يتحرك داخل جناحه دون وجهة محددة، يتحرك يمينا وشمالا، ذهابا وإيابا وهو يفكر فيما يفعله، في الخطوة القادمة. يتذكر كلمات شقيقه الذي يدرك رغم كل شيء أنه معه حق، معه كل الحق. يجذب علبة سجائره، يسحب منها سيجارة يشعلها، ثم بعد لحظات قليلة يطفئها بضيق. عقله يفكر دون أن يصل إلى نتيجة محددة، كيف يتعامل معها؟ كيف يكسبها في صفه؟ والأهم، كيف يمكنه أن يحيا معها حياته القادمة وهو الذي ما زال لا يراها سوى طفلة؟
طفلة لا يمكنه أن يتعايش معها أو يستوعب طفولتها مهما حاول. ألقى سيجارة ثانية في سلة المهملات بضيق، ثم هوى بجسده فوق السرير يتأمل السقف بشرود حانق. هو في ورطة، ورطة حقيقية. حياته باتت مرتبطة بطفلة قادمة في الطريق، طفلة لا يمكنه تجاهل وجودها، طفلة من صلبه، طفلة تمثل جزءا منه شاء أم أبى، طفلة يدرك جيدا أنها ستثير حميته ما إن تصل إلى هذه الدنيا، طفلة ستملكه رغما عنه ودون وعي منها.
وهناك إلى جانب الطفلة جيلان، زوجة مع وقف التنفيذ. جيلان الصغيرة الذي لم يرها زوجة يوما ولم تتحرك غريزته نحوها ولا مرة حتى الآن، حتى بعدما حدث ونالها بتلك الطريقة الحقيرة وسط استسلامها المؤلم له. حتى بعد تلك الليلة لم تتحرك حتى غريزته نحوها. ما زال لا يراها كأنثى حقيقية بعين رجل يرغب فيها أو حتى يرغب في أن تشاركه حياته. هو لا يراها من هذا المنظور مهما حاول أن يفعل. كيف يشرح لمن حوله هذا؟
كيف يخبرهم بحقيقة أن جيلان لم تتخطى حاجز ابنة العم الصغيرة التي وجد نفسه مجبرا على الزواج منها؟ لا ينكر أنه بات يتعاطف معها، ضميره يؤنبه لأجلها. ولا ينكر أنه بات لا يكرهها أو ينفر منها، لكن هذا لا يعني أنه يتقبلها كزوجة. هو لا يراها هكذا ولا يعتقد أنه سيفعل يوما. ولكن ماذا عن طفلته؟ هل سيمنحها حياة مشتتة بين أبوين منفصلين؟ وهل سيتحمل أن تحيا بعيدا عنه؟ والأسوأ أن تحيا في كنف رجل آخر؟
فجيلان صغيرة الآن ولكنها ستكبر وبالتأكيد ستلتقي بالشخص المناسب يوما ما، وهو بدوره لن يستطيع منعها من الارتباط لأنه سيكون أنانيا حينها. والأسوأ أنه لا يستطيع أن يطالبها وقتها بطفلته لأنه لن يؤذيها وحدها بل سيؤذي طفلته أيضا. اعتدل في جلسته وهو يتأفف بحنق. لم كل شيء بهذا التعقيد؟ لم يحدث هكذا معه دائما؟ هل هو تعيس الحظ إلى هذه الدرجة؟ ما الذي كان سيحدث لو لم تحمل جيلان طفله في تلك الليلة اللعينة؟
لم تكن هناك مشكلة حينها! كان سيطلق جيلان بعد فترة كما اتفق مع أخيها وكل شيء بعدها كان سيعود إلى نصابه السابق وحينها سيرتاح بل الجميع سيرتاح!
مسح على وجهه بضيق محاولا أن يتجاهل هذه الأفكار، فالوقت فات حقا على التفكير في ذلك. جيلان تحمل طفله بكل أسف وهو بات مرتبطا بها رغما عنه. نهض من فوق السرير متوجها نحو النافذة يتطلع إلى الحديقة الخارجية بشرود وعقله يفكر من جديد. قرر أن يذهب إلى جناحها ويتحدث معها قليلا، ربما يصل إلى شيء ما هذه المرة، ربما يجد نقطة مشتركة بينهما. خرج من جناحه متوجها إلى جناحها ليطرق على الباب بخفة. فتفتح الباب له فورا بملامح واجمة
لتنظر إليه بدهشة فيهتف: "هل أنت بخير؟! تأملته لوهلة بنفس الوجوم قبل أن يتفاجأ بها تبتسم وملامح وجهها تنفرج كليا وكأنها وجدت ظالتها به. جذبته من كفه تخبره: "من الجيد إنك أتيت... وقف بجانب سريرها يتأملها وهي تتحرك بعيدا عنه تحمل دفترا وقلما ثم تتقدم بهما نحوه لتمد يدها بالدفتر والقلم له. تناول الدفتر والقلم منها وهو يسألها بحيرة: "لماذا تعطيني إياهما؟! أجابت بابتسامة واسعة: "ستكتب لي الواجب... اتسعت
عيناه مرددا بعدم استيعاب: "ماذا؟! سارعت تجلس على السرير مرددة بجدية: "الأستاذ يريد مني كتابة القصيدة عشر مرات كي أحفظها جيدا وأنا متعبة للغاية... أكملت وهي تمط شفتيها بضيق: "الحمل يتعبني ولا يمكنني الكتابة حقا... أكملت برجاء طفولي: "أنت لست متعبا، يمكنك أن تكتبه بدلا مني... هم بالرفض لكنه تراجع وهو تذكر قراره ومحاولاته للتقرب منها، فتنهد وهو يهتف مرغما: "حسنا يا جيلان، سأكتبها وأمري لله...
ابتسمت بفرحة وهي تجذب الكتاب الموضوع جانبها على السرير وتفتحه له حيث الصفحة التي تحوي القصيدة. مدت يدها بالكتاب وهي تخبره: "أكتبها عشرة مرات...
تناول الكتاب منها يتأمل القصيدة المكونة من عشرة أبيات شعرية ليتنهد بملل مفكرا إنه لم يكن يطيق الواجبات المدرسية أبدا، بل كان دائما ما يتملص منها ويبحث عن شخص ما يكتبها نيابة عنه. تارة يستعين بشقيقه راجي ومرات كثيرة كانت همسة تكتب واجبه بدلا عنه، بل في إحدى المرات طلب من الخادمة أن تكتب الواجب له رغم رفض والدته الشديد لذلك، لكنه لم يكن يهتم ويفعل ما يريده كعادته. حمل الأغراض وتوجه نحو الكنبة وجلس عليها. بدأ
يكتب عندما سمعها تحذره: "لا تنسى أن تكتب بخط جيد... ثم نهضت من مكانها وتوجهت إلى الغرفة الداخلية ليتأملها هو بحنق قبل أن يعاود النظر إلى الدفتر مرددا بغضب مكتوم: "هذا ما كان ينقصك يا مهند... ثم بدأ يكتب القصيدة قبل أن يجدها تخرج وهي تحمل معها مجموعة من أوراق الرسم البيضاء لتضعها فوق السرير ثم تعود مجددا وتجلب ألوان الرسم خاصتها ليهتف بضيق: "على أساس إنك متعبة، أراك مستعدة للرسم بل ومتحمسة أيضا... منحته
نظرة متعالية وهي تخبره: "الرسم شيء مختلف، الرسم لا يتعبني بل يمنحني متعة لا مثيل لها، لكن الجهلة أمثالك لن يفهمون ذلك... "جهلة... " تمتم بها مدهوشا بينما تحركت هي نحو سريرها بلا مبالاة وجذبت الألوان ليهتف بحدة خافتة: "لو لم تكوني حاملا لتصرفت معك بالطريقة التي تستحقينها وحينما ستدركين كيف يتصرف الشخص الجاهل...
