فارقنا قارب تقاذفته أمواج البحر وسيظل تائها في غياهب بحر الغربة حتى يعود لمرساه. في وسط مزرعة بسيطة كان يرسل بصره حول قطيع الغنم الذي يرعاه في اطمئنان، وبين الأرانب التي ترتع وتمرح راقصة على العشب الأخضر، فهكذا حاله منذ تركه للبيت من عدة أسابيع. جاء العجوز صاحب الشعر الأبيض الذي التقى به مجددا فوق الجبل، وكان يرتدي جلباباً بنياً، قال متسائلاً: "كيف حالك اليوم يابني؟ أجابه دون أن ينظر إليه فقال باسماً:
"الحمد لله افضل من الأول." "أدام الله حمدك، لكن أخبرني هل أعجبتك مزرعتي؟ تحدث "مراد" بنفس منشرحة: "طبعاً عجبتني ياعم أيوب ماشاء الله ربنا يزيدك ويباركلك في رزقك." ثم أضاف بامتنان: "شكرآ ليك على كرمك الكبير ووقفتك معايا وأيوائك ليا في بيتك." "متقولش كدا أنت زي ابني." "تعرف ياعم أيوب أول مرة شوفتك فيها على الجبل كلامك أثر فيا اوى وغير من نفسي حاجات كتير، وخلاني على يقين أن فرج ربي قريب مهما تعظمت الهموم."
أردف العم "أيوب" وعلى معالم وجهه البهجة فقال: "مهما واجهت من صعوبات تكاد تهد كيانك تذكر أن قوة الله تغلب كل صعب وتجعله هين وسهل، فوالله معك في كل مراحل حياتك فاطمئن وثق برحمته، وقل ياحي ياقيوم برحمتك أستغيث." ردد "مراد" قوله، ثم قال بشوق: "ولادي وحشوني ونفسي أخدهم في حضني." "وايه اللي منعك من إنك تشوفهم؟ ظهرت عليه أمارات الحزن والحسرة فقال بألم:
"خايف لتشوفني فتتوجع تاني وأنا مش حابب أسَبب ليها أي ألم كفاية اللي شافته مني." أردف العجوز ذو الوجه البشوش فقال بحكمة: "وليه ماتحاولش تراضيها وتصلح الخطأ اللي ارتكبته في حقها." تنفس بعمق ثم قال بنبرة متأثرة حزينة: "مش عارف حاسس بعجز أصل اللي عملته مكنش سهل، أنا ظلمتها واللي عملته سايب ذكرى سيئة عمرها ما هتتمحي." "ابني بدالها ذكرى جميلة تنسيكم حزن الماضي وتعيشكم سعادة المستقبل، حاول يابني ولا تيأس."
صمت لوهلة ثم أضاف قائلاً: "تعرف أن الإنسان محتاج لثلاث أشياء حتى يشعر بالسعادة." علت علامات الاستفهام على وجه "مراد" ثم قال بتساؤل: "وايه هما؟ تبسم العجوز وهو يقول: "أول شيء أنه يكون متسامح مع الحياة ومؤمن بالأقدار السماوية، وثاني شيء يحصل على ما يتمناه إن كان خيراً، وثالث شيء أنه يعيش بجوار من يحب، ساعتها ستحصل على السعادة الحقيقية." "واللي ما يقدرش يحصل على الثلاثة دول يعمل إيه؟
"لا يوجد إنسان على وجه الأرض ليس لديه قدرة على تحصيل هؤلاء الأشياء، بل بداخلنا قوة هائلة على تحقيق ما نريد، علشان كدا لازم يكون عندك عزيمة وإرادة في تحقيق ما تتمنى." ساروا معاً وسط الأرض الزراعية ثم جلسوا على صخرة عالية، فنظر إليه "مراد" مطولاً ثم ألقى عليه سؤاله: "نفسي أعرف أنت إزاي مسالم بالشكل ده وواخد الأمور ببساطة؟
استدار إليه بوجهه الذي يملئه التجاعيد التي تشكو قسوة الزمن والظروف عليه، فكل خط من خطوط الزمن على وجهه تحكي قصة عقبة عصيبة مر بها، فقال باسماً: "لأني أؤمن بوجود الخير في أي موقف حتى في المواقف السيئة، لأن على يقين بأن ما يحدث من شر جاء ليحميني من أمور أشد سوءاً وشراً، وأيضاً على يقين بأن الله ما منع عني شيئاً أحبه إلا ليعطيني ما هو أفضل وخيراً لي."
