:
أحاول التصديق يا مهند، لكنني لا أتخيل أن تكون زوجتك لعامين ولا تلمسها ولو لمرة واحدة. تنهد بتعب ثم قال: والله لن أفعل، كيف أجعلك تصدقين ذلك؟ أغمض عينيه بإرهاق لثواني قبل أن يفتحها ويقول بجدية: زواجي سيكون على الورق فقط، وهذا ليس قراري لوحدي بل قرار البقية. ماذا تعني بالبقية؟ هل تمزح معي؟ رددتها بعدم تصديق، ليزفر أنفاسه بتعب قبل أن ينهض من فوق سريره ويجذب بنطاله ويرتديه.
توقف أخيراً أمامها، حيث استندت هي على ركبتيها فوق السرير مشدّدة من وضع الغطاء على جسدها، بينما تحدث مهند أخيراً، مفكراً إنها ستقتنع بالطبع بعدما تعلم باتفاقه مع عمار. "إحدى شروط أخيها لقبول هذه الزيجة هو عدم لمسها مهما حدث. اشترط عليّ أن يكون زواجي منها على الورق فقط." "ما هذا الشرط المجنون؟! غمغمت بها بعدم تصديق، قبل أن تضيف باستغراب: "هل يوجد شخص عاقل يشترط هذا؟ لماذا يريد تزويجها لك إذا؟ تمتم مهند ببرود:
"هذا ما حدث وهذا ما أراده، وأنا بالطبع سأنفذه، لأنني من الأساس لم أكن أنوي الاقتراب منها مهما حدث." اتجه بعدها نحو خزانة ملابسه، يجذب ملابس بيتية خفيفة ويتجه نحو الحمام ليأخذ حماماً سريعاً، بينما نهضت تقى من مكانها وجذبت قميص نومها وارتدته قبل أن تجلس على السرير مجدداً، تفكر فيما قاله مهند وهذا الشرط المجنون من أخ العروس. خرج مهند بعد مدة من الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة، لتنهض من مكانها وتتقدم نحوه، تهتف بجدية:
"هناك شيء سأقوله يا مهند." "تحدثي يا تقى." قالها مهند وهو يحمل عطره ويرش الكثير منه على رقبته وجسده، ليسمعها تقول: "ألم تفكر للحظة واحدة في شرط أخو الفتاة الغريب؟ هل ترى شرطاً كهذا منطقياً؟ ألم تسأل نفسك ما الغاية من هذا الشرط وما الغاية من هذه الزيجة إذا طالما ستبقى على الورق فقط؟
التفت نحوها يعقد حاجبيه، مفكراً إنه لم يفكر للحظة في سبب الشرط لأنه من الأساس لا يهتم، فكل ما يريده أن يحصل على حريته وجزء من ميراثه كما وعده راغب، أما أي شيء آخر فلا يهمه. تنهدت تقى بصوت مسموع، ثم قالت ببطء مقصود: "السعي لتزويجها منك في هذا السن الصغير مع شرطه بعدم لمسها لا يدل سوى على شيء واحد." تجمدت ملامح مهند، وقد استوعب أخيراً مقصد تقى، التي أضافت بثقة:
"هناك فضيحة أخلاقية يسعى أخوها لإخفائها من خلال هذه الزيجة. فضيحة لا يريدك أن تكتشفها، لذا وضع هذا الشرط غير المنطقي. من الواضح أن تلك الفتاة ارتكبت إثماً كبيراً، وأنا أجزم إنها ليست عذراء، وأخوها يسعى لإعادة شرفها الضائع من خلالك." *** كانت تقف أمام البحر تتأمل أمواجه الهادئة بملامح هادئة، رغم الألم المحفور داخل قلبها. تشعر بثقل كبير يجثم على صدرها، وهي تفكر إن ما عاشته في الآونة الأخيرة يفوق قدراتها حقاً.
