تقف بجانب النافذة الخارجية المطلة على الحديقة تتأمل غروب الشمس بشرود. مرت ثلاثة أشهر ووضع أبيها كما هو دون تغيير. أعضاؤه الحيوية سليمة ووظائفها مستقرة، ورغم ذلك ما زال يرفض الاستيقاظ. وعلى ما يبدو إنه متمسك بتلك الغيبوبة بشدة. رفعت كوبها الضخم ترتشف المزيد من القهوة علها تساعد في تخفيف ذلك الصداع المؤلم. ثلاثة أشهر مرت بسرعة غريبة. ثلاثة أشهر تضاعفت مسؤولياتها ما بين العمل ورعاية أخويها ومتابعة حالة والدها.
ثلاثة أشهر لم يتركها خلالها زوجها أبداً، بل كان داعماً لها وقدم لها الكثير سواء من خلال مساعدتها في عمل الشركة حيث لم يتوانى للحظة عن دعمها، بل ساعدها في تسيير العمل المتفاقم ومنحها الكثير مما تحتاجه من خبرته الواسعة.
شقيقتها بدورها قررت دخول ميدان العمل بشكل فاجأها، لكنها تفهمت رغبتها في دعمها بعدما أدركت سوء الوضع. فوالدها راقد في غيبوبة لا نهاية لها والشركة ستنهار لا محالة، خاصة بسبب الديون التي تفاقمت عليها. فلم يكن بوسعها سوى المسارعة لدعمها والبدء في العمل معها محاولة الاستفادة مما تعلمته لسنوات في الجامعة.
في بداية الأمر لم تأخذ تصرف مريم على محمل الجد، ربما لأنها تعرف شقيقتها ولم تتوقع منها أن تمنح شيئاً مفيداً. لكنها تفهمت رغبتها في المساعدة في هذا الوضع المتأزم ومنحتها الفرصة لتدخل إلى الشركة وتبدأ العمل فيها رغم عدم قناعتها بهذه الخطوة.
لكن ما حدث فاجأها، فمريم رغم كل شيء استطاعت التعامل مع عمل الشركة وبدأت تدير الأعمال المنسوبة إليها بشكل لا بأس به مبدئياً. ومع مرور الوقت أخذت تثبت إمكانياتها في إدارة أمور الشركة، مما دفع كنان لمساعدتها بشكلٍ جدي وتقديم النصح لها. وهي بدورها بدأت تستغل خبرته الواسعة فتستفيد منها بشدة.
تنهدت ليلى مفكرة إن شقيقتها تمتلك عقلاً تجارياً جيداً كما قال كنان، لكنها تحتاج إلى الدعم والمساعدة والخبرة الكافية لصقل ما تمتلكه من عقلية تجارية جيدة. مبدئياً كما قال زوجها والذي أثنى إعجابه بعقل شقيقتها التجاري كما وصفه. لا تنكر إن هذا منحها شعوراً من الراحة عندما أدركت إن مريم لديها الفرصة لتتحمل مسؤولية العمل بعد بضعة أعوام تكتسب منها الخبرة اللازمة والتي تحتاجها بشدة.
عادت ترتشف من قهوتها عندما وجدت مريم تدخل إلى الغرفة دون استئذان كعادتها وهي تحمل ملفاً يبدو إنها كانت تعمل عليه. تقدمت مريم نحوها وهي ما زالت تنظر إلى الملف لتقول بعدما وصلت إليها: ” أعتقد إننا نحتاج إلى توسيع نطاق العمل قليلاً كي يرتفع نسبة المردود لدينا وبالتالي نستطيع إيفاء ديوننا بأسرع وقت.” ثم نظرت إلى شقيقتها التي قالت بأختصار متجاهلة طريقة دخولها رغم تحفظها عليها: ” معك حق.”
تأملت مريم شقيقتها التي كانت ترتدي روب الإستحمام خاصتها بينما صففت شعرها بطريقة أنيقة، فتساءلت باستغراب: ” هل ستخرجين الليلة؟! اتجهت ليلى نحو الطاولة ووضعت كوبها عليها ثم أجابت: ” نعم، سأذهب أنا وكنان إلى حفلة لأحد أصدقائه.” أكملت وهي تجلس على الكنبة خلفها بتعب: ” الصداع يلازمني منذ الصباح.” قالت مريم بسرعة: ” يمكنك ألا تذهبي طالما أنت متعبة إلى هذا الحد.” أكملت وهي تسير نحوها: ” لست مجبرة على الذهاب.”
قالت ليلى بسرعة: ” لقد وعدته أن أذهب.” عارضتها مريم: ” لكنك متعبة.” تمتمت ليلى بجدية: ” لا يمكنني التراجع، هذه المرة الأولى التي يطلب بها شيئاً مني لشخصه.” توقفت قليلاً ثم أكملت: ” أنت تعلمين إنني طوال الثلاثة الأشهر الفائتة لم أخرج معه أو ألتقيه خارج جدران الشركة، وحتى في المرات التي أتى بها إلى هنا أحاديثنا كلها كانت تخص العمل.”
” حسناً، ولكن هذا لا يعني أن تجبري نفسك على الذهاب معه بسبب ذلك. لماذا تتصرفين وكأنك تحاولين رد جميله عليك؟! قالت ليلى بسرعة: ” الأمر ليس كذلك بالضبط.” قاطعتها مريم: ” بل هو كذلك.” توقفت للحظات قبل أن تكمل بجدية: ” أصبحت أشعر إنك تفعلين ما تفعلينه فقط بدافع الواجب.” اتسعت عينا ليلى برفض تجاهلته مريم وهي تضيف:
” كنان قدم لنا الكثير، أنقذ عبد الرحمن ومصطفى وعاد بهما سالمين إلينا وتصرف مع سهام بالشكل الذي تستحقه وأبعدها عن طريقنا إلى الأبد. ساعدنا في موضوع بابا وتولى مسؤولية متابعة وضعه الصحي بشكلٍ كامل، ناهيك عن دوره المستمر في دعم الشركة ومتابعته العمل معنا. أنا أتفهم مقدار ما قدمه من معروف لنا وأتفهم إنك تحاولين تقديم ولو شيء بسيط مقابل ما فعله.” شحبَت ملامح ليلى كلياً بينما أكملت مريم بتروي:
” لكن من فضلك لا تضغطي على نفسك إلى هذه الدرجة.” هتفت ليلى بخفوت: ” أنا لا أفعل.” سألت مريم: ” متى ستتزوجان؟! أجفلت ليلى من السؤال الذي بدا مفاجئاً، فنظرت مريم لها مضيفة بجدية: ” ما بالك يا ليلى؟! هذا أكثر سؤال منطقي حالياً. مرت عدة أشهر على عقد قرانكما. من المتوقع أن يقرر كنان إقامة الزفاف في أقرب وقت خاصة إن وضع والدي ثابت لا تغيير فيه.” نهضت ليلى من مكانها تردد بخفوت: ” نتزوج قبل أن يصحو والدي من غيبوبته.” نهضت
مريم بدورها تردد بدهشة: ” هل تعتقدين إن كنان سينتظر ذلك؟! أنت تعلمين إنه لا أحد يعلم متى سوف يستيقظ بابا من تلك الغيبوبة.” توقفت للحظة ثم أكملت بحشرجة: ” ربما لن يستيقظ أبداً.” هتفت ليلى تؤنبها: ” لا تقولي هذا من فضلك.” مسحت مريم على وجهها بتعب قبل أن تقول: ” عليك أن تستوعبي ما هو قادم يا ليلى. أنا خائفة عليك. أشعر إنك لست مستعدة لخوض هذه التجربة حالياً والأسوأ شعوري بإنك سوف تخوضين هذه التجربة بدافع الامتنان.”
هتفت ليلى بتردد: ” أنا وكنان تزوجنا يا مريم. تم عقد قرانا منذ ثلاثة أشهر.” توقفت قليلاً ثم أكملت: ” كنان ساعدني كثيرا، قدم لي الكثير دون أن يطلب مقابل.” قاطعتها مريم: ” ربما يعتبرك أنتِ المقابل.” تطلعت ليلى إليها بصمت لثوانٍ قبل أن تهتف بحيادية: ” ربما ذلك بالفعل.” قالت مريم بعدم تصديق: ” وأنت بدورك تتزوجينه بسبب ما فعله وقدمه لنا جميعاً. هل تعتقدين إن هذا تصرف منطقي ومناسب؟! قاطعتها ليلى معترضة:
” أنا لم أقل ذلك. أساساً أنا وافقت على الزواج منه قبل أن يحدث كل هذا.” ” حقاً؟! ألم تكن شراكتنا معه ومساعدته الصريحة لشركتنا بوضعها المتأزم هو أحد الأسباب الذي دفعك لقبول عرض زواجه؟! هل تستطيعين أن تنكرين إن هذا كان أحد الأسباب؟! قالت ليلى بجدية: ” معك حق، ولكن هناك أسباب أخرى بالطبع.” ” دعك من الماضي، حدثيني عن الحاضر. هل أنت مستعدة للزواج منه؟!
