الفصل 11 | من 20 فصل

رواية هجران رحيل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شامة الشعراوي

المشاهدات
20
كلمة
2,920
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

بعد مرور مدة من الوقت نظرت بجانبها بحزن وقهر ودموع. وجدته نائم بهدوء تام بعد أن أخذ ما ليس من حقه. نهضت من فراشها بثقل لتبدل ثوبها بثوب آخر نظيف، وقد عزمت بداخلها على مغادرة هذا المنزل البغيض. بعد لحظات، ولجت لغرفة جدها الذي فزع من رؤيتها بتلك الهيئة المخزية، فوجهه يملئه بقع حمراء من أثر الصفعات. فألمه قلبه حزنا عليها، فقام بفتح ذراعيه ليحتويها برفق ولين. فوصل لمسمعه صوت بكائها الحزين، ليرق قلبه رفقا بها، فقال بنبرة

ممتزجة بالعطف والبكاء: -مين اللي عمل فيكي كدا ياقلب جدو؟ رددت "رحيل" بشهقات متعالية: -مراااااد. مسد على شعرها بحنان ثم قال بنبرة قلقة: -مراد! أبتعد عنها قليلا، ثم أضاف متسائلا: -طب قوليلى ياحبيبتي هو عملك حاجة تانية؟ نظرت له بالإيجاب ثم بكت بحرقة فقالت:

-أنا مقدرتش ابعده عني، كان أقوى مني ياجدو. أنا حاولت بس معرفتش. هو كان بيضربني جامد لما كنت بحاول ابعده. هو كسرني باللي عمله. تعرف أنا قلبي دلوقتي بيوجعني أوي، حاسة كأن خنجر مطعون فيه، مش قادرة أتحمل وجعه. صدم الجد من اعترافها، فقد كان يخشى حدوث ذلك. أغلق عينيه بقلة حيلة، فهو الآن متألم لألم حفيدته الصغيرة. فأتاه صوتها الباكي الراجي:

-جدو علشان خاطري مشينى من هنا، مش عايزة أشوف حد منهم تاني، عايزة ابعد عنهم، عايزة أنسى قسوتهم وظلمهم ليا. وخصوصا مراد، مراد اللي اعتدى عليا ومحاولش يسمعني ولا يصدقني إني معملتش حاجة. أنا ياجدو فعلا معرفش كنت هناك إزاي. ثم أخذت تقص عليه ما حدث، فأنهت حديثها وهي تلتقط أنفاسها المتقاطعة: -أنا عمري ما هسامحهم أبدا، عمري أبدا. حتى لو حطوا السيف على رقبتي، مستحيل أرجع لقسوتهم تاني.

-أنا مش هخليكي هنا ثانية واحدة بعد اللي حصل، وهحرم الكل من وجودك. أنا هاخدك وهمشي من هنا خالص، ومحدش هيعرفلنا طريق ولا مكان. وكل واحد منهم هيتحاسب، وأولهم مراد الزفت. وبعدك عنهم هيبقى عقاب ليهم. نظرت إليه بأعين حمراء من أثر الدموع وهي تتحرى الصدق في حديثه فقالت: -بجد ياجدو يعني هتمشيني من هنا؟ أجابها الجد بحنية: -آه ياجدو، وكمان هكون معاكي. أنا لا يمكن أسيبك لوحدك مهما حصل.

ثم قام بضمها إليه مجددا ليهون عليها تلك الوقعة. في الصباح وضعت الدادة أطباق الإفطار على السفرة. هبط "مازن" من على الدرج وقام بشد المقعد ليجلس عليه وقال: -صباح الخير يادادة. -صباح النور يابني. جاء "هشام" وجلس بجانبه وهتف بمرح: -صباح الخير ياجماعة. مازن: -صباح النور. -أمال فين العيلة، هو محدش منهم صحي ولا إيه! أردف "مازن" متعجبا: -دي أول مرة تحصل إنهم يتأخروا كدا عالإفطار، وحتى لما جينا امبارح كان الكل نايم بدري.