مطت شفتيها بلا مبالاة ليزفر انفاسه بقوة وهو يذكر نفسه مجددا أن عليه أن يهدأ وأن يكون صبورا معها. عاد يكتب القصيدة رغم غضبه الذي يجاهد ليخفيه كي لا ينفجر في وجهها بينما أخذت هي ترسم بحماس وغرقت كالعادة في رسمتها حتى مرت حوالي ساعة انتهى بها مهند من كتابة القصيدة لعشر مرات متتالية. نهض مهند من مكانه ومعه الدفتر ليضعه أمامها مرددا ببرود: "كتبت الواجب، ولكن لا تعتادي على هذا، عليك أن تكتبي واجباتك بنفسك فهذا يعتبر غش...
سحبت الدفتر متجاهلة حديثه لتتأمل المكتوب فتجحظ عيناها مرددة: "ماذا هذا؟! رد ببساطة: "هل أصبت بالعمى؟ هذه القصيدة التي أردت مني كتاباتها... نهضت من مكانها تهتف بغضب: "بشع، خطك بشع جدا... "عفوا... " تمتم بها مدهوشا لترفع الصفحة في وجهه تخبره: "ما هذا الخط؟ لم أرَ خطا أبشع منه في حياتي." هتف بتجهم: "هل تعلمين شيئا؟ الخطأ ليس منك بل من الأبله الذي ساعدك وكتب لك الواجب." ثم صاح بها: "هاتيه...
مدت له الدفتر بارتباك ليأخذه ويمزق الصفحات التي كتب عليها بقوة قبل أن يتجه بالصفحات ويرميها داخل سلة المهملات ثم ينظر لها مرددا بتحفز: "والآن اكتبي واجبك حالا... همت بقول شيء ما ليقاطعها بحدة أجفلتها: "لا تفتحي فمك بكلمة واحدة، نفذي ما قلته، هيا... لعنته داخلها وهي تتجه نحو الدفتر تسحبه وتبدأ في كتابة القصيدة ليتأملها ببرود لثواني قبل أن يتحرك خارج الجناح ويغلق الباب خلفه بعصبية جعلتها تنتفض من مكانها رغما عنها.
غادر جناحها بعصبية متمتما مع نفسه: "صغيرة، حمقاء، بلهاء، اللعنة عليّ أنا، أين كان عقلي في تلك الليلة؟! لم يتوقف عن صب جم غضبه على نفسه وهو يدلف إلى جناحه يسحب هاتفه ومفاتيح سيارته مع محفظته ثم يتحرك خارجا من الجناح متجها إلى الطابق السفلي ليجد والدته تنادي عليه فيلتفت إليها مرددا بنفاذ صبر: "نعم ماما، ماذا هناك؟ سألته زهرة وهي تتقدم نحوه: "العشاء بعد قليل، أين ستذهب؟ أجاب بجدية:
"سأخرج قليلا وربما أتناول العشاء مع صديق لي." سألته وهي تلمس جانب وجهه بحنو: "أنت بخير، أليس كذلك؟ تنهد وهو يخبرها: "أحاول أن أكون كذلك." ثم ربت على كفها الموضوع فوق وجنته يخبرها بابتسامة: "لا تقلقي علي." عانقته بمودة وهي تخبره: "لا يمكنني التوقف عن القلق عليك وعلى أشقائك." ثم ابتعدت عنه وهي تردد: "انتبه على نفسك، حسنا."
تنهد وهو يهز رأسه بصمت ليتحرك خارج القصر بعدها فيجد أثير ابن عمته يدلف بسيارته إلى داخل كراج القصر ومعه شقيقته فيشير له أن يتوقف مكانه وهو يتقدم نحو سيارته ليفتح أثير النافذة وهو يسأله: "ماذا هناك؟ ألقى مهند التحية على ابنة عمته ثم أخبرها بعدها: "الجميع في الداخل، اذهبي إليهم واتركيني مع شقيقك." مازحته: "أنت تطردني." هتف ببرود: "شيء كهذا." تنهد أثير وهو يخبرها: "ادخلي أنت و اتركيني مع ابن خالك المبجل."
"حسنا." قالتها وهي تخرج من السيارة متجهة إلى داخل القصر بينما سارع مهند يأخذ مكانها يخبر ابن عمته: "انطلق بنا حالا." سأله أثير: "إلى أين؟ أجابه مهند بسرعة: "إلى النادي الليلي الذي ذهبنا إليه قبل عام، قبل سفرك." "حسنا." قالها أثير وهو يتحرك بسيارته عائدا من حيث أتى، خارج القصر. بعد مدة من الزمن كان مهند يجلس على إحدى الطاولات مع أثير الذي سأله وهو يرتشف مشروبه الكحولي: "ما بالك يا مهند؟ تمتم مهند وهو يرتشف من مشروبه:
"لا يوجد شيء مهم، فقط أشعر بالملل و... "والمسؤولية." قالها أثير بجدية ليزفر مهند انفاسه بتعب وهو يومئ برأسه ليضيف أثير: "ومالذي أجبرك على هذه المسؤولية يا مهند؟ تمتم مهند بسخط: "حظي الأسود." كتم مهند ضحكته قبل أن يقول: "أنا لا أعرف كيف تم زواجك من جيلان لأنني كنت خارج البلاد ولكن دعني أخمن، هل خالي من أجبرك عليها كي يضمن بقاءها معنا؟ أجاب مهند بإختصار: "شيء كهذا."
هز أثير رأسه متفهما عدم رغبة مهند في خوض الحديث بهذا الموضوع فعاد يرتشف مشروبه ليسأله مهند بإهتمام: "ومذا عنك؟ ألا يوجد جديد؟ رد اثير بصدق: "لا يوجد شيء لا تعرفه." أكمل وهو يخبره: "والدتي غاضبة منك ومن خالي وزوجة خالي أيضا." تمتم مهند بسخط: "وما الجديد؟ والدتك دائما غاضبة من الجميع." ضحك أثير بخفة وهو يضيف: "بسبب جيلان، تعتبر ما حدث جريمة في حق فتاة صغيرة." "وأنت ما رأيك؟ " سأله مهند ببرود ليهتف أثير:
"من الأفضل ألا تسمع رأيي." أكمل بعدها بصدق: "ولكني أتمنى أن تستمر علاقتكما بعدما تأخذ مسارها الصحيح." "علاقتنا؟! " قالها مهند بتهكم ليرفع أثير حاجبه وهو يسأله: "أنت لا تنوي تطليقها فعليا، أليس كذلك؟ أجاب مهند بحيرة: "لا أعلم." زفر أثير أنفاسه بضيق قبل أن يقول: "لا تفعلها يا مهند، هناك طفل بينكما، ناهيك عن كونها ابنة عمك وانفصالك عنها سيسبب شرخا في العائلة." "أنت أيضا تفكر في العائلة، أصبحت تتحدث مثل راغب." قالها مهند
ساخرا ليخبره أثير بثقة: "لأننا مهما حاولنا التمرد والتملص من العائلة لن ننجح، نحن ننتمي لها شئنا أم أبينا." زفر مهند أنفاسه بضجر وهو يتناول مشروبه مجددا قبل أن يتجمد مكانه وهو يراها تقف بعيدا عنه ملتصقة بالحائط تتأمله بعينين باكيتين. هتف بعدم تصديق: "تقى!! انتبه أثير إلى ما قاله فاستدار نحو الجهة التي ينظر إليها ليجدها هناك فيهتف بضيق: "ماذا تفعل هذه هنا؟ ثم هم بالنهوض ليوقفه مهند وهو يخبره:
"اجلس مكانك، سأتحدث معها." ثم نهض من مكانه متقدما نحوها ليرى اللهفة واضحة على ملامحها وفي عينيها وهي تهمس باسمه: "مهند حبيبي... جذبها من ذراعها وسحبها خارج المكان قبل أن يدفعها بقوة وهو يسألها: "ماذا تفعلين هنا يا تقى؟ لا تقولي إنها الصدفة." تمتمت بسرعة وهي تتقدم نحوه: "كلا ليست صدفة، كنت أراقب القصر وعندما وجدتك تخرج مع قريبك قررت اللحاق بك، أنا اشتقت إليك كثيرا."