هل ترضين بذلك لإنك تريدينه حقاً وتريدين تأسيس حياة معه أم فقط كنوع من رد الجميل والتعويض؟! لم تجب ليلى فأضافت مريم بإصرار: ” لو لم يفعل كنان ما فعله طوال الأشهر الثلاثة الفائتة، هل كنتِ سترغمين نفسك على مرافقته الليلة وتعتبرين زواجك منه أمراً واجباً جارياً تنفيذه؟! تطلعت ليلى إليها لثوانٍ دون تعبير واضح قبل أن تهز رأسها نفياً ثم تقول: ” كلا، الوضع سيكون مختلفاً. ولكن هذا لا يعني إنني كنت سأرفض إتمام الزواج.”
” ولكنك كنتِ سوف تراجعين نفسك على الأقل والأهم إنك كنتِ قادرة أن تحصلي على الوقت الكافي للتعرف على كنان جيداً وعن قرب.” قالتها مريم بثقة وهي التي باتت تدرك ما يدور في رأس شقيقتها، لتهز ليلى رأسها بصمت مؤكدة كل ما تفوهت به مريم، التي أنهت حديثها بحزم:
” الزواج لا يقوم على هذه الأسباب يا ليلى وتضحيتك الآن ستندمين عليها لاحقاً. لا تتصرفي بحماقة وتنجرفي خلف تضحية جديدة غير واضحة المعالم كما حدث مسبقاً. حاولي أن تستفيدي من تجربتك السابقة وتضعيها نصب عينيك عندما تقررين اتخاذ أي خطوة جديدة في حياتك.”
خرجت من غرفتها بعدما أنهت كلماتها تاركة شقيقتها تتابع أثرها بصمت وعقلها أخذ يفكر في كلام شقيقتها، فتعود وتؤنب نفسها بشدة. فهي أخذت عهداً على نفسها أن تتوقف عن حماقة الماضي وتتخذ قراراتها بعيداً عن العواطف التي ما زالت على ما يبدو تؤثر بها بل وتحركها أيضاً. جاورته في سيارته بصمت تتابع الطريق من نافذة السيارة بذهن شارد وعقلها رغماً عنه يراجع حديث شقيقتها مراراً.
كانت شاردة تماماً عندما شعرت بكفه تضغط فوق كفها لتتجفل لا إرادياً وهي تنظر إليه، فتجده يمنحها ابتسامة جذابة وهو يسألها بإهتمام: ” هل أنتِ بخير؟! حاولت أن تخفي حيرتها وتشوشها الواضح وهي تجيبه: ” نعم، بخير.” عاد يركز ببصره على الطريق أمامه بينما يحدثها: ” تبدين العكس.” سألته بحيرة: ” لماذا تقول هذا؟! أطلق تنهيدة بطيئة ثم قال بعدما منحها نظرة سريعة: ” ما الذي يؤرقك يا ليلى؟! أشاحت وجهها نحو النافذة مجدداً
وهي تجيب بخفوت: ” لا شيء.” قال بإيجاز: ” أعلم إن هناك ما يؤرقك، لا يمكنك أن تكذبي علي.” سألته بعفوية: ” هل أبدو شفافة إلى هذا الحد؟! ابتسم بهدوء ثم أجاب: ” أنتِ شفافة بالفعل، طبيعية ولا تجيدين التمثيل أو المراوغة.” ثم مال نحوها قليلاً يضيف بخفة: ” وهذا أجمل ما فيك.” قابلت ابتسامته الجذابة بارتباك أزعجها، فأشاحت بوجهها مجدداً وهي تتمتم: ” أنا بخير، فقط متعبة.” هتف بجدية:
” لن أضغط عليك، لن أجبرك على قول ما لا تريدين، ولكن تذكري متى ما احتجتني ستجديني أمامك وكلي آذان صاغية لك.” كانت تود أن تسأله عن السبب الذي يجعله مهتماً إلى هذا الحد ويرغب في مساعدتها إلى هذه الدرجة. الكثير من الأسئلة تعتمل داخلها ولا تعتقد إنها ستجد جواباً وافياً لها يوماً ما.
توقفت عن أفكارها عندما وجدته يصف سيارته في كراج المكان، قبل أن يخرج من السيارة ويتجه نحوها حيث يفتح لها الباب ثم يمد كفه لها لتضع كفها في كفه، ورغماً عنها يزاولها ذلك الشعور الغريب مجدداً. مزيج من الأمان والثقة. هي باتت تشعر بالأمان في وجوده وتلك حقيقة لا مفر منها!
تحركت جانبه ويدها ما زالت داخل يده حيث توجها إلى الداخل ليستقبلهما صديقه الذي رحب بهما بحرارة ومعه زوجته الجميلة التي رحبت بها خصيصاً وهي تخبرها عن سعادتها بالتعرف عليها وهي التي تراها لأول مرة، ثم ما لبثت أن اعتذرت لها على عدم قدومها حفل الخطبة بسبب سفرها هي وزوجها خارج البلاد وقتها، مع تأكيدها إنها ستتواجد في حفل الزفاف بكل تأكيد، غير مدركة إنها عادت تمنحها التردد والخوف من جديد.
حاولت أن تتجاهل مشاعرها المضطربة وهي تندمج في أجواء الحفل، وقد نجحت في ذلك فمر الوقت بشكل جيد عليها عموماً حتى مرت أكثر من ساعة ونصف بسرعة دون أن تنتبه! كانت تقف بجانب كنان يتحدثان مع صديق له، عندما تقدمت حسناء جميلة عرفتها ليلى على الفور، فهي نفسها الفتاة التي تقدمت لتهنئتها يوم الخطبة مع والدتها.
سارعت الفتاة تعانق كنان وتقبله بحميمية، ذكرتها بيوم الحفلة. ولم تغفل ليلى عن تشنج كنان الواضح وهو يبادلها تحيتها، قبل أن تمنحها الفتاة نظرة مبهمة تتبعها تحية عابرة، قابلتها ليلى بهزة سريعة من رأسها ولا مبالاة مشابهة. نظرت ليلى إلى كنان تسأله بعد رحيل الفتاة: ” هل كان هناك شيء يجمعك بها سابقاً؟! هتف بسرعة وصدق: ” بالطبع لا.” أضاف بجدية: ” مايسة صديقة مقربة للعائلة، أعرفها منذ الطفولة.” تنهد ثم قال:
” هي تميل إلي قليلاً.” رفعت حاجبها بطريقة ساخرة فأكمل بنفس الجدية: ” لكنني لم أكن كذلك.” سألته بجدية: ” لماذا؟! هي فتاة جميلة للغاية.” قاطعها بهدوء: ” الفتيات الجميلات لا يوجد أكثر منهن. الأمر لا يتعلق بالجمال. أنا فقط لم أرها كزوجة مستقبلية لي، هكذا فقط.” كان يتحدث بسلاسة وصدق واضح، وهي بدورها أرادت أن تجادله قليلاً لكنها لم تكن تمتلك المزاج الكافي لذلك.
لحظات ووجدته يستأذن منها ليتحدث مع أحد رجال الأعمال الذي يجمعه به عمل مهم، فتأملت ترحيب الرجل كبير السن به واندماج كنان بالحديث معه.
رفعت كأس عصيرها ترتشف منه القليل وهي تتأمل المكان حولها بوجوم. فجأة شعرت بنفسها غريبة وسط هذا الجمع من الناس، وكأنها لا تنتمي إلى هذا الجمع بكل ما فيه. سيطر شعور الغربة عليها وشعرت برغبة كبيرة داخلها بالهرب. يبدو إن كلام شقيقتها ترك أثراً واضحاً داخلها وها هي تشعر بمدى التشتت الذي سببتها كلماتها لها. فهي تائهة ما بين رغبتها في إتمام هذه الزيجة ورغبة مخالفة تماماً تدفعها للهرب بعيداً.
شعرت بعينين مسلطتين عليها باهتمام جعل وجوم ملامحها يزداد. تجاهلت ابتسامة رحبة تشكلت على ثغره وهو يهز رأسه بتحية لم تبالِ بها عندما تحركت بعدم اهتمام متجهة إلى بوفيه الطعام تبحث عن مشروب ترتشفه بعدما انتهى مشروبها الحالي. وقفت تتأمل أنواع العصائر المختلفة بنفس الوجوم عندما سمعت صوتاً خلفها يتفوه بخفة: ” لم أكن أعتقد إن اختيار نوع العصير الذي نتناوله محير إلى هذا الحد.”
