الفصل 5 | من 20 فصل

رواية هجران رحيل الفصل الخامس 5 - بقلم شامة الشعراوي

المشاهدات
38
كلمة
2,811
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

في وقت متأخر من الليل، كان مراد واقفاً في شرفة غرفته ينظر إلى ذاك القمر البازغ، فهو رفيقه المخلص ليلاً والذي يراقبه من بعيد صامداً. يعرفه في لحظاته المضيئة والمظلمة، وفي هذا الظلام اجتمعت الذكريات وكأنها قلب لا ينبض إلا ليلاً. رفع رأسه إلى السماء وتأوه بصوتٍ كئيب لا يخلو من الكسرة. وعلى حين غرة شعر بيد توضع على إحدى ذراعيه. فلما استدار وجد جده يقف بجانبه، يسأله ما به. فأجابه الآخر في حيرة: -مش عارف مالي.

تنهد الجد ثم أضاف: -أزاي يعني مش عارف. أخبره قائلاً: -متشغلش بالك بيا أنا كويس مفيش فيا حاجة. عاتبه الجد وهدان قائلاً: -بتخبي على جدك اللي مربيك وعارف أنت بتفكر في إيه، وإيه اللي شاغلك ومعكر مزاجك. تنهد وقال: -صدقني مافيش حاجة مخبيها عنك. -طب والحزن اللي مالي عينك دا تسميه إيه. سكت لثوانٍ ثم أضاف: -أنت لو خبيت عن العالم كله وجعك وحزنك مش هتعرف تخبي على جدك يا مراد. تنهد مراد ثم أجاب بألم ينهش صدره:

-مش عارف حاسس بتعب.. مخنوق ومش عارف مالي جوايا وجع مش عارف أتخلص منه... حاسس بضيق في صدري، وحاسس إن الدنيا كلها بتعاند معايا وماشية عكس ما بتمنى. تحدث الجد متسائلاً: -أنت لسه بتحبها؟ انتظر رده في ترقب فلم يجبه الآخر، فقال مبتسماً: -مادام سكت يبقى لسه قلبك بينبض بحبها. فرت دمعة من عينه حزناً فمسحها سريعاً قبل أن يراها جده، فأردف:

-عمري ما بطلت أحبها، أنا كل يوم حبها بيزيد جوايا عن اليوم اللي قبله، ومكنتش أعرف إن معاملتي ليها هتخليها تكرهني. سارعه بالقول: -ومين قالك إنها بتكرهك؟ رد عليه مستهزئاً: -يعني حضرتك ماسمعتش الهانم قالت إيه ليا. -لا سمعت بس ده من ورا قلبها. نظر إليه بإنصات فقال: -أزاي يعني مش من قلبها. طمأنه الجد قائلاً:

-بمعنى إنها مش كارهالك كشخصك، هي مش بتحب تحكمك فيها لأنك طبعاً عارف رحيل من صغرها متعودة إن كل طلباتها مجابة ومحدش بيرفض ليها طلب، فلما تيجي أنت مرة واحدة وترفض طلبها أو أي حاجة هي عاوزاها، ف أكيد هي مش هتحب كده، فهتلاقيها بتتصرف تصرفات غريبة مش عاجباك لمجرد إنها تلفت نظرك بتصرفها ده.

-وأنا مش همنع عنها حاجة غير لو هي متنفعش، يعني حضرتك هي ونور مينفعش إن هما يسافروا ويباتوا برا البيت، وكمان هما رايحين في حتة مليانة شباب مش عارف أزاي حضرتك وافقت على كلامهم. أردف الجد مبتسماً: -يعني لو مكنش فيها شباب كنت هتخليهم يسافروا! اندفع مراد بالقول: -طبعاً لا، أنا مقدرش إن هي تغيب عني يوم واحد ومشوفهاش قدامي، ده أنا أتجنن فيها. تبسم الجد بخفة لما قاله حفيده، فوضع الآخر يديه على رأسه بإحراج، فقال الجد:

-مكنتش أعرف إنك بتحبها أوي كده ومتقدرش على بعدها. صمت لوهلة ثم أكمل قائلاً بود:

-تعرف يا مراد إن أنت ورحيل ليكم معزة خاصة في قلبي وأقرب اتنين ليا، وده لإن أنا بشوف نفسي فيك وأنا صغير ولأنك واخد حاجات كتير مني، أما رحيل بقا فهي نسخة طبق الأصل من جدتك الله يرحمها، هي الوحيدة فيكم اللي طلعت نسخة منها نفس لون العين ولون الشعر الأحمر ونفس الغمازات ونفس طباعها. تعرف أول ما اتولدت كنت أنا أول واحد أخدها في حضني ووقتها شوفت فيها جدتك، علشان كده ناديت سليم وقولتله أنا هسمي بنتك رحيل على اسم أمك لأنها هتبقى نسخة منها لما تكبر، ساعتها فرح وابتسم. ولما جيت أنت وشوفتها طلبت مني تشيلها وكان عندك ٨ سنين فاكر وقتها أنت قلت إيه لما شيلتها بين إيدك.

أردف والفرحة تغمر قلبه: -قلت دي هتبقى حبيبتي وعروستي. -ولما قولتلك عروستك، قلت أه عروستي وهتبقى مراتي لما أكبر زيك أنت وتيتا. كنت فاكر إن ده مجرد كلام طفل، لكن لما كنت بشوف نظرتك ليها ولمعان عيونك في كل مرة لما كنت بتكبر، ونظرتك اللي ماكنتش بتتغير أبداً عرفت إنه مش مجرد كلام وإنه هيبقى حقيقي في يوم. تحدث مراد قائلاً بتسأل: -تفتكر يا جدي إن ده ممكن يحصل وإنها هتبقى مراتي. -وليه لأ.

-خايف إن حلمي ما يتحقق وتبقى لواحد غيري. أجابه الجد باطمئنان: -متخافش، مدام لسه حلمك موجود خلي أملك في ربنا كبير وإنه قادر على كل شيء، قادر إنه يجعل من الصعب سهل ومن المستحيل حقيقة، بس أنت قول يارب واستودعه حلمك. أردف الآخر بنجاة ربه هامساً: -يارب أنت أعلم بحالي وما تحتاجه نفسي في الأمر كله بيدك فاستودعك ما أتمنى. ***

جاء صباح يوم جديد مملوء بالتفاؤل والأمل. كانت تركض نور في الممر محاولة الالتحاق بأبيها قبل مغادرة البيت. وعلى حين غرة التوت قدميها اليسرى، فأمسكها أدهم الذي هرول نحوها مسرعاً قبل أن تسقط من على الدرج. فقام بضمها إلى صدره تلقائياً دون وعي.

فخطف نظرة إليها ليدقق إلى ملامحها البريئة الذي لأول مرة يحدق بها عن قرب. فشعر بنبضة قوية تضرب قلبه. حين فتحت عيناها الماسية المرتسمة بالرموش الكثيفة، فبهت من جمالها الذي سحره. فتعجب بداخله من ذاك الشعور المفاجئ الذي طرأ عليه. بينما هي أدركت الوضع فابتعدت عنه بحياء وقد تورّدت خديها. استفاق مما هو فيه وقال مرتبكاً: -أنتي كويسة رجليكي حصلها حاجة. أجابته بحياء قائلة:

-لا محصلش حاجة أنا كويسة وشكراً لمساعدتك، لولاك كان زماني طايحة من على السلم. -على إيه بس كويس إني جيت في الوقت المناسب قبل ما تقعي، وبعد كده خلي بالك ومتجريش بالطريقة دي. طأطأت رأسها إلى الأسفل بخجل وقالت: -حاضر عن إذنك. ثم تركته بمفرده. تحدث أدهم إلى نفسه قائلاً: -أنا إيه اللي بيحصلي وليه قلبي دق بالطريقة دي لما كانت قريبة مني؟ أياك تكون يا قلبي بدأت تحبها. فاق من شروده ليقول بنفي:

-لا مستحيل مستحيل يحصل وأرجع أحب تاني، لا مش هيحصل، كفاية الوجع اللي اتوجعته قبل كده ولحد دلوقتي مش قادر أتعافى منه، عمري ما هسمح لواحدة تانية تدخل حياتي. الحب بيخلي البني آدم منا ضعيف ومكسور وأنا مش هسمح لده إنه يتكرر تاني. على الجانب الآخر كانت رحيل جالسة أمام حوض السباحة تنظر إليه بشرود. فقامت نور بالمناداة فلم تجيبها، فهزت ذراعيها وقالت: -أنتي يا بنتي. انتبهت رحيل إليها فقالت متعجبة: -نور أنتي جيتي امتى!

ردت عليها وهي تجلس بجانبها على المقعد: -بقالي ساعة قاعدة جنبك وبنادي عليكي وأنتي ولا الهوا كأنك مش موجودة. -مأخذتش بالي والله، وبعدين يا كدابة ساعة إيه اللي قاعدة فيها معايا إذا كان أنا جيت هنا من شوية. علت الابتسامة محياها فقالت: -ما هو طبعاً لازم أقول ساعة زيهم أمال أقول إيه يعني. تسألت الأخرى قائلة: -هما مين دول اللي لازم أقول زيهم؟

-اللي هما طول الوقت بيقولوا أنا بقالي ساعة مستنيكي تحت البيت، وأنا بقالي ساعة برن عليكي وأنتي مش بتردي واللي واللي بقى دووول كتير أوي وهما أصلاً بتلاقيهم بقالهم دقيقة أو أقل مش ساعة زي ما هما بيقولوا. تبسمت رحيل برقة مما جعل إحدى غمازاتها تظهر واضحة: -أنتي هبلة يا نور إيه اللي بتقوليه ده. أجابت نور ببلاهة: -آه وربنا هما بيقولوا كده، حتى اسألي مازن وهو هيقولك. حركت رحيل تلك الأسوار في يديها بتلاعب ثم قالت:

-اااه قولتي مازن وأنا بقول البت جرى ليها إيه، أترى البيه بهت عليها. بعد بضع دقائق جاءت صديقتهم الثلاثة ندي التي صاحت قائلة: -صحابي الواطيين عاملين إيه. تفاجأت نور من وجودها فقالت متسائلة: -حبيبتي ندي أنتي جيتي امتى. -أنا لسه جايه حالاً يا متخلقة، أنتي جرى لعقلك إيه ركزي كده الله يكرمك مش ناقصه عته. -أنا مش متخلفة يا ست ندي. قاطعتها مازحة: -ما أنا عارفة أنتي هتقوليلي. فر ثغر رحيل عن بسمة ودودة وقالت:

-سيبك منها يا ندي وطمنيني عليكي. -أنا الحمد لله بخير، أنتي أخبارك إيه يا قمر. أجابت الأخرى بمرح: -القمر زي الفل. -طب كويس، ثم أضافت قائلة: -وبعدين يا واطيين بقالكم كام يوم محدش منكم عبرني ولا سمع ليكم أي حس ولا شافكم حتى، فعلاً طلعتوا عيال واطية على الآخر، بقى هي دي الصحبة. -على أساس إنك أصلاً بتسألي أو بتكلمي حد فينا يا ست ندى. تفوهت ندى ببرود: -المفروض أنتو اللي تسألوا مش أنا يا ست رحيل. -ودا ليه إن شاء الله.

-علشان أنتوا اتنين وأنا واحدة. ضحكت نور ثم قالت: -لا والله. رددت ندى بمرح: -أه والله، وبعدين إذا كان عجبك يا نور هانم، المهم أنا جاية ليكم علشان آخدكم معايا بربطة المعلم نروح نشتري شوية حاجات ليا. أردفت نور قائلة بخمول: -أنا مش قادرة أتحرك من مكاني. -لا يا حلوة هتيجي معايا يعني هتيجي وبطلي كسل بقا شوية. تظاهرت نور بالتعب قائلة: -صحبتك عيانة يا ندي ورجلي وجعاني، ده حتى من شوية كنت هقع من على السلم لولا أدهم.

بترت حديثها حين أمسكتها ندي من ثوبها الأبيض وقالت مندهشة: -لولا مين ياما عيدي كلامك تاني أصلي ماسمعتش كويس. أبتلعت ريقها بخجل ثم قالت: -لولا أدهم ابن عمي. -مش أدهم ده هو نفسه حبيب القلب. -آه. -ياحنينة، واكيد أنتي طبعاً كنتي هتطيّري من الفرحة عشان الواد لحقك صح. تبسمت رحيل من هيئة وحالة نور المنكمشة من أثر قبضة ندي، ثم قالت: -سيبّي البت يا ندي حرام عليكي أنتي قافشاها كده ليه. تحدثت الأخرى بإصرار قائلة:

-ما أنا مش هسيبها غير لما تقولي إيه اللي حصل. نظرت إليها نور وقالت: -والله هقول بس أنتي ابعدي عني يا شيخة بدل ما أنتي محسساني إنك قافشة حرامي. ابتعدت صديقتها عنها وبدأت تقص عليهما ما حدث: -كنت بجري ورجلي اتلوت وكنت هقع من على السلم بس أخوكي يا رحيل الله يستره لحقني و... ولكنها حين تذكرت كيف قام باحتوائها قبل سقوطها، فافترّ ثغرها الصغير عن ابتسامةٍ عذبةٍ. دنت منها رحيل عندما لاحظت اصطباغ خديها بالاحمرار فقالت بمكرٍ:

-بصي كده يا ندي أنا حاسة إن وشي أحمر، حطي إيدك وشوفيّني لاحسن يكون فيه سخونية ولا حاجة. ضحكت ندي من تداعب رحيل فقالت مازحة: -إيه دا يارييري مال وشك بقى أحمر كده ليه، شكلها كده السخونية عالية عندك. نظرت إليهما نور بخجل ممتزج بالغضب فقالت: -بجد أنتو باردين أوي على فكرة. تفوهت رحيل بمرح قائلة: -الا قوليلي يا نور هو دومي حبيبي أنقذك من الوقعة إزاي يعني حضنك مثلاً عشان متقعيش. أجابتها بغيظ مكتوم:

-تصدقي يا رحيل إنك باردة زي أخوكي. -وماله أخويا ده حتى عسل. -عسل أسود وأنتي الصادقة. بينما ندي قالت باسمة: -يابت يابت قولي واعترفي باللي حصل بدل ما أخليكي تعترفي بطريقتي. أردفت نور بصوت عذب ورقيق وقالت كل ما حدث ثم أضافت: -بس يا ستي هو ده كل اللي حصل وأنا من ساعتها مش قادرة ألم على بعضي، قربه كان حلو أوي تعرفوا أنا بحبه ونفسي هو كمان يحبني. ربتت رحيل على يديها برفق ثم قالت بلين:

-أكيد هيجي اليوم اللي هيعترفلك بحبه بس أنتي اصبري. أردفت الأخرى بيأس: -شكله مش هيحصل أبداً، لأن أخوكي ده بارد مش بيحس أصلاً. -والله أنا أخويا أحسن من ناس تانية ومش بارد زيهم ولا حتى بيدخل في اللي ملهوش فيه. نظرت نحوها الأخرى ثم قالت: -أنا حاسة إن كلامك فيه تلقيح وشكله على آبهي صح، شكلي هزعلك ده أخويا حبيبي. -يا شيخة اتنيلى أنتي وأخوكي البارد المعدوم الإنسانية اللي حاشر مناخيره في كل حاجة. تفوهت ندي متعجبة:

-هو إيه اللي حصل مخليكي مش طايقة الشاب الحلاوة مراد باشا، عملك إيه اللي شكله وكلامه بينقطوا عسل وسكر، أكيد أنتي اللي بتفتري على الراجل يا ظالمة. نظرت إليها رحيل باشمئزاز ثم قالت: -عسل وسكر إيه جو التلزيق ده. تحدثت نور بغضب مصطنع: -لا يا رحيل كله إلا آبهي مراد ده مفيش أحلى منه ولا في حنيته ده عسل. زمت رحيل شفتيها وقالت: -آه وماله وبعدين إيه اللي كل شوية ده عسل ده عسل خنقتوني. جذبتهم ندي وهي تهم على الخروج قائلة:

-طب يلا يا حلوة أنتي وهي خلينا نخرج نروح المول وبعد كده نبقى نشوف حكاية العسل اللي مزعلك. *** في هذا المستودع المظلم كان جالساً ذاك الشخص على مقعده الخاص، يرتدي قناعاً يخفي به وجهه، فلم يظهر منه إلا عيناه فقط. كان يشغل عقله كيف سينتقم من تلك العائلة الذي يحمل لها قدر كبير من الحقد والكره. وفي هذا الأثناء قاطع تفكيره رنة هاتفه، ففتح على المتصل وبدأ يسترسل قائلاً: -ها عملتي اللي قلتلك عليه. المجهول:

-لا لسه مجاش الوقت المناسب. الشخص: -هو أنا لسه هستنى الوقت المناسب. المجهول: -خلاص يا فندم الموضوع قرب ينتهي واللي أنت عاوزه هيحصل. صاح الشخص غاضباً: -والبيه التاني إيه وضعه. المجهول: -والله يا فندم هو ماشي حسب الخطة بس إحنا كنا عايزينك تزود لينا الفلوس. الشخص: -لما اللي قلت عليه يتنفذ هديكوا الفلوس اللي عايزينها. تحدث المجهول بطمع: -بس إحنا عايزين مليون جنيه. الشخص: -بس ده كتير. المجهول:

-مش هيبقى كتير على اللي هيحصل. الشخص: -تمام موافق المهم إنكم تخلصوا الموضوع في أقرب وقت أنا عايز أشوفه ميت قدامي. ثم أكمل بشر: -أصل أنا مش هرتاح ولا هيهدالي بال إلا لما أخلص عليه وأقهر عيلته على موته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...