بعد عدة أشهر، وفي وقتٍ متأخر من الليل الساكن، كان هناك طرقات خفيفة تدق على الباب، فجعلت ذاك الشاب ينهض من فراشه الدافئ بخمولٍ وكسل، فهذا حاله كل ليلة، فهو يعلمُ من صاحب تلك الطرقات المزعجة التي تُوقظهُ من أجمل نومة. أعتدل في جلسته لينظر إلى ساعة الحائط ليجد الوقت أصبح الرابعة فجراً، فقام بالاتجاه نحو الباب وهو يفرك جفن عيناه من أثر النوم. ما لبث الطارق إلا ثوانٍ وفُتح الباب على مسرعه.
فتبسم ثغر "مروان" حين رأى "رحيل" تقف أمامه، والتي تبدو كالأطفال بتلك التسريحة، فقد صففت شعرها كأذن القطة، ترتدي ثوب وردي فضفاض يساعدها في الحركة أكثر أثناء حملها. اتكأ على الباب وضم كلتا يديه ليقول: -خير يابلونة، إيه اللي مصحيكِ في الوقت ده؟ زمت شفتاها إلى الأمام بتذمر وقالت محذرة: -ماتقوليش بلونة، فاهم. ضحك "مروان" بخفة على لهجة حديثها اللطيفة، وقال بلين: -فاهم ياستي، عايزة إيه أنتي دلوقتِ؟
رمشت بعيناها عدة رمشات متتالية ثم دنت من أذنيه وقالت هامسة: -عايزة أكل بطيخ حالا. افترّ فاه "مروان" بذهولٍ فقال مندهشاً: -أنتي جاية تهزري صح... قولي أنك جاية تهزري! تبسمت "رحيل" ببراءة وقالت برقة: -تؤ، مش جاية أهزر يامرمر، وبعدين أنا نفسي فيها أوي. تحدث "مروان" قائلاً: -أنتي ياماما نفسك في حاجات مش في موسمها أصلاً، وبعدين حرام عليكي الساعة أربعة الفجر، حد يصحى حد في وقت زي دا ويقوله نفسي في بطيخ. قامت "رحيل" بطرقعة
أصبعها وهى تقول بلطف: -أيوه وعايزاها حمراء. -حمراء! وكمان بتتشرطي. -وأنا مالي، هما اللي نفسهم في كدا مش أنا، وبعدين يامرواني، عايز العيال يطلع ليهم وحمة بطيخة في وشهم، وبعد كدا لما يكبروا صحابهم يتريقوا عليهم ويقولوا روح يا أبو بطيخة، تعالى يا أبو بطيخة، يرضيك يحصل كدا لأولادي. تفوه "مروان" ساخراً: -لا، أزاى ميصحش. ثم أشار إليها بأصبعه إلى خارج الغرفة باتجاه الممر المؤدي إلى غرفتها الخاصة، وقال:
-بصي، أنتي دلوقتي تروحي تنامي تمام، وأنا كمان هروح أنام، والصبح أول ما أصحى هعملك اللي عايزاه، اتفقنا. أردفت الأخرى بعبوس فقالت: -لا، أنا عايزة دلوقتي حالا بطيخة وتكون حمراء. -أنتي مش واخدة بالك من أن الوقت متأخر ولا إيه، وبعدين أصلًا هلاقيلك البطيخة فين دلوقتي، الناس قافلة محلاتها. رفعت كتفها إلى الأعلى قليلاً دليلاً على عدم معرفتها فقالت بعند: -معرفش، اتصرف بقى يامروان وإلا مش هيحصلك كويس. أردف "مروان"
بقلة حيلة لتنفيذ أوامرها: -طيب يارحيل، روحي أوضتك وأنا هنزل أدورلك على أم البطيخة، ولو لقيتها هجيبلك، ماشي. افترّ ثغرها بابتسامة عريضة مشعة بالسعادة: -ماشي، بس ما تتأخريش عليا ياعسل. ضحك "مروان" بخفة وقال: -مصلحجية أنتي ياريرى. -طبعاً، أومال أنت فاكرني إيه. بعد حوالي ٣ ساعات، جاء "مروان" من الخارج يحملُ بين ذراعيه فاكهة البطيخ بعد ما عثر عليها بصعوبة بالغة، فجلس بجانبها وهو يضعها على الطاولة وقال بأرهاق:
-خدي ياست رحيل البطيخة الحمرا بتاعتك أهي، يكش نهدى شوية. أشاحت وجهها عنه وقالت ببرود: -مش عايزة. قطب "مروان" جبينه ليتسأل: -ليه بس؟ أردفت باللامبالاة فقالت: -لأن خلاص مابقاش نفسي فيه. تحدث "مروان" بضيقٍ وازعاج فقال منفعلاً: -يعني إيه مبقاش نفسك فيها؟ دا أنتي مصحّياني من الساعة أربعة عشانها، وعمال ألف على كعوب رجليا في الشوارع وفي المحلات عشانك، وبعد ما ألاقيها تقوللي خلاص ماليش نفس. فقامت "رحيل" برفع
إحدى حاجبيها بإغاظة وقالت: -عملك إيه؟ ما حضرتك اتأخرت عليا أوي وأنا بقالي ٣ ساعات مستنياك. أوشك "مروان" على البكاء فقال بقلة حيلة: -لا بجد حرام، أنا تعبت، كل يوم بتتوحمى على حاجة شكل. تحدث الجد هذة المرة وهو يربت على ذراعيه فقال: -معلش يابنى، سيبك منها دي واحدة مفترية وقادرة. أمسك الفاكهة بيده ليجذب السكينة من إحدى الأطباق وهو يقول:
-تصدق عندك حق، أنا هسيبني منها وهأكل البطيخة بدالها، وتبقى تقابلني لو جبتلها حاجة تانية بعد المرمطة اللي شفتها. فقام بتقطيعها إلى مثلثات صغيرة ليتذوق طعمها بنهمٍ شديد، فبلعت الأخرى ريقها حين نظرت إليه، فقال هو بتلذذ: -واو، طعمها حلو أوي ومسكرة. صمت لوهلة ثم أضاف حين مد يديه بقطعة إلى الجد فقال: -خد ياجدو كُل، هتعجبك طعمها، وهتلاقيها بتدوب في بوقك دوب. وضعها الجد في فمه فعجبه المذاق ليقول:
-تصدق، طعمها حلو فعلاً وكمان مسكرة. حدقت "رحيل" بطبق الفاكهة، فاغرتها هيئة البطيخة المقطوعة لتبلل فاهها، فقامت بالاقتراب من "مروان" ومازال بصرها مسلط على الطبق، فقالت برقة بالغة: -بقولك إيه يامرواني، ممكن تديني واحدة أدوقها. -لا، مفيش خلاص، شطبنا. قامت بضربهِ بخفة على ذراعيه وقالت منزعجة: -متجيب واحدة بقى، متبقاش بارد، وبعدين أنا اللي طالباها. حرك الأخر حاجبيه بتلاعب ليقول مازحاً:
-وأنا اللي هاكلها، وبعدين مش أنتي قولتي خلاص مابقاش نفسك فيها، اشمعنى دلوقتي حلّت في عينيكِ لما شفتيني بأكلها. تفوهت "رحيل" بحده قائلة: -هتجيب ولا لأ. أجابها "مروان" بنبرة متلاعبة: -لا. -بقى كدا، طيب أنت اللي جبته لنفسك. ثم قامت بالانقضاض عليه كالوحش المفترس وجذبت الطبق من بين يديه بقوةٍ أثارت دهشته، لتبدأ بمضغ قطع البطيخ بطريقةٍ مسرعةٍ وكأنها لم تأكل منذ زمن. حدق بها "مروان" ليقول منصدماً:
-ياما ياما، في إيه أنتي اتسعرتِ ولا إيه يارحيل، ما براحة ياحبيبتي مش كدا، اللي يشوفك يقول علينا إننا حرمينك من الأكل. -مالكش دعوة بيا يابارد. تحدث "قاسم" باسماً: -محدش له دعوة بريرى، تأكل زي ما هي عايزة. عندما سمعت تلك المقولة أخرجت لسانها بإغاظة "لمروان" الذي ضحك عالياً وقال بمرح: -وربنا طفلة، مش عارف إزاي أنتي بعد كام يوم هتبقي أم، لا وأيه لطفلين مش لطفل واحد.