تفوه "هشام" قائلا: -غريبة، هي العيلة دي اتجننت ولا إيه، هما كل شوية بحالة. تفوه "مازن" متسائلا: -دادة، هو في حاجة حصلت وإحنا مش موجودين؟ أردفت "سعاد" بحزن: -هو إنتوا معرفتوش اللي حصل امبارح؟ نظر إليها "مازن" بقلق: -لا، هو في إيه، قلقتيني. أردف "هشام" بخوف: -بالله عليك قوليلي إيه اللي حصل وليه إنتي بتعيطي. فقامت هي بقص عليهم ما حدث ليلة الأمس تحت صدمتهم ودهشتهم.

استيقظ "مراد" من غفلته ليضع يده على مقدمة رأسه التي تؤلمه بشدة. فنظر حوله متعجبا لغاية ما بدأ يستوعب أين يوجد. فبدأت الذكريات تدهمه رويدا رويدا. ففزع من مكانه وهو يلتقط ملابسه ليرتديها مسرعا وهو يردد بقلق: -مستحيل يكون اللي في بالي حصل. اختلس نظرة نحو الفراش فصدم مما رأى. فقال خوفا على محبوبته: -أنا مستحيل أكون أذيت رحيل، لا مستحيل. ولكنه تذكر بعض المشاهد له وهو يسلب الفتاة روحها. فتقطرت الدمع على وجنتيه بغزارة.

فقال نادما: -أنا أذيتها، إزاي عملت كدا فيها؟ أنا أذيتها جامد وعمرها ما هتسامحني، لازم أشوفها وأتكلم معاها. خرج من الغرفة باحثا عنها ليجد والدته توقفه قائلة: -مراد، في إيه وشكلك متبهدل كدا ليه؟ -رحيل ياماما، ماشوفتهاش. تحدثت "حنان" بضيق من تصرفاته: -لا، ما إنت حبسها في أوضتها. -مش في أوضتها ومعرفش هي فين. جاء الجميع على صوته العالي. فتسأل والده: -في إيه يا مراد، بتزعق ليه؟ رددت "حنان" قائلة: -رحيل، محدش منكم شافها.

تحدث "سليم" بقلق: -لا. حمزة: -يا جماعة، ممكن تهدوا، هتلاقوها عند بابا. ذهب مراد مسرعا إلى غرفة جده وهم خلفه. فوجد الباب موارب فولج للداخل. فراى الغرفة فارغة. وحين ذهابه وقع بصره على الطاولة ليجد ورقة موضوعة عليها. فقام بفتحها بأيد مرتعشة ليقرأ محتواها بندم وحزن. اقترب إليه "أدهم" ليتسأل: -مراد، إيه اللي موجود في الورقة؟ أعطاه إياها ثم غادر الغرفة. فقال "حمزة": -ماحد منكم يقول، في إيه؟ أجابه "أدهم" بضيق:

-جدي خد رحيل ومشي. وقال محدش منكم يدور علينا. وقال اعتبروني ميت زي ما سليم اعتبر بنته ميتة. نظر الجميع إليه ومعالم الصدمة والحزن تعتلي وجوههما. ثوان وسمعوا صوت عال يأتي من الأسفل. فوجدوا "مازن" يصيح غاضبا بعد ما علم بما حدث لشقيقته. اقترب "أدهم" من شقيقه وهو يقول: -في إيه يا مازن؟ صاح الآخر بصوت مرتفع نسبيا فقال غاضبا: -هو إيه اللي فيه إيه يا برودك يا أخي، إنت مش حاسس بالقرف اللي عملته إنت والبيه التاني؟ تحدث "سليم"

بحدة محذرا: -مازن، صوتك، إنت اتجننت؟ -أنا اللي اتجننت ولا إنتوا؟ وبعدين هو تصرفكم دا تصرف ناس عاقلة. غضب "سليم" من نبرة صوته العالية فقام بصفعه على وجهه. فأمسكه "حمزة" وقال: -ممكن تهدوا، الأمور ما تتحلش بالطريقة دي. بينما "مازن" شد مفرش السفرة بكل ما عليه ليوقعه أرضا. ثم تحدث ببكاء: -أنا مش عارف إنت إزاي كدا، إزاي تصدق إن بنتك ممكن تعمل حاجة زي دي؟ أنا ماشي، لا يمكن أقعد معاكم هنا لحظة واحدة وتؤام روحي بعيد عني.