التفتت نحوه ترمقه بحدة، ناقضت ملامحها الرقيقة، ليحافظ على ابتسامته وهو يردد ببرود: ” مرحباً.” هتفت بحدة: ” نعم!!! سحب كأس عصير وهو يخبرها بجدية: ” يمكنني مساعدتك في الاختيار.” كادت أن تصيح به بطريقة غير لائقة عندما وجدته يضيف بتروي: ” حسناً، أعتذر. لست من النوع المتطفل ولكن…” توقف قليلاً ثم أضاف: ” شاهدتك وأنتِ تقفين لوحدك والحزن واضح في عينيك.” أكمل وهو يحاوط وجهها الصبوح بعينيه الهادئتين:
” ملامح وجهك الجميلة لا تستحق أن يسيطر عليها الحزن أبداً.” شعرت بإن حديثه صادق وعفوي وليس بدافع المغازلة الفعلية المشوبة بالوقاحة. همت بقول شيءٍ عندما سمعته يضيف بنفس البساطة: ” لم نتعرف بعد.” رفعت حاجبها تتأمله بنظرة لا مبالية وهي تخبره بترفع مقصود: ” ليلى.” ” فقط؟! ” قالها وهو يبتسم ببرود لتتسائل باستخفاف: ” هل تريد هويتي أيضاً؟! ابتسم بخفة مردداً: ” أليس هناك اسم عائلة يتبع اسمك؟! سألته بتحفز وقد بدأ صبرها ينفذ:
” من أنت؟! أكملت وهي ترمقه بنظرة باردة: ” هل أتيت هنا بدافع التعرف على فتيات المكان؟! رد ببساطة: ” بل لأجل معالجتهن.” ” نعم!!! ” رددتها بعدم استيعاب ليكتم ضحكته وهو يقول: ” بالمناسبة… أنا طبيب. طبيب نفسي.” مطت شفتيها تعلق: ” حقاً؟! وماذا تفعل هنا أيها الطبيب؟! هل أخطأت في عنوان المشفى؟! قال ببرود مماثل: ” أنا ضيف هنا، مثلي مثلك.” أكمل وعيناه تدوران في المكان بعدم اهتمام:
” وأنا لدي عيادة خاصة بي، يمكنكِ أن تزوريني فيها.” أضاف عن قصد يكتم ابتسامة خبيثة: ” بناءً على نظرتي الأولى تبدين بحاجة إلى علاج نفسي. لكن لا تقلقي، مشاكلك بسيطة. بضعة جلسات مع بعض المهدئات تفي بالغرض.” بدا لها هذه المرة مستفزاً كريهاً أكثر من اللازم، عندما همت بقول شيء لا يليق بها، لكن قدوم أحدهم منادياً عليه من الخلف: ” عادل.” التفت عادل نحو الشخص المنادي له وكذلك فعلت ليلى لتتسع عيناها بعدم استيعاب مرددة بتجهم:
” هذا ما كان ينقصني.” بينما نقل القادم بصره بينهما للحظة قبل أن يهتف به: ” ماذا تفعل هنا يا عادل؟! أنا أبحث عنك منذ مدة.” أضاف وهو ينظر نحوها متسائلاً بجدية: ” أعتقد إننا التقينا مسبقاً، أليس كذلك؟! أومأت برأسها وهي تخبره بنبرة جافة: ” مرتين أو ثلاثة على ما أعتقد.” لقد تذكرته على الفور، ذلك المغرور، ابن الوزير. لكنها لم تتذكر اسمه. سأله عادل بإهتمام: ” هل تعرف الهانم يا أثير؟! أجاب أثير وهو ينظر لصديقه هذه المرة:
” نعم، جمعتنا الصدفة مسبقاً.” قطع حديثه وهو يرى كنان يتقدم نحوهما ليعرفه أثير على الفور فيرحب به وهو يسأله: ” كيف حالك يا بك؟! كنان وهو يبتسم له برزانة: ” بخير أثير بك.” أكمل وهو يسأله بإهتمام: ” كيف حال سيادة الوزير؟! ” بخير الحمد لله.” قالها أثير بجدية قبل أن يعرف كنان على صديقه عادل، والذي عرف كنان والده على الفور، قبل أن يتبادل معهما أحاديث سريعة ثم يخبرهما بجدية مشيراً إلى ليلى: ” ليلى خطيبتي.” ابتسم
أثير بلباقة وهو يردد: ” تشرفت بمعرفتك يا هانم.” وفعل عادل المثل عندما تحركت بعدها ليلى بعيداً مع كنان وبقي عادل مع صديقه الذي سأله: ” ماذا كنت تفعل معها؟! رد عادل بجدية: ” حسناً، كانت تقف لوحدها وملامحها يسيطر عليها الحزن أو ربما الضياع.” رفع أثير حاجبه مردداً بتهكم: ” هل أتيت إلى هنا لتطبق على الموجودين ما درسته في علم النفس؟! ضحك عادل مردداً بصدق: ” والله أبداً، الفتاة جذبت انتباهي لا أكثر.” هتف أثير بجدية:
” إنها خطيبة كنان نعمان ولا داعي أن أخبرك من يكون كنان نعمان.” هتف عادل بسرعة وصدق: ” أقسم لك إن الأمر ليس كما تعتقد.” أضاف بجدية: ” أنت تعرف إنني لا أفكر في موضوع الارتباط حالياً.” تمتم أثير: ” أعلم.” ثم أضاف ببرود: ” إذاً كنت تبحث عن مريض جديد.” أضاف بسخرية لاذعة: ” لم أكن أعلم إن وضع عيادتك متردي إلى هذا الحد.” منحه عادل ابتسامة باردة وهو يخبره بدوره: ” يمكنك أن تأتي وترى وضع العيادة بنفسك يا باشا.”
غمغم أثير ببطء: ” شكراً ولكنني لست مريضاً نفسياً لأحتاج إلى طبيب نفسي.” هتف عادل بصدق: ” جميعنا مرضى نفسيون بشكل أو بآخر يا عادل. لا أحد منا سليم بشكل كامل.” ثم حمل كأس عصيره يرتشف منه القليل وهو يكمل ثرثرته مع صديقه. في صباح اليوم التالي. وقفت أمام المرآة تتأمل بطنها ذات الانتفاخ الضئيل قليلاً مقارنة بشهور حملها التي تجاوزت الستة أشهر، عندما شعرت بذراعه تحيط جسدها وهو يسألها: ” هل جاهزة للمغادرة؟!
أومأت برأسها وهي تبتسم له قبل أن تتجه وتسحب حقيبتها، ليقبض على كفها ويخرجا سوياً من غرفتهما. لقد مرت الأشهر بسرعة ما بين حزن وألم وغضب وتوتر كان لا بد أن يختفي في النهاية. وها هي الآن تنتظر قدوم طفلتها بسعادة لا يمكن وصفها. سعادة سيطرت على نديم رغم الألم الكامن داخله والذي يظهر عليه في بعض الأوقات رغماً عن محاولاته لإخفاء حزنه ووجعه بمهارة!
هبطت درجات السلم معه لتجد غالية تهم بالمغادرة إلى الشركة، عندما توقفت وهي تمنحهما التحية قبل أن تهتف بابتسامة: ” ستذهبين إلى الطبيبة اليوم إذا.” أكملت وهي تلمس بروز بطنها برقة: ” حبيبة عمتها ستكون بصحة جيدة بإذن الله.” سألها نديم بجدية: ” هل ستتأخرين اليوم؟! ردت بسرعة وهي تتذكر موعدها مع فادي: ” في الحقيقة سأتناول العشاء في الخارج اليوم.”
هزت رأسه بتفهم متجاهلاً التساؤلات الملحة داخله، فهو ارتاح قليلاً بعدما وجد وضعها النفسي يتحسن لتتحرر تدريجياً من حالة الانغلاق التي سيطرت عليها وتتعايش مع حقيقة خسارتها لوالدتهما. واليوم يجدها تعايشت مع الوضع وعادت لحياتها السابقة بشكل يبث الراحة في نفسه، وإن أدرك داخله إن ما حدث ترك أثراً داخلها ليس محبباً على الإطلاق، لكنه يأمل أن تختفي آثاره مع مرور الزمن. تحرك بعدها مع حياة حيث ركبا سيارته متجهين إلى الطبيب.
التفت نحوها يتأمل ابتسامتها الفرحة وهي تضع كفها فوق بطنها ونظراتها شاردة بنفس السعادة. ابتسم وهو يخبرها: ” كالعادة، الابتسامة لا تترك شفتيك لحظة واحدة في يوم موعدنا مع الطبيبة.” نظرت له وقالت بعفوية: ” اليوم سأرى ابنتي لذا من الطبيعي أن أفرح.” أضافت بصدق وهي تميل نحوه: ” كما إنني سعيدة بك فأنت تبدلت في الشهر الأخير رغم عدم معرفتي سبب هذا التبديل.” تجاهل حديثها الأخير وهو يراوغها قائلاً:
” أنتِ لا تفرحين عندما تريني كما تفرحين عندما ترين ابنتك.” أضاف بخفة: ” شمس هانم لم تأتِ بعد وبدأت تستحوذ عليكِ كلياً.” رمقته بنظراتها وهي تردد: ” كلا منكما له مكانته.” قاطعها بخبث: ” لا تنكري إن مكانتها مختلفة.” أحاطت بطنها بكفيها وهي تخبره: ” لن أنكر.” تنهدت بصوت مسموع وهي تضيف: ” إنها طفلتي، قطعة من روحي.” رفع حاجبه يسألها: ” وأنا؟! التفتت له تطوقه بنظرة عاشقة وهي تخبره بصدق سلب كيانه كله: ” أنت توأم روحي.”