نظرت إليه "رحيل" بخوفٍ وقلقٍ، فكلما اقترب الموعد شعرت بانقباض قلبها وكأنها مُقبلة على الموت، فقد مرت بأوقات عصيبة خلال فترة حملها مما جعلها تُعانى من كثرة الألم، ولكن الألم التي شعرت به لا يساوى ألم الولادة الذي هو أشد وأقوى ألم بالجسد. نظرت نحوها "فاطمة" نظرات مطمئنة لتبث بداخلها الهدوء، فقالت: -متخافيش ياحبيبتي، الموضوع بسيط مش زي ما أنتي متخيلة. -بجد هيبقى بسيط ياماما. أردفت الأخرى ببسمة ودودة:
-أه ياقلبي، وبعدين هما شوية وجع بسيط، ولما تشيلي ولادك في حضنك هتنسي كل حاجة وهتبقى الفرحة مش سيعاكي. ********************************** في غرفة المعيشة، كان اليوم إجازة للجميع من العمل، فبدأ "أدهم" يسترسل حديثه موجه إلى عمهِ: -عمي حمزة، عايز أحدد موعد فرحي أنا ونور. -بس يابني، لسه بدري. أجابه الآخر برزانة فقال:
-ملهوش لازمة التأجيل أكتر من كدا ياعمي، وبعدين هو حضرتك قلقان مني في حاجة ولا مش واثق فيا، أصل كل لما أفتحك في موضوع الفرح تأجله. رد "حمزة" نافياً: -لا يابني، أنا لو كنت قلقان أو خايف منك مكنتش وافقت بأنك تخطبها من الأول. تنهد "أدهم" بارتياح ثم قال راجياً: -بما أنك مش رافض، نحدد يوم الفرح، وأهو خير البر عاجله. التفت "سليم" إليهن وقال موافقاً:
-أنا من رأيي أن كفاية تأجيل لحد كدا، خليهم ياحمزة يتجوزوا ويدخلوا الفرحة للبيت. -خلاص، اللي أنت شايفه ياخويا، كلمتك هي اللي هتمشي، حدد أنت اليوم وأنا عليا الباقي. صمت "سليم" لوهلة ثم أكمل قائلاً: -خلي الفرح الأسبوع الجاي يوم الخميس، إيه رأيك. -موافق. فقام الآخر بتوجيه بعض الكلمات لابنه: -خلاص يبقى على خيرة الله، شوف هتعمل إيه ياأدهم وجهز الترتيبات أنت وأخواتك. تهللت أسارير وجهه بالفرحة والسعادة فقال باسماً:
-حاضر يابابا. بينما "مازن" أشار لوالده حتى ينتبه إليه ثم قال متسائلاً: -طب وأنا إيه؟ مش ناويين تجوزوني ولا ناويين تخللوني جنبكم. تحدث "هشام" مشجعاً: -آه، وأنا كمان عايز أتجوّز بقى وأستقر، كفاية لحد كدا، أنا كدا بقيت عانس وباير. تبسم فاه "حمزة" الذي قال: -طب ما تتنيلوا، هو حد حاشكم. تحدثت "حنان" بطيبة قلب فقالت بلطف: -قولولي بقى، أنتم حاطين عنيكم على حد معين ولا إحنا ندورلكم على عروسة مناسبة. رد "مازن" قائلاً:
-لا ياعمتو، أنا عندي العروسة بس أنتم عندكم الفرح. وضع "مراد" فنجان القهوة من يده، ثم قال بنبرة لعوبة: -ويا ترى اللي في بالي ولا واحدة تانية. أجاب "مازن" مستكشفاً حديثه فقال: -ومين بقى اللي في بالك. اتكأ "مراد" على الأريكة بأريحية ثم وضع كلتا يديه خلف رأسه وقال: -ما أنت عارف، ولا تحب أقولهم اسمها إيه وهي مين. فأردف "سليم" متسائلاً: -مين دي يامراد؟ هي واحدة نعرفها؟ -نعرفها أوي. تحدث "أدهم" متعجباً: -وتطلع مين هي!