تفوهت "حنان" بقلق: -هشام، روح شوف أخوك المجنون ومتسبهوش لوحده. -حاضر ياعمتو. بعد عدة ساعات. أردف "حمزة" فقال بيأس: -أنا سألت كل معارفنا ومحدش يعرف عنهم حاجة. رد "سليم" بتعب وارهاق: -وأنا بردو دورت في كل حتة نعرفها أو أي مكان يكونوا فيه ملقتهمش. تحدثت "صفا" بحزن ولأول مرة يظهر عليها: -مش عارفة ليه عمي عمل كدا. ربتت "حنان" على يديها فقالت مواسية:

-متقلقوش يا جماعة، بإذن الله هيرجع. هو ورحيل، ما إنتوا عارفين قد إيه بابا متعلق بيها ومابيحبش يشوفها زعلانة. واللي حصل امبارح خلاه يتعب، عشان كدا هتلاقيه قرر إنه ياخدها ويبعد شوية لحد ما تهدوا ورحيل كمان تهدى، ماهو اللي حصل مكنش سهل بردو عليها. نهضت "سليم" من على الأريكة بجسد مجهد: -أنا هقوم أرتاح شوية، ولو في أي جديد يا حمزة قولي. -حاضر، روح ارتاح إنت بس وماتقلقش.

بينما "مراد" كان يقف بجانب النافذة وقد بدأت معالم الحزن والتعب على وجهه. جاء نحوه "أدهم" وهو يقول بقلة حيلة: -أنا خليت كل رجالتنا تقلب الدنيا عليهم. أومأ رأسه بهدوء تام ليشرد عقله مجددا في هذه الفتاة التي أذاها إلى حد لا يغتفر. وفي هذا الأثناء جاءت "ندى" من الخارج لتقترب من صديقتها "نور" التي تبكي في صمت: -ندى، كويس إنك جيتي، أنا محتاجاكي أوي. -أنا جنبك ياحبيبتي، اهدى. وبعدين أنا جاية أقولكم على حاجة مهمة.

عندما التفت "مراد" رآها جالسة بجانب شقيقته فاقترب منها بلهفة وقال: -إنتي عارفة مكانها ياندي؟ أجابته "ندى" بحزن: -للأسف لا، أنا جاية أقولكم ع اللي عرفته من صديقة مرام المقربة. -إيه اللي عرفتيه؟

-صديقة مرام سمعتها بتتكلم في التليفون وخلاصة الموضوع يعني إن هي كانت متفقة مع سامر إن هما يعملوا كدا في رحيل. وهو أساسا خدرها وخطفها. وورقة الجواز العرفي دي أصلًا مزورة. وهما عملوا كدا عشان يكسروها ويصوروها وياخدوا منها فلوس بعد كدا أو إن هما يفضحوها لو معملتش اللي هما عايزينه. دا كل اللي هي سمعته وقالتله ليا. أنا عارفة إن مرام طول عمرها بتغير وبتحقد ع رحيل، بس مش لدرجة إن هي تفكر تأذيها بالشكل البشع ده. تفوهت "حنان"

بصدمة: -معقولة، هو في لسه بنات بالشكل دا؟ وبتأذي صحبتها بالطريقة دي؟ صاحت "نور" بغضب: -والله لوريها الزبالة الحقيرة وهعرفها إزاي تأذي حد من عيلتي. دا أنا هخلي سيرتها الوسخة تبقى ع كل لسان. جاءت أن تذهب كي تلقنها درس، ولكن منعها "أدهم" الذي جذبها نحوه بقوة: -إنتي رايحة فين ياهانم، الحكاية مش ناقصة هي. دفعته بعيدا عنها، ليكمل حديثه بضجر: -نور، ردي عليا زي ما بكلمك. نظرت باتجاهه بأعين باكية ثم صرخت بوجهه قائلة بحزن:

-أبعد عني وإياك تقرب مني أو تكلمني. أنا بسبب تهورك إنت ومراد رحيل مشيت وسابتني. أنا بسببكم خسرتها. هي بالنسبالي مش مجرد بنت عمي وخلاص. لا دي صحبتي وأختي وكل حاجة حلوة في حياتي. بسببكم الإنسانة الوحيدة اللي بتفهمني ودايما بتقف جمبي بعدت خالص عني، ويعلم هشوفها تاني ولا لأ. ثم رفعت سبابتها في وجهه وقالت بحده: -تقدر تقولي يا أستاذ إنت عملت إيه لأختك حلو؟ ياترى كنت بتسأل عليها زي ما بتسأل عليك؟

ياترى كنت بتسمعها زي ما كانت بتسمعك وتفهمها زي ما كانت بتفهمك؟ تقدر تقولي إنت إمتى آخر مرة سألتها إذا كان في حاجة مزعلاها أو مديقاها أو إن هي موجوعة من حاجة؟ تقدر تجاوب؟

طبعًا متقدرش. لأن ولا حاجة من دول إنت عملتها أو أي حد منكم عاملها. برغم إنها كانت بتحتاجكم ومش بتلاقوكم، بس وقت لما تحس إن حد فيكم فيه أي حاجة أو محتاج مساعدة أو حتى دفعة قوية في حياته، كنتم بتلاقوها واقفة معاكم وفي ضهركم. تعرف ع طول كنت أسمع مرات عمي تقول إن هي مدلعة وإن كل حاجة موجودة عندها وطلباتها كلها مجابة. تعرف إن دا ولا له لازمة. هو إنتوا كدا لما بتقدموا ليها الحاجات دي يبقى كدا عملتوا اللي عليكم وزيادة كمان. مع إن دا ولا كان يفرق مع رحيل خالص قد ما كان بيفرق معاها بأنكم تهتموا بيها وتحتوها. ثم نظرت

لزوجة عمها لتكمل بحزن: -مش أبقى قاسية عليها ياعمتو، وإنت يا أدهم أقدر أقولك دلوقتي برافو عليك. إنت باللي عملته خسرت أختك الوحيدة اللي كانت سند ليك. وإنت كمان يا مراد برافو عليك خسرت حبيبتك. إنت عارف إن هي كانت امبارح قبل ما تخرج من البيت كلمتني وقالتلي النهاردة يانور هعترف لمراد إني بحبه. وكانت هتوافق ع عرض الجواز اللي إنت عرضته عليها وكانت فرحانة. أنهت جملتها وهي تصفق عاليا. ثم أضافت بنبرة ساخرة:

-بس بجد برافو عليكم كلكم. أقدر أهنيكم بخسرتكم لرحيل وإن هي عمرها ما هتسامح حد فيكم أبدًا حتى لو بيموت قدامها. إحنا كل اللي بنحتاجه من أهلنا شوية حب وحنية واهتمام وحضن وطبطبة علينا وقت تعبنا ووجعنا. إحنا مش عايزين غير احتواء منكم وقت ضعفنا. ومن إنكم تسمعونا وتحسسونا بالأمان وقت ما نخاف. وإنكم تثقوا شوية فينا. ودا رحيل اللي كانت محتاجاه منكم وبالذات امبارح كانت محتاجة إنكم تثقوا فيها وتصدقوها. بس حصل العكس. فهنيئا لكما جميعًا. ثم ركضت باتجاه غرفتها لتبكي على فراق جدها وصديقتها.