تتذكر حياتها سابقاً قبل مرض والدها ودخول نديم حياتها، ثم ما تبع ذلك من عودة والدتها إلى حياتها، فتجد إن كل شيء كان أفضل. تنهدت بألم عندما شعرت به يقترب منها ويمد يده نحوها بقدح من القهوة، فتناولته منه وهي تشكره بخفوت. وقف جانبها يتأمل البحر بدوره، يرتشف القليل من قهوته قبل أن يسألها باهتمام صادق: "هل أصبحت أفضل الآن؟ أومأت برأسها وهي تجيب بخفوت: "نعم، الحمد لله." التفتت نحوه تشكره بنفس الخفوت: "أشكرك يا نضال."
"على ماذا تشكريني يا حياة؟ لم أقم سوى بواجبي." تنهدت بصمت وهي تتذكر لحاقه بها وهي تبكي، حيث أوقفها يسألها بقلق عن سبب انهيارها الغريب، فتجيبه باكية إنها متعبة وتحتاج إلى الابتعاد عن المنزل قليلاً. همت بالتحرك، ليسألها عن وجهتها، فتخبره إنها ستذهب إلى البحر كعادتها عندما تكون حزينة، فتتفاجأ به يعرض عليها إيصالها إلى هناك بإصرار جعلها تضطر أن توافق وتسمح له بتوصيلها.
وفي أثناء الطريق، بدأت تستعيد رباطة جأشها، حيث توقفت عن البكاء أخيراً وهدأت قليلاً، لتشكره بحرج عندما وصلا إلى هناك. فيبتسم في وجهها قبل أن يخبرها إنه يمكنه مرافقتها، فربما تحتاج إلى رفيق يخفف عليها حزنها هذا أو يشاركها أسباب بكائها، فتوافق بتردد على عرضه، ليهبطا سوياً عند البحر، حيث سألها إذا ما تفضل شيئاً ما، فتخبره إنها تريد القهوة، ليخبرها إنه يفضل القهوة أيضاً، ثم يتجه ليجلبها لكليهما.
منحته ابتسامة خافتة وهي تعاود النظر نحو البحر، لتسمعه يسألها بعد لحظات: "ألن تخبريني سبب بكائك على هذا النحو؟ رفعت بصرها نحوه تتأمله قليلاً قبل أن تجيب بخفوت: "لقد تشاجرت مع ماما قليلاً." أومأ برأسه متفهماً، بينما عادت هي تنظر نحو البحر تتأمله مجدداً بنفس الصمت. "ستذهبين إلى الشركة غداً، أليس كذلك؟ قالها مذكراً إياها بموعد مقابلتها في شركة الأدوية التي يملكها صديقه، فأجابته بسرعة: "نعم، سأذهب بالتأكيد." أضافت بجدية:
"أظن إن علي العودة سريعاً لجمع أغراضي قبل أن يحل المساء." عقد حاجبيه يسألها بتعجب: "لم ستجمعين أغراضك؟ ردت بجدية: "سأعود إلى منزلي." "ظننتك سوف تستقرين في منزل أبي." قالها مستغرباً ذلك، فوجدها تغمغم بخفوت: "كلا، بقيت هناك الأيام السابقة بسبب والدتي وما حدث معها، لكنها طالما تحسنت سأغادر اليوم." سألها بتريث: "هل هذا سبب شجاركما؟ ردت بوجع: "هو أحد الأسباب، لكنه ليس الوحيد." صمت قليلاً ثم قال:
"أشعر إن علاقتك بوالدتك ليست طبيعية. يعني لا أقصد التدخل بالطبع، لكن أشعر دائماً بوجود فراغ غريب بينكما." رمقته بنظراتها البائسة، لتبتسم بانكسار وهي تقول: "هذا صحيح. علاقتنا بالفعل ليست طبيعية." سيطرت على ملامحها المتألمة قبل أن تتبع: "لقد حدثت الكثير من الأشياء في الماضي تجعل هناك العديد من الحواجز بيننا." "أتفهم هذا." قالها ببرود، قبل أن يضيف بصوته الثقيل:
"بل أنا أكثر من يتفهمك، لأنني مررت بنفس ما مررت به، ولكن مع الطرف الآخر." رفعت نظراتها المدهوشة نحوه، ليمنحها ابتسامة هادئة تخفي الكثير خلفها: "نعم، لا تتفاجئي هكذا. انظري مرة واحدة لي ولوالدي، وستدركين ما أعنيه." "لكن والدك يحبك." قالتها بإقرار وهي تتذكر سعادته بعودته، ليهتف بدوره: "ووالدتك تحبك أيضاً." صمتت تترقب بقية حديثه، فيقول بجدية: "لكن حبهما مهما بلغ ليس كافياً لتعويضنا يا حياة." أضاف وهو يتفحصها بنظراته:
"في كل مرة أنظر فيها لك، أرى نفسي يا حياة، وأخشى حقاً أن يتطور الألم داخلك وتصبيحي مثلي يوماً ما." "ماذا تقصد؟ سألته بنبرة متردد، ليمنحها ابتسامة ودودة قبل أن يقول: "ليس مهماً ما أقصده يا حياة." أضاف وهو يتنهد بصمت: "دعنا نغادر، فالوقت قارب على الغروب." أطاعته وهي تسير معه نحو سيارته، حيث ركبت جواره ليتجه عائداً إلى المنزل. أوقف سيارته أمام المنزل، ليلتفت نحوها يخبرها بجدية:
"انزلي أنت، فأنا لدي موعد هام سأنهيه وأعود ليلاً." هزت رأسها بتفهم، قبل أن تهبط من سيارتها تتجه نحو المنزل، لتتوقف على صوته وهو يناديها، فتلتفت نحوه لتجده يفتح باب سيارته ويهبط منها متقدماً نحوها، قبل أن يقف أمامها يتأملها بصمت للحظات، ثم يقول: "لا تجعلي أي شيء يؤثر سلباً عليك. لا تسمحي لأي شخص أن يؤلمك ويتسبب في بكاؤك مهما حدث." توترت ملامحها، بينما أضاف وعيناه تحاصران عينيها بطريقة غريبة:
"ابتعدي عن كل ما يؤذيك، ولا تسمحي لأحد أن يكون سبباً في تعاستك، فأنت تستحقين أن تكوني سعيدة دائماً، لا يعكر صفو سعادتك أي شيء." ابتلعت ريقها بتوتر وهمت بالحديث، لكنها فوجئت به يمد كفها يربت بها على ذراعها وهو يضيف أخيراً: "أتمنى أن تفكري مجدداً في أمر مغادرتك المنزل، فوجودك معنا يسعدنا كثيراً."
منحها أخيراً ابتسامة صافية، لتبادله حياة ابتسامته تلك بتوتر، غافلة عن تلك العينين المشتعلتين اللتين تراقبهما منذ أن وصلا إلى المنزل. كان نديم يراقبهما بانفعال مكتوم، متأملاً ابتسامة نضال الصافية وتلك اللمعة الخاصة في عينيه، وابتسامة حياة المرتبكة، فيشعر بنيران حارقة تجتاح روحه بلا رحمة. ***
وقف عمار بجانب أحد أصدقائه يتأمل الموجودين في هذا الحفل، والذي لم يكن سوى حفل زفاف ابن أحد رجال الأعمال المهمين في البلاد، والذي تجمعه به علاقة جيدة، بل يشتركان في عدة صفقات مهمة. كان يتابع الحفل بملل، فهو في مزاج لا يحتمل أي نوع من الحفلات. تأمل راغب الهاشمي، الذي دلف إلى الحفل برفقة بعضاً من أفراد عائلته، متأملاً تلك التي تتأبط ذراعه باستغراب، فيهمس لصديقه بتساؤل: "هل راغب الهاشمي متزوج يا ضياء؟ ضحك ضياء بخفة،
ثم قال: "نعم، ألا تعلم؟ رد عمار بجفاء: "ظننته عازباً." ابتسم ضياء بخفة وقال: "متزوج وأب لطفلين أيضاً." "طفلين؟ همس بها عمار بدهشة، قبل أن يتأمل تلك التي تقف بجانبه تتبادل التحية مع بعض الموجودين بملامح ناعمة بسيطة، بل إن كل شيء بها بسيط، بدءاً من فستانها المحتشم للغاية وتسريحتها الكلاسيكية، ووجهها الذي يكاد يجزم إنه شبه خالٍ من مساحيق التجميل. لا ينكر إنها تحمل قدراً من الجمال رغم بساطتها، لكن هناك شيء بها مبهم.
