ولجت "نور" إلى غرفة صديقتها "رحيل" فوجدتها تتزين أمام المرآة وتمشط شعرها الذي تركته بسلاسة على كامل ظهرها، فكانت ترتدي ثوبًا أسود لا يليق إلا بها، فتبسمت "نور" قائلة: -ماشاء الله شكلك جميل أوي يا رحيل. أجابتها الأخرى بمرح: -طول عمري يا حب. -تباً لغرورك، وبعدين يلا خلينا ننزل لجدو نكلمه على موضوع الرحلة. تحدثت "رحيل" وهي ترتدي الإكسسوارات بيديها: -طب ما تروحي تقوليله أنتي.
-لا يا بنتي مش هينفع أكلمه لوحدي وبعدين هو ما بيرفضش ليكي طلب. نظرت إليها وقالت: -يا سلام يا أختي، ماهو بردو ما بيرفضش ليكي طلب ومش بيتاخر عليكي في أي حاجة أنتي محتاجاها. -بس أنتي تأثيرك عليه أكبر لأنك أكتر واحدة مميزة عنده. تبسمت "رحيل" برقة ثم قالت بلطافة: -حاضر ويلا قدامي خلينا نخلص من زنك الرخم ده. عبست "نور" من كلمتها فقالت: -بقى أنا زنانه. -اه.
بعد لحظات كان الجد جالس يقرأ في إحدى الكتب الأدبية، فجاءت "نور" من خلفه وهي تنوي على فعل شيء مزعج كالعادة، فصاحت بصوت عالٍ بجانب أذن جدها قائلة: -جددوووووووو. استدار الجد نحوها ثم قال: -حرام عليكي يا نور، دا أنا مصدقت خلصت من مازن تيجي أنتي تكملي المسيرة بعده. رددت الأخرى بنبرة مرحة: -جرا إيه يا جدو، دا أنت قلبك طلع قلب خصايه على الآخر. تفوه الجد بنبرة ساخرة:
-خصايه، روحي يا شيخة روحي يا شيخة ربنا يسامحك أنتي ومازن في يوم واحد. دنت منه "رحيل" وقالت مازحة: -إيه يا جدو ماله مازن بس دلوقتي، ده حتى الواد عسل وفي حاله. أجابها قائلاً: -عسل بالستر يا أختي. تحدثت "نور" بابتسامة بشوشة: -خلاص بقى يا حجوج متزعلش بهزر وياك يا رمضان. -هو أنا أقدر أقدر أزعل منك يا جميل. سرت في نفسها فرحة غامرة فقامت بضمه إليها بكل قوتها وهي تقول: -أيوه بقى يا جدو يا عسل، دا أنت حبيبي أنت.
تبسم تغر الجد وقال مازحاً: -يا بت براحة هتخنقيني، عايزة تموتيني بدري يا بنت حنان. ابتعدت "نور" قليلاً ثم قالت: -لا بعد الشر عليك من الموت يا حبيبي، ربنا يطول في عمرك. أبعدتها "رحيل" من أحضان جدها وقالت: -ابعدي كدا وإياكِ تقربي من وهودي، دا حبيبي أنا. ثم قامت هي بضمه إليها وقالت بلطافة: -مش صح يا جدو، أنت حبيبي أنا وبس. افتر ثغره عن ابتسامة عريضة ثم قال بحنية بالغة: -طبعًا يا قلب جدك.
نظرت "رحيل" "لنور" وهي ترقص حاجبيها بإغاظة فقالت الأخرى بضجر: -شوفت يا جدو حبيبة قلبك بتغيظني إزاي، وبعدين أنت بتحبها هي وأنا لا. أجابتها "رحيل" بعند: -آه بيحبني أنا وبس. نظرت إليها "نور" بوجه غاضب: -يا جدووو. ضحك الجد "وهدان" على الفتاتين وهما يتصارعان على تلك المحبة، فقال مراضيًا لهما: -تعالي يا نور، ثم أخذها بين ذراعيه كما فعل مع الأخرى وقبل رؤوسهما وقال:
-انتو الاتنين بحبكم زي بعض ومفيش أغلى منكم عندي، وخليكم عارفين إنكم ملكات البيت ده، والنور اللي بينوره ولو واحدة منكم بس زعلت أو حصل ليها أي حاجة القصر بيضلم، وخليكم عارفين بردو إنكم أحلى وأجمل حاجة في حياتي، دا أنا عايش عمري عشانكم. تحدثت "رحيل" بتأثر فقالت: -تعرف يا جدو أني بحبك أوووي، فربنا يديمك ليا وميحرمنيش منك ولا من حنيتك عليا. وقالت الأخرى: -وأنا كمان يا وهودي بحبك أوي. ضربتها "رحيل" بخفة على
رأسها ثم قالت بنبرة مرحة: -بت أنا بس اللي أقوله وهودي، سامعه. ابتعدت "نور" وهي تقول بتلعثم: -جدو أحنا عايزينك في موضوع. نظر إليها الجد من طرف عيناه وقال: -ما أنا قولت بردو الداخله دي فيها إن، وياترى موضوع إيه اللي عايزاني فيه. نظرت "نور" "لرحيل" بمعني تحدثي أنتي، فقالت الأخرى بكل وضوح: -الصراحة كدا يا جدو أصحابنا في النادي عاملين رحلة فكنا عايزين نروح معاهم. -وطالعة فين الرحلة دي. أجابت "نور" بتوتر: -دهب يا جدو.
صاح العجوز منصدماً: -نعم دا إيه يا أختي. أردفت "رحيل" قائلة: -آه يا جدو دهب وكمان يعني مش هنبقى لوحدنا، ماهو معانا بنات رايحين. الجد: -ودي هتقعد قد إيه يا رحيل هانم. -أسبوعين .... أسبوعين بس يا جدو. تفوهت "نور" بنبرة ممتزجة بالعطف: -آه والله وافق بقى وخلينا نفرح. -ولو موافقتش هتزعلوا يعني، أنتو مش واخدين بالكم إن هي أسبوعين وإحنا من امتى بنخلي واحدة فيكم تبات بره من أصله.
-يا جدو يا حبيبي دي مرة من نفسنا واحنا بقالنا كتير مخرجناش خروجة زي دي. الجد: -لا مش موافق. هتفت "رحيل" بترجّي وقد ألتمعت عيناه بالدمع المزيف: -عشان خاطري يا جدو ما تحرمناش من الخروجة دي. "نور": -بالله عليك وافق بقى. فقالت الأخرى بإصرار مبالغ: -يلا بقى يا وهودي وافق عشان خاطرنا. -لا يعني لا. أردفت "رحيل" بنبرة حزينة مصطنعة:
-بقا كدا يا جدو، أمال عمال تقولنا أنتو أغلى اتنين عندي وأنك بتحبنا، فين الكلام ده بقى وأنت بتكسر فرحتنا بعدم موافقتك على الرحلة. تفوهت "نور" بنفس اللهجة: -آه يا قلبي يا اللي اتكسر، ياني. نظر إليهما الجد بفم مفتوح من تمثيلهما الواضح: -لا برافو مشهد هايل، ثم ضحك قائلاً: -دا أنتو زنانين أوي. ضحكت "رحيل" بنبرة عالية والت لمعت عيناها الزرقاء بشدة، فقالت وهي تقبل جدها: -بحبك يا وهدان. تبسم الجد وقال بمرح:
-لمضة هانم ارتحتي دلوقتي، يارب تكونوا مبسوطين، دا على كدا بقى لو كنت رفض كنتوا هتزعلوا صح. -صح. هتفت "نور" بصوت مرتفع نسبيًا: -يعيش ويحيا وهودان بيه. فأخذت "رحيل" تردد معها وهما يذهبان إلى الخارج، يعيش وهدان يعيش وهودي يحيا العدل، فضحك العجوز على هيئتهم المضحكة وفي هذا الوقت جاء "حمزة" وهو ينظر لأثرهم بحيرة فقال: -هما مجانين العيلة دول مالهم. -فرحانين عشان وافقت إن هما يسافروا. -يسافروا فين!
-رحلة تبع النادي طالعة دهب أسبوعين وأصحابهم كلهم رايحين وهما عايزين يروحوا معاهم. -أزاي بس يا بابا توافق ع طلب المجانين دول. -ما أنا مقدرتش الصراحة أرفض ليهم طلب. رد "حمزة" ضاحكًا: -هما اشتغلوك يا بابا. تبسم الجد بهدوء ثم قال: -ما أعمل إيه، أي لبنتك وبنت أخوك اللمضة التانية اللي اتمسكنت لحد ما اتمكنت، وأنت عارف إن بضعف قدام عيونها الحلوين. تفوه "حمزة" باسمًا:
-رحيل دي مشكلة، وأنت بقى هتقدر ع بعدهم أسبوعين دي لو واحدة منهم اتأخرت برا بتبقى هتتجنن عليها. -أهم حاجة أشوفهم فرحانين قدامي وبعدها كل شيء يهون. بعد عدة ساعات... كانت "نور" تهمس "لرحيل" قائلة بسعادة: -تعرفي إني بجد فرحانة إن جدك وافق على السفر، وأخيرًا هنسافر لوحدنا. انتبه "مراد" لهمسها فسمع كلماتها الأخيرة فقال متسائلاً: -مين دا اللي هيسافر. أجابته شقيقته برقة: -أنا ورحيل يا ابيه هنسافر. -نعم تسافروا!
وعلى فين العزم إن شاء الله. رددت عليه "رحيل" دون أن تلتفت نحوه: -رايحين دهب. تحدث في هذه اللحظة "مازن" بفرحة عابثة: -الله دهب، أنا جاي معاكم، قوليلي بقى هنقعد هناك كام يوم، ها ها. أردفت "رحيل" بهدوء: -هنقعد أسبوعين. -العب بس، استنى انتو رايحين لوحدكم. ألقت "نور" ناظرة خاطفة إليه ثم قالت: -لا يا مازن دي رحلة طالعة في النادي مع أصحابنا. تحدث أخوها بعدم موافقة: -مفيش مرواح في حتة يا نور. بُهت وجه الفتاة فقالت منزعجة:
-ليه بس كدا يا ابيه. -أنا قولت كلمتي، مفيش سفر في حتة، مفهوم. تحجرت الدموع في عيناها فقالت بنبرة مختنقة: -عشان خاطري يا مراد وافق. قطب جبيناه وقال غاضبًا: -أوافق إيه يا أستاذة، أنتي بتقولي رحلة لدهب وطالعة تبع النادي واكيد فيها زفت شباب و.. أوقفته "رحيل" عن الحديث قائلة: -لكن فيها بنات طالعين، وبعدين إحنا أخدنا موافقة جدو. -وأنا قولت لا. رددت عليه الأخرى بتحدي:
-وأنت مالك، بتدخل في اللي ملكش فيه ليه، وبعدين أصلاً أنت بترفض على أساس إيه. نظر إليها بعينان تتقدان غيضًا فقال بنبرة حادة: -لا ليا يا أستاذة رحيل، ومتنسيش إني ابن عمك الكبير وليا كلمة عليكي، فاهمه. زاد تمردها فأجابت بنفس الغضب والحدة: -لا مالكش كلمة عليا، ليك على أختك وبس، وبعدين أنت فاكر نفسك إيه أصلاً عشان تقول لي لا وترفض. تفوه أبوها بتحذير قائلاً: -رحيل أخرسي ومسمعش صوتك، واحترمي الموجودين.
ثارت "رحيل" غاضبة من ذاك المتحكم فصاحت متحدثة دون أن تنتبه إلى نبرة صوتها العالية: -لا يا بابا معلش حضرتك أنا مش هسكت، هو ملهوش حق يتكلم معايا بالطريقة دي، هو فاكر نفسه إيه يعني. غضب "سليم" من نبرتها فرفع يديه ليضربها، لكن منعه "مراد" قبل أن يفعل شيئاً سيندم عليه.
فنظرت إليه "رحيل" بصدمة وقد ترقرق عيناها فهي لم تصدق ما حدث للتو، فهذه المرة الأولى التي يرفع فيها والدها يديه كي يضربها، وكل هذا بسبب ذاك مراد الذي تكن له مشاعر كراهية، فأتاها صوته الذي تبغضه قائلًا: -عمي أرجوك اهدى، الموضوع مش مستاهل إنك تتعصب بالشكل ده، وبعدين ماينفعش تضربها. أحكم "سليم" قبضته حول ذراع ابنته وقال بانفعال: -الظاهر إني دلعتك زيادة عن اللزوم وبقى صوتك يعلى عليا...
ومن هنا ورايح ابن عمك الكبير له الحق إنه يدخل في أي حاجة تخصك وكلمته هتبقى مسموعة وهتمشي عليكي، فاهمه يا هانم. رجت الصدمة كيانها فأغمضت عيناها بقوة فقام والدها بهز جسدها بقوة أوجعتها ثم قال: -مش بكلمك أنا، ردي عليا. أردف "مراد" باختناق: -عمي سليم مش كدا، سيبها لو سمحت. دفع "سليم" ابنته التي كادت أن تسقط أرضًا فقال: -على فوق ومشوفش خلقتك قدامي، يلاااااااا.
فزعت من حدته، وأثناء مرورها من أمامه وقفت مقابل "مراد" وقالت بنبرة متحشرجة من أثر اختناق البكاء: -أنا بكرهك يا مراد، ومكرهتش حد في حياتي قدك، أنهت جملتها ثم هرولت إلى غرفتها. فنظر الآخر لآثارها بحزن وقد أحس بوخزة قوية في صدره، فهذه الكلمة أخذت تتردد في أذنيه شعر وكأن خنجرًا طُعن في قلبه، فهذه الكلمة كانت كفيلة بأنها تكسر قلبه وتفتته إلى قطع صغيرة. تحدث الجد مستنكرًا لما حدث: -مكنش يصح اللي أنت عملته دا يا سليم.
أجابه بتهكم قائلًا: -يعني حضرتك ماشوفتش الهانم إزاي بتزعق وبتعلي صوتها عليا ومحترمتش وجودي قدامكم كأني مش عاجبها ومعملتش أي احترام لأي حد من اللي قاعد. أردف الجد معاتبًا: -عارف إنها غلطت بس بردو مينفعش إنك ترفع إيدك عليها. تحدثت "صفا" بكل قسوة وبرود: -المفروض كان ضربها وأداها قلمين على وشها ع قلة أدبها دي. نظر إليهم بعدم رضا ثم قال: -أنا هقوم أنام أحسن، دا أنتم مفيش فيكم أي فايدة، وأنتي يا صفا بلاش معاملتك دي لبنتك.
رددت متعجبة: -يعني هو أنا عملت ليها حاجة، وبعدين يا بابا رحيل مدلعة زيادة عن اللزوم وحضرتك السبب في دلعها ده. ضرب كف على كف وهو يقول: -لا حول ولا قوة إلا بالله، عايزاني أبقى قاسي زيك عليها ولا أبقى زي التاني اللي مش بيسأل فيها من أصله، والله البت دي خسارة فيكم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!