افترّ فاه "هشام" مندهشاً ليقول: -سوزي؟ لا متهزرش، أنت ملقتش غير دي وعايز تتجوزها. ضحك "مراد" عالياً من تعقيبه ليقول: -لا، مش سوزي، واحدة تانية. -أومال مين؟ حيرتني معاك. -هو هيقولك، ماهو ملزمها طول الوقت وقاعدة في وشه ٢٤ ساعة. تبسم "أدهم" عندما علم من تكون هي فقال: -خلاص، أنا عرفت هي مين، يازين ما اخترت يامازن، أول مرة تختار حاجة عدلة في حياتك. تحدث "سليم" قبل أن ينفذ صبره فقال: -هو أنتم هتفضلوا تتكلموا بالألغاز.
أجابه "مازن" قائلاً: -سيبك منهم يابابا، أنا هقولك الصراحة، هي في واحدة معايا في الشغل بحبها وعايز أتقدم ليها. تفوهت "صفا" بنبرة ودودة: -مين دي ياحبيبي واحنا نروح نخطبها ليك. -ندى، ياماما، صاحبة رحيل ونور. بينما والده قال بلطف: -ندى بنت كويسة جداً ماشاء الله عليها، خلاص معنديش مانع، ابقى هات رقم باباها أكلمه وأتفق معاه على ميعاد نروح نقابله فيه. أردف "مازن" بعدم تصديق فقال: -بجد يا بابا؟ يعني أنت موافق.
-آه ياحبيبي موافق، ودلوقتي بقى في فرحتين في البيت، عقبال هشام ومراد. أغمض جفنه واخفض رأسه أرضاً بحزنٍ وألمٍ واشتياقٍ حين تذكر تلك الفتاة التي سلبت قلبه الذي أصبح متيماً، فادمعت عيناه حزناً من هذا الفراق لينهض من مكانه ليستأذنهم للخروج، فلما خرج نظر والده لأثره بحزن وهو يعرف ما يشعر به.
انسدل الليل بستائرهِ بألوانها السوداءِ المخمليةِ، ويُقبل القمر مختالاً مرتدياً عباءته الفضية، حيث أوت الطيور إلى أعشائها لتحضن صغرها برفق وحنية، ويزحفُ الصمتُ بخطاهِ الواثقة، وفى مكانٍ مرموق وهادئ على شاطئ النيل، وصل لمسمعها صوتٍ جعل ضربات قلبها تعزفُ على أوتار حبها، فلما استدارت بجسدها لتنظر خلفها وجدته واقفاً بطلته المبتهجة يحملُ بين يديه باقة من الورد الجوري ليعطيها أياه بكل حب وحنية، ثم قال: -تتجوزيني ياندى.
زاددت ضربات قلبها التي كادت تخرج من بين قفصها الصدري، فقالت مندهشة: -أنت قلت إيه. تحدث "مازن" بوجهٍ طلقٍ مُشع بالبهجة والسرور: -قلت تتجوزيني ياندى. جلس بجانبها على المقعد وأمسك يدها ليقبلها برفق ليكمل حديثه بحب:
-أنا بحبك ومش عارف حبيتك إمتى وإزاي، بس من أول يوم شوفتك فيه لما كنت هخبطك وأنتي فضلتِ معلقة معايا، ولما جيتي اشتغلتي معايا في الشركة قربت منك واتعلقت بيكي أكتر، وكل لما بشوفك قلبي بينبض جامد، بعدها اكتشفت فعلاً أني بحبك وإني مقدرش أبعد عنك أبداً، وعشان كدا أنا عايزك تبقي مراتي وحلالي، موافقة تتجوزيني ونكون أسرة. امتلأت عيناه بالدمع من فرط السعادة، فحلمها أوشك على التحقيق، فقالت متأثرة: -أنت بتكلم بجد يامازن.