كان الجميع في حالة ذهول من حديث تلك الفتاة التي تركت أثر مؤلم بداخل صدورهم. فوضع "سليم" يديه على موضع قلبه ليشعر بوخزة عنيفة جعلته يسقط أرضا. هرول إليه "أدهم" ليقول بخوف: -بابا، مالك؟ حد يتصل بالدكتور. بعد لحظات خرج الطبيب من الغرفة. فأردف حمزة متسائلاً: -طمني يا دكتور. -اهدوا يا جماعة، هو كويس جداً بس اتعرض لضغط جامد. أنصحكم إنكم تحاولوا تبعدوه عن أي مشاكل أو إنه يتعرض لزعل علشان صحته متتعبش. أدهم:

-تمام يا دكتور، شكراً لحضرتك. الطبيب: -على إيه، هي دي واجبي. عن إذنكم. فلما دخلوا إليه تحدث سليم بحزن: -أنا عايز بنتي. رد حمزة فقال: -اهدى يا حبيبي علشان ما تتعبش. سليم: -لا مش ههدا طول ما بنتي بعيد عني. أرجوكم خلوها ترجع. هي وبابا مش هقدر على فراقهم. جلست صفا بجانب زوجها وهي تشعر بالقهر ينهش روحها فقالت ببكاء مرير: -هترجع، هي بس زعلانة مننا شوية بس هترجع أكيد. اقترب أدهم بحزن من والده ليقبل يده ثم قال:

-أوعدك إني هعمل المستحيل علشان أرجعها، حتى لو هيبقى فيها موتى. دنا مازن نحوه ليضمه برفق وهو يقول ببكاء، معتذراً: -بابا، أنا آسف. ربت سليم على ظهره بمواساة وقال بألم داخلي: -أنا اللي آسف يا ابني. عارف إني قصرت في حقكم أوي وفي حق أختك رحيل لما موثقتش فيها ولا حتى حاولت أديها فرصة تدافع عن نفسها. سامحوني. تحدث حمزة بهدوء ليحثهم على المغادرة:

-يلا يا جماعة خلينا نخرج ونسيبه يرتاح شوية. وحاول يا سليم ترتاح وما ترهقش نفسك بالتفكير يا أخويا. بعد خروجهما، جذب سليم زوجته إلى صدره ليضمها برفق ثم قال بنبرة أشبه بالبكاء: -تفتكري بنتنا هتسامحنا يا صفا؟ أجابته صفا بحزن وندم وكسرة: -مش عارفة. هي بس ترجع وأنا هعمل لها كل حاجة تطلبها مني علشان تسامحني. ثم أكملت ببكاء:

-أنا كنت قاسية عليها أوي يا سليم وكنت على طول بجرحها بكلامي. حتى لما كنت بشوف دموعها كنت بقسي قلبي عليها. كنت فاكرة إن ده الصح وإني كده بربيها. أنا كنت وحشة معاها وكنت بقلل منها قدام أي حد. أنا وجعت بنتي كتير بكلامي. أنا يا سليم كسرت نفسها. أنا جوايا قهرة بتوجعني على بنتي اللي ضاعت بسببى. مش قادرة أنسى نظرتها ليا لما حسّت بخذلان مني. حسيت إنها اتدمرت وقلبها وجعها وأنا كل ده كنت بحاول أتغاضى عنه وأقسى عليها أكتر. أنا فعلاً طلعت أم مستهلةش حتى إني أشيل كلمة الأمومة. أنا مستهلةش ضفر رجليها حتى.

قامت بدس نفسها أكثر بين أحضان زوجها ليبكوا معاً على فراق فلذة قلبهما. بعد يومين وتحديداً في مخزن القصر. كان سامر ملقى على الأرض، ينظر باتجاه ذاك المراد الغاضب الذي كان يشمر ساعده، ثم قال بنبرة شرسة: -ده أنت أمك داعية عليك لأنك وقعت في إيد ما بترحم. دنا منه ليجذبه من طرف قميصه بعنف وهو يقول بنبرة غضب عارم:

-بقى أنت يا روحمك كنت عايز تلمس حاجة مش بتاعتك وبعد كده تصورها. أنهى جملته وهو يلكمه بقوة على وجهه الذي أصبح مليئاً بالكدمات الزرقاء. لينقض عليه بضربات متتالية بعد ما فقد صوابه وقدرته في التحكم بذاته. فبدأ الآخر تخور قواه. بينما مراد قام بدفعه إلى الحائط وهو يضع يده على عنقه ليرفع جسده من على الأرض قليلاً ليقول بانفعال: -ده أنا هموتك يا كلب وبعدها هرميك لكلاب السكك تنهش فيك.

