الفصل 12 | من 20 فصل

رواية هجران رحيل الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شامة الشعراوي

المشاهدات
19
كلمة
2,485
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

كانت حبيسة غرفتها منذ يومين، فلما علمت بخبر حملها بكت بكاءً مريرًا حتى تورمت عيناها من الحزن، وامتنعت أيضًا عن الطعام والشراب حتى أوشكت على الهلاك. مسد جدها على خصلاتها البرتقالية بحنان وهو يقول بلطف: -رحيل يا حبيبتي كفاية عياط علشان خاطري. تحدثت رحيل ببكاء: -أنا لازم أنزل الطفل ده. -بتقولي إيه؟ أنت اتجننتي؟ أردفت الأخرى بحزن: -مستحيل أخلي الطفل ده يجي، أنا مش عايزاه يا جدو. جاء قاسم فقال متحدثًا:

-ممكن يا بنتي تهدّي وتستغفري ربنا وبلاش تهور. تفوه الجد ببعض من الحِدة: -أنتِ عايزة تقتلي ابنك اللي لسه مجاش على وش الدنيا؟ أنا مش هسمحلك بأنك تجهضيه، فاهمة يا رحيل؟ أجهشت رحيل ببكاء:

-لا مش فاهمة، أنت نسيت يا جدو إنه جه نتيجة الاغتصاب، وإنه دايما هيفضل يفكّرني باللي مراد عمله فيا. أنا مش هقدر أستحمل دا كله ومش هقدر أستحمل إنه ييجي ويكون جزء من وجعي وحزني، وكل ما هشوفه قدامي هفضل أفتكر الظلم والكسرة اللي اتعرضت ليها. أنتم ليه مش حاسين بيا وإني موجوعة وإني مش هقدر أتقبل الطفل ده. تحدث قاسم برزانة:

-عارف إن الأمر صعب عليكِ، بس الطفل اللي في بطنك مالهوش ذنب يا بنتي، وحرام إنك تجهضيه مدام مفيش أي ضرر عليكِ. أنا عايزك تهدّي كده وتفكري شوية مع نفسك بأنه ابنك، حتة من روحك، مالهوش ذنب في اللي حصل. ويمكن يكون هدية ليكي من ربنا عشان يفرحك ويسعدك وينسيكي وجعك. وكل اللي حصلك ده كان قدر ومكتوب لحكمة لا يعلمها إلا الله. أنهى حديثه وهو ينهض من على الأريكة ليقترب نحوها، ثم عانقها برفق ليطبع قبلة على رأسها بحب أبوي، فقال:

-أنا هسيبك دلوقتي تريحي أعصابك يا حبيبتي، يلا يا عمي سيبها ترتاح شوية. اتكأت على الفراش وهي تنظر لبطنها لتتساقط الدموع على وجنتيها. كانت حزينة مكتئبة في حالة يرثى لها. فأخذت تتحسر على ذاتها، فكل ما حدث لم يكن ذنبها، لتنخرط في البكاء مجددًا حتى أصابها النعاس.

ولجت ندى إلى مكتب مازن وهي تقترب باتجاهه. كانت تتغنى بشكل مضحك وتتأمل في مشيتها بطريقة أنثوية. في تلك الفترة أصبحت قريبة منه بشدة، وقد لاحظوا أن بينهما أشياء مشتركة، ومنها الهبل والهطل. أشارت بسبابتها عليه وهي تتغنى بصوت رقيق: -أنت الوحيد اللي فاهمني ودماغنا على نفس الموجة، وأنت الأصيل اللي فاضلي بعد ما صفصفت الهوجة. ثم أكملت بصوت عالٍ: -وأنت الوحييييييد. ضحك مازن بأعلى صوته فقال: -وحيد مين؟ الله يخربيتك افصلي.