عقد حاجبيه بتعجب وهو يلاحظ انكماش جسدها عندما لف زوجها ذراعه حول خصرها، وكأنه ليس زوجها ووالد طفليها كما أخبره صديقه، بل انتبه أيضاً لنظرات راغب الصارمة، والتي تخفي الكثير وتحمل رسائل مبطنة لها، جعلتها ترسم ابتسامة كاذبة على شفتيها. أفاق من تأملاته على صوت صديقه يخبره: "إنها لا تخرج معه سوى نادراً. أكاد أجزم إنها المرة الأولى التي أراها في حفلة لا تخص العائلة." "غريب." تمتم بها عمار بتعجب، ليسمع صديقه يضيف:
"نعم، هو غريب بالفعل." أضاف وعيناه تلمعان بمكر: "أنت لم تر خطيبته السابقة. كانت شعلة مثيرة." حدق عمار به مستغرباً، ليبتسم ضياء وهو يهز رأسه ويضيف: "الجميع يحسده عليها، لكنها تركها فجأة وسط دهشة الجميع، ليتزوج بعدها من ابنة خالته." أضاف بأسف: "الكثير يقولون إن تلك الناعمة سرقته منها، مع إنني لا أصدق ذلك، فهي تبدو بريئة هادئة، بينما الأخرى كانت قوية متوهجة." هتف عمار بغلطة: "لا تغرك المظاهر يا ضياء."
لا أحد يعلم ما يوجد خلف هذه الواجهة البريئة الناعمة. "معك حق." قالها ضياء بجدية قبل أن يمازحه: "أنت بالطبع لا تعلم أيًا من هذا لإن لديك دوما أشياء أهم." تجاهل عمار مزحته وعاد يرتشف من كأس عصيره القليل لينسحب صديقه متجهًا إلى أحد معارفه لغرض التحية. أخذ يدور ببصره في أرجاء المكان قبل أن تتجمد نظراته للحظات وهو يراها تتقدم نحوه بشكل لم يتوقع أن يحدث يومًا. لقاءه بها لم يكن في الحسبان.
لكن يبدو أن القدر يخطط بشكل مختلف تمامًا. شكل لا يشبه ما يسعى هو إليه. لا ينكر أن هناك شيئًا ما تحرك بداخله فرؤيته لها أعادت إليه ذكريات بعيدة. ذكريات يدرك جيدًا أنه تجاوزها ولكن أثرها ما زال موجودًا بداخله. لم تتغير كثيرًا. ما زالت فاتنة كما هي. وما زال كل شيء بها مميزًا. مثاليًا. "كيف حالك؟ سألته بتروٍ بينما عيناها تلتهمان تفاصيله لا إراديًا.
تغير كثيرًا وازداد وسامة. لطالما كان وسيمًا بملامحه الرجولية الجذابة وعينيه الخضراوين. ملامحه وسيمة لا تخلو من الحدة التي تضاعف من جاذبيتها. خشن هو في شكله وأسلوبه وتصرفاته لكن خشونته محببة. عيناه هو الأخرى طافت على ملامحها ببطء. توقف أخيرًا وأجاب ببرود: "بخير. وأنت؟ ابتسمت وهي تجيب بعذوبة: "أنا بخير." "متى عدت من الخارج؟ سألها بنفس البرود فتعجبت من معرفته بأمر سفرها لتجيبه: "منذ خمسة أشهر تقريبًا."