ابتسم لها بصدق قبل أن يجذب كفها من فوق بطنها ويقبله، بينما عينيه تتابعان الطريق بتركيز. وصلا بعدها إلى الطبيبة التي بدأت الفحص المعتاد ككل شهر، حيث طمأنتهما على صحة الطفلة التي تنمو بشكل رائع كما قالت. غادرا بعدها بملامح سعيدة عندما أخبرها إنه سيأخذها لتناول الطعام في أحد المطاعم، حيث اختار مطعماً يطل على البحر وطلب لها العديد من الأطعمة. فسألته بدهشة بعدما غادر النادل: ” لمَ كل هذه الأطعمة الكثيرة؟! هتف بجدية:
” أنتِ حامل وتحتاجين إلى تغذية.” هتفت مبتسمة: ” أنا أتناول ما أحتاجه من الطعام ولا أقصر أبداً.” أضافت وهي ترمقه بحب: ” وأنت بدورك لا تتوقف عن رعايتي بل تطعمني بنفسك في كثير من الأحيان وكأنني طفلة صغيرة.” قال وهو يبتسم لها بصدق: ” طالما أنا حي سأسعى دائماً لرعايتك وتدليلك.” مازحته مرددة: ” في العادة النساء مطلوب منهن تدليل الرجال.” تمتم بخفة: ” نحن نختلف عن البقية.” هتفت بصدق: ” أنت بالفعل تختلف عن البقية.”
مازحها بدوره: ” حديثك هذا يضاعف من غروري.” ابتسمت بهدوء ثم مدت كفها تقبض على كفها تخبره بما يدور في رأسها: ” هناك شيء ما يؤرقك ترفض الإفصاح عنه ولكنني أشعر بذلك.” بادلها نظرات صامتة لتضيف وهي ما زالت تحتفظ بابتسامتها: ” أخبرني ماذا هناك، ما الذي يشغلك لهذه الدرجة؟! رفع كفه ووضعه فوق كفها قائلاً بجدية: ” ستعرفين كل شيء قريباً.” أضاف وهو يشدد من قبضته على كفها:
” ولكن عليكِ أن تدركي دائماً إنني سأفعل المستحيل لأجل أن نحيا ثلاثتنا الحياة التي نستحقها مهما كلفني ذلك.” نطقت بتروي: ” عن نفسي أحيا الحياة التي أستحقها بوجودك معي يا نديم وبقدوم صغيرتنا ستكتمل حياتنا بإذن الله فقدوم شمس سيكمل سعادتنا.” ابتسم على ذكر اسم طفلته ثم قال بجدية: ” أنا سأمنح طفلتي الحياة التي تستحقها وتليق بها وأنت عليك أن تسعدي لذلك.” همست دون تردد:
” كل ما تقوله ليس مهماً بقدر وجودك معنا. عليك أن تعلم إن وجودك معنا كافٍ لكلينا وبدونك كل شيء سيصبح ناقصاً يا نديم.” شرد في كلماتها لوهلة قبل أن يهز رأسه بصمت وهو يبتسم لها ويقول: ” كوني على ثقة إنني سأفعل المستحيل لذلك. فقط ثقي بي ولا تقلقي.” هتفت بصدق: ” أنا أثق بك أكثر من نفسي حتى يا نديم.” أتى بعدها النادل بالطعام ليتناولا طعامهما سوياً قبل أن يطلب نديم بعدها من النادل أن يأتي بالقهوة له والعصير لها، عندما
هتفت بعدما غادر النادل: ” الامتحانات النصفية بعد أسبوعين. أنا قلقة جداً.” هتف بجدية: ” لا تقلقي، أنا معك.” سألته بجدية: ” هل سوف تساعدني في الدراسة؟! ” بالطبع.” قالها بجدية وهو يضيف: ” ستكونين الأولى هذه السنة أيضاً بإذن الله.” همست بخفوت: ” لا أعتقد ذلك.” ابتسم مردداً: ” ستفعلين وأنا معك.” تمتمت بصدق: ” أنا أحبك.” ربت على كفها ثم قال: ” هدية تخرجك ستكون مفاجأة لك.” تمتمت ضاحكة: ” أحب تشجيعك الدائم لي.”
تنهد وهو يقول: ” أنا يهمني كثيراً مستقبلك يا حياة، خاصة وأنا أعلم جيداً إنك تطمحين للكثير في مجال دراستك.” تأملته بحب باتت لا تتردد في الإفصاح عنه سواء بالحديث أو النظرات. حب لرجل يستحق. رجل كل يوم يمر عليها معه ترى نفسها الأكثر حظاً في هذا العالم لأنه كان نصيبها هي. جلست جانبه تتأمل المكان حولها باهتمام لا يخلو من القليل من الدهشة. كانت قد تركت نفسها له اليوم كعادتها، حيث سيأخذها إلى مكان على ذوقه.
ما زالت تتذكر المرات التي خرجت بهما معه، تارة على ذوقها وتارة على ذوقه، واليوم طلبت منه أن يختار مكاناً على ذوقه، وها هو جلبها إلى سهرة مسائية في مكان لا يمكن وصفه مطعماً بالمعنى الفعلي، ولكنه عبارة عن مكان واسع مفتوح تتوزع داخله الطاولات التي تختلف مساحتها ما بين طاولات تتسع لأربعة أشخاص أو ثمانية وأخرى عشرة، حيث جلست قباله على طاولة تتسع لأربعة أشخاص، والأجواء حولها بدت مختلفة تماماً بدءاً من ديكور المكان وطبيعة الطاولات المنخفضة قليلاً والتي تحيط بها مقاعد عريضة ذات مخدات واسعة مريحة، فبدت تشبه الجلسات العربية القديمة بشكل أكثر حداثة. وهناك في مقدمة المكان فرقة موسيقية تعزف وتغني مجموعة من الأغاني القديمة الشهيرة في جو مميز.
حتى الطعام كان مختلفاً، فقائمة الطعام لا تحتوي سوى على بضعة أكلات شرقية، فطلب لهما الأرز مع اللحم المشوي واللبن الرائب والمقبلات والسلطات. كان الجو في المكان رائعاً بقدر ما هو غريباً قليلاً، فأخذت تتأمل الفرقة الاستعراضية التي حضرت إلى المكان تؤدي بعض الرقصات الشهيرة على أنغام الموسيقى، وتدريجياً اندمجت مع المكان وأجوائه الصاخبة رغم اختلافها كما اعتادت أن تفعل في كل مكان جديد يأخذها إليه.
مر الوقت سريعاً وغادرا المكان وهي تشعر بالسعادة، وقد بدلت أجواء السهرة المختلفة مزاجها اليوم والذي تبدل كلياً بعدما تشاجرت مع عمار كعادتها في الفترة الأخيرة. جلست بجانبه في سيارته ليسألها بجدية: ” هل تريدين العودة الآن؟! سألته: ” أين ستأخذني إذا رفضت العودة الآن؟! هز كتفيه مجيباً ببساطة: ” إلى المكان الذي تريدينه.”
ابتسمت له ثم أخبرته عن رغبتها في الذهاب إلى البحر والجلوس أمامه في الهواء الطلق، وقد فعل ما أرادت، حيث أخذها إلى البحر وطلب لها الذرة المسلوقة بعدما رفضت أن تتناول المشوية مثله. بعد قليل كانت تجلس بجانبه تتناول من قدح الذرة خاصتها، بينما نسمات الرياح العالية تحرك خصلات شعرها الناعمة، عندما رددت وهي تحرك الملعقة البلاستيكية الصغيرة داخل القدح:
” أنت دائماً ما تأخذني إلى أماكن غريبة. يوماً مطعم شعبي ويوم آخر في سوق شعبي لم أدخله يوماً واليوم في سهرة غريبة و…” صمتت قليلاً ثم تساءلت وهي تضيق عينيها: ” هل تتعمد أخذي إلى هذه الأماكن لغاية ما؟! ضحك مردداً بخفة: ” أية غاية بالله عليك. ثانياً أين المشكلة في هذه الأماكن؟! على العموم لا تتضايقي. المرة القادمة سآخذك إلى أحد الأماكن الراقية التي تعتادين على ارتيادها.” زمت شفتيها تردد:
” الفكرة ليست هنا. أنا بالفعل مستمتعة بذهابي إلى تلك الأماكن الجديدة علي واكتشاف أشياء أراها لأول مرة ولكن…” توقفت فسألها بإهتمام: ” ولكن ماذا؟! رددت مبتسمة بخفة: ” أحب أن نذهب سوياً إلى مكان هادئ يمنحنا الفرصة للتحدث والاستمتاع بهدوء المكان ورُقيه.” هتف ممازحاً: ” ها نحن نجلس أمام البحر والمكان حولنا هادئ للغاية فلا نسمع سوى صوت أمواج البحر و…” قاطعته وهي تضع قدح الذرة جانباً: ” هذه الذرة ليست لذيذة.”