ثم حاولت عناقه ليدفعها بنفور وهو يتأملها هيئتها الغريبة قليلا وملامح وجهها الشاحبة تماما والهالات السوداء تحت عينيها ليهتف بها بحدة: "ألم يحذرك راغب من التقرب مني مجددا؟ قالت بسرعة: "لا يهمني راغب وما يقوله، ما يهمني هو أنت." هتف ببرود: "ما قاله راغب كان قراري يا تقى، هو قال ما أردته أنا." هزت رأسها نفيا تعارض حديثه: "كلا، هو راغب من قالها وهددني، هددني بالابتعاد عنك لأنه لا يحبني، يراني غير مناسبة لك."
"وهو معه حق." قالها بثبات لتهمس بصوت مرتعش: "ولكنك تحبني." ثم تقدمت نحوه تهم باحاطة وجهه بين كفيها: "تحبني يا مهند مثلما أحبك." قبض على كفيها قبل أن تصلان إلى وجنتيه يهدر بها: "لا تلمسيني." ثم أكمل وهو يدفعها مجددا بنفور: "ابتعدي عني يا تقى." صاحت باكية: "ماذا جرى لك يا مهند؟ هل راغب يجبرك على ذلك أم والدك؟ مهند أنت تحبني." قاطعها بنفاذ صبر:
"كلا أنا لا أحبك، لم أحبك يوما ولن أفعل، أنت كنت مجرد مرحلة في حياتي، مرحلة تشعرني بالقرف من نفسي كلما تذكرتها." "مرحلة!! " تمتمت بها مدهوشة وهي تضيف بأسى: "أنا كنت مرحلة في حياتك يا مهند." أومأ برأسه وهو يضيف: "نعم مرحلة حقيرة أتمنى لو أمحيها من ذاكرتي." صاحت باكية: "لماذا تزوجتني إذا؟ لماذا فعلت بي هذا؟ لماذا قلت إنك تحبني؟ رد بقسوة: "كنت حمارا، وعلى العموم زواجك مني كان لمصلحتك أنت، أنت كنت المستفيدة الوحيدة منه."
هتفت ساخرة: "حقا؟ ومالذي استفدته من تلك الزيجة؟ رد مستخفا بها: "مكان إقامة وأموال وغير ذلك، أم نسيت إنك لولاي كنت ستبقين بالشارع." هزت رأسها تخبره برفض: "أنت لا يمكن أن تكون مهند حبيبي الذي أعرفه." هتف بها بنفاذ صبر: "افهمي، أنا لست حبيبك ولن أكون." ثم قبض على ذراعها يخبرها بتحذير: "إياك ثم إياك أن تظهري أمامي مجددا وإلا ستجدين نفسك جانب والدك لكن في سجن النساء." دفعته وهي تخبره: "أنت حقير."
جذبها من خصلاتها يصرخ بها: "لم يتبق سوى عاهرة مثلك تتحدث عني بهذه الطريقة وتشتمني." ركض أثير نحوه وسحبه مرددا: "ماذا تفعل يا مهند؟ سوف تفضحنا." ثم هتف بها: "غادري حالا ولا ترينا وجهك مجددا." مسحت دموعها بأناملها وهي تخبره بتوعد: "سأغادر الآن يا مهند ولكنني أعدك أنني سأرد لك ما فعلته وقريبا جدا، أقرب مما تتصور." ثم تحركت مغادرة المكان بحقد وتوعد يتابعها مهند بعينيه المشتعلين وجواره يقف أثير يطلب منه أن يهدأ.
أنهت اتصالها مع شقيقتها وجلست لوحدها تتأمل الفراغ المحيط بها بصمت. صمت لم يستمر سوى لثواني قطعه صوت بكاء أحد الطفلين. نهضت من مكانها بسرعة واتجهت إلى داخل الغرفة لتجد المربية تحمل كريم الذي بدأ هو وصلة البكاء كما توقعت. تقدمت نحوه تهم بحمله عندما بدأت شقيقته في البكاء هي الأخرى فتنهدت بتعب وهي تتحرك نحوها وتحملها داخل أحضانها محاولة تهدئتها. تأملت نانسي الصغيرة التي توقفت عن بكائها بعد لحظات لتطبع قبلة خاطفة فوق وجنتيها وهي تهدهدها عندما سارت نحو المربية تتأمل كريم الذي نام مجددا بين ذراعيها فتبتسم بحنو وهي تلمس خصلات شعره الكثيفة الغامقة بخفة.
صدح صوت رنين جرس الباب فأشارت للمربية إنها ستفتحه لتتحرك الطفلة بين ذراعيها إلى الباب حيث فتحته لتتجمد في مكانها وهي ترى صلاح أمامها. بهت صلاح لوهلة وهو يتأمل الطفلة الصغيرة المحمولة بين ذراعيها. لم تكن ملامحها ظاهرة لكنه استطاع تمييز لون شعرها الغامق قليلا. تنحنح مرددا بارتباك: "مرحبا نانسي." "أهلا صلاح." قالتها نانسي بخفوت قبل أن تضيف وهي تفسح المجال له للدخول: "تفضل."
تأملته وهو يتحرك إلى الداخل ونظرات عينيه تحاوط الصغيرة رغما عنه لتضمها داخل أحضانها أكثر وهي تغلق الباب ثم تتجه نحوه لتجده ما زال واقفا مكانه فأخبرته: "اجلس يا صلاح، سأعيد كاميليا إلى غرفتها وآتي فورا."