نكس رأسه حزناً، فحبس تلك الدمعة التي ودت أن تلقي بنفسها خارج عيناه، فربت العم "أيوب" على يده، ثم قال بنبرة رقيقة ودودة: "هون على نفسك ولا تنسى بأن لديك حق عليك، واعلم أن الله سيرضيك ولكن ليس بالذي تستحقه بل بالذي يراه مناسباً لك." عمت البهجة والسعادة في بيت عائلة الألفي، فاليوم زفاف المشاغب "مازن"، فقد تزينت جدران البيت بالورود البيضاء والأنوار المبهجة. قفز "مازن" على الفراش مبتهجاً ثم صاح بسعادة نابعة من قلبه:
"وخلاص هتجوز وهبطل أبص ع البنات ااااااااه." ضحك "هشام" بصوت عالٍ ثم قال بنبرة مارحة: "بس بس، ياخي تباً لك ولصوتك." أكمل "مازن" غناءه بنبرة فارحة ويكاد قلبه يقفز من بين أضلعه من فرط سعادته: "النهاردة فرحي ياجدعان، عايز كله يبقى تمام، لاقيتها ماشية مشيت وراها قلت لازم أعيش معاها." ثم أشار بإصبعه باتجاه شقيقه وهو يقول بمرح: "عارفين قولتلها إيه؟ تبسم فاه "أدهم" على هيئته ثم شاركه تلك اللحظة السعيدة وهو يقول باسماً:
"قولتلها إيه؟ أردف الآخر وهو يرقص على أطراف الفراش: "بعد إذن سيادتك أنا معجب بسعادتك ممكن أكلم طنط يمكن ربنا يهديني وأكمل نص ديني تراااتتتتتت، وهتجوز هتجوز." كان "هشام" يحدق به بذهول من هذه الحركات العجيبة التي يفعلها الآخر، فضرب كفاً على كف وهو يقول مندهشاً: "كنت بحسبك خلاص كبرت وعقلت لكن دلوقتي اتأكدت أنك لسه زي ما أنت أهبل." رد عليه "مازن" وهو يقفز من على الفراش فقال بغرور: "مش هرد عليك ياحقودي، تدري ليش."
"ليش ياحنين؟ "أصل عقبال عندك ياخويا أنا العريس." أردف "أدهم" بنبرة لعوبة: "اتدبست ياواد يا مازن واللي كان كان وبكرا تقول الله يرحم أيام زمان." نظر إليه "مازن" وهو يقول مازحاً: "عارف إنكم عاوزين تبوظوا الجوازة وأنا مش هخليكم تنالوا الشرف ده ياكلاب." ثم أشار باتجاه "هشام" وهو يقول مبتسماً: "وخصوصاً الواد العانس اللي هناك ده." افتر فاه "هشام" بذهول ليقول منصدماً: "بقى أنا عانس!
ضحك "مازن" بخفة وهو يحرك رأسه بالإيجاب ثم أكمل لهواً ولعباً حتى يغيظه: "ورقصني عالطبلة ولا عنتر ولا عبلة، الله أكبر ده إحنا أكتر من روميو وجوليييييييت." صاح "حمزة" الذي كتم أذنيه فقال: "ياربي ياربي، ياريت نخلص وتدخل تتزفت تلبس بدلتك بدل ما أنت عمال تترقص ليا بالبرنس." نظر إليه "مازن" ليكمل بإغاظة: "ولاحسن ونعيمة ولا بتوع السيما، نفسي أخدها وأشد إيدها ونروح على البيت، وهتجوز." جذب عمه المنضدة ثم ألقاها عليه،
وقال بضيق: "ماتخلص يازفت هنتاخر على الفرح والمعازيم." "حاضر متزوقش الله." وبعد لحظات خرج لهما "مازن" فنظر إليهما بوجه طلق مشع بالفرح والسرور فقال مبتسماً: "ايه رأيكم أنفع أبقى عريس." أطلق "هشام" صوت تصفير عالٍ ثم قال مازحاً: "اوعى يابا البدلة هتأكل منك حتة." بينما "أدهم" قال مفتخراً بشقيقه: "باشا طول عمرك يا مازن ايه يابني الحلاوة دي." ضحك "مازن" بخفة: "جرا إيه مالك ياعسل أنت وهو هتحسدوني اسم الله عليا من عنيكوا."