رفع حاجبه يردد: ” حقاً؟! هزت رأسها فيسألها مبتسماً: ” ماذا تريدين أن تتناولي إذا؟! أجابت بدلال: ” أريد من تلك الذرة المشوية التي تناولتها قبل قليل. ألم تقل إنها لذيذة؟! رفع حاجبه مجدداً يرد بدهشة: ” ألم أعرض عليك شراء واحدة لك معي ورفضتِ؟! مطت شفتيها تردد: ” والآن أريد منها. لم أعهدك بخيلاً يا سيادة المقدم.” ” تعرفين إنني لست كذلك.” أضاف وعيناه ترمقانها بنظرة باتت تحبها أكثر من أي شيء:
” أنتِ فقط تتدللين علي يا غالية.” سألته وهي ترفع ذقنها بكبرياء: ” ألا يحق لي؟! ردد مبتسماً وهو يتأملها بحب لم يعد يخفيه: ” بل أنتِ وحدك من يحق لها الدلال.” نهض من مكانه متجهاً نحو بائع الذرة، بينما تتأمله هي بسعادة غامرة. عاد إليها وهو يحمل قطعة الذرة المشوية لتأخذها منه وتتناولها بصمت، عندما سألها بإهتمام: ” إذا…” نظرت له وهي تسأله بدورها: ” ماذا؟! هنف مبتسماً: ” الجو لطيف جداً.” رمقته بنظراتها وهي تردد بخفة:
” جداً.” أكملت وهي تتساءل بمشاكسة: ” أتساءل إلى المكان الذي ستأخذني إليه المرة القادمة؟! ابتسم مردداً بعبث: ” إلى المحكمة؟! سعلت مرددة بصدمة مصطنعة: ” سوف تسجنني يا فادي.” همس وهو يغمز لها: ” نعم سوف أسجنك ولكن في منزلي ومعي…” احتقنت ملامحها كلياً فحاولت الحفاظ على رباطة جأشها عندما قالت: ” أصبحت تمزح كثيراً على غير العادة.” نظر لها مردداً بجدية:
” أنا لا أمزح يا غالية. أظن إنك تدركين جيداً إنني رجل واضح وصريح ولا أحب اللف والدوران. مثلما تدركين جيداً إن هذا الوضع يجب أن ينتهي بالنهاية التي تناسبه.” بللت شفتيها بلسانها وهي تردد: ” معك حق.” بالتحدث عندما قالت بسرعة: ” ولكن قبلها لدي طلب بسيط.” ” قولي ما تريدينه.” قالها بإهتمام وترقب لتسأله مبتسمة: ” أريد قطعة زلابية من ذلك البائع.” كح مردداً بعدم استيعاب: ” هذا هو الطلب يا غالية؟!
هزت رأسها وهي تبتسم بتثاقل ليردد مازحاً: ” شهيتك دائماً مفتوحة هكذا أم إنه تأثير وجودي؟! رددت ببرود: ” بل هو تأثير البحر وهواءه يا فادي. أنت لا دخل لك بالأمر من الأساس.” كظم غيظه وهو ينهض من مكانه يسألها: ” هل تريدين شيئاً آخر فأنا لن أنهض من مكاني مجدداً بعدما أعود؟! حركت بصرها حول المكان قبل أن تجيب: ” حالياً لا أريد.” هتف بصرامة: ” فكري جيداً لإنني لن أنهض مجدداً.”
همت بالتحدث عندما ظهر الضيق على ملامحها فجأة فسألها مستغرباً: ” ماذا حدث؟! تفاجئ بها تجذبه من ذراعه ليجلس جانبه فيسألها بدهشة: ” ماذا تفعلين يا غالية؟! هم بالنظر حيث تنظر فمنعته وهي تردد: ” لا تفعل.” سألها مدهوشاً بتصرفاتها: ” ماذا هناك يا غالية؟!
ثم أدار وجهه نحو الجهة التي تنظر إليها ليجد فتاة شقراء تتأمله بنظرات غير مريحة، بل الفتاة نفسها بدت غير مريحة بملابسها المكشوفة تماماً. استدار نحوها يبتسم لها بخبث فتتجهم ملامحها كلياً عندما همس لها بخفة: ” تغارين إذا.” ظن إنها ستنكر ذلك لكنها فاجأته كما تفعل دائماً وهي تجيب ببرود: ” نعم أغار وهذا أمر طبيعي.” أكملت بخبث: ” لست وحدي من أفعل أم نسيت تصرفك الأخير مع شريف ابن عمي؟! رد بملامح واجمة:
” لا تذكري اسمه على لسانك.” ” هل تغار علي لهذه الدرجة؟! ” سألته وهي تبتسم بخفوت لينحني نحوها مردداً بنظرات مشتعلة: ” هل يعقل أن تسأليني سؤال كهذا يا غالية؟! أكمل وعيناه تحيطان وجهها بقوة: ” أنا أغار عليك من الجميع يا غالية، أغار عليك من أي رجل يراك.” أكمل وملامحه تتجهم أكثر:
” وشريف هذا لن تذكري اسمه على لسانك مجدداً ولا تقل إنه ابن عمي. هذا رجل يحبك بل أراد الزواج منك يعني الأمر منتهي بالنسبة لي ولا مجال للنقاش فيه. أنا غيور جداً يا غالية، عليك أن تستوعبي ذلك من فضلك.” وجمت ملامحها كلياً وهي تخبره بضراوة:
” أخبرتك إنني لا أحب تحكماتك المبالغ فيها يا فادي. شريف ابن عمي يعني فرد من عائلتي وعليك أن تعتاد على وجوده حولي في التجمعات والمناسبات العائلية وغير ذلك. لماذا تجعلني أندم على إخباري لك برغبته السابقة في الزواج مني؟! وهي بالفعل تلعن نفسها لأنها أخبرته بذلك بعدما تحدثت معه قبل ثلاثة أشهر وأنبته على ما قاله أمام شريف ودون قصد نطقت بتلك المعلومة التي جعلت فادي يرفض ذلك المدعو دون أن يتعرف عليه حتى. نطق فادي بجدية:
” أنت تعرفيني يا غالية، لا تتوقعي مني أن أتقبل أن يجمعك أكثر من سلام مع رجل أرادك زوجة له مسبقاً.” احتدمت ملامحها وهي تخبره: ” لقد مر وقت طويل على هذا الأمر. هو خطبني وأنا رفضت وهو بدوره احترم رفضي ولم يكرر طلبه.” قاطعها بقوة: ” لا تحاولي إقناعي إنك لم تلاحظي نظراته نحوك. مرة واحدة فقط رأيتكما فيها من بعيد وأدركت بما يحمله ذلك الرجل لك.” ” ما بالك تنظر إلى الجميع بعين المحقق؟! سألته بنزق ليخبرها ببرود:
” ربما لأنني كذلك بالفعل.” همست عن قصد: ” أتساءل عما ستفعله بعد خطبتنا وأنا أتعامل مع شقيقك عن قرب ويوماً ما كان خطيبي.” توقفت عن حديثها وهي تلاحظ جمود ملامحه الكلي، لكنها لم تشعر بالندم أو التردد، فهي عليها أن تضع القواعد المبدئية لهذه العلاقة وهو عليه أن يفهم الوضع برمته ويتعامل بقليل من المرونة. همس بصلابة وهو ينهض من مكانه: ” لقد تأخرنا، لنغادر.”
نظرت له بعدم تصديق وهي التي كانت تنتظر منه أي رد فعل غير ذلك. لقد تعمدت التطرق إلى تلك النقطة التي باتت تؤرقها رغماً عنها. تجاهلت أفكارها وهي تنهض من مكانها تخبره ببرود: ” معك حق، لقد تأخرنا.” ثم سارت جانبه بملامح جامدة هي الأخرى وعقلها يتساءل رغماً عنها إذا ما كانت هذه البداية فقط لمطبات حقيقية ستمر بها علاقتهما. في صباح اليوم التالي.
هبطت درجات السلم بخطوات سريعة قليلاً جعلته يلتفت نحوها وهو الذي كان يتجه نحو غرفة الطعام بعدما أعد لنفسه قهوة بديلة عن طعام الفطور، ليهتف بصدمة لا إرادية: ” ماذا تفعلين يا حياة؟! اتسعت ابتسامتها وهي تتقدم نحوه مرددة بمرح: ” صباح الخير.” ثم قبلته من وجنتيه ليخبرها بجدية بعدها: ” هل نسيت إنك تحملين طفلاً داخلك يا حياة؟! كيف تتحركين بهذه السرعة؟! نطقت بسرعة وعفوية: ” لم أنتبه حقاً، كنت أريد اللحاق بك قبل مغادرتك.”