هز رأسه بتفهم وهو يجلس على الكنبة واسم طفلته يتردد داخل أذنيه. أسمتها كاميليا بينما أسمه الصبي كريم. تنهد بصمت متجاهلا تلك النغزة داخله عندما رأى الصغيرة وعندما نطقت هي اسمها. حاول ألا يفكر في ذلك وهو يخبر نفسه إنه أتى هنا ليتحدث معها وينهي الأمر. وجدها تتقدم نحوه فتأمل ملامح وجهها المتعبة قليلا فيسألها: "كيف حالك؟ ردت بعدما جلست قباله: "بخير وأنت؟ رد بجدية: "بخير." أومأت برأسها قبل أن تباغت بالقول:
"أنا أعلم إنك تريد العودة إلى البلاد." هتف مبررا: "لا يمكنني البقاء هنا أكثر، أنا لا أفعل شيئا هنا وأعتقد إنني أتممت ما أتيت لأجله." "معك حق." قالتها بجدية وهي تضيف: "يمكنك أن تسافر يا صلاح." يعرف لماذا وجد نفسه يسأل: "وأنت؟ والأولاد؟ نظرت له بعينيها تتسائل عن سبب سؤاله ليهتف بسرعة: "يعني أريد أن أفهم مخططاتك للقادم، هل ستبقين هنا أم تنوين العودة؟ سألته بتردد: "هل يفرق معك بقاؤنا هنا من عدمه؟ صمت
ولم يتحدث لتضيف بوجع خفي: "أعلم إنك ترفض تحمل مسؤوليتهما." همس بصعوبة: "افهميني يا نانسي، أنا لدي نمط حياتي الذي يخصني، نمط حياتي لا يناسبه وجود طفلين." أخذ نفسا عميقا ثم قال: "لم أكن أريد حدوث هذا و أخبرتك بصراحة إنني لا أستطيع تحمل مسؤوليتهما." قاطعته مكملة انه: "ولكنني أصريت على الاحتفاظ بها وبالتالي وحدي من سأتحمل مسؤوليتهما." قال بتردد: "أنا سأتحمل مسؤوليتهما من الناحية المالية، سأصرف عليهما و...
توقف يلاحظ الاستنكار في عينيها قبل أن تهتف بتجهم: "أنا لا أحتاج للأموال، أنت تعلم إنني يمكنني تحمل جميع المصاريف التي تخصهما كاملة." هتف بسرعة: "أعلم." ثم أضاف بصدق: "ولكن هذا مسؤوليتي، وصدقا لن يؤثر علي ذلك بشيء، دخلي الشهري من حصتي من أملاك والدي كثير للغاية، وهذا في النهاية حقهما علي." ظهرت نظرة ساخرة رغما عنها في عينيها تجاهلها وهو يضيف:
"حتى لو لا أستطيع أن أعتني بهما بالشكل المطلوب وأمارس أبوتي كاملة لكنني على الأقل سوف أساهم بشكل ما في تربيتهما." "ولكنهما لا يحتاجان الأموال، ميراثي لوحدي يجعلهم يعيشون حياة مرفهة للغاية." هتفت بها بصلابة وهي تضيف: "أن تتواجد قربهما ولو قليلا حتى هو كل ما يحتاجانه." هتف بتردد: "حسنا، أنا بالطبع لن أختفي من حياتهما ولكن... توقف يأخذ نفسا عميقا ثم يضيف:
"لا تنتظري مني أي شيء لإنني نفسي لا أعلم ما يمكنني فعله مستقبلا وما يمكنني تقديمه لهما." أضاف بصدق: "أنا عندما رفضت الطفلين لأنني أعرف نفسي جيدا، أنا شخص لدي حياتي ولا رغبة لي في تغييرها ولا طاقة لدي لتحمل مسؤولية أحد، هذا ما جعلني أرفض قدومهما لأنني حينها سوف أظلمهما معي." همست بتردد: "ألا يمكنك أن تحاول قليلا؟ أنا لا أطلب منك شيئا صعبا إلى هذا الحد." زفر أنفاسه ثم قال:
"حتى لو حاولت، سأفشل، لن أكون الأب الذي يحتاجانه بل و يستحقانه." استرسل بصدق: "لكن مع هذا فأنا لا أرفضهما الآن، لقد ولدا وأنا مجبر على تقبلهما، في النهاية هما ولدي وسأحاول أن أمنحهما ما أمتلك." هتفت بوجوم: "المال." قال بتروي: "بالطبع سوف أقوم بزيارتهما بين الحين والآخر إذا عدت إلى البلاد." قالت بتأكيد: "أنا سأعود إلى البلاد بالفعل، سوف أربي الطفلين في بلدهما." "حسنا، الموضوع بات أسهل، أنتم ستكونون قريبين مني." قالها
مبتسما بخفة قبل أن يضيف: "أعتقد أن الوضع بعد عودتكما سيكون أكثر بساطة." "يمكنك العودة يا صلاح إلى البلاد، لا تقلق بشأننا." قالتها وهي تجاهد لإخفاء خيبتها ليقول: "والدتي سعيدة جدا بحملك وهي تنتظر ولادتهما بلهفة شديدة." ابتسمت بتوتر دون أن ترد لينهض هو مرددا بسرعة: "أنا يجب أن أغادر الآن." نهضت بدورها تهتف بسرعة: "ألن تراهما قبل مغادرتك؟ كانت محاولة أخيرة منها لتحريك القليل من مشاعره الأبوية نحو الطفلين. تنحنح مرددا
وهو يعبث بخصلات شعره: "حسنا." ابتسمت وهي تخبره: "تعال معي." سار خلفها مستسلما عندما دلف إلى الغرفة التي وضعت بها الصغيرين ليقف قرب الباب بينما حملت هي أحدهما وتقدمت به نحوه تخبره: "هذا كريم، الكبير." انتفض قلبه رغما عنه وهو يتأمل الصغير النائم بين ذراعي والدته بسلام. كان يمتلك خصلات كثيفة غامقة شعر لوهلة إنها تشابه خصلاته المجعدة. لديه وجنتان ممتلئتان شهيتان للغاية وفم صغير مزموم بشكل لطيف جدا. ابتسم وهو ينحني
نحوه بتردد فهمست بأمل: "يمكنك أن تحمله إذا أردت." قال بسرعة: "لا داعي لذلك." ثم مال نحوه أكثر ليمد أنامله يلمس خصلات شعره ثم وجنته ليهمس: "إنه جميل."
طبعت قبلة فوق جبين الصغير ليتأملها وهو يشعر برغبة داخله في تقبيله هو الآخر لكنه تجاهل رغبته عندما تحركت نانسي تعيد الصغير إلى فراشه ثم تحمل كاميليا والتي كانت مستيقظة بالفعل. تقدمت نحوه وهي تحمل الصغيرة هذه المرة ليتأملها لوهلة مبهورا بملامحها الجميلة حيث تمتلك شعرا كثيفا غامقا قليلا مقارب للون شعر شقيقها وبشرة بيضاء ولكن ما جذبه حقا هو لون عينيها الرائعتين حيث كانت تمتلك عينيه زرقاوين بلون ماء البحر والسماء.
ابتسم مرددا بصدق: "إنها رائعة." همست نانسي وهي تداعبها: "نعم وخاصة لون عينيها." ابتسم وهو يميل نحوها يداعب وجنتها بأنامله. تأملته نانسي بصمت ورغما عنها عاد الأمل ينبعث داخلها عندما رفع وجهه نحوها يتأمل النظرات الحانية في عينيه فترتبك ملامحها وهي تخبره: "سأعيدها إلى سريرها." أومأ برأسه وهو يتابعها بينما تعيد الصغيرة إلى سريرها يتابعها هو بتركيز وعينيه مسلطتين على ابنته حتى وجدها تتقدم نحوه مجددا ليقول وهو
يتحرك أمامها نحو الخارج: "أنا سأعود إلى البلاد خلال أسبوعين بالكثير." التفت نحوها يردد بحذر: "متى ما أردت يمكننا الطلاق؟ تأملته بصمت لثواني قبل أن تهمس بإقرار: "ولكنني لا أريد الطلاق." هم بالرفض لتوقفه وهي تكمل: "سأبقى على ذمتك لفترة ما دون مطالبتك بشيء، من فضلك لا ترفض، أنا أفعل هذا لأجل الطفلين وكما أخبرتك فأنا لا أطالبك بشيء."