وفي هذا الأثناء ولج هشام إليه الذي اندهش من هذا المنظر. هرول نحوهما محاولاً تخليص الرجل من قبضة ذاك الثائر: -ابعد يا مراد، حرام عليك. الراجل هيموت في إيدك. مراد: -أنا لازم أموته الحيوان ده. بعد ما أنقذه من بين يديه قال معاتباً: -حرام عليك، أنت عايز تودي نفسك في داهية. نظر إليه مراد بحزن وهو يتذكر هيئة محبوبته المخزية ليقول بألم يعصف قلبه: -أنا بسببه دمرت رحيل. بسبب الندل ده أنا كسرتها.

جلس على الأرض ليبكي قهراً مما فعله في تلك المسكينة التي لا حول لها، ليقول داعياً: -يا رب أنا ماليش غيرك. عارف اللي عملته كان صعب ومستحيل يتغفرلي. يا رب نجيني من الهم والحزن اللي أنا فيه ورجعها ليا وأنا والله هعمل كل اللي هتقولي عليه وهعمل المستحيل عشان ترضى عني. أنا والله مش هقدر أستحمل بعدها عني. عارف إني غلطان وغلطان أوي كمان. أنا وقتها مكنتش في وعي فيا رب رجعها وأنا هتسحمل أي عقاب منها إلا بعدها عني.

بعد مرور شهرين ونصف. كان مازن جالس بمكتبه ينظر إلى صورة شقيقته الموضوعة عليه لتدمع عيناه على فراق تؤامه. ولجت إليه ندى التي قالت بلطافة: -مازن، أنت كويس؟ مازن: -لا يا ندى مش كويس. أنا قلبي محروق على أختي. أنتي متعرفيش قد إيه هي وحشتني ونفسي أشوفها. ندى: -وهي كمان وحشتني أوي، بس هي هترجع. مازن:

-مش عارف إزاي هان عليها تسيب مازن تؤامها وروحها. تعرفي أنا حاسس إن فيها حاجة وتعبانة، لأن أنا لما هي بتتعب بتعب معاها، ولما بتكون فرحانة ببقى فرحان، ولما بتكون زعلانة بتلاقيني زعلان زيها. طلع فعلاً زي ما بيقولوا إن التؤام بيحسوا ببعض وأنا حاسس بيها عشان كده أنا موجوع لأن هي موجوعة. وضع كلتا يديه على وجهه لينفجر بالبكاء كالأطفال، فقامت الأخرى بوضع يديها على ذراعيه لتهدئه، ولكنها بكت معه. في منزل يقع وسط دولة ألمانيا.

كانت تجلس رحيل على الأرجوحة تنظر في اللاشيء حولها بوجه باهت مائل إلى الشحوب وكأنها أوشكت على مفارقة الحياة. كانت دوماً في حالة شرود تام. بينما الجد كان يتابعها بصمت حزين على ما أصابها. فقد فعل ما بوسعه تلك الفترة حتى يخرجها مما هي فيه. ثوانٍ وتقدم نحوهم رجل ليردف باسماً: -صباح الخير يا عمي. الجد: -صباح النور. جلس قاسم بجانبه ثم وجه حديثه لتلك الفتاة:

-إيه يا ست رحيل مش ناوية بقى تعملي لنا فنجانين قهوة من إيدك الحلوة دي. نهضت من مكانها وهي تقول بارق: -حاضر يا عمو هقوم أعملكم. عندما ذهبت إلى الداخل تحدث قاسم قائلاً: -هي هتفضل كده؟ أنا شايفها على طول ساكتة وشارده. أجابه الجد بحزن: -والله يا ابني أنا مبقتش عارف أعمل إيه عشان أخرجها من اللي هي فيه. أنا قلبي بيوجعني عليها. قاسم:

-عارف إن اللي حصلها يا عمي مكنش سهل وهياخد وقت لحد ما تتخطاه، بس إحنا معاها دايماً وهنحاول نخرجها من حزنها ومش هسيبها كده مهما حصل. دي زي بنتي. الجد: -والله يا ابني أنا حابب أشكرك على اللي عملته معايا يا قاسم وإن أنت فتحت بيتك ليا ولرحيل. وكنت عايز منك خدمة تانية معلش ممكن تشوف لنا بيت تاني عشان نبقى نقعد فيه. عارف إني تقلّت عليك يا ابني في حقك عليا. أردف قاسم معاتباً: -ليه بس كده يا عمي تزعلني منك؟

ده البيت بيتكم وأنتم منورني، وبعدين أنا لا يمكن أخليك تمشي من هنا. الجد: -يا حبيبي مينفعش. إحنا بقالنا شهرين قاعدين عندكم وكده... قاطع الآخر حديثه قائلاً:

-بعد إذنك يا عمي متكملش كلامك. أنا اللي عندي قلته ومش هتمشوا من هنا. وبعدين حضرتك أنا بعتبرك أبويا. ده أنت من ريحة الحبايب. ده بابا كان دايماً بيعزك وبيحبك أوي. وقبل ما يموت وصاني عليك وقال لي دا صديق عمري. بس حضرتك عارف إن السنين اللي فاتت مقدرتش أنزل مصر بسبب شغلي وأجي أشوفك. فارجوك تسامحني على تقصيري معاك. ربت الجد على يديه ثم قال باسماً:

-عمرك ما قصرت يا قاسم وكفاية إنك كنت يا ابني بتتصل عليا على طول. والله أبوك مكنش بس صاحبي، ده كان أخويا. ربنا يرحمه ويغفر له. الجد: -يا رب يا عمي. جاءت رحيل وقدمت إليهما أكواب القهوة، فأردف قاسم شاكراً: -شكراً يا حبيبتي تسلم إيدك. رددت عليه بتعب قائلة: -بالف هنا. جاء إليهما شاب وسيم بشعر أسود متثاقل، ليرفع نظراته قليلاً وهو يقول باسماً: -ريري صباح الورد عليكي يا جميل. رحيل: -صباح النور يا مروان. مروان: -يلا قومي.

نظرت إليه بوجه مجهد لتقول متسائلة: -أقوم ليه. تبسم الآخر ثم قال بود: -هتقومي كده زي الشاطرة تغيري هدومك علشان هنخرج مع بعض. تنفست الصعداء وقد بدأ عليها الإعياء فقالت: -مش قادرة والله يا مروان خليها وقت تاني أكون فايقة. جلس مروان بجانبها ليتفحص جبينها فقال بنبرة قلقة: -إنتي كويسة يا حبيبتي؟ بس مفيش سخونية؟ طب في حاجة بتوجعك؟ أجابته بنبرة متثاقلة وهي تشعر بأنها ستفقد الوعي فقالت:

-لا بس حاسة بإرهاق. أنا هقوم أرتاح شوية في أوضتي. تحدث الجد: -طب يلا قومي ارتاحي ولو حسيتي بأي تعب ناديني عليا. أومات رأسها بالإيجاب ثم همت على الذهاب وهي تجر رجليها جراً، كل هذا تحت نظرات مروان القلقة فهو يشعر بأن به شيء. لحظات وسقطت أمامهم مغشياً عليها. ذهب الآخر إليها وحملها بين يديه سريعاً. نهض الجد وقال خائفاً: -رحيل بنتي. أمسك قاسم يديه فقال بهدوء: -اهدى يا عمي. خدها يا مروان لاوضتها لحد ما أتصل بالدكتورة هناء.

بعد ساعة خرجت الدكتورة هناء برفقة شقيقتها زوجة قاسم، الذي قالت: -طمنيني عليها، هي كويسة؟ أردف مروان بقلق: -مالك يا خالتي ساكتة ليه؟ هي رحيل مالها؟ تحدثت الدكتورة قائلة: -رحيل حامل. تفوّه الجد بصدمة: -إيه حامل؟ مستحيل!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...