أضاف "حمزة" باسماً: "ياشيخ اتنيل دول بيجملوك مش أكتر قال هيحسدوني قال." "تعرف ياعمي أنا مش هرد عليك، تدري ليش." "ليش ياقلب عمك! قفز "مازن" بفرح وقد افتر ثغره عن ابتسامة عريضة، وقال: "لأن أنا العررررررررريس وندى العروووووسة." ضحك أبيه على أفعاله المرحة ثم قال: "ربنا ما يحرمك من الهبل يابني." تحدث "هشام" بنبرة ضاحكة: "حرفياً أنا منبهر بنظافة مازن." "ليه ياسى هشام؟ كان حد قالك أني معفن ولا إيه."
قاطع حديثه شقيقه الذي جذبه من طرف الثوب وهو يدفعه على المقعد أمام المرآة، ثم قال: "طب إيه مش هتتنيل تعدل شعرك بدل ما تروح لعروستك منكوش كده." نظر إليه "مازن" وهو يقول: "بص أنا عايز قصة شعر تبهر البت ندى." "طب اتهد أنت بس وثبت راسك وأنا هبهركم كلكم." "ياخوفي يافواز ياخويا لنصدم كلنا." بينما عند العروسة التي يسودها الإيناس والسرور، برقت عين "رحيل" بومضات البهجة والفرح، فأخذت تنثر الورد الجوري على صديقتها بكل
حب وهي تغني بنبرة رقيقة: "اليوم مافي مثلك اتنين زفافك عندي فرحتين ياحبيبة القلب ويا زينة البيت، يا أغلى من الرمش والعين." شاركت "نور" في الغناء فأخذت تردد بسعادة: "انشروا أغلى الروائح وانثروا ماء الزهر، وافرشوا في دربها أحلى الزهور، أقبلت من صوبكم عروسة بدر البدور." أكملت "رحيل" وهي تزغرد بروح محلقة في أجواء السعادة: "عروستنا مثل القمر ياأرق من الزهر ويا أغلى الناس والبشر."
أقبلت إليهن فقامت بضمهما إلى صدرها لتعبر عن مدى سعادتها بوجودهما بجانبها، وقد تهللت أساريرها واللمعت عيناها سروراً. بعدما رقصوا معاً الرقصة الأولى، أردف "مازن" بمشاعر تفيض فرحاً وحيوية: "مش كنا روحنا أحسن ياقمر أنتي، الواحد مش عارف يتستفرد بيكي هنا." "ما تتلم يامازن أنا عايزة أفرح في أي." تبسم فاه بخفة وهو يقول غامزاً: "ما هناك كنت هخليك تفرحي أكتر يابت كنت هبسطك وهدلعك صدقيني." اصبغ خدها بالاحمرار فقالت بحياء:
"تعرف أنك ماتربتش." "ولا شوفت ريحة التربية حتى ياختي." صمت حين رأى "هشام" يمر من أمامه وهو يحمل بين يده طبقاً مليئاً بالطعام، فناداه هامساً: "هشام واد ياهشام هات الطبق اللي معاك ده أنا جعان." حدقت به "ندى" مندهشة فقالت: "الله يخربيتك اسكت الناس هتسمعك." أردف الآخر مبالياً فقال: "أنا جعاااان ياجدعان." ثم ناداه مجدداً: "هشومة ياهشومة أنا جعان يازفت." وضعت كلتا يديها على فمه لتجعله يصمت قليلاً، فهي تشعر بالحرج من حديثه،
فقالت بضيق: "حرام عليك فضحتني المعازيم هيقولوا علينا إيه دلوقتي." وقف "هشام" مقابله وهو يخرج لسانه بإغاظة فقال ساخراً: "بصوا شوفوا مزاميزو حالته بقت تقطع القلب وتصعب على الكلب." صاح "مازن" منزعجاً: "بقى كده وربنا ما هحلك بس أخلص أم الفرح ده وبعدها هوريك." فقام الآخر بوضع قطعة لحم في فمه ليتذوقها بمزاج عالٍ حتى يكيد العريس، ليقول بنبرة مازحة: "الله