تجهمت ملامحه لكنه لم يستطع الرفض فهز رأسه بصمت بينما ابتسمت هي له بامتنان وداخلها تتمنى أن تجد محاولتها الأخيرة نفعا. هبطت هايدي درجات السلم متجهة إلى صالة الجلوس لتجد والدتها تجلس هناك شاردة تماما. تنحنحت مصدرة صوتا لترفع والدتها وجهها نحوه وهي تردد: "ماذا تريدين يا هايدي؟ جلست هايدي جانبها تهتف بتردد: "ما بالك يا ماما؟ لا أصدق إن خبر حمل نانسي أزعجك لهذا الحد." أضافت بخيبة:
"وأنا التي كنت أتأمل أن يخفف هذا الخبر من وطأة غضبك عليها." ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها وهي تهتف: "تقصدين ألمي بسببها." قالت هايدي بسرعة: "ماما من فضلك، نانسي لم تقصد أن تؤلمك." استدارت تهاني بكامل جسدها نحوها تخبرها بغضب: "هل تعتقدين إنني غبية يا هايدي؟ أنا كنت أدرك ما وراء هذه الزيجة لكنني تعمدت تكذيب نفسي." سألتها هايدي بتوتر خفي: "ماذا تعنين؟
"ما فهمته يا هايدي، كان لدي أمل بسيط أن يكون تفكيري ليس صحيحا ولكن ما أبلغتني به اليوم أكد لي مخاوفي السابقة، شقيقتك تزوجت ذلك الأرعن لأنها حامل، لأنها تحمل طفله." أشاحت هايدي وجهها بعيدا عنها لكن سرعان ما أدارته والدتها نحوها مجددا وهي تشير لها بإصرار: "أخبريني هيا، لا تخفي وجهك عني، اعترفي بتصرف شقيقتك الدنيء التي فضحتنا بأفعالها الخرقاء واستهتارها." أبعدت هايدي وجهها من بين أناملها مرددة بجمود: "لم تكن في وعيها."
انتفضت تهاني من مكانها تصيح بها: "ما زلت تدافعين عنها." نهضت هايدي تصيح بنفاذ صبر: "يكفي حقا، متى سوف تستوعبين إن ما يحدث سببه أنت؟ ابنتك كانت تعاني لوحدها دون أن تدركي." أضافت وهي تتقدم نحوها بقوة: "أين كنت وابنتك تمر بأزمات نفسية لا تعلمين عنها شيئا؟ أين كنت وأنت تلاحظين تصرفاتها الغبية كما كنت تنعتيها؟ لماذا لم تحاولي التقرب منها؟ لماذا لم تتحدثي معها وتفهمي سبب ما تفعله؟
لماذا تركتيها ضائعة تماما حتى سقطت في وكر صلاح ومنحته جسدها دون وعي منها؟ همست تهاني مصدومة: "أنت تلوميني أنا يا هايدي، الآن أصبحت أنا سبب ما فعلته شقيقتك." "نعم أنت." قالتها هايدي بحدة وهي تضيف:
"أنت السبب، منذ وفاة والدي وحالة نانسي النفسية تدهورت، وأنت تدركين ذلك جيدا، وبدلا من محاولة احتوائها والتخفيف عنها بل وملأ الفراغ الذي تركه والدي في حياتها كنت تتعمدين انتقادها والتعامل معها بحدة ورفض فقط لأنها لم تكن بالشكل الذي تريدينه، فقط لأنها لم تكن تشبهك وتتصرف وتفكر مثلك." توقفت للحظة تلتقط انفاسها ثم اضافت:
"أنت أهملتها مما جعل وضعها يتأزم حتى باتت ترفضك بل تتجنب وجودك حولها والنتيجة أنها ضاعت، ضاعت بسببك أنت قبل أي أحد." "أنا لا أصدق إنك تحملين كل هذا داخلك نحوي." قالتها تهاني بعدم استيعاب لتبتسم هايدي بتهكم وهو تخبرها: "أنت لم تر شيئا بعد، كل مرة أتساءل فيها عن سبب وصول نانسي لهذه الحالة لا أجد غيرك سببا لهذا." ترقرقت الدموع داخل عينيها وهي تسترسل:
"المشكلة إنك لم تستوعب اختلاف شخصيتها، نانسي شخصية حساسة للغاية وعاطفية أيضا وبعد وفاة والدي وإهمالك لها تحولت إلى شخصية ضعيفة وهشة تماما وباتت تبحث عن العاطفة التي افتقدتها برحيل والدي، العاطفة التي عجزت أنتِ أن تمنحيها لها لأنك وبكل أسف لا تمتلكينها." صرخت تهاني بصوت جهوري: "يكفي." أكملت وهي تقبض على ذراعها:
"أنا لست سيئة إلى هذا الحد، صحيح أنا قوية وحادة الطباع قليلا وربما أبدو لك ولها قاسية لكنني أحبكما أكثر من أي شيء، أنت ونانسي وشقيقكما، دائما كنت أسعى لتكونوا الأفضل في كل شيء، لم يكن يهمني أحد غيركم أنتم الثلاثة." "حقا؟ وهل أصبحنا كذلك؟ " سألتها هايدي بحسرة لتهتف تهاني: "أنا لم أقصد التسبب بكل هذا، أنا أحب نانسي كثيرا، هي ابنتي الكبرى أولى فرحتي ولكن... توقفت للحضات قبل أن تضيف بحسرة:
"لم أكن أعلم إنها متخبطة داخلها إلى هذا الحد، لم أدرك إنها تحمل كل هذا الضياع داخلها، أنا حاولت توجيهها دائما، طلبت منها أن تعقل مرارا ولكنها لم تستمع إلي." أكملت بغضب: "وعليك أن تعلمي أن ما قلته لن يغير حقيقة ما فعلته، شقيقتك ارتبكت خطأ جسيم لا يوجد له مبررات." "وهي عوقبت على خطئها، نالت عقابها كاملا." قالتها هايدي بوجع وهي تضيف بدموع حارة: "دفعت ثمن خطأها الغير مقصود منذ أول يوم وما زالت تدفع."
أخذت نفسا عميقا واكملت: "نانسي تحتاجك الآن أكثر من أي شخص آخر، ربما هي لا تعي ذلك لكنني أعيه، أنت تجاهلتها منذ شهور وما زلت تفعلين." همست تهاني بحسرة: "كيف فعلت هذا؟ كيف وصلت إلى هذا المستوى؟ كيف منحت جسدها له؟ هتفت هايدي بنفاذ صبر: "أخبرتك إنها لم تكن في وعيها، افهمي من فضلك." أكملت برجاء: "من فضلك حاولي أن تفهمي ذلك، ابنتك تحتاجك، لقد أنجبت طفليها منذ عدة أيام." تجمدت تهاني لثواني قبل أن تهمس بعدم تصديق: "طفليها!!