أحاطها بذراعيه وهو يتقدم معها إلى غرفة الطعام بينما يسألها: ” ولماذا تريدين اللحاق بي؟! أجابته بجدية: ” بسبب بعض المحاضرات التي أحتاج أن تشرحها لي.” سحب لها الكرسي لتجلس عليه بينما اتجه هو ليجلس على الكرسي الرئيسي للمائدة يخبرها بجدية: ” أخبرتك إنني سأشرح لك ما تريدين. هل ستذهبين اليوم إلى الجامعة؟! هزت رأسها بينما حمل هو كوب الحليب ووضعه أمامها لتبتسم وهي تشكره قبل أن تجيب على سؤاله: ” نعم، مي تنتظرني هناك.”
أكملت بتردد: ” هل يمكنني أن أطلب منك شيئاً؟! رفع حاجبه مردداً بدهشة: ” هل تستأذنين حقاً يا حياة؟! ارتشفت قليلاً من الحليب ثم وضعته أمامها مجدداً قبل أن تخبره: ” مي صديقتي، تعاني من نفس المواد التي أعاني منها و…” أكمل نيابة عنها: ” أنتِ تريدين أن أشرح لها معك، أليس كذلك؟! هزت رأسها بصمت لا يخلو من الإحراج، ليهتف وهو يبتسم بصدق: ” وما المشكلة في ذلك؟! هتفت بسعادة: ” كنت أعلم إنك لن ترفض.” أكملت بعدها:
” في الحقيقة أنا ومي سندرس كافة المواد سوياً. في السنوات السابقة كنا نقضي بضعة أيام عندي والعكس عندها ما عدا المبيت طبعاً حيث نقضي اليوم كله للدراسة.” هتف بجدية: ” هذا منزلك يا حياة ولا داعي أن أخبرك بهذا وأتمنى حقاً ألا تكوني تتحدثين بدافع الاستئذان.” همست بصدق: ” الأمر ليس كذلك ولكن وددت أن تعرف ذلك. يعني أنا سوف أنشغل معها طوال الأسابيع القادمة وحتى نهاية الامتحانات وهذا يعني إنني لن أتواجد حولك أغلب اليوم و…”
قاطعه بسرعة: ” لا يهم يا حياة، المهم أن تجتازي امتحاناتك على خير وبالشكل الذي تتمنينه.” أضاف: ” ولكن أنا أفضل ألا تذهبي أنت إلى منزل مي وتقضي هي جميع الأيام هنا معك لأنك حامل وربما لن ترتاحي كثيراً خارج المنزل خاصة إنك سوف تقضين اليوم أكمله معها للدراسة.” قالت موافقة إياه: ” معك حق. سأخبر مي أن ندرس هنا يومياً ولا داعي لتقسيم الأيام بيننا.” ” هذا رائع.” قالها وهو يسحب كوبه ويرتشف منه القهوة، لتسأله بضيق:
” لماذا لا تتناول طعامك؟! رد بجدية: ” لا أشعر بالشهية لتناول أي شيء.” أكمل يتساءل: ” هل تريدين أن آخذك إلى الجامعة في طريقي؟! سألته بإهتمام: ” هل سوف تلتقي بوسام اليوم؟! أنت لم تخبرني عما يحدث هذه الفترة بشأن عملكما سوياً.” تمتم باختصار رغبة في عدم الخوض في هذا الحديث: ” كل شيء سوف يسير على ما يرام.” تأملته لوهلة قبل أن تقول وهي تهم بتناول الحليب مجدداً:
” لا بأس يا نديم، لن أجبرك على قول ما لا تريده ولكن عدني أن تنتبه على نفسك.” ابتسم دون رد، ليجد الخادمة تتقدم منهما وتسألهما إذا ما كانا يريدان شيئاً آخر، ليسألها نديم بدوره: ” هل غادرت غالية اليوم مبكراً؟! أجابته الخادمة: ” غالية هانم لم تنزل من غرفتها حتى الآن.” هتف نديم بدهشة: ” لم تنزل حتى الآن.” أشار إلى الخادمة: ” حسناً، اذهبي أنت فنحن لا نحتاج شيئاً بعد.” غادرت الخادمة بينما هتف نديم بحيرة:
” من الغريب ألا تنزل غالية من غرفتها حتى الآن. هي في العادة لا تتأخر عن موعد العمل.” قالت حياة بجدية: ” ربما لن تذهب إلى العمل اليوم.” نهض نديم من مكانه مردداً: ” سأذهب لأراها. تناولي فطورك جيداً ريثما أراها وأطمئن عليها كي أوصلك إلى الجامعة بعدها.” ثم تحرك متجهاً إلى الطابق العلوي حيث غرفة شقيقته.
طرق على الباب مرتين ولم يسمع رداً، فشعر بالقلق لا إرادياً عليها، فسارع يفتح الباب ويدخل إلى الغرفة ليجدها تجلس على سريرها وبيدها هاتفها تتأمل صورة والدتها بينما آثار البكاء تظهر على وجهها بوضوح. جلس جانبها يقبض على الهاتف ويغلقه، قبل أن يجذبها نحو صدره بصمت وهي تقبلت ذلك بكل رحابة. كان يعلم إنها تبكي باستمرار لوحدها خاصة في الليل، مثلما يعلم إنها تتعمد إخفاء حزنها عنه هو تحديداً! لحظات قليلة وابتعدت عنه حيث مسحت
وجهها بكفيها وهي تخبره: ” أنا بخير، لا تقلق.” هتف بجدية وكفه تربت على ظهرها: ” لا تخفي حزنك عني يا غالية، لا تنسي إننا نتشارك هذا الحزن سوياً. نتشارك حقيقة خسارتنا لها سوياً فهي والدتنا.” تراكمت الدموع داخل عينيها وهي تخبره: ” متى سينتهي ألمي يا نديم؟! ماما رحلت وتركت داخلي وجعاً لا ينضب.” استرسلت الدموع عادت تأخذ مسارها فوق وجنتيها: ” من جهة ألمي على فقدانها ومن جهة حقيقة ما جرى قبل رحيلها وما تصرفته معها.”
تنهد وقال: ” وأنا أيضاً تصرفت معها بشكل سيء. ولكننا كنا مجبرين يا غالية، الحقيقة كانت صادمة، صادمة جداً.” هتفت بصدق: ” وهذه مشكلة أخرى. أنا لا يمكنني التصديق إنها فعلت كل هذا.” توقفت لوهلة ثم أكملت بحسرة: ” أنا لم أتقبل حقيقة إنها تزوجت والدي رغماً عنه وتسبب بدمار عائلته، فكيف سأتقبل حقيقة إنها تسببت بموت ديانا؟! حقيقة ماما صدمتني، لا يمكنني تحمل حقيقة إنها تسببت بكل هذا الأذى للمرأة المسكينة.” مسح على وجهه مردداً
بتعب: ” للأسف هذه الحقيقة يا غالية ولا مفر منها.” حاوط كتفيها بذراعيه مردداً: ” حاولي أن تتناسي يا غالية. نعم الحقيقة كانت صادمة لكن ما حدث قد حدث. نحن لا ذنب لنا في كل هذا. تذكري هذا جيداً.” هزت رأسها بصمت دون رد، ليتنهد مجدداً قبل أن يسألها: ” صحيح… هل تلتقين بسيادة المقدم؟! تمتمت بخفوت: ” هل تعرف؟! هتف ببساطة: ” الأمر لا يحتاج إلى ذكاء يا غالية.” أكمل بتروي:
” أنا أجلت الحديث في هذا الموضوع عن قصد. الوضع عموماً ووضعك أنت تحديداً لم يكن ليسمح بفتح موضوع كهذا ولكن…” تنهد وقال: ” أريد أن أفهم علام تنويان. صحيح أنا أثق بكِ كثيراً ولكنكِ شقيقتي الوحيدة التي رغم كل شيء، رغم قوتها وذكائها لا يمكنني منع نفسي من القلق عليها.” ابتسمت مرددة بضعف: ” لا تقلق يا نديم، أنا قوية بما يكفي لمواجهة أي شيء من الممكن أن يحدث.” أضافت تخبره: ” فادي يحبني وأنا كذلك، لكن الموضوع معقد قليلاً.”
” بل كثيراً.” قالها بجدية وهو يضيف: ” أنتِ كنتِ خطيبة شقيقه.” هتفت بجدية: ” حسناً، أنت معك حق ولكن أنا وفراس لم يكن بيننا أكثر من إعجاب عندما تمت تلك الخطبة. يعني لم تنشأ أية مشاعر حقيقية بيننا و…” قاطعها نديم بتعقل:
” ما تقولينه يعتمد على شخصية فادي نفسه ومدى قدرته على تقبل وجود رابط كان يجمعكِ بشقيقه. البعض مثلاً لا يهتم طالما تلك العلاقة انتهت حتى لو تطورت تلك العلاقة إلى زواج وما شابه، وهذا نتيجة تفكيره ونظرته لهذه الحالة، والبعض لا يقبل بذلك حتى لو كان ما يجمع بينهما سابقاً مجرد إعجاب لحظي دون ارتباط حتى.” تنهدت وهي تقول: ” لا أعلم يا نديم. أنت معك حق ولكن إذا كان يحبني بحق سيتنازل قليلاً و…” سألها بحذر: ” وماذا؟!