أومأ برأسه متفهمًا ثم سألها: "وماذا عن زوجك؟ سمعت إنه من أكبر رجال الأعمال." قاطعته بقليل من الحسرة: "تطلقت." حسرتها وهي تتحدث كانت واضحة. تأملت جمود وجهه المريب فسألته بتردد: "وماذا عنك؟ ألم تتزوج بعد؟ هز كتفيه يجيب ببساطة: "بلى تزوجت." ابتسمت بخفة وهي تردد متسائلة: "ومن سعيدة الحظ؟ ابتسم مرددًا باستخفاف: "بالتأكيد ليست سعيدة حظ وهي تتزوج بزير نساء مثلي." فهمت مغزى حديثه فتنحت مرتبكة قليلاً لتسمعه
يقول بابتسامة ماكرة: "على العموم زوجتي تعرفينها جيدًا فهي صديقتك المقربة." عقدت حاجبيها بتساؤل ليردف بنبرة متسلية: "أنا تزوجت ليلى يا شيرين." والصدمة المرسومة على وجهها جعلته ينتشي كليًا بكل غريب. "ليلى؟! همست بها بعدم تصديق ليومأ برأسه وهو يبتسم لها باستهزاء فتهمس بصوت مرتجف قليلاً: "مبارك لكما الزيجة."
اكتفى بإيماءة من رأسه مدعيًا عدم الاهتمام بينما عيناه تلتقطان كل خلجات وجهها عندما سمع صوتًا مرحًا يصدر خلفه ليجدها تتقدم وهي تهمس بعدم تصديق: "شيرين! متى عدت؟ ابتسمت شيرين بتصنع وهي تستقبل تحيتها وترد عليها: "أهلاً مريم. لقد عدت منذ أشهر قليلة." تأمل عمار فستانها المفتوح بملامح غير راضية بينما ابتسمت مريم وهي تسأل بعفوية فهي لطالما أحبت شيرين التي تعرفها منذ الطفولة فهي صديقة ليلى المقربة طوال سنوات الدراسة: "حقا؟
الحمد لله على سلامتك. كيف حالك وما أخبارك؟ ابتلعت شيرين غصتها وهي تغمغم: "لقد تطلقت." تمتمت مريم بأسف: "أوه آسفة لذلك. لا بأس. سيعوضك الله خيرًا بدلًا منه." أضافت بثقة: "الرجال لا يوجد أكثر منهم وأنت جميلة ورائعة وتستحقين أفضلهم." ابتسمت شيرين برقة وقالت: "أشكرك على إطرائك يا مريم." بادلتها مريم ابتسامتها وقالت بحماس: "ليلى ستفرح بعودتك كثيرًا يا شيرين. لا أظن أنك اتصلت بها بعد؟
نظرت شيرين نحو عمار بملامحه اللامبالية ثم عادت تنظر إلى مريم وتجيب: "كلا لم أفعل." ثم همست معتذرة وهي تريد الفرار بسرعة: "اعذريني يا مريم لكنني يجب أن أغادر الآن. أراك مجددًا إن شاء الله." ثم انسحبت بسرعة تاركة مريم تتابع أثرها بتعجب قبل أن تلتفت نحو عمار تتأمله بملامح مزدريّة لتهم بالانصراف لكنه سارع يقبض على ذراعها يهمس لها بهيمنة: "إلى أين يا صغيرة؟ ألن تلقي التحية على زوج أختك على الأقل؟ رمقته
بنظرات حارقة ليحذرها: "لا تنسي إننا في حفل عام والأنظار ستتجه نحونا فورًا في حال صدر أي تصرف متهور منك." زمت شفتيها بعبوس قبل أن تبتسم بتصنع فيبتسم بدوره لها بتهكم قبل أن يسألها: "ماذا تفعلين هنا؟ تجهمت ملامحها وهي تجيب ببرود: "العروس صديقتي المقربة." عقد حاجبيه يردد بتعجب: "غريب. لا يبدو على العروس أنها صغيرة لهذه الدرجة." احتدت ملامحها وهي تقول: "ليست صغيرة. لقد تجاوزت عامها الحادي والعشرين."