أومأت هايدي برأسها وهي تضيف: "كريم وكاميليا." رقت ملامح والدتها لثواني قبل أن تعود إلى جمودها وهي تهمس: "يا إلهي، ماذا فعلت بنفسها تلك الحمقاء، كيف دمرت حياتها هكذا." اتسعت عينا هادي وهي تهدر بعدم تصديق: "ماذا تقولين أنت؟ "أقول الحق، شقيقتك ارتكبت جريمة لا يمكن غفرانها، شقيقتك زنت يا هانم وليت الأمر توقف عند هنا، لقد أنجبت طفلين نتيجة هذا الزنا." أوقفتها هايدي بحزم: "يكفي." ثم اضافت لاهثة:
"أخبرتك إنها نالت عقابها، نانسي كانت ستموت، تعرضت لحادث خطير، حادث نجت منه بمعجزة، كانت ستموت لا محالة لولا رحمة الله بها." هتفت تهاني: "ماذا تقولين أنت؟
سارعت هايدي تجذب هاتفها وتفتحه حيث تبحث عن صورة التقطتها لنانسي فترة وجودها في المشفى أثناء غيبوبتها. صورة شعرت أنها سيأتي يوم وتحتاجها عندما تعرف والدتها الحقيقة وقد تأكد شعورها اليوم. وضعت هايدي الصورة أمام عيني والدتها التي هتفت بجزع وهي تتأمل ابنتها بحالتها المدمرة والأجهزة المحيطة بها: "نانسي، ابنتي." جذبت الهاتف من كف ابنتها تضيف بخوف: "كيف حدث هذا وهل هي بخير الآن؟ هل أصبحت أفضل؟ اخبريني." تنهدت هايدي وهي
تقول بينما تمسح دموعها: "يمكنك أن تسافري إليها وتريها بنفسك." نظرت تهاني لها لترى الرجاء الصريح في عيني هايدي وهي تضيف: "سأسافر لها خلال أيام بإذن الله، يمكنك أن تأتي معي." "سآتي معك، سأسافر إليها معك." قالتها تهاني وهي تعاود النظر إلى الصورة بقلب أم مفطور خوفا على ابنتها.
وقفت جانب شقيقتها التي كانت تضع توقيعها على بعض الأوراق المهمة قبل أن تأخذها وهي تخبرها إنها ستعود إلى مكتبها لإنهاء ما تبقى لها من عمل قبل أن تغادر إلى المنزل. ما إن خرجت مكتب شقيقتها حتى تجمدت كليا وهو تراه يتقدم نحوها بملامح كانت هادئة ثم سرعان ما تحولت إلى أخرى نافرة. تأمل جمود ملامحها بسخرية زينت وجهه لتتقدم نحوه تسأله بحدة: "ماذا تفعل هنا يا أكرم؟ أجاب ببرود:
"وصلت إلى البلاد مساء البارحة، وأتيت هنا بدافع الواجب بعدما أصاب عمي." عقدت ذراعيها أمام صدرها تخبره بسخرية: "شكرا كثيرا يا أكرم ولكننا لا نحتاج زيارة وغد مثلك." هتف مستنكرا: "انظروا من يتحدث، الخائنة الوضيعة." اشتعلت عيناها وهي تتقدم نحوه تهمس بنبرة كالفحيح: "كيف تجرؤ وتتحدث عني هكذا؟ أنت حتما جننت." هتف بتهكم: "أنا أقول الحقيقة ليس إلا."
"كل شخص يرى الإنسان بعين طبعه، كلانا يعرف من هو الخائن الحقيقي يا أكرم، الخائن هو الذي ترك كل شيء خلفه وسارع يتزوج دون تمهيد حتى متناسيا أن هناك أخرى متعلقة به وكان يجمعه بها سنوات عشرة على الأقل، لن أقول حب لأنني أصبحت أعلم جيدا أنك لم تحبني يوما ولن تفعل." ثم همت بالتحرك بعيدا عنه عندما توقفت مكانها بعد ثواني وهي تسمعه يسأل: "صحيح، كيف حال عمار؟ التفتت نحوه بعينين حادتين ليضيف وهو يرمقها بنظراته الهازئة:
"لم يتزوجك كما توقعت، أخذ ما أراده منك ثم ألقاك بعيدا بعدها." تقدمت نحوه ببطء قبل أن تقف امامه تسأله: "هل جننت يا هذا؟ هل تعي ما تقوله؟ "هل سوف تكذبين مجددا؟ قالها بتهكم مرير وهو يضيف: "لا يمكنك الإنكار بعد الآن، لقد رأيت كل شيء بعيني." صرخت بجنون: "عن ماذا تتحدث أنت؟ ما الذي رأيته؟ مال نحوها يهتف بقسوة: "رأيتك وأنت بين أحضانه، تتبادلان القبلات معه بطريقة أثارت اشمئزازي." تراجعت مبهوتة ليضيف:
"وأنا الذي كنت أتساءل عن سبب تأجيلك زواجنا دائما ثم سبب تغيرك علي وقرار إنهاء الخطبة المفاجئ وغير ذلك." أكمل ببؤس: "كنت أحمقا ولم ألاحظ سبب تصرفاتك وتقلبك المستمر والأهم إنني لم أفهم سبب رفضك المستمر لزيجة شقيقتك بل وطريقتك الغريبة في الحديث عن عمار وكرهك غير المبرر نحوه." "كنت أكرهه لأنه يؤذي ليلى." قالها بصدق ليهم س بسخرية مريرة:
"بل لأنك كنت تحبينه وهو زوج شقيقتك، شقيقتك التي سارعتِ لترتمي بين أحضان من كان زوجها ما إن قررت الانفصال عنه." "لا يمكن، أنت كيف صدقت هذا." تمتمت بها بعدم استيعاب ليقبض على ذراعها بقسوة مرددا: "لقد رأيتك بعيني، هناك من أرسل صورك لي." أضاف بحسرة فشل في إخفائها: "حتى بعدما رأيت الصور كان هناك أمل صغير داخلي أن تكون مفبركة لكن بعدما تأكدت من حقيقتها أدركت كم كنت مغفلا." تساقطت الدموع من عينيها بينما ابتعد هو
أنها بنفور واضح وهو يضيف: "سأدخل وأرى ليلى وأتحدث معها وأطمئن على أحوالها وأحوال عمي فمهما حدث هي لا ذنب لها في أفعال شقيقتها." ثم تحرك متجها إلى داخل المكتب تاركا إياها لوحدها والدموع تتساقط بعينيها قبل أن تمسح دموعها بعدها بعنف وهي تردد بتوعد: "عمار." ثم تحركت بسرعة خارج الشركة وركبت سيارتها متجهة إلى شركته. لا تعرف كيف وصلت إلى هناك وكيف اندفعت إلى داخل الشركة ومنها إلى مكتبه الذي اقتحمته بجنون يشبهها
وهي تتقدم نحوه وتصرخ به: "كيف فعلت هذا؟ كيف؟ "ماذا حدث؟ هل جننت؟ " قالها وهو يحاول تهدئتها لتصرخ به: "نعم جننت، بسببك أنت جننت." أضافت بانفعال: "لماذا تفعل هذا معي؟ لماذا دمرتني بهذا الشكل؟ "ما الذي تتحدثين عنه بالضبط؟ " سألها بتجهم لتخبره بأنفاس متلاحقة: "أتحدث عن أكرم وتلك الصور التي أرسلتها له." تجهمت ملامحه وهو يسألها: "هو من أخبرك عنها؟ صاحت به: "أنت من أرسلتها، لا يمكن أن تنكر ذلك." تمتم ببساطة:
"نعم أنا من أرسلتها ولا أنوي إنكار ذلك." همست بتعب تمكن منها: "لماذا؟ لماذا فعلت هذا؟ أنت تعلم أنها صور خادعة، أساسا أنا لا أتذكر متى حدث هذا، لا أتذكر المرة التي قبلتني بها عنوة." أضافت بدموع حارقة: "أكرم بسببك تركني، وتزوج من أخرى أيضا، لماذا فعلت بي هذا؟ لماذا؟ "لأنك لي، أخبرتك إنك ستكونين لي برضاك أو غصبا عنك." قالها بثبات جعلها تقبض على قميصه تصيح به:
"أنت شيطان، لقد دمرت حياتي، أنا بسببك خسرت الرجل الذي أحبه، بسببك أنت." قبض على كفها الممسك بقميصه يردد بصلابة: "أنت لا تبكين عليه لأنك تحبينه، أنت فقط حزينة لأنه نبذك بهذه السهولة وتزوج ب أخرى." حررت قميصها من قبضته تتطلع إليه بعدم استيعاب ليضيف بثقة:
"أنت لا تحبين أكرم، أنت فقط وجدت به الرجل المناسب، أحببت اهتمامه الدائم بك وعشقه لك الواضح في كل تصرفاته، أنت أحببت مشاعره نحوك فقط والآن تبكين لأن غرورك لم يتحمل أن يتخلى أكرم عنك بهذه السهولة بل ويستبدلك بأخرى." همست وهي تنظر إليه بذهول: "ماذا تقول أنت؟ رد ببساطة: "أقول الحقيقة، الحقيقة التي ترفضينها." هتفت من بين أسنانها: "حتى لو كان ما تقوله صحيحا فهذا لا يمنحك الحق أن تفعل ما فعلته."