ضحك الأخر بخفة: -لا، بلعب معاكي. -بطل برود بقى. تحدث "مازن" متبسماً: -أنا بحبك وبعشقك وعايز أتجوزك يابت، قولتي إيه بقى. ضحكت "ندى" بخفة ثم قالت بنبرة لعوبة: -لا ياقلبي مش كدا، أنت تعمل زي بتوع الروايات وتنزل تركع على ركبتك وبعدها تطلب إيدي وتقولي بحبك وعايز أتجوزك. بينما هو ضربها بخفة على رأسها وقال باسماً: -عارفة إيه أكتر حاجة بحبها فيكي. أجابته "ندى" بابتسامة عريضة: -إيه يامازن. -هبلك ياقلب مازن. رفعت
حاجابها الأيسر بضجر وقالت: -نعم ياخويا. -اسكتي ياندى الله يرضى عنك، إيه شغل الروايات واركع ومتركعشي، في حاجات تانية يابت أحلى. -حاجات إيه يافليسوف زمانك. أشار "مازن" بيده إلى السماء فوقهم ليقول: -بصي فوق كدا. لحظات وانطلقت العاب نارية لتضيئ السماء بأنوارها المتعددة محتواها: "بحبك ياندى، تقبلي تتجوزيني ♥️". رفعت بصرها للأعلى بفرحة وسعادة والدموع تغرق عيناها، فأتاها صوته قائلاً: -ها ياندى، قولتي إيه.
تفوهت الأخرى بابتسامة واسعة لتقول بنبرةٍ فارحة: -قولت بحبك وموافقة أتجوزك يامجنون. تبسم ثغره بحب ليقول بصوت عالٍ: -بحبك، بحبك ياندوش قلبي، وأخيراً وافقتي وهتبقي مراتي وكل دنيتي. -بحبك ياميزو. أمسك راحت يدها برفق ليقول باسماً: -طب يلا نمشي بدل ما يمسكوني بفعل فاضح. -يلا يامجنون. -مجنون بيكي ياحبي.
واليوم التالي، كانت "رحيل" جالسة بحديقة القصر، تحمل بيدها طبق مليئ بالمسكرات، فأردف "آدم" الابن الثاني "لقاسم" وهو يحاول أن يأخذ بعض حبات اللوز قائلاً: -يابنتي والله الطبق مش كله ليكي لوحدك، أنا كمان ليا فيه. -لا ياعسل، ملكش فيه، وبعدين مش أنا اديتك واحدة يبقى كفاية عليك كدا. قطب جبينه بأنزعاج ليقول بضيقٍ: -هو إيه اللي كفاية عليك كدا، دي واحدة بس يارحيل، عشان خاطري خليني آكل معاكي، أنتي عارفة أنا بحب اللوز قد إيه.
تحدثت "رحيل" متأثرة: -تصدق أنت صعبت عليا، خلاص هديك واحدة كمان، خد. نظر إلى راحت يديه برفع حاجب، وقال: -يابنت يابخيلة، واحدة بس، ودي أعمل بيها إيه؟ أسلك بيها سناني. رددت الأخرى باللامبالاة: -وأنا مالي، اعمل اللي تعمله بيها. -طب بصي، إيه رأيك نقسم الطبق، أنتي واحدة وأنا واحدة، شوفت حلو إزاي؟ أهو كدا عدل. تحدثت "رحيل" وهى تبتسم برقة ثم قال بنبرةٍ طفولية: -طب بص، هقولك على حل أفضل، أنت تاخد واحدة تمام. أجابها "آدم"
بأنصات شديد: -تمام، وبعدين. -وأنا اتنين، إيه رأيك، مش كدا أحلى يادومي. صاح الأخر وهو يشد شعره بنفاذ صبر: -يارب صبرني يابنتى، أنتي بقيتي عاملة زي الفيل أبو زلومة، وبعدين إيه النصب دا، قال أنا اتنين وأنتي واحدة. بينما هي وضعت يديها على موضع بطنها المنتفخة لتوجه حديثها إلى "مروان" فقالت بحزن: -مرواني، هو أنا بقيت فيل بزلومة. تبسم "مروان" بابتسامة حنونة فقال بلطف: -لا ياحبيبتي، أنتي قمر، سيبك من المتخلف ده.
-والله أنت اللي قمر ومفيش منك اتنين. تحدث "آدم" قائلاً: -أيوه، اقعدوا طبّلوا لبعض. ثم اقترب منها ليجذب الطبق من يدها، لتدفعه بعيداً عنها وقالت محذرة: -شيل إيدك لتوحشك ياعسل. جلس مكانه وقال متوسلاً: -طب وحياة عيالك ياشيخة، أكلينا معاكي. -خلاص، أنت هتشحت، خد كل ومسمعش صوتك تاني، فاهم. -فاهم ياوحش الكون.
في بيت والد "ندى"، ولجت إليهن بأطالة مبهجة بأعين ملتمعة بالسرور والتفاؤل، ترتدي ثوب أسود ذو أكمام شفافة يصل إلى كاحلها، تبسمت الفتاة في حنو بالغ فأضاءت ابتسامتها وجهها كالقمر، فجلست بجانب والدها باستحياء، بينما "مازن" شعت عيناه فرحاً وأعجاباً من جمالها الآخاذ، جاءت إليها صديقتها فقالت بود: -اهدى ياقلبي وبلاش توتر. رددت "ندى" بحياء قائلة: -أنتي مش شايفة بيبصلي إزاي. ضحكت "نور" بخفة لتقول مازحة:
-والله جه اليوم اللي شوفتك فيه تحبي وخدودك تحمر بالشكل ده، أنا كنت فاقدة فيكي الأمل خالص، مين كان يصدق ندى أم لسان طويل وكانت جعفر في نفسها قاعدة هادية ورقيقة، أنا مش متعودة عليكي وأنتي كدا ياندوش. -طب اسكتي بدل ما أقول اطلع جعفر فعلاً عليكي. -خلاص ياختي سكت أهو. فقام "سليم" ببدء حديثه فقال بهدوء: -طبعاً أنت عارف يا أبو ندى إحنا جايين ليه. -طبعاً عارف. -تمام، بحيث كدا، أنا اتشرف وأطلب إيد الآنسة ندى لابني مازن.
تحدث والد العروسة بنبرة ودودة فقال: -طبعاً يشرفني أناسب حضرتك ومعنديش مانع، أنا مش هلاقي حد أحسن من ابنك مازن لبنتي، بس أسمع موافقتها الأول فالأمر يرجع ليها. ثم وجه نظره لابنته وقال باسماً: -ها ياحبيبتي، رأيك إيه؟ موافقة ولا لأ. طأطأت "ندى" رأسها خجلاً لتجيب برقة: -اللي حضرتك تشوفه يابابا. -يبقى على خيرة الله. تحدث "سليم" مسترسلاً: -خلاص، نقرأ الفاتحة دلوقتي وبعدها نبقى ننزل نشتري لهم الدبل في الوقت اللي تحبوه.
وفي هذا الأثناء أخرج "مازن" من معطفه علبة قطيفة ليقول بسعادة: -وأنا معايا الدبل، نلبسها دلوقتي يلا. ضحك الجميع على فعله تلك فقال والد العروس: -دا أنت عامل حسابك بقى. -طبعاً ياعمي، أنا مجهز كل حاجة. -ماشي يابني، نقرأ الفاتحة ولبسها دبلتك. بعد قراءة الفاتحة، دنا منها ليضع في إصبعها خاتم من الماس الخالص، ثم همس بحب: -مبروك عليكي دبلتي ياندوش. -الله يبارك فيك. بينما "سليم" قبل رأسها وقال بحب أبوي:
-ألف مبروك ياحبيبتي، ربنا يتمملكم على خير. أجابته بحياء قائلة: -الله يبارك فيك ياعمو. بارك لهما الجميع بكل حب وفرحة، فنظر إليها "مازن" بعشق جارف وقلب نابض. سيأتي شخص يحبك كما أنت، يُحبك لتفاهتك، لعصبيتك، لمزاجك المتقلب، لبكائك على أشياء لا تستحق البكاء، شخص يحبك لروحك، شخص يفهمك، شخص يحب وجودك لا يستطيع تحمل غيابك، شخص يحبك كما أنت بعيوبك قبل مميزاتك، وهذا الشخص سوف تجده عاجلاً أم آجلاً ولكنه سيأتي ♥️.
جاء اليوم الموعود. اقترب "حمزة" من غرفة ابنته لينظر إليها بابتسامة عريضة ارتسمت على محياه، ليلتمع بريق عيناه بالدمع، حين شاهدها بفستانها الأبيض الرقيق المتناسق معها، بينما هي توجهت نحوه بخطوات بطيئة، فلما وقفت مقابله عانقته بقوة، فأتاها صوته الباكي: -أنا مش مصدق أنك كبرتي يانور وبقيتي عروسة و هتتجوزي، بجد لحد دلوقتي ياحبيبتي مش مصدق. ثم ابتعد عنها قليلاً ليقول باسماً:
-ألف مبروك ياروح أبوكي، ربنا يسعدك ويفرح قلبك دايماً يابنتي. -الله يبارك فيك ياحبيبي، ربنا يديمك ليا يا أحلى أب في الدنيا. جاء شقيقها ليقبل مقدمة رأسها بلين ثم قال بنبرة ودودة: -مبارك عليكي جوازك ياغالية. تبسمت "نور" بابتسامة مشرقة أضاءت وجهها فقالت: -الله يبارك فيك ياأبيه، عقبالك. تنهد بهدوء ثم أضاف مازحاً: -لو الواد أدهم زعلك في يوم تعالي قوليلي وأنا هروقه على الآخر، اتفقنا. -اتفقنا يا حبيبي. وفي هذا
الأثناء أردف والدها بمرح: -طب يلا علشان عريسك مستني تحت بدل ما يقوم يطلعنا هنا. ضحكت بخفة ثم تبطأت ذراع أبيها وشقيقها بسعادة غامرة. تحركوا إلى الأسفل فقام والدها بتسليمها إليه وهو يُلقي عليه بعض التحذيرات والنصائح أيضاً، فلما دنا منها قبل كلتا يديها ثم قال منبهراً: -تبارك الرحمن، طالعة قمر يانور بالفستان الأبيض. ردت الأخرى بحياء فقال برقة بالغة: -وأنت كمان ياأدهم طالع شكلك جميل.
بعد مرور مدة من الزمن، وخاصةً في مكان خاص بالمناسبات، كانت "ندى" تحاول جاهداً أن تهدئ "نور" التي تبكي حزناً من فراق صديقتها، الذي تمنت وجودها في هذا اليوم، فقالت بهدوء: -نور، ممكن تبطلي عياط؟ الميكاب هيبوظ. أجابتها "نور" ببكاء: -رحيل وحشتني أوي، كان نفسي تكون معايا. -والله هي وحشتنا كلنا، ممكن علشان خاطري تهدى وتحاولي تفرحي شوية وبلاش نكد. -حاضر.
في جناح خاص بالفندق، اقترب أدهم من زوجته التي تفرك يدها بتوتر شديد ليقول باسماً: -ممكن تبطلي توتر يانوري؟ أنتي خايفة مني كدا ليه؟ هو أنا هاكلك؟ مش أنا أدهمك حبيبك. أشاحات وجهها بعيداً عنها لتنظر إلى جميع أركان الغرفة ما عدا النظر إليه، فقالت بحياء: -أه. -طب إيه. ترجعت إلى الخلف حين لمحته يقترب باتجاهها لتقول بنبرة مرتبكة: -إيه أنت!
تهللت أسارير وجهه واهتز قلبه طرباً واعترت نفسه نشوةٌ بالغة وحلقت روحه في أجواء السعادة والحبور، فأصبحت الدنيا من فرط سعادته لم تسعه، فقال باسماً: -بحبك يانور. سرت في نفسها فرحةٌ غامرة لتجيبه قائلة: -وأنا كمان بحبك. عانقها بخفة ليقبل ذراعيها برفق ثم هتف قائلاً:
-طب يلا ادخلي غيري فستانك علشان أكيد كاتم على نفسك وأنا هغير هنا، ثم أضاف مازحاً: ولو لقيتي أي مشكلة كدا أو كدا في الفستان استعيني بصديقك جوزك حبيبك، ووقتها هتلاقيني جيالك فوراً. ابتعدت عنه بخجل لتهرول إلى المرحاض ثم تفوهت عندما أغلقت الباب خلفها: -تعرف أنك قليل الأدب ياأدهم. ضحك الأخر بخفة وهو يقول: -عارف ياحب.
في وقت متأخر من الليل الساكن، صاح في أركان القصر صوت صرخات عالية أتت من غرفتها، ففزع الجميع إليها، فهرول "مروان" راكضاً باتجاه غرفتها فلما ولج وقف متصنماً عندما وجد قطرات الدماء متناثرة على الأرض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!