جلست على طرف المكتب الخشبي وهي تشخشخ أساور يديها بدلع محبب، ثم قالت: -ولو مفصلتش يا ميزو هتعمل إيه؟ تبسم مازن وهو ينظر إليها فقال مازحًا: -ولا حاجة يا عسل، غير إن أنا وأنتي هننطرد من الشركة بسبب صوتك. صاحت ندى بصوت مرتفع نسبيًا وهي ترفع يدها في الهواء فقالت منزعجة: -وماله صوتي بقا يا عينيا؟ مش عاجبك ولا مش عاجبك؟ تحدث الآخر فقال مندهشًا: -مالهوش، يا ساتر عليكِ، رداحة مالك كده؟ هو أنتِ اتحولتي ولا إيه؟ ثم أكمل

بعد أن غمز بطرف عيناه: -فين الأنوثة؟ فين الرقة؟ رفعت حاجبها الأيسر ثم قالت بدلال: -رقة ماتت يا عينيا. ضرب كف على كف ثم قال بقلة حيلة: -الله يرحمك يا رقة يا بنت أم رقة. أنا عارف إن هي مش هتهدى ولا هترتاح غير لما تشوفني متشعلق على باب الشركة. ثم جذب كأس الماء حتى يشرب، فقالت هي برقة: -ومين بس اللي يا قدر يعمل كدا في ميزو صاحبي الانتيم؟ فزعت من مكانها من ذلك الصوت الذي أتى من خلفها قائلًا: -أنا يا حيلتها.

استدارت سريعا بعد ما عرفت صاحب الصوت، فكان مراد الذي أكمل حديثه: -أنا اللي هعمل كدا فيه وفيكي إن شاء الله. بخ مازن الماء في وجهها من هول صدمته، فقالت منفزعة: -يا حيوان والله لا أوريك يا مازن الزفت. -اللي عندك اعمليه يا أم شبر ونص. تحدث مراد بملامح جامدة: -خلصتوا خلاص؟ فقام برمي بعض الملفات على المكتب ثم قال بلهجة أمر: -قدامكم ساعة والاقي الملفات دي خلصانة وع مكتبي، فاهمين؟

ولو لقيت غلطة صغيرة بس هيبقى يومكم أسود شبه اللون اللي لابسينه دا. وأقسم برب العزة لو كلامي ماتنفذش هعلقكم فعلاً على باب الشركة. ثم غادر وتركهم في صدمتهم. أردف مازن مندهشًا: -هو قال إيه؟ رددت ندى بخوف: -ينهار أسود، دا بيقول إنه هيعلقني على باب الشركة، وربنا مجنون ويعملها. مازن كفاية لعب لحد كدا، إحنا مفيش قدامنا إلا ساعة واحدة، يلا خلينا نخلص بدل ما يجي يخلص علينا. -يلا يا أختي، ياللي جايبالنا الكلام.

بعد ساعة، مال مازن بجسده على المقعد ثم قال: -ياااه، أخيرًا الواحد خلص، دا أنا ضهري واجعني بشكل. أردفت ندى بنبرة ساخرة: -على أساس إنك اشتغلت أصلاً، دا أنت سايب كل تعديلات الملفات عليا وقاعد تتفرج ومبتحملش حاجة غير إنك تتريق وبس. -يابت، ما أنا كنت بشجعك وبسليكي. -هو أنا بنت أختك وأنت قاعد بتشجعني؟ أنا قايمة أمشي، مش ناقصة شلل هي. وابقى قوم رجّع الملفات لمراد واعمل حاجة مفيدة بدل ما أنت مش لاقي حاجة تعملها.

تفوه مازن بمرح: -مالك يا نادوش؟ شكلك زعلان عشان خليتك تعملي الملفات لوحدك. ربعت كلتا يديها ثم قالت متذمرة: -تعرف إنك بارد ومستفز ورخم كمان. -خلاص يا ستي، متزعليش نفسك، تعالي أعزمك على حاجة نشربها في الكافيه اللي جنب الشركة، أي رأيك؟ نظرت إليه بتفكير ثم قالت باسمة: -امممم، خلاص ماشي، اللي ييجي منك أحسن منك. تبسم ثغره بسعادة فقام بأخذ أغراضه وهو يقول بلطف: -يلا بينا نروح نودي الملفات وبعدها نخرج. في قصر عائلة الألفي.

قامت نور بوضع الكتاب على المنضدة، لقد راودها شعور الملل واليأس معًا. فخرجت من الغرفة لتتجه إلى الحديقة لتستنشق بعض الهواء. وأثناء سيرها تفاجئت بوجود أدهم أمامها. نظرت إليه بنظرات معاتبة. فلما جاءت لتكمل سيرها أوقفها قائلًا: -نور ممكن أتكلم معاكي شوية. رددت نور بجمود: -إحنا مفيش ما بينا كلام يا أدهم. -ليه يا نور؟ أردفت بسخرية: -أنت نسيت إنك نهيت كل حاجة ما بينا.

-أنا منستش، ووقتها كنت متعصب لما قولت كدا. أنا بقالي شهرين بحاول معاكي وأنتي مش راضية تسامحيني. -أدهم أنا مش عايزة أتكلم أو أتعامل معاك، أنت فاهم. مسك راحت يدها بلين وتحدث برجاء: -نور يا حبيبتي اسمعيني، أنا بجد بحبك ومقدرش على بعدك، كفاية قوي لحد كدا. خاطبته نور بتهكم قائلة: -ومين اللي كان السبب في كدا؟ مش أنت يا أستاذ؟

أنت سبب في كل حاجة حصلت لحد دلوقتي. أنت اللي تخليت عني زي ما تخليت عن أختك وقت ما كانت محتاجاك وبتترجاك تسمعها. إزاي دلوقتي جاي تطلب مني أسمعك؟ أردف أدهم بيأس: -أنا ساعتها مكنش قصدي باللي فهمتيه، أنا متخليتش عنك ساعتها. ثم أكمل بحزن وقد انخرط في البكاء: -نور أرجوكي كفاية، أنا تعبان ومخنوق. أنتِ فاكراني مبسوط في حياتي؟

أنا من ساعة ما رحيل مشيت وأنا موجوع بسبب اللي عملته معاها، وأنتي جيتي زودتي عليا التعب. أنا عارف إني متهور وغلطان أوي في حقك وفى حق أختي أكتر. أنا ظلمتها وقسيت عليها بدل ما أبقى الأخ الحنين والسند ليها والأمان. أنا قلبي بيوجعني كل ما بفتكرها وأنا ماسكها من شعرها وبضربها ودموعها نازلة بضعف، بحس بالقهر جوايا. هي ماكنتش تستاهل مني القسوة دي. أختي نور عيني، ماكنتش تستاهل من أخوها المعاملة البشعة دي أبدًا أبدًا يا نور.

تركها وذهب من أمامها لتنظر لأثره بحزن، فبكت متأثرة بحديثه، فهي لأول مرة تراه يبكي بضعف وقلة حيلة بهذا الشكل. في غرفة "صفا" التي عكفت بداخلها منذ غياب ابنتها، فقد بدأت في حالة يرثى لها من كثرة الحزن وشدة الندم. انخرطت في بكاء مرير حين تذكرت بعض الذكريات التي جمعتها مع طفلتها الوحيدة. جاء إليها زوجها ليعانقها بحزن، فأتاه صوتها الضعيف: -أنا عايزة بنتي ياسليم، أنا عيزاها ترجع تاني، هي وحشتني أوي.

-اعملوا أي حاجة ورجعوها ليا تاني علشان خاطري، اعمل أي حاجة ورجعلي بنتي. -اهدى ياحبيبتي علشان خاطري، أنا هعمل المستحيل علشان ترجع لحضننا. أردفت "صفا" بندم وشوق: -أيوه رجعها، دا الكل زعلان من بعد ما هي مشيت، لو بتحبني بجد حاول تدور عليها ورجعها. تفوه "سليم" بألم: -والله أنا من ساعتها بدور عليها لحد دلوقتي، بس مش هيأس وهفضل أدور، أوعدك بده.

كان الجد يأخذ الصالون ذهابًا وإيابًا من شدة القلق، فقد غادرت حفيدته المنزل دون علم أحد. فقاموا بالبحث عنها في عدة أماكن فلم يجدوها. لحظات ودلف "مروان" إليهم، فسأله والده: -لقيتها يامروان. أجابه "مروان" بيأس: -لا يابابا، دورت عليها وملقتش ليها أي أثر. أردف الجد بخوف: -ياربى هتكون راحت فين بس. بعد لحظات ولجت "رحيل" بملامح يكسوها التعب والحزن، فاقترب منها "مروان" الذي قال بلهفة: -حبيبتي أنتي كويسة؟ احنا خوفنا عليكي.

تحدث الجد بحنية: -كنتي فين؟ قلقتيني عليكي ليه بس كدا يارحيل؟ أنتي عايزة توجعي قلبي عليكي. تفوه "قاسم" متسائلاً: -رحيل هو أنتي روحتي المستشفى صح؟ الجد: -مستشفى إيه؟ اوعي تكوني روحتي تنزلي البيبي. رفعت بصرها إليه ثم قالت: -أنا فعلاً كنت في المستشفى علشان أنزله، بس للأسف مقدرتش، لأن أنا مكنتش هقتل روح واحدة بس، أنا كنت هقتل روحين. تحدث الجد بعدم فهم: -أنا مش فاهم انتي قصدك إيه بروحين.

أجابته "رحيل" في تأثر وحزن وهي تعانقه، ثم أجهشت في البكاء وقالت بألم: -أنا لما جت الدكتورة تكشف عليا وتعملي الفحوصات علشان العملية، اكتشفت أني حامل في تؤام، فلما عرفت أن في طفلين جوايا مقدرتش أعمل العملية، قلبي مطوعنيش أقتل ولادي. والله ماقدرت، مقدرتش أقتل جزء من روحي. ظل الجد يربت على شعرها ليهمس لها بكلمات حنونة كي تهدأ.

كانت جالسة على الفراش تنظر في تلك الصورة التي طبعتها لها الطبيبة للجنين. فقامت بوضع يديها على بطنها لتشعر بوجودهما، فتحدثت بنبرة مختنقة بالبكاء وقالت معتذرة:

-متزعلوش مني، أنا عارفة أن ملكمش ذنب في اللي حصل. أنا مش زعلانه على وجودكم، أنا زعلانه بسبب الطريقة اللي أنتم جيتوا بيها. أنا كنت مخططة لما اتجوز أبوكم ويحصل حمل إزاي هفاجئه بيكم. كنت بخطط إزاي هفرحه بالخبر ده وإنه هيبقى أب وإن في حتة منه جوايا. وهيبقى في فرد جديد في عيلتنا. كنت حابة ابقى فرحانة وافرح مراد معايا من ساعة لما اعتذرلي أنه بيحبني وأنا قعدت أتخيل لحظة وجودكم وهل كنتم هتبقوا شبهه ولا شبهي. أنا كان في أحلام كتير كنت برسمها، لكنه دمرها.

تنهدت بهدوء ثم قالت باسمة: -أنا هحاول أتخطى كل حاجة في حياتي علشانكم. أنا هعيش وهفرح بوجودكم. أنتم اللي هتزرعوا فيا القوة. ومش هخلي أي حاجة تأذيكم أبداً، حتى لو أنا. بجد آسفة لأني كنت هرتكب جريمة بشعة في حقكم وكنت هحرم نفسي من نعمة وجودكم. أنتم نعمة كبيرة من ربنا ليا، وحرام عليا أني أفرط فيكم.

قاطع كلامها طرقات الباب، فأذنت للطارق بالدخول. فدَلفت العمة "فاطمة" وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة بشوشة، تحمل صينية خشبية عليها بعض الأطباق ذات المذاق الرائع. فقالت بود: -أنا جبتلك لقمة تاكليها لأنك مكلتيش حاجة من الصبح. -بس أنا مش قادرة آكل ياعمتو. -مفيش الكلام ده، أنتي دلوقتي حامل ومحتاجة تتغذي كويس. ولو مش عشانك عشان البيبي اللي في بطنك ياحبيبتي. أردفت "رحيل" بنبرة متذمرة فقالت:

-بس أنا ماليش نفس وكمان مش طايقة ريحة الأكل. مسحت "فاطمة" على شعرها الناعم برفق ثم قالت باسمة: -معلش ياقمر استحملي علشان خاطري، يلا بقا. -حاضر. قربت إليها الطعام فقالت بطيبة: -شاطرة ياريرى، اتفضلي كلي لحد ما تشبعي. مرت دقائق ليست بكثيرة، فقامت "رحيل" بإبعاد الصينية عنها ثم قالت: -ياعمتو كفاية، أنا مش قادرة آكل أكتر من كدا. -هو أنتي لحقتي تاكلي لسه الطبق مخلصش. أردفت "رحيل" التي أوشكت على البكاء المصطنع:

-لا بجد حرام، أنا شبعت ولو أكلت أكتر هجيب كل اللي في بطني. رددت "فاطمة" وهي تعطيها كأس عصير فقالت بلطف: -خلاص ماشي، بس هتشربي العصير ده، خدي. -هاتى ياعمتو وامري لله. -قوليلي عملتي إيه عند الدكتورة النهاردة وايه اللي قالته ليكي. -طبعاً بعد ما شيلت فكرة الإجهاض من دماغي روحت كشفت عند دكتورة تانية علشان أتأكد أكتر. ولما تأكدت قالتلي حاجة غريبة أول مرة أسمع عنها. رددت "فاطمة" متسائلة: -قالتلك إيه؟ تنفست "رحيل" بهدوء،

وقالت: -قالتلي أنتي حالتك نادرة جداً للي زيك. -مش فاهمه قصدها إيه بالكلام ده. -أصل ياعمتو بعد ما فحصتني اكتشفت أن رحمي رحم مزدوج، وده اللي خلاني حملت في تؤام. تحدثت الأخرى بنبرة قلقة: -بس دا يابنتي عيب خلقي اتولدتي بيه وحملك هيكون صعب جدًا. أردفت "رحيل" بهدوء: -عارفة، ما هي قالتلي كدا وقالت أني هواجه مشاكل وصعوبات كتير بسبب الحمل ده وهيحصلي مضاعفات.

-خير ياحبيبتي إن شاء الله مش هيحصلك حاجة وفترة حملك هتمر على خير. المهم أنك تاخدي بالك من صحتك كويس والفيتامينات اللي كتبتلك عليها خديها في وقتها. -حاضر ياعمتو. بعد محاولات كثيرة لم ييأس "أدهم" في مصالحة "نور"، وفي حين تواجدها في غرفتها تتصفح الهاتف، لاحظت خيال شخص أمامها، كادت أن تصرخ بفزع لكن وضعت يد على فمها ليكتم صراخها. فأتاها ذاك الصوت قائلاً: -اهدى، الله يخربيت صوتك. ابتعدت عنه بضيق، وقالت بضجر:

-أنت مش هترتاح غير لما تجبلي ساكتة قلبية. لمس "أدهم" خدها برفق ثم قال مازحاً: -هو أنا أقدر ياجميل. -اطلع برا. اتكأ "أدهم" بظهره على باب الخزانة وهو يقول بعند: -مش طالع هااا. تحدثت "نور" بزهق: -بقولك إيه اطلع بدل ما أصوت وألم عليك الناس كلها. كان يحدق بها بحب وشوق فقال باسماً: -واهون عليكي برضه يانوري. شعرت بأنها ستضعف أمامه ولكن تصنعت القوة فقالت ببرود: -آه تهون، ويلا بقى هوينا يا عم مش ناقصة هي.

أردف الآخر بخبث، وهو يتقدم نحوها لتتراجع هي إلى الخلف، فقال بعبس: -ولو مطلعتش هتعملي إيه. تصنمت مكانها عندما وقف مقابلها، فقامت بوضع يدها على فمها عندما علمت بما ينوي فعله. فلمس يدها بطريقة رقيقة وماكرة، لتعلو دقات قلبها طرباً من قربه. فقال غامزاً: -خلاص، أنا عرفت هسكتك إزاي بعد كدا. ابتعد عنها ليتجه نحو الباب وهو يقول بصرامة:

-افتحي الدولاب هتلاقي صندوق، افتحيه وشوفي اللي فيه. وبعد ما تخلصي هستناكي، فياريت ماتتأخريش. بعد ما ذهب فتحت الخزانة وأخرجت منها صندوق مغلف، فقامت بفتحه. فوجدت بداخله فستان مصبوغ باللون الأزرق، فهذا لونها المفضل الذي تعشقه. ووجدت أيضاً ورقة كاتب بداخلها: ارتدي هذا الثوب، أنا بأنتظارك بهذا المطعم. لتجد العنوان أسفل الورقة مختوماً بقوله: حبيبك أدهم.

بعد مده وصلت للمكان الذي حدده لها. فولجت إلى المطعم بهدوء، فكان خاليًا من البشر ومزينًا بالورود بطريقة رائعة جدًا. جاء "أدهم" من خلفها ليضمها إلى صدره باشتياق، فقال هامسًا: -كل سنة وأنتِ طيبة. كل سنة وأنتِ حبيبتي وبنتي وصديقتي وشريكة حياتي. كل سنة وأنتِ منورة دنيتي يا نور. بينما "نور"، شع وجهها بسعادة غامرة، فقالت باسمة: -وأنت طيب. لكن عرفت إزاي إن النهاردة عيد ميلادي. كان يحدق بها بحب، فقال بلين:

-من أول يوم أنتِ اتولدتِ فيه. وعمري ما نسيت تاريخ ميلادك. وبعدين أنا حابب أعتذر لك عن كل وجع وحزن حسيتيه بسببى. أنا آسف على كل دمعة نزلت منكِ بسببى. آسف يا حبيبتي، حقك عليا يا أغلى إنسانة في حياتي. أرجو منكِ إنك تسامحيني عن كل كلمة قولتها طلعت مني بقصد أو من غير قصد. ثم قبل راحت يدها بحب وقال: -آسف يا نوري. تحدثت "نور" بنبرة فارحة ممزوجة بالبكاء: -وأنا مسامحاك يا روحي ومش زعلانه منك خلاص. -بجد يا نور.

-بجد يا قلب نور. جذبها من معصمها برفق، ثم قال: -تعالي نقعد نتعشى مع بعض. بقالي كتير مقعدتش معاكي. لحظات وجاء الجرسون ليضع لهما الطعام. دقائق واشتعلت موسيقى هادئة. فقام "أدهم" بالرقص مع معشوقته، فكان يهمس لها ببعض الكلمات المحببة تحت حيائها منه. ولكن أكمل المحب قائلاً: -تعرفي إنك جميلة أوي النهاردة. أشاحت نظرها بحياء بعيدًا عنه، وقالت بخجل مفرط: -وأنت كمان طالع حلو أوي. تبسم فاه "أدهم" بسعادة لا توصف، فقال مغازلاً:

-عيونك هي الأحلى يا قمري. ثم قام بإخراج من سترته علبة صغيرة ليخرج منها سلسلة من الألماس الأبيض رقيقة تحمل اسمها. فقام برفع خصلات شعرها ليضعها على عنقها الناعم. فأتاه صوتها الفرح قائلة برقة: -دي علشانى أنا. قبل رأسها، ثم قال بابتسامة وشوشة عاشقة: -أيوه يا قلبي، دي علشان أجمل امرأة في الدنيا. بحبك يا نور. ضمته إليها بكل قوتها وهي تقول بسعادة: -وأنا بعشقك يا قلب نور. -أنا بشكر ربنا كل يوم على وجودك في حياتي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...