"أنا يحق لي ما لا يحق لغيري بخصوصك أنت يا مريم." "أنت مجنون." قالها بجمود ليقبض على ذراعها يقربها منه مرددا بأنفاس حارقة: "مجنون بك، عاشق لك، متيم بك." ابتلعت ريقها وهي تهمس بصعوبة: "لا يمكن، مستحيل." "المستحيل هو ألا تكوني لي، المستحيل أن تكوني لغيري، هذا هو المستحيل الوحيد بالنسبة لي يا مريم." قالها وعيناه تنظران إلى عينيها بقوة وثبات لتهتف برجاء: "ابتعد من فضلك، أنت تؤلمني." تمتم بخشونة:
"تألمي يا مريم فأنا تألمت كثيرا بسبب حبي وشوقي لك." دفعته بعيدا عنها بقوة وهي تتحرك راكضة بسرعة خارج المكان هربا منها ومن مشاعره المخيفة بالنسبة لها. عادت إلى منزلها منهارة كليا. قابلت ليلى التي وقفت قبالها تسألها بملامح متحفزة: "أين كنت؟ ردت مريم ببرود: "ليس من شأنك." ثم تحركت خطوتين قبل أن تقبض ليلى ذراعها وهي تكرر سؤالها بقوة أكبر: "أين كنت يا مريم؟ باغتتها مريم بالسؤال: "هل تحدثت مع أكرم؟
"نعم، وأخبرني بكل شيء." قالتها لي بجمود لتسألها مريم بارتياع: "هل صدقته؟ عقدت ليلى ذراعيها أمام صدرها تخبرها بجمود: "أنتظر سماعك أولا." همست مريم بحشرجة: "أنت لم تصدقيه بالتأكيد، لن تفعلي مثله وتصدقيه." هتفت ليلى بثبات: "أنا حتى الآن لم أفعل ولكنني أبحث عن تفسير منك." قالت مريم: "لا تفسير لدي." ثم همت بالتحرك مجددا لكن ليلى وعادت تقبض على ذراعها تخبرها: "أخبرتك أن تتحدثي، أن تشرحي لي ما يحدث، ما الذي يجمعك بعمار؟
أجابت مريم ببرود: "يحبني، عمار يحبني يا ليلى." "أنت تمزحين." قالتها ليلى بعدم تصديق وهي تضيف بينما تقترب منها أكثر: "وأنت؟ ماذا عنك؟ ما الذي يجمعك به؟ أجابت مريم بثبات: "حتى الآن لا يجمعني شيء ولكنني سأفعل قريبا." "ماذا تقصدين؟ " سألتها ليلى بتوجس لتجيب مريم: "عمار سيدفع ثمن جرائمه بحقي بل بحقكم جميعا." صاحت ليلى بعدم تصديق: "هل جننت؟ ما هذا الهراء؟ ابتعدي عن عمار يا مريم، عمار مجرم مريض." قاطعتها مريم:
"ولهذا يجب أن ينال عقابه." "ليس من شأنك." قالتها ليلى بنفاذ صبر وهي تضيف: "ابتعدي عنه ولا علاقة لك به." "وما فعله بي، لقد دمر حياتي، جعلني أخسر أكرم." قالتها مريم وهي تضيف: "ولي يكن بعلمك عمار لن يتركني وشأني، عمار لا يحبني فقط وإنما مهووس بي، لقد أخبرني إنه لن يرتاح حتى يكون لي." "توقفي عن هذا الهراء، أنت فقط ابتعدي عنه، لا تقتربي منه من فضلك." قالتها ليلى برجاء وهي تضيف:
"لن أسمح لك بالاقتراب من شخص مثله، أبدا يا مريم." تمتمت مريم بعناد: "أنت لا يحق لك التدخل في حياتي." "عندما أراك تدمرين حياتك يحق لي التدخل حينها بل ومنعك عن تدمير حياتك." "حقا؟ " ردتها مريم بإبتسامة هازئة وهي تضيف: "كان عليك أن تفكري بنفس الطريقة وأنت تدمرين حياتك، بأي حق تتدخلين في حياتي وقراراتي وأنت منذ أول يوم تقررين وتنفذين لوحدك؟ همت ليلى بالقول: "أنا كنت مضطرة." قاطعتها مريم بقسوة:
"أنت كنت تمارسين دور الضحية بكامل إرادتك، اخترت أن تعيشي مع رجل دنيء كعمار الخولي لسنوات، حطمتي نفسك بنفسك، لا يحق لك أن تنصحيني وأنتِ أول شخص دمر نفسه بنفسه." أكملت وعيناها تقدحان شررا: "على الأقل أنا أفعل ما أفعله لسبب يستحق وليس لأجل عشق تافه لا يساوي شيئا، أنت بعتِ نفسك يا ليلى لعمار فقط تحت مسمى العشق والنتيجة لا شيء، صفر." صفعتها ليلى على وجهها بقوة بينما نبرتها خرجت قوية جهورية بهذا الشكل لأول مرة: "إخرسي."
ارتجفت ملامحح مريم وهي تجاهد لكبح دموعها عندما صرخت بجنون: "اضربيني يا ليلى، تصرفي بنفس حماقتك المعتادة." وجدت والدتها تتقدم نحوهما على صوت صراخها وهي تحمل الصغير بين أحضانها لتنظر مريم اليها مرددة بسخرية: "ها قد جائت ماما أيضا، المضحية الأخرى، المضحية التي نسيت خيانة زوجها بمجرد أن خشيت فقدانه بل لتسامحه فورا والأسوأ أنها تعتني بطفليه من أخرى خانها معها." تجمدت ملامح فاتن وهي تستمع لحديث ابنتها الموجع بينما عادت
مريم تنظر إلى ليلى تخبرها: "وأنت يا هانم؟ وزواجك من كنان بدافع التضحية والامتنان؟ تتزوجين من رجل لست مقتنعة به فقط لأنه ساعدك عفوا ساعد عائلتك وأنقذها من الإفلاس، تكررين نفس الحماقة السابقة وإن اختلفت الأسباب." لوهلة أرادت أن تصرخ بكلتيهما كي تتوقفان عن هذا الغباء والطيبة المنفرة. ما الذي يجبر والدتها على رعاية ولدي المرأة التي دمرت حياتها بل حياتهم جميعا؟
ما الذي يجعلها تحزن لهذه الدرجة على زوجها الخائن وتدعو له ليلا ونهارا؟
وشقيقتها الحمقاء، ما زالت كما هي، ظنت إنها تغيرت قليلا. شقيقتها لا تدرك ما مقبلة عليه، تتزوج رجل فقط بدافع الإمتنان، رجل بات في نظرها بطلا بينما في الواقع هو لا يختلف كثيرا عن الرجال حوله، رجل شرير وإن كان شره يحمل مبررات. كانت تود أن تصرخ بها كي تتوقف عن هذا، كي تستوعب إن العالم لا يسير بهذه الطريقة، كي تخرجها من فقاعة المثالية التي ما زالت مصرة على البقاء داخلها. لوت شفتيها ساخرة من هذا الوضع الغير مرضي مفكرة إن وحدها من ستنال حق الجميع وأولهم حقها هي. وحينها فقط سترتاح بعدما تتخلص من ذلك المختل الذي تأكدت من مدى عشقه لها، عشقه الذي تحول إلى جنون لا مفر منه وهي وحدها من ستقود ذلك الجنون وتتلاعب به كما تريد.