منحها ابتسامة هازئة دون رد لترمقه بنظرات كارهة قبل أن تتحرك بعيدًا عنه تاركة إياه يتابعها بملامح محتقنة من فتحة فستانها الواسعة. *** بعد مدة من الزمن في منتصف الحفل. وقف بجانبها يتأمل الحفلة أمامه بملامح جامدة لا توحي بشيء بينما عقله وقلبه وروحه معلقة بها.
هي التي تقف بجانب بكل خيلاء تنظر إلى الموجودين بملامح مبتسمة برسمية بينما داخلها يحترق غضبًا وغيظًا من ذلك المتخلف الذي يصر على اقتحام حياتها فتجده أمامها على الدوام يفرض نفسه عليها بكل سماجة ممكنة. نظر إليها بطرف عينيه متأملًا فستانها الجريء كالعادة بطوله الذي بالكاد يصل إلى منتصف فخذها وتلك الفتحة الواسعة التي تظهر المسافة بين ثدييها بسخاء. "ألن تكفي عن ارتداء الفساتين الفاضحة يا مريم؟
استدارت نحوه على الفور تمنحه نظرة نارية ولسانها يهتف بحدة خافتة: "ما شأنك أنت؟ أنا أرتدي ما يعجبني وما أجده لائقًا بي." "وهل تجدين قميص النوم هذا يليق بك؟ قالها ببرود وهو يتأملها بوقاحة مقصودة مما جعلها بالكاد تسيطر على عصبيتها وهي تخبره بغضب مكتوم: "احترم نفسك ولا تتدخل مرة أخرى فيما لا يعنيك." التوى فمه بابتسامة متهكمة ليومأ برأسه وهو يردد بصوت هازئ: "كما تريدين يا آنستي."
صدح صوت الموسيقى الهادئة عاليًا في أرجاء المكان حيث بدأ البعض يتجه إلى ساحة الرقص ويرقص على هذه الموسيقى. شهقت بصدمة عندما وجدتة يقبض على كفها ويسحبها معه اتجاه ساحة الرقص. ضغطت على أعصابها بقوة وإضطرت إلى مسايرته كي لا تتسبب بفضيحة في المكان فشعرت بذراعيه القويتين تلتفان حول خصرها من الجانبين تجذبانها نحوه أكثر. لفت ذراعيها حول عنقه وهي ترمقه بنظراتها المحتدة فوجدته يبتسم لها بهدوء مستفز. "أنت ماذا تريد بالضبط؟
هل تنوي التسبب بفضيحة علنية لنا؟ سألته بخفوت وملامح مشدودة لتسمعه يرد بنفس الهدوء المغيظ: "لماذا تقولين هذا؟ ما الخطأ الذي فعلته الآن؟ كزت على أسنانها وهي تهتف بنبرة ساخطة: "رقصنا سويًا هكذا هو خطأ كبير بل ومثير للشبهات أيضًا. ماذا سيقول الناس عنا؟ أجاب ببساطة كادت تقتلها: "ليقولوا ما يقولون. الناس يتحدثون بالسوء دائمًا وبكل الأحوال." "ربما أنت معتاد على التحدث عنك بسوء أما أنا فالجميع يحترمني ويذكرني بالخير."
خرجت منها قوية صلبة لتجده يبتسم ملأ فمه وهو يتحدث قائلاً: "ثقتك الشديدة بنفسك هي أحد أسباب إعجابي الشديد بك يا مريم." ردت ببغض وعداء واضح: "لا أريد إعجابك يا عمار ولا أحبه من الأساس." هز رأسه بعدم اكتراث ثم استمر في مراقصتها عندما حاولت التحرر منه لكنه منعها من ذلك وهو يخبرها بصرامة: "لن أسمح لك بالابتعاد عني قبل توقف الموسيقى." نهرته بضيق: "ماذا تفعل أنت بالضبط؟ أنت تتصرف بجنون." ثم هتفت بسرعة وترجٍ عندما
وجدت أكرم يدلف إلى القاعة: "لقد جاء أكرم. اتركني من فضلك." سألها بصوت متصلب: "هل تخشين أن ينزعج من رقصنا سويًا؟ لم تجبه بل اكتفت بنظراتها المحتقنة فأمرها بصوته الحازم رغم انخفاض نبرته: "أجيبي." أجابت بصوت متشنج: "لا أرغب بإثارة ضيقه أو إزعاجه." "هل تحبينه؟ سألها بملامح قاتمة وهو يلاحظ خوفها على أكرم وشعوره عندما يراهما سويًا ليجدها تنظر إليه بعينين محتقنتين فيكرر السؤال بقوة وإصرار أكبر. نطقت أخيرًا بصدق: "نعم أحبه."
ظهر الألم على ملامحها عندما اشتدت قبضته حول خصرها فخرج صوتها ضعيفًا: "أنت تؤلمني يا عمار." "ابتعدي عنه يا مريم." نظرت له بعدم استيعاب ليكمل بصوت صارم آمر: "ابتعدي عنه أفضل لك وله." صاحت بعدم تصديق: "أنت مجنون حقًا." ثم أضافت بقوة ولا مبالاة: "لن أبتعد عنه يا عمار وإياك أن تتعامل معي بهذه الطريقة مرة أخرى وتتآمر علي." حررت رقبته من ذراعيها وهمت بالابتعاد عنه عندما شعرت بكفه الخشن يقبض على رسغها بقسوة بينما
صوته يهمس بجانب أذنها: "ابتعدي عنه بإرادتك قبل أن تفعلي ذلك إجبارًا." التفتت بعينيها الثائرتين نحوه تسأله بتردد: "ماذا تقصد؟ شعرت بالتوجس من تلك النظرة الشيطانية التي ظهرت في عينيه الخضراوين بينما يخبرها بتوعد: "هناك طرق كثيرة للتخلص منه يا مريم. طرق لن أتردد في استخدام أقساها لإبعاد هذا الغبي عنك." "أنت مريض." قالتها بكره ظهر واضحًا على ملامحها النافرة لتتسع ابتسامته وهو يرد ببرود: "أنا مريض بك يا قطتي." "عمار."
همست بها بخوف فقال بسرعة: "لا تخافي مني أبدًا يا مريمتي." أضاف بنبرة آمرة: "استعدي فسنغادر الحفل سويًا." همت بالاعتراض لكنه سبقها بنبرة لا تقبل نقاشًا: "كفي عن الاعتراض دون فائدة." ستغادرين معي حيث سأوصلك إلى منزلك. أضاف بقوة وتسلط وهو يرمق أكرم الغير منتبه له حتى الآن: أنا لن أمنحه الفرصة لينفرد بك مهما حدث يا مريم.
كانت تجلس جواره في سيارته وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وتتأفف بصمت بينما يضع هو كل تركيزه على الطريق أمامه. استدارت تنظر إلى الجانب وهي تشعر بالحنق والضيق مما يحدث معها بينما عقلها يفكر في الطريقة المناسبة للتعامل مع هذا المختل الذي يجلس بجانبها وكيفية التخلص منه في أسرع وقت. استدارت نحوه بعدما وجدته يخرج هاتفه الذي أخذ يرن من جيبه ليجيب على المتصل بسرعة قبل أن يصرخ بصوت عال: متى حدث هذا؟ سآتي فورًا.
ثم سارع يتجه بسيارته نحو الاتجاه المعاكس وقد ضاعف من سرعتها لتهتف مريم بقلق: ماذا حدث وأين سنذهب؟ صاح بها بصرامة: آخرسي ولا تفتحي فمك بكلمة. لا تعرف كيف مر الطريق عليهما وكيف وصلت سالمة بعدما كاد أن يفتعل أكثر من حادث بسبب قيادته المجنونة. أوقف سيارته أخيرًا أسفل إحدى العمارات الراقية وهبط منها متجها بسرعة إلى الداخل لتنظر خلفه بتردد قبل أن يغلبها فضولها لمعرفة ما يحدث فتحسم أمرها وتلحق به بنفس السرعة.
ارتقت درجات السلم خلفه كما فعل بدلًا من المصعد لتجده يتجه نحو شقة في الطابق الثاني فيضغط على الجرس بعنف. تقدمت هي نحوه لاهثة لتجد سيدة كبيرة في السن تفتح الباب فيندفع إلى الداخل لتتبعه هي وفضولها يصل ذروته. تبعته إلى الغرفة التي قصدها لتنصدم بشيء ما يصطدم بالحائط جانبها بعدما رمته فتاة صغيرة لا تتجاوز الخامسة عشر من عمرها. تأملت الفتاة بملامحها المجنونة بينما عمار يقف على مسافة منها يتحدث بصوت ناعم لا يليق به:
جيلان، اهدئي من فضلك. لكن تلك الجيلان لم تهدأ فعادت تحمل بعض الأغراض التي لا تعرف من أين تجلبها وترميها في اتجاهات متفرقة فتنكمش مريم بذعر من أن تتعرض لإصابة على يدها. تقدم عمار نحوها هامسًا بتوسل: اهدئي يا جيلان. أنا هنا. معك. بجانبك. أضاف وهو يراها تنكمش على نفسها: جيلان حبيبتي. أنا معك وبجانبك. جحظت عينا مريم لا إراديًا وهي تستوعب ما يقوله لتلك الفتاة الصغيرة بل الطفلة كما تراها أمامها.
اللعنة. هل وصلت به الدناءة إلى هنا؟ يتخذ تلك الطفلة عشيقة له. ربما زوجته يا مريم. همست بها لنفسها ونفورها منه يزداد عندما وجدته يحتضن تلك الصغيرة بين ذراعيه بينما الأخيرة تنتفض بخوف. أنت بيدوفيلي يا عمار. يا إلهي. لا أصدق. أكملت تهتف بصوت عال ونظرات محتقرة: بيدوفيلي أيضًا أيها الوغد. تجمدت نظرات عمار عليها وقد بدت مخيفة بشكل جعلها تدرك إن عقابها هذه المرة سيكون أسوأ مما تتخيل.
حمل عمار جيلان بين ذراعيه متجها به نحو السرير ثم وضعها عليه برفق ليجدها فقدت وعيها تمامًا. تطلع إليها بألم قبل أن ينهض من مكانه متجها نحو مريم فوقف أمامها قبل أن يصيح بصوت عال: هاتي بعضًا من الماء يا خديجة. ثم عاد يرمقها بنظراته الجامدة فيأمرها: وأنت انتظري في الخارج حتى أتصل بسائقي كي يأتي ويأخذك فلا يمكن أن تعودي بسيارة الأجرة وأنت ترتدين قميص النوم هذا. أغادر؟ كررها من فضلك. أنا لن أغادر يا عمار.
أضافت بعينين محتقرتين: أنا سأتصل بالشرطة وأخبرهم إنك تغرر بقاصر. الآن تأكدت إنك مريض حقًا وتحتاج إلى علاج فوري وعاجل. شهقت بعنف عندما قبض على ذراعها يصيح بها بحزم: اخرجي من هنا حالا فآخر ما أرغبه سماع كلامك الغبي مثلك. سبحان الله كلما أراك تحدث مصيبة جديدة معي. وجهك لا يجلب لي سوى المشاكل. أضاف وهو يبعدها عنه بنفور: تشبهين طائر البومة حقًا. وجهك شؤم علي دائمًا. وقبل أن تتخصر وترد عليه كان صوته القوي الحازم يصيح بها:
اغرب عن وجهي هيا. وأمام ثورته المخيفة لم تملك أن تفعل شيئًا سوى الركض خارج الغرفة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!