لماذا توقفتِ؟! ” أبداً، لم أجد ما أقوله. سأترك كل شيء لوقته.” قالتها بخفوت قبل أن تضيف وهي تبتسم له: ” وأنت كما أخبرتك، لا تقلق بشأني، فأنا قادرة على مواجهة كافة الظروف.” ابتسم لها بمحبة وهو يعانقها بخفة، بينما أغمضت هي عينيها داخل أحضانه تجاهد مع نفسها لكبح دموع عادت تتراكم داخل مقلتيها. انتهت من تجهيز نفسها استعداداً لمغادرة المنزل، فاليوم موعدها مع طبيبتها لفحصها والاطمئنان على حالة جنينها.
سمعت صوت طرقات على باب غرفتها، فسمحت للطارق بالدخول وهي تضع بعض الأشياء داخل حقيبتها قبل أن تغلقها، لتجد وليد يتقدم نحوها متسائلاً: ” صباح الخير.” تمتمت وهي تحمل حقيبتها: ” صباح النور.” ” هل يمكننا التحدث قليلاً؟! ” سألها بجدية لتهز رأسها بصمت عندما جلس على الكرسي المقابل للسرير وأشار إلى الكرسي الآخر لتجلس عليه، فجلست جانبه وهي تسأله بدورها: ” ماذا هناك يا وليد؟! هتف بجدية: ” هناك أنت يا شيرين.” أكمل متجاهلاً
وجوم ملامحها: ” ألم تتخذي قرارك بعد؟! أعتقد إنني تغاضيت لمدة طويلة عما يحدث. تفهمت صمتك ورغبتك بعدم الخوض في هذا الموضوع. أردت الالتزام بالصمت تنتظرين منه أن يخطو هو الخطوة الأولى ويطلقك رسمياً دون أن أجدد سبباً مقنعاً لما تفعلينه، لكني قررت الالتزام بالصمت وعدم التدخل. هل تعلمين لماذا؟! نظرت له بتوتر ليضيف بصدق:
” لأنني أخشى أن أتدخل ثم أندم فيما بعد، لأنني حتى هذه اللحظة لا أضمن تصرفك القادم ولست مقتنعاً بما قلتيه عن رغبتك الجدية بالانفصال عنه.” قالت بسرعة: ” أنا بالفعل أريد الانفصال.” سأل بنفاذ صبر: ” ماذا تنتظرين إذا؟!
ولادتك خلال ثلاثة أشهر. أتيتِ هنا في بداية حملك والآن أنتِ أكملتِ منتصفه بينما ما زلتِ تراوحين مكانك رافضة اتخاذ موقف حقيقي مكتفية ببقائك هنا ويمين الطلاق الذي ألقاه عليكِ وحضرته لم يتحرك خطوة هو الآخر ولم نرَ حتى الآن وجهه ولا حتى سمعنا صوته.” قالت بخفوت: ” وليد افهمني، الأمر ليس سهلاً. أنا أحمل طفله.” زفر أنفاسه ثم قال:
” لاحظي إنكِ من أردتِ الانفصال عنه نهائياً يا شيرين. أتيتِ هنا وقلتِ بكل وضوح إنه طلقكِ وإنكِ بدورك لا نية لديكِ للعودة إليه.” أكمل بجدية: ” إلا إذا كنتِ تنتظرين خطوة منه. أو لأكن أكثر دقة تتأملين أن يحدث شيئاً ويغيره. هل ما زلتِ تريدين العودة إليه؟! هتفت بثبات: ” نعم، ولكن بشرط أن يتغير.” أضافت برجاء:
” أنت يجب أن تفهمني يا وليد. عمار والد طفلي القادم. مهما حدث سيبقى هو كذلك. نعم أنا قلت إنني لن أعود إليه وكنت أعنيها حقاً ولكن رغماً عني ما زال هناك أمل صغير داخلي أن يتغير خاصة عندما يرى طفله.” ” وأين هو عمار بك؟! هو حتى لا يعرف أي شيء عن طفله.” قالها بغضب مكتوم لتهتف: ” رغم كل شيء عليك أن تعلم إن عمار لا يتخلى عن طفله. أنا لا أبرر له ولكن بالطبع هناك سبب يجعله لا يتصل بي نهائياً وأنا أحمل طفله.” سألها بجدية:
” هل تعلمين شيئاً لا أعلمه؟! أزاحت خصلة من شعرها خلف أذنها وأجابت: ” أعتقد إنه يتواصل مع طبيبتي ويطمئن منها على صحة الولد.” سألها مجدداً عن قصد: ” أنتِ لا تلتقين به أو تتواصلين معه سراً، أليس كذلك؟! أجابت بسرعة وصدق: ” أبداً والله.” تنهد ثم قال: ” حسناً يا شيرين. عليك أن تفهمي شيئاً واحداً فقط. عمار لن يتغير مهما حدث. لذا من فضلك توقفي عن تأمل شيء كهذا.”
نهض بعدها وغادر الغرفة تاركاً إياها شاردة في كلماته التي تدرك بكل أسف صدقها. رفعت عينيها نحو الأعلى تدعو الله داخلها أن يهديه ويبعد عنه شيطانه. هي رغماً عنها ما زالت تأمل أن يتغير. تتأمل أن يغيره قدوم طفله. تتأمل كثيراً وكم تخشى أن تخيب كل آمالها! نهضت بعدها وهي تحمل حقيبتها حيث تحركت تغادر المنزل ومنه إلى طبيبتها. وصلت إلى الطبيبة التي قامت بالفحوصات المعتادة وطمأنتها على صحة الطفل.
غادرت عيادة الطبيبة بعدها وقررت أن تسير قليلاً في الشارع المليء بالمحلات الراقية وكذلك المطاعم والمقاهي. سارت قليلاً في الشارع تنظر إلى المحلات دون أن تدخل إليها وعقلها رغماً عنه شارد فيه. جلست بعد قليل عند محل لبيع المثلجات حيث طلبت قدحاً من المثلجات بطعم الحليب والشوكولاتة.
كانت تجلس بعدها على طاولة صغيرة موضوعة في الساحة الخارجية للمحل تتناول المثلجات بتلذذ غافلة عن عينيه اللتين تراقبانها بتمهل. يتأمل ملامحها التي ازدادت جمالاً، بل هي كلها باتت أجمل خاصة ببطنها البارزة والتي تمنحها هيئة رائعة. لم يكن يعلم إن الحمل يليق بها إلى هذا الحد.
كان يتابعها شهرياً دون أن تعلم ويتواصل مع طبيبتها سراً، حيث ترسل له تقريراً شاملاً عن حالة طفله مع صور السونار خاصته بل وفيديو يحمل تسجيلاً صوتياً لدقات قلبه. لقد علم إنه صبي وفرح رغم رغبته الشديدة في الحصول على فتاة يمنحها اسم والدته. عاد يتأملها مجدداً وهي تتناول المثلجات بتلذذ وقد بدت في جلستها تلك وبطنها البارزة مع فستانها القصير لطيفة للغاية، لطيفة وجذابة بشكل مزعج.
وأخيراً قرر التقدم نحوها، فهو اكتفى من المتابعة سراً. كانت منهمكة بتناول مثلجاتها عندما وجدت ظلاً يتكون أمامها، فرفعت عينيها بسرعة لتنصدم من وجوده أمامها، رغم إنها توقعت قدومه في أي لحظة لرؤيتها والأهم إنها توقعت إنه يراقبها بالفعل. ” عمار.” تمتمت بها بدهشة، بينما سحب هو الكرسي المقابل لها وجلس عليه يخبرها بتجهم: ” أليس الجو بارداً على تناول المثلجات؟!
ابتلعت دهشتها سريعاً وهي تجذب منديلاً تمسح به فمها، بينما تجاهد للسيطرة على اضطرابها الشديد من رؤيتها له بعد كل هذه المدة. تمتمت أخيراً محاولة اخفاء توترها بل وشوقها اللعين له: ” ماذا تفعل هنا؟! أكملت بتهكم مقصود: ” وأخيراً تذكرت إن لديك ابن لا تعلم عنه شيئاً وإن كان ما زال جنيناً.” هتف ببروده المستفز: ” أنا أتابع وضع ابني شهرياً من طبيبته يا شيرين. لا أحتاج إلى توصية بهذا الأمر تحديداً وأنت تعلمين ذلك.” هتفت بسخط:
” نعم، فأنت لا يمكن أن تهمل متابعة طفلك مهما حدث ومهما بلغت مشاغلك.” ” هذا صحيح.” قالها بحزم وهو يضيف بصلابة: ” إنه طفلي، طفلي الذي لن أنشغل عنه مهما حدث.” هتفت عن قصد: ” ليتك إذاً تتوقف عن أفعالك لأجله وتستوعب إن طفلك مسكين لا ذنب له أن يدفع ثمن أخطاء والده.” هتف بحدة خافتة: ” ألن تتوقف عن طريقتك هذه؟! ما زلتِ تتحدثين بنفس الطريقة بعد مرور عدة أشهر.”
” ولن أتوقف حتى تدرك مقدار سوء ما تفعله.” قالتها بتحدٍ بدا جديداً عليها، ليبتسم ساخراً مردداً: ” متى سوف تتغيرين يا شيرين؟! لا أفهم حقاً لماذا تصرين على التفكير بهذه الطريقة غير المنطقية؟! أخبرتك إنني قادر على حماية الجميع و…” قاطعته: ” وماذا عن جيلان؟! لماذا فشلت في حمايتها إذا؟!
تجمدت ملامحه كلياً وهو يتذكر أخته التي لم يرها منذ ذلك اليوم الذي أخبرها بحملها لترفض بعدها رؤيته وهي تخبره بوضوح إنها طردته من حياتها دون رجعة. راقبت جمود ملامحه فهمست بثبات: ” لا تمتلك جواباً. ألا يوجد لديك شعور ولو بنسبة واحد بالمئة إن ما يحدث مع شقيقتك نتيجة أفعالك المؤذية بل جرائمك في حق من حولك؟! ألا تفكر لوهلة إنه ربما ما يحدث نوع من العقاب على جرائمك يا عمار؟!
توقفت عن حديثها تتأمل ملامحه التي ما زالت جامدة كلياً وعينيه المشتعلين بلهيب حارق مهيب، لتقرر المغادرة فوراً وتركه لضميره الذي تتمنى أن تحرك به كلماتها ولو شيئاً بسيطاً. فتحت عينيها على صوت منبه هاتفها، فتأففت بضيق وهي تبعد خصلات شعرها المتناثرة فوق جبينها إلى الجانب قبل أن تستند على السرير وهي تعتدل في جلستها.
سحبت الهاتف وسارعت تطفئ المنبه وهي تشعر بعدم الرغبة بالنهوض من سريرها أساساً، لكنها مضطرة، فاليوم وتحديداً بعد نصف ساعة موعد محاضرة الكيمياء. نهضت من فوق سريرها وتحركت بتثاقل لتغير بيجامتها، حيث ارتدت فستاناً فضفاضاً مناسباً لحملها المتقدم، قبل أن تزم شفتيها بعدم رضا وهي تتطلع إلى وزنها الذي ازداد كلياً بسبب الحمل، لتعاود طمأنة نفسها وهي تذكرها إن ولادتها تقترب بالفعل.
سمعت صوت طرقات على الباب، فسمحت للطارق بالدخول، ليتبعها دخول همسة وهي تهتف بجدية: ” صباح الخير جيلان.” أكملت وهي تتأمل ملابسها: ” لديك محاضرة بعد قليل، أليس كذلك؟! هزت جيلان رأسها وهي تجيبها بتجهم: ” نعم، الكيمياء اللعينة.” ضحكت همسة مرددة بخفة: ” كيف ستدخلين الصيدلة إذا وأنتِ تكرهين الكيمياء؟! تنهدت جيلان بتعب ثم أجابتها: ” لا أحب أستاذ المادة لإن أسلوبه في التعامل صعب جداً.” اتجهت وجلست بعدها
فوق السرير مضيفة بحسرة: ” كما لا أعتقد إنني سوف أستطيع دخول كلية الصيدلة من الأساس.” اتجهت همسة نحوها وجلست جانبها تخبرها بجدية: ” سوف تستطيعين بإذن الله.” أكملت بجدية: ” ولادتك اقتربت أساساً، يعني بعد شهر بالكثير سوف تتفرغين لدراستك بعدما تنجبين طفلتك على خير.” زمت جيلان شفتيها مرددة: ” ومن سيعتني بالطفلة؟! قالت همسة بجدية: ” ما بالك يا جيلان؟! سنجلب لها مربية تعتني بها و…” تمتمت جيلان بتردد:
” أنا لا أريد أن أتركها. هي لا ذنب لها لتحيا بدوني.” ابتسمت همسة بحنو مرددة: ” معك حق. اسمعيني يا جيلان. نعم الأمر صعب في البداية ولكن مع مرور الوقت ستعتادين عليه. لست الوحيدة من أصبحت أماً في سن كهذا.” أضافت بتمهل:
” أنا أعلم مدى قلقك بشأن امتحاناتك ولكن لا داعي للقلق. بعدما تنجبين الطفلة على خير ستأتي مربية تتولى مسؤوليتها ونحن معها ولن نتركها أبداً وأنتِ يمكنك التركيز في دراستك حتى تنهين الامتحانات على خير ثم يمكنك بعدها الاهتمام بها جيداً.” هزت جيلان رأسها بصمت لتقول همسة بجدية: ” والآن تعالي لتناول القليل من الطعام قبل وصول أستاذك.”
” حسناً.” قالتها جيلان بإذعان وهي تنهض من فوق السرير وتأخذ هاتفها معها لتسير مع همسة خارج الجناح ومنه إلى الطابق السفلي حيث دخلتا إلى المطبخ لتطلب همسة من الخادمة أن تعد الطعام لجيلان، بينما جلست جيلان تتحدث مع همسة عندما سألتها بفضول: ” هل قررتما اسم الصبي؟! تنهدت همسة وقالت: ” في الحقيقة بعد…” تذكرت رغبة زوجها في منح طفله الثالث اسم والدها ورفضها غير المفهوم منها وما زال الجدال قائماً بسبب ذلك. تمتمت همسة بخفوت:
” كنت أريدها فتاة، أمنحها اسم والدتي.” هتفت جيلان بعفوية: ” المرة القادمة ستكون فتاة بإذن الله.” اتسعت عينا همسة مرددة بعدم تصديق: ” المرة القادمة. لا يكفيني الثلاثة، حفظهم الله لي.” ” ولكن الفتيات جميلات.” قالتها جيلان مبتسمة وهي تضيف: ” أنا كنت سوف أحزن حقاً لو تبين إني حامل بصبي.” ضحكت همسة مرددة: ” إذا الحمد لله إنه حدث ما أردتِ وستحصلين على فتاة رائعة بإذن الله.” ثم سألتها بجدية:
” هل اخترتما أنتِ ومهند اسماً لها؟! جذبت جيلان كأس الحليب بالفراولة الذي وضعته الخادمة أمامها مع بعض الأطعمة الصحية اللذيذة لترتشف منه القليل ثم تردد: ” أنا اخترت الاسم بدونه. هذا الأمر لا يخصه أساساً.” كتمت همسة ضحكتها على طريقة جيلان وهي تتحدث عن مهند، قبل أن تضيف جيلان بعينين لامعتين: ” سوف أسميها ديانا على اسم ماما.” تمتمت همسة بصدق: ” اسم رائع حقاً. يكفي إنه اسم والدتك رحمها الله.” أضافت
جيلان بيقين تشوبه الفرحة: ” عمار سيغضب بالتأكيد لإنني سبقته ومنحت طفلتي اسم ماما، فهو كان يريد فتاة يمنحها الاسم.” ابتسمت همسة قائلة: ” يمكنه أن ينجب فتاة في المرة القادمة ويمنحها الاسم الذي يريده.” احتقنت ملامح جيلان وهي تردد برفض طفولي: ” كلا لا يمكنه. إنه اسم طفلتي أنا ولن أسمح له بذلك.” توقفت عن حديثها لتسمع صوت وصول رسالة إلى هاتفها، فسارعت تفتحها وتقرأ ما فيها، لتجده أستاذها يعتذر عن محاضرة اليوم، فصاحت بسعادة:
” المحاضرة ألغيت اليوم.” نهضت من مكانها تهتف بحماس: ” سأنام مجدداً.” لتتحرك خارج المطبخ بسرعة تراقبها همسة بابتسامة هادئة متنهدة بقليل من الراحة، فجيلان تتأقلم تدريجياً مع حقيقة كونها ستصبح أماً بعد مدة قصيرة، بل وتقبلت الأمر نوعاً ما وهذا شيء مبشر بالخير. كان يجلس في مكتبه في الشركة يراقب بعض الملفات بتذمر، عندما وجد السكرتيرة تتقدم نحوه تخبره بتردد وهي تضع مجموعة من الملفات أمامه: ” راغب بك أرسل هذه الملفات.”
وقبل أن تنهي حديثها كان ينتفض من مكانه مردداً بعصبيته المعتادة: ” هذا يكفي حقاً. أخبري راغب بك إنني لست عاملاً عنده.” تمتمت السكرتيرة بسرعة: ” أخبره أنت مهند بك.” ثم أضافت بتوتر: ” هو شقيقك
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!