"الحمد لله أنني لست مثلكما ولن أكون، كوني على ثقة يا ليلى أنني سأجعل عمار يدفع ثمن جميع أفعاله، أنا من ستدمر عمار وتنهيه كليا." "ماذا تقولين أنت؟ " صاحت بها فاتن وهي تتساءل بعدم استيعاب: "مالذي يحدث بالضبط؟ التفتت ليلى نحو والدتها تخبرها: "ما يحدث إن ابنتك بحاجة لإعادة تربية." ثم التفتت نحو مريم تخبرها:
"أنا السبب فأنا تهاونت معك، كان يجب أن أحاسبك على تلك الصور بعدما وضعتها عشيقة عمار أمامي وهي تحذرني بسخرية مبطنة، تجاهلت الأمر بكل غباء ولكن لا بأس يا مريم فإذا فشلت والدتي في تربيتك فانا بنفسي سأعيد تربيتك من جديد." "أي صور تلك التي تتحدثين عنها؟ " سألت فاتن بنفاذ صبر بينما همست مريم بعدم استيعاب: "عشيقة عمار، تقصدين بوسي." هتفت ليلى بتحدي:
"نعم بوسي، أخبرتني بوجود علاقة تجمعكما وجعلتني أرى صورا لكما تثبت من خلالها كلامها." تطلعت لها مريم مذهولة للحظات قبل أن تستوعب ما يحدث فتهمس بعدم تصديق: "كنان، كنان من فعل هذا." بهتت ملامح ليلى وهي تسأل: "ماذا تقولين أنت؟ ما شأن كنان بهذا؟ اشتعلت عينا مريم وهي تخبرها بجمود: "بوسي شريكة كنان في انتقامه من عمار." هتفت ليلى بعدم تصديق: "ماذا تقولين أنت؟ أي انتقام الذي تتحدثين عنه؟ وكيف عرفت؟ أجابت مريم بقسوة تخبرها
بالحقيقة التي صفعتها بقوة: "لأنني كنت معهما، كنت شريكة كنان، كنت أساعده في انتقامه من عمار." تجمدت ملامح ليلى لثواني قبل أن تهز رأسها نفيا وهي تتمتم برفض: "مستحيل، أنت تكذبين." "بلى، أنا لا أكذب، أنا أعرف كنان قبلك بعدة شهور، كنا نخطط سويا، بوسي الأخرى كانت تساعده وهي بالتأكيد أعطتك تلك الصور بعدما أمرها بذلك فهي لا تتحرك خطوة واحدة دون أمره." "هل تستوعبين ما تقولينه؟ " قالتها ليلى بعدم تصديق وهي تضيف بدموع:
"كنان كان يفعل كل هذا وأنت كنت معه، كنت شريكته في أشياء لا أعلم عنها ولم تخبريني." "خفت أن أخبرك." قالتها مريم بوجوم لتندفع ليلى نحوها وهي تصرخ بها بغضب: "كيف فعلت بي هذا؟ كيف خدعتني؟ كيف سمحت لنفسك بخداعي؟ لماذا يا مريم؟ لماذا؟ دفعتها مريم بعيدا عنها وهي تصيح بها بينما أخذت فاتن تبكي على حال ابنتيها: "لم يكن أمامي حل آخر، هو أخبرني إنه يريدك حقا."
توقفت عن حديثها وهي تلاحظ مدى الألم في عيني شقيقتها. شقيقتها التي صرخت بها بقسوة ونفور ظهر على ملامحها بوضوح: "اغربى عن وجهي، لا أريد رؤيتك بعد الآن." تساقطت الدموع من عيني مريم وهي تركض مندفعة خارج المكان متجاهلة صراخ والدتها خلفها حيث ركبت سيارتها وتحركت بها بسرعة مخيفة قبل أن تتوقف على جانب الطريق وتحمل هاتفها تبحث به عن اسمه لتتصل به فيأتيها صوته البارد بعد لحظات: "ماذا تريدين يا مريم؟ "أين أنت يا عمار؟
أريد رؤيتك حالا." سمعت صوت انفاسه يتصاعد قبل ان يخبرها: "أنا في شقتي القديمة لو تذكرينها." أغلقت الهاتف في وجهه وعادت تقود سيارتها متجهة إلى شقته لتصل إليها بعد حوالي ربع ساعة. صعدت إلى الشقة وضغطت على الجرس ليفتح لها بعد لحظات فيتجمد مكانه وهو يراها بهذا الوضع المزري بينما تأملته هي بجمود لحظي حتى قالت: "هل تتزوجني؟
كانت تجلس داخل سيارة صديقتها تراقب القصر من بعيد تنتظر خروجها في اللحظة المناسبة. الحقير تخلى عنها وتركها وحيدة تصارع الحياة بعدما نال ما أراده منها. تخلى عنها بكل بساطة بعدما تزوج من ابنة عمه، الصغيرة الحمقاء والتي بدخولها حياته دمرت ما يجمعها به وفرقتها عنه. هي التي أحبته بصدق ورسمت حياة كاملة معه فجاءت تلك الصغيرة لتسرقه منها. كانت تضغط على مقود السيارة بكفيها عندما رأت ها تغادر القصر أخيرا بجوار توليب صديقتها السابقة. ابتسمت ساخرة وهي تتحرك خارج السيارة متجهة نحوهما لتتوقف توليب وهي تلاحظها. تأملت توليب ملامحها
الغريبة وهي تسألها بترقب: "ماذا تفعلين هنا يا تقى؟ تجاهلتها تقى وهي تنظر إلى جيلان التي انكمشت بجانب توليب قبل أن تتسع عينيها وهي ترى بروز بطنها لتضحك بطريقة غريبة وهي تعاود النظر إلى توليب مرددة: " انتظرتك طويلا يا صغيرة." "ماذا تريدين يا تقى؟
" قالتها توليب وهي تنظر لها بقوة لتبتسم تقى بطريقة توحي بمدى اختلالها قبل أن تدفعها وهي تتقدم نحو جيلان وفي لمح البصر كانت تخرج سكينا حادة جهزتها مسبقا من تحت قماش بنطالها وتطعن بها جيلان في منتصف بطنها لتسقط الأخيرة ارضا بعد ثواني بينما وقفت هي مكانها تضحك بجنون تمكن منها متجاهلة توليب التي دفعتها بقوة وهي تصرخ بانهيار والحرس الذين سمعوا صراخها فركضوا بسرعة نحوها ليجدوا جيلان فقدت وعيها تماما وهي غارقة في دمائها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!