الفصل 14 | من 20 فصل

رواية هجران رحيل الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شامة الشعراوي

المشاهدات
17
كلمة
5,409
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

وقف "مروان" متصنماً عندما وجد قطرات الدماء متناثرة أرضاً. رفع مُقلته باتجاهها فرآها مستلقية على الفراش في إعياء وتراخٍ وذبول. أقتربت العائلة نحوها والفزع يملأ أعينهم. لقد أنهكها الألم وحطّم قواها. فتفوهت بألم والدموع تتساقط من عيناها الذابلة: "حد يلحقني أنا شكلي بموت." دنا منها الجد بقلق شديد والخوف يسيطر على فؤاده من أن يُصيبها مكروه. فمسد على شعرها وهو يقول:

"بعد الشر عليكى ياعمري مش هيحصلك حاجه وهتقومي بالسلامة. يلا مروان ساعدني يابني نوديها المستشفى." فقام "مروان" بحملها بين ذراعيه وقلبه ينبض خوفاً عليها. دقائق معدودة ووصلوا إلى المستشفى لتستقبلهم الطبيبة "هناء" برفقة الطاقم الطبي التي حضرت على الفور. ثم قامت باصطحابها إلى غرفة العمليات لتجرى لها جراحة قيصرية. فلما غابت عن عيونهم جلس الجد على الكرسي ينظر باتجاه الغرفة والقلق يساوره. فربت "قاسم" على كتفه وقال باطمئنان:

"اهدى ياعمى هتبقى كويسة وهتقوم بالسلامة بإذن الله. هي محتاجة دعائك دلوقتى." بينما "فاطمة" تقف في الزاوية تبكي بصمتٍ تام. فأردف "آدم" بحزنٍ: "علشان خاطري يا ماما كفاية عياط." "أنا خايفة أوى عليها." "متخافيش يا حبيبتي هتبقى بخير." وفى هذا الوقت زمجر الرعد وألهب البرق الأفق ثم انهمرت الأمطار مدراراً، وكأن السماء تتهيأ لمجيء الأطفال. بعد مدة كبيرة من الوقت خرجت الطبيبة إليهن. ليتحدث "مروان" متسائلاً: "طمنيني عليها."

أردفت "هناء" باطمئنان قائلة بلطف: "الحمدلله هي ولدت وبخير. بالرغم ان ولادتها كانت صعبة جداً ولكن ربنا لطف. ورزقها ببنت وولد زي القمر يقولوا للبدر قوم واحنا نقعد مكانك." صاحت "فاطمة" بوجه طلق مشع بالبهجة فقالت: "بجد يا هناء؟ "اه يا حبيبتي والحمدلله على سلامتها. هي دلوقتي فاقت من البنج وتم نقلها في أوضة تانيه. روحوا شوفوها والممرضة هتجيب ليكم الأطفال." بعد لحظات دلفوا إلى غرفة "رحيل". فاقبلت نحوها "فاطمة" مسرعة حتى

تطمئن عليها فقالت برفق: "حمدلله ع سلامتك يا رحيل." أجابتها "رحيل" بصوت مجهد فقالت: "الله يسلمك يا ماما. هما فين ولادي عايزة اشوفهم." أجابها الجد بسعادة وسرور فقال: "الممرضة هتجبهم دلوقتي يا حبيبتي و حمدلله على سلامتك يا قلب جدك." "الله يسلمك يا حبيبي." بينما "مروان" قال مُداعباً: "قلقتيني عليكي يا ريري ينفع كدا تخضيني بالشكل ده." تبسمت "رحيل" بأرهاق فقالت بلطف: "معلش بقى خليها عليك المرة دي."

"ماشي يا ستي أهم حاجة أنك قمتي لينا بالسلامة وما متتيش." ولجت الممرضة ومعها الطفلين. فحملت "فاطمة" الفتاة لتضمها برفق وهي تقول: "بسم الله ماشاء الله جميلة أوي. بصي يا رحيل شبهك ونفس لون عينيكي." فقامت بمد يدها بالطفلة فاحتوتها "رحيل" بين أحضانها لتفر دمعة من مُقلتها فرحاً وسعادة، فهي لأول مرة تجرب شعور الأمومة، الذي هو أعظم شعور بالعالم. فقالت باسمة: "يا عمري أنتي، بنوتي القمر." تحدث الجد بحنية فقال باسماً:

"تبارك الرحمن جميلة زي الحورية. تتربى في عزك يا حبيبتي حلوة زيك يا رحيل." أردف "مروان" الذي كان يضم الطفل بين ذراعيه فقال: "مش ناوية تشوفى ابنك." رددت "رحيل" بلهفة: "هاتوا يا مروان خليني أشوفه وأشبع منه." فحملته بين ذراعيها بلطف ولين لتقبل راحت يدهُ الصغيرة ثم قالت باكية: "بجد مش مصدقة نفسي أنا بقيت أم لبنت وولد أجمل من بعض." مسد "قاسم" على خصلاتها وقال بابتسامة مشرقة:

"مش أنا قولتلك أنهم هيبقوا هدية ربنا ليكي وهيكونوا عوضك." "دول أجمل عوض في الدنيا واحلى هدية من ربنا." "ربنا يباركلك فيهم يا حبيبتي ويكون ذرية صالحة ليكي." "يارب." تحدث "آدم" بابتسامة عريضة مرحة: "طبعاً ناوية تسمي الواد ع اسمي صح يا ريري." ضربه شقيقه بخفة على رأسه: "لا وأنت الصادق مش هتسميه ع اسمك كانت ناقصة هي." ضحكت "رحيل" برقة وقالت:

"كان نفسي أسميه ع اسمك بس للأسف مش المرة دي. لو كانوا ولدين كنت هسمي واحد منهم ع اسمك." أردف الجد متسائلاً: "طب هتسميهم إيه." نظرت إلى أطفالها بسعادة ثم قالت باسمة: "هسميهم زين وزينة علشان يبقوا قريبين من بعض." "تمام يا ريري أنا هكبر للبنوته وعمك قاسم هيكبر للولد." بعد عدة أسابيع كانت جالسة بحيرة ويأس بين صغارها الذين يبكوا دون توقف. فولجت إليها "فاطمة" التي قالت بطيبة قلب: "مالك يا رحيل بتعيطي ليه!

جففت "رحيل" دموعها بالمنديل الورقي ثم قالت بأرق: "بقالي أكتر من ساعة بحاول أسكت فيهم ومش راضين يسكتوا وأنا تعبت ومش قادرة. نفسي أنام شوية ونفسي آخد الشاور بتاعي زي الناس لكني مش عارفة أتحرك ولا أعمل أي حاجة منهم." أردفت الأخرى مهدئة فقالت برفق: "معلش هما الأطفال كدا. هاخدهم معايا وأنتي حاولي تنامي وترتاحي شوية ماشى يا حبيبتي." "ماشي. لو تعبوا حضرتك ناديني." "متقلقيش مش هيتعبوني وكمان أنا معايا رهف هتساعدني في شيلهم."

"طيب." بعد مرور سبع سنوات. تتربع الشمس وسط السماء وكأنها سبائك من ذهب قد تجمعت في شكل دائري. ثم تناثرت إلى الأرض بدفئها وأشعتها. وما أن يحين موعد غروبها حتى تتحول إلى شفق أحمر اللون يغيب بين الجبال والبحار والمحيطات. وفى هذا الوقت تعالت أصوات الأطفال وهم يلعبون بفرح وسعادة في ساحة المنزل الممتلئ بالدفء. بينما على الجانب الآخر كانت "رحيل" جالسة في غرفة الجلوس تقرأ إحدى المقالات على تصفح التواصل الاجتماعي.

دنت منها طفلتها "زينة" التي تبلغ السادسة من عمرها. فقد ورثت من أمها جمالها وحسنها وتلك العينين الكحالتين الزروقتين. وما زادها جمالاً هؤلاء الغمزتين التي ورثتهما منها أيضاً. التقطتها "رحيل" بين ذراعيها لتقبل خديها الأيسر: "روح قلب ماما أنتي يا زينة." نظرت إليها الطفلة ثم قالت ببراءة: "وأنتي روح قلب زينة." أجلستها بجانبها ثم قالت بلطافة: "ما بتلاعبيش ليه مع أخوكي." أجابتها "زينة" بملل:

"تعبت من كتر الجري وبعدين زين كل شوية يضحك عليا ويخليني أخسر ويقولي أنتي أجري ورايا." أبتسمت الأخرى من طريقة حديث ابنتها المتذمرة: "ولا تزعلي نفسك يا روحي لما يجي خالتو مروان هخليه يعاقبه. أتفقنا." هتفت "زينة" برضى وسعادة: "أتفقنا." لحظات وجاء ابنها ومعه طفلين من المنزل المجاور لها. فاجتمعن حولها وجلسن في حلقة دائرية. بينما "زين" بدأ يسترسل كلماته قائلاً: "ماما ما تحكلنا قصة من اللي بتحكيها لينا كل يوم."

"أمرك يا سي زين. دا أنت تؤمرني وأنا أنفذ. قولي بقا تحب أحكيلك ايه." نظر الأخر إليها وهو يفكر ولكنه عجز أن يطرح عليها إجابة. ثم قال: "بصراحة مش عارف اختار. أنتي." "تحب أحكيلكم حكاية الفأر الطباخ." صاحوا الأطفال موافقين بسعادة لتبدأ بسرد الحكاية بطريقة تناسب مرحلة عمرهم حتى لا يملوا.

مرت دقائق معدودة، فدلف "مروان" إلى البيت بصحبة شقيقه. وكانت "زينة" أول من استقبلته بضمة تعبر عن حبها إليه. حملها بين ذراعيه ثم اتجه نحو "رحيل" مُلقياً عليها السلام. وجلس بجانبها ليستمع لما تقوله إليه: "اتأخرت علينا النهاردة." أجابها "مروان" بهدوءٍ: "كان عندنا ضغط شغل علشان كدا اتأخرت." دققت النظر إليه لترى وجهه شاحب قليلاً فقالت بنبرة قلقة: "أنت كويس؟ ربت على يدها وهو يقول بنبرة دافئة:

"متقلقيش يا ريري أنا بس مرهق شوية من الشغل وتغيرات الجو مش أكتر." تفوه "آدم" وهو يمسح حبات العرق من على جبينه: "الجو بره حرفياً حر لدرجة أن الواحد خلاص حاسس أنه هينهار وهيغمى عليه. والله يابخت الحريم أن ربنا مكتبش عليهم الخروج والشغل في الحر ده. أنا فعلاً بحسدكم." مدت "رهف" يداها إلى شقيقها "آدم" بكوب ماء باردٍ وهي تقول: "أعانكم الله وجعل تعبكم في الشغل في ميزان حسناتكم." "يارب يا إخوتي."

مالت "رحيل" بجسدها قليلاً نحو "مروان" لتهمس في أذنيه متسائلة: "عملت إيه مع خطيبتك." أجابها بهدوءٍ فقال: "فركشنا الخطوبة." صُدمت الأخرى من قولهِ فقالت بحزنٍ: "ليه بس! استرخى في مقعده ثم قال بنبرة تحمل قدراً من الهم:

"الهانم بتخيرني بينها وبين أهلي. لا وكمان عايزاني أقطع علاقتي بيكي. كل ده علشان بتغير عليا منك مع أني قولتلها أنك محرمة عليا شرعاً. لكن هي مابتفهمش وعايزة تفرض كلامها وسيطرتها عليا وتلغي كمان شخصيتي. وأنا الصراحة ما بيعجبنيش البنت اللي بتفكر بالطريقة دي واللي بتبقى عايزة تمشي كلمتها على الراجل وتعمل فيها عشر رجالة في بعض. من الآخر أنا ما بحبش البنت المسترجلة." ربتت على ظهره بمواساة ثم قالت بنبرة لطيفة:

"ربنا يعوضك بالأحسن منها." في شركة الألفي كان جالساً على مكتبه بكل هيبة ووقار، يحدق في صورتها التي احتفظ بها في محفظته، ليهمس بداخله: هل تعلمين أن عيناك أبرع لص قد التقيته في حياتي، فقد سلبت قلبي من بين أضلعي دون أن أشعر. فإن فراقك يا معشوقتي نارٌ ليس لها حدود، ولا يشعر بألم الفراق إلا من اكتوى بناره.

تنهد بألم كاد يشق صدره، ففرت دمعة هاربة من عيناه الرمادية. فهو يشعر بأشواك تجرح حنجرته من أثر كتمان الحزن والبكاء، فقال بقهرٍ: "وحشتيني يا رحيل مش ناوية ترجعي. أنا دورت عليكي كتير بس ملقتش ليكي أثر. مش كفاية كدا عقاب هو أنا مستهلش أنك تسامحيني. إزاي هان عليكي تغيبي عن عيني كل السنين دي كلها. إزاي هان عليكي قلبي الموجوع منذ فراقك؟ دلف إليه "هشام" الذي أصابه الحزن حين شاهده شارد الذهن، ووجهه يكسوه الشحوب،

فجلس مقابله ثم قال بتسأل: "أنت لسه بتفكر فيها؟ أجابه "مراد" بصوت مبحوح مليء بالألم: "أنا عمري ما بطلت أفكر فيها. أنت متعرفش رحيل بتكون إيه بالنسبالي، دي كانت حلمي اللي فضلت أحلم بيه طول السنين واللي كنت ببني. دي عمري كله والنفس اللي بتنفسه اللي لو اتقطع أموت." "تفتكر إنها ممكن ترجع؟ "مش عارف. أنا خايف إنها مترجعش. أصل أنا أذيتها أوي وجرحتها يا هشام. أنا هتجنن من كتر التفكير وياترى هي بخير ولا لأ؟

أوقات بسأل نفسي ياترى هي كرهتني ولا لسه بتحبني؟ أنا بجد مبقتش قادر أتحمل غيابها عني أكتر من كدا حاسس أن روحي بتتتسحب مني. ده أنا يا شيخ مبقتش عارف أنام غير بمهدئ من كتر التفكير فيها." تأثر "هشام" من قولهِ فقال بشفقة: "ياااه للدرجاتي أنت بتحبها." أجابه "مراد" بقلب منكسر:

"أنا عديت مرحلة الحب معاها. أنا بتمنى إنها ترجع علشان أعوضها عن كل حاجة. هعوضها على أذيتي ليها وعلى كل دمعة نزلت من عينيها بسببى. أنا كسرتها جامد وهي مش هتسامحني بسبب اللي عملته فيها وخلاها تمشي وتسيب البيت." نظر إليه "هشام" بشكٍ فقال مستفسراً: "أنت عملت حاجة تانية فيها." أشاح بصره لينظر إلى بعيداً عنه ثم قال بحزن شديد: "أنا مش قادر أتكلم أكتر من كدا. عن إذنك."

عندما أنهى جملته نهض من مقعده ليجذب مفاتيح سيارته، ثم خرج مسرعاً من العمل متجهاً إلى المنزل. فلما وصل صعد إلى غرفة محبوبته كحال كل يوم. جلس على السرير ليتحسس فراشه الناعم، فتألم قلبه حين تذكر تلك الليلة المشؤومة فقال ببكاء ممتزج بالندم والحسرة: "أنا هنا كسرتك وكسرت قلبك. حرفياً قرفان من نفسي أوي يا رحيل. إزاي قدرت أكسر قلب بريء زيك."

ثم حول بصره في أركان الغرفة، لتقع عيناه على صورتها الموضوعة على الطاولة بجانب المزهرية، ليقول بحزن: "أنا عمري ما هرتاح غير لما ألاقيكي. بعد فراقك يا عمري أصبح كل شيء يمر ببطء، حتى الدقائق والساعات أصبحت بطيئة حارقة لقلبي، لدرجة أن روحي أصبحت تكتوي في ثوانيها. ومهما افترقنا سيصبح عشقي لكِ ممتداً." رفع عيناه المليئة بالدمع إلى السماء ليقول بصوت ضعيف: "ياالله هل لذنبى مغفرة؟ هل لبشرٌ مثلي رحمة ترفق بحالته؟

كانت تركض خلف طفلتها في حديقة القصر، فوقفت بجانب نافورة المياه لتحاول التقاط أنفاسها المتقاطعة، فقالت بأرهاق: "زينة اقفي بقى تعبتيني معاكي." ضحكت "زينة" ببراءة طفولية: "إيه يا ماما أنتي عجزتي ولا إيه." قامت الأخرى برفع حاجبيها ثم قالت: "مين دي يا بت اللي عجّزت يا أم لسان ونص؟ أما أوريكي يا زينة مبقاش أنا رحيل."

لتركض خلفها مجدداً. فقامت الطفلة بالاختباء بأحضان "مروان" المسترخي على المنضدة ليضمها إلى صدره العريض. فأتاه صوتها الرقيق تستغيث به: "ألحقني يا مرواني هتاكلني." داعب خصلات شعرها بلطف ثم قال باسماً: "مين دي؟ "مامي العجوزة." جلست "رحيل" بجانبهم ثم قالت: "بقى كدا يا زينة مامى عجوزة." تبسم فاه الصغيرة برقة بالغة ثم قالت: "ماما كفاية تمثيل مش لايق عليكي." "آه يا ملظوظة ماشي أنتي اللي جبتيه لنفسك."

فقامت بتدغدغها فضحكت الصغيرة بشدة، ثم قالت ببراءة: "خلاص يا ماما أنا آسفة." "تستاهلي علشان تقولي عليا عجوزة تاني." قبلتها طفلتها برفق على وجنتيها وهي تقول بلطف: "ماما أنا بحبك." "وأنا كمان بحبك." أردف "مروان" قائلاً: "وأنا يا ست زينة ماليش من الحب جانب." "دا أنت الحب كله." قهقهة عالياً على قولها فقال بمرح: "بحبك وأنتي بتثبتيني كدا." "لو أنا مثبتكش مين بس اللي هيثبتك." حرك شعرها بعشوائية وهو يقول بنبرة ودودة:

"أقسم بالله نسخة مصغرة من أمك. وبعدين يلا روحي اقعدي مع أخوكي الكئيب اللي هناك دا، علشان عايز أتكلم مع مامى شوية." ابتعدت عن أحضانه وهي تقول ببراءة: "أنا مش عارفة طالع لمين الواد ده." تبسم ثغر "رحيل" بلطف ثم قالت مازحة: "لأبوكي هيكون لمين يعني." أردف "مروان" الذي تبسم بخفة: "أنتي خلفتي طفلة تحسيها ست كبيرة في نفسها ماشاء الله، والتاني تحسيه في ملكوت آخر." تنهدت بعمق شديد حين تذكرته فقالت بهدوء:

"زين بيفكرني بمراد بجد شبهه في كل حاجة حتى نظرة عينه فيها حدة. طالع لأبوه." "فعلاً." اختلست نظرة إلى أطفالها لتشرد فيما حدث لها، فبهت وجهها وارتسمت معالم الحزن عليه. لاح "مروان" تلك النظرة المؤلمة فقال مواسياً: "ليه بس كل الحزن اللي ظهر في عينيكي فجأة. والله مفيش حاجة تستاهل أنك تحزني عليها." "أنا حاسة أني تايهة وخايفة." "خايفة! تحدثت "رحيل" بحزنٍ فقالت:

"خايفة أن ولادي يكبروا وهما بعيد عن أبوهم. تعرف أن هما كل شوية بيسألوا هو فين. ولما بقولهم مسافر بيفضلوا يسألوا هيرجع امتى. غير أن زينة بتعيط وبتقول لي أنا عايزة بابي يكون معايا زي باقي الأطفال، وبتقولي ليه بابا سابنا ومشي. وميعرفوش أن أنا اللي سبته. أنا يا مروان خايفة من كل حاجة ومش عارفة أعمل إيه." "طب ليه يا رحيل متحاوليش تنسي وترجعي؟ أنتي مش شايفة أنك كدا بتظلمي نفسك ومراد وعيالك." ترقرقت الدمع في

عيناها لتقول بصوت مبحوح: "أنت فاكر أني محاولتش بس غصب عني قلبي لسه واجعني. أنا حبيت مراد بس هو كسرني وخان ثقتي فيه بشكه فيا وضربه وإهانته. أنا هونت عليهم كلهم. هان على أبويا أنه يخذلني وما يثقش في بنته اللي مربيها على إيده. ولا أخويا اللي اتربيت معاه وكبرنا مع بعض هونت عليه أنه يضربني ويجرني من شعري. أنا هونت على عيلتي يا مروان. إزاي عايزني أنسى كل ده وأرجع لهم عادي كأن ما حصلش حاجة. والله كل وجع اتوجعته مكنش هين."

أردف "مروان" بحنان ليقول رفقاً: "أنا عارف أنه مكنش سهل عليكي اللي مريتي بيه. لكن هو فعلاً اتعاقب وزيادة بسبب بعدك. طب تخيلي معايا كدا لما يعرف أنه عنده طفلين وأنتي حرمتيه منهم هيبقى إيه شعوره؟ صمت لوهلة ثم أضاف بعقل راجح: "خلينا نفكر بالعقل دلوقتي. لو أنتي مكانه واكتشفتي أن عندك أطفال عمرهم ست سنين إحساسك هيبقى عامل إزاي؟

على قد ما هتفرحي على قد ما هتتوجعي إنهم اتولدوا وكبروا بعيد عن حضنه. صدقيني هيتوجع أضعاف ما أنتي اتوجعتي." "بصي يا حبيبتي أنا مش هضغط عليكي. فكري كويس وحاولي تدي فرصة لنفسك ولمراد. لو مش عشانك عشان أولادك. ومتنسيش أننا خلاص هنرجع مصر اليومين الجايين. ف عايزك تقعدي مع نفسك وتشوفي دنيتك هتمشي إزاي. وكفاية لحد كدا حزن ووجع." ثم أشار على طفلها وقال:

"بصي على ابنك وشوفي الحزن اللي ظاهر عليه. كفاية أن معظم أوقاته بيقضيها لوحده. من رغم أنه صغير لكنه حاسس بكل حاجة حواليه. ابنك يا رحيل نفسه يكون عنده أب يتسند عليه ويتباهى بيه قدام زمايله في المدرسة ويشاركه في حياته وألعابه. أولادك محتاجين أبوهم جنبهم. ف بلاش تحرميهم من نعمة وجود الأب في حياتهم، لأنك هتخسري في الآخر." أنهى جملته وهو ينهض من مكانه ليقبل رأسها بحنان ثم قال باسماً: "هسيبك تفكري شوية يمكن ربنا يحنن قلبك."

بعد مغادرته نظرت إلى أطفالها بحيرة وكسرة، لتشرد في مستقبلها لعلها توصل لحل يرضيها ويرضي الطرف الآخر.

في أرض مصر جاءت تلك العائلة لتسكن في بيتها المشع بالأجواء المصرية. كانوا يتجولون في شوارعها المليئة بالأجواء السعيدة. وأثناء مرورهم من جانب مدرسةٍ ما شاهدوا طلاب الثانوية العامة يخرجون من الأبواب والبسمة تعلو وجوههن جميعاً. يتضح أن الامتحان الأخير جعل فرحتهم تعلق في أجواء السعادة. ولينتهي معها أصعب مرحلة في حياة المرء، لتبدأ مرحلة جديدة مليئة بالوعي والإدراك والسعي لتحقيق الأحلام.

تفوه الجد حين سُرّ هذا المنظر فقال داعياً: "الحمدلله أن امتحاناتهم مرت على خير. يا الله كما رزقتهم بفرحة انتهاء الامتحان ارزقهم بنتائج مبهر ترضيهم." رد "قاسم" قائلاً: "يارب يا عمي ربنا يجازي كل واحد على قد تعبه." "تعرف يا بني مفيش أحلى من بلدنا. مهما بعدنا وطالت الغربة هتلاقي بلدك وقت رجوعك بتستقبلك بكل حب وحنية. ده كفاية ناسها الطيبين اللي مهما لفيت العالم مش هتلاقي في طيبتهم وكرمهم وجدعنتهم."

أجاب "قاسم" بنبرة مبتهجة ممتزجة بالحنان والشوق لأرض الوطن فقال: "آه والله يا عمي مفيش أحلى من بلدنا. والصراحة أنا دلوقتي بقيت مرتاح لما رجعت لأصلي." تفوه الجد بنبرة حزينة فقال: "ولادي وعيالهم وحشوني ونفسي أشوفهم." "طب ما تروح ليهم." "والله يا بني عايز أروح بس خايف من ردة فعل رحيل لو قولتلها خلينا نرجع. مش عارف وقتها هتعمل إيه والصراحة خايف لترفض. ما أنت عارف السبب." أردف "قاسم" بهدوء: "ولادها صح؟

"لولا هما كنت خليتها رجعت من زمان." تفوه الآخر قائلاً: "إيه رأيك يا عمي نحطها قدام الأمر الواقع ونخليها ترجع لأن كدا مينفعش. حرام عليها نفسها وولادها." "أنا مش عايز أعمل حاجة تجرح كرامتها." "متخافش إحنا مش هنعمل حاجة تأذيها. ده كله لمصلحتها مش أكتر." تفوه الجد ببعض من الشوق: "بفكر أروح النهاردة وأشوفهم والل يحصل يحصل." ضحك "قاسم" بخفة ثم قال مازحاً: "أيوة يا وهدان يا جامد أحبك كدا وأنت مش همك حد."

تبسم الجد ابتسامة بشوشة: "مالك يا قاسم قلبت على رحيل كدا ليه." صمت لثوانٍ وهو ينظر من نافذة السيارة باتجاه سيارة المتواجدة بداخلها حفيدته، فأضاف قائلاً: "وبعدين أنا لازم أنهي المشكلة دي. إحنا بقالنا ٧ سنين ولسه زي ما إحنا." تحدث "قاسم" مشجعاً: "نفذ أنت يا كبير وسيب عليا حفيدتك العنيدة عليا." في قصر الألفي. تحدث "هشام" بضيقٍ: "أنت يازفت يامازن ما تجيب فيلم عدل بدل القرف اللي أنت مشغله." "وأنا عاجبني ده."

"هقوم أرزعك كف يلوحك." حرك حاجبيه بتلاعب ثم قال مستفزاً: "وماله يا حبيبي." أردف "حمزة" قائلاً: "ياربي كل يوم على كدا. مازن وهشام هو أنتم مش هتكبروا بقى وتعقلوا." "لا يا حموزة." رمى عليه المنضدة ثم قال: "جت حموزة في عينك. أنا عمك يا زفت المفروض تحترمني شوية." رد عليه الآخر ببرود: "إن شاء الله المرة الجاية." وجه "حمزة" حديثه لشقيقه وهو يقول: "شوفت ابنك اللي مش متربي بيقول إيه." أجابه "سليم" بقلة حيلة:

"محدش يجيبلي سيره. أنا أصلاً متبري منه." كاد "مازن" يرد ولكنه بتر كلماته حين رأى شيئاً واقفاً على مقربة منه، فقال بذهولٍ: "جدو." جذب "هشام" المتحكم من يده وقال: "وهو فين جدك ده يا ابني." نهض من مقعده ليتجه مهرولاً نحوه ليعانقه بقوة كادت تخنق الآخر، فقال بسعادة: "أنا مش مصدق أنك هنا." أبعده "حمزة" ليضم أبيه برفق، ثم قال بنبرة مختلطة بالحزن: "بابا." أردف الجد بألم فقال بود: "وحشتني أوي يا حمزة." رد الآخر

وهو يقبل يد أبيه فقال: "وأنت أكتر يا حبيبي. ليه كدا يا بابا تبعد عننا كل المدة دي." "معلش يا ابني كان غصب عني." جاء إليه ابنه الأكبر ليقبل رأسه وهو يقول ببكاء: "أنت متعرفش قد إيه غيابك كان مؤثر فينا. ليه بعدت؟ "مكنش ينفع أبقى موجود وسطكم بعد اللي حصل." جفف "سليم" باقي دموعه ثم أخذ يتسأل: "هي بنتي فين؟ وليه مجتش معاك؟ أرجوك طمني عليها." أجابه الجد بهدوءٍ: "متقلقش يا سليم بنتك بخير." تحدث "أدهم" ليتسأل

عن شقيقته فقال بحزن بليغ: "طب هي مجتش ليه معاك؟ هي لسه زعلانه مننا." "رحيل متعرفش أني جيت ليكم." قطب "سليم" جبينه ليقول مستفسراً: "أنا مش فاهم حاجة. يعني إيه متعرفش أنك جيت." "بنتك مش مستعدة إنها تشوفكم." تحدثت هذه المرة "صفا" بقلب منفطر من كثرة اشتياقها لابنتها فقالت بقهرٍ: "بس يا بابا هي بقالها كتير بعيدة عننا وهي وحشتني ومن حقي أشوفها. ثم أمسكت معصمه لتقول راجية: أرجوك يا بابا قول لي هي فين خلينا أروح لها أرجوك."

"اهدئي يا صفا وأنا والله هجيبها ليكم بس اصبروا." تحدث "حمزة" بقلب منشرح فقال بلطف: "حنان خلي حد من الخدم يجهز أوضة بابا علشان يطلع يرتاح فيها." "لا يا بابا." "ليه يا بابا أكيد حضرتك تعبان ولازم ترتاحلك شوية! "لا أنا شوية وهقوم أمشي. تجمعكم حواليا دلوقتي بالدنيا وما فيها." تحدث "مازن" بصوت مرح فقال متسائلاً: "آه صح يا جدو جبتلي إيه معاك حلو من ألمانيا ها قولي." شعر وجه الجد بالفرحة اللامتناهية:

"جبتلك حاجة هتعجبك أوي بس مع رحيل مش معايا." افتر فاه "مازن" مندهشاً: "دا بجد." "أيوه." في اليوم التالي. كانت جالسة في الشرفة تنظر إلى السماء الصافية التي تجعل الروح تستكين مهما حملت من صعاب. يكاد المرء يتعب من إطالة النظر إليها فجمالها كالفيلم الذي لا نهاية له. فأتت إليها "رهف" وهي تضع حقيبتها على ظهرها، ثم قالت بحماس: "مش يلا ولا إيه." أردفت "رحيل" بلهجة متضطرة فقالت بتوتر:

"مش عارفة اللي إحنا بنعمله ده صح ولا غلط." "مش أنتي نفسك تشوفيهم؟ "طبعاً." "يبقى قرارك صح." فركت يدها بارتباك ثم قالت: "خايفة من رد فعلهم. أصلك متعرفيش ندى ونور دول ممكن يقتلوني بسبب فراقي ليهم من غير ما أعرفهم مكاني." أردفت "رهف" مشجعة: "سبيها على الله وهو هينصرك." نظرت إليها الأخرى باسمة ثم قالت برقة: "أنتي ليه محسساني أننا رايحين نحرر فلسطين." "يسمع من بؤك ربنا ويحررها فعلاً من بطش القوم الظالمين."

تحدثت "رحيل" بكل ثقة ووقار وهي تنظر إلى السماء فقالت باسمة: "ورب السماء والأرض لينصرنهم في يومٍ سيفرح به العالم بأكمله." "عارفة أن النصر قريب... وقريب جداً كمان، وهذا يقيني بالله." مرت أكثر من ساعة فولجت "رهف" إلى المطعم التي اتفقت عليه مع صديقات "رحيل". فلما رأتهن جالسات في ركنٍ بجانب الحائط تقدمت نحوهم، ثم قالت بلطف: "السلام عليكم. أنا رهف اللي كلمتكم في الفون." رددت "ندى" بابتسامة بشوشة:

"وعليكم السلام. اتفضلي حضرتك خير كنتي عايزانا في أمر مهم. ياترى إيه هو." أجابت "رحيل" التي أقبلت إليهن فقالت باسمة: "هو الواحد لازم يعمل فيلم عشان يشوفكم." نظروا إليها بصدمة جعلتهما يتصنمان في أماكنهم، فأضافت هي: "هو أنا موحشتش حد فيكم ولا إيه." وعلى حين غرة ارتمت "ندى" بين ذراعيها لتعانقها بقوة ثم قالت ببكاء: "حرام عليكي اللي أنتي عملتيه فينا. بجد غيابك وجعنا كلنا يا رحيل." مسحت على شعرها برفق ثم قالت معتذرة:

"حقكم عليا." ابتعدت عنها لتوجه حديثها إلى صديقتها الأخرى: "مالك يا نور مش ناوية تسلمي عليا." أشاحت "نور" وجهها بحزن وقد ترقرق الدمع في عيناها ثم قالت: "اللي هنا عليه فراقنا. يهون علينا لما يحاول يرجع لنا تاني." طأطأت رأسها بألم ثم قالت بحزن: "محدش فيكم هان عليا. أنا اللي هونت عليهم كلهم. أنتي بالذات المفروض تراعي اللي مريت بيه لأنك صحبتي وأختي وعارفة عني كل حاجة." فجاءت أن تذهب من أمامهم ولكن "نور"

أوقفتها وهي تقول ببكاء: "عمر اللي حصل ما هيغير صداقتنا وعلاقتنا ببعض. متزعليش مني أنا كنت زعلانه من بعدك مش أكتر. بس مش مهم المهم إنك رجعتي ليا بالسلامة وكل شئ بعد كدا يهون يا صديقتي." ثم عانقتها فبادلته الأخرى هذا العناق، فنزلت من عين "رهف" دموع التأثر والشفقة، فقالت برقة: "الحمدلله دلوقتي أقدر أقول رجعت المياه لمجاريها." نظرت إليها "ندى" متفحصة ثم قالت بتسأل: "مين دي؟ أجابتها "رحيل" متبسمة:

"دي يا ستي بنت عمو قاسم. أكيد تعرفوه." " طبعاً." "المهم خلونا نمشي. في حد كدا عايزة أعرفكم عليه." تحدثت "نور" بتسأل: "مين ده؟ "هتعرفوا لما نوصل."

صف سيارته أمام المنزل التي تقيم فيه محبوبته، هبط منها ليقف بمكان قريب خلف أغصان الشجر حتى لا يراه أحد. مرت دقائق عليه وكأنها كالدهر. فلما أبصر بها دبت في نفسه مشاعر الشوق والحب. ولكنه بهت حين وجد طفلين يركضون حولها في فرح وسعادة. وحين شاهد اقترب رجلٌ منها قام باحتوائها بين ذراعيه مقبلاً مقدمة رأسها، فقد ارتسمت على محياها ابتسامة مشرقة دليلاً على فرحتها. أغمض عيناه حزناً فهمس قائلاً:

"تأخرت يا مراد لدرجة أنها بقت لراجل غيرك. أهو اللي كنت خايف منه حصل." أنهى حديثه مع سقوط دموعه التي أحرت ذاته، فقد فارقته روحه في هذه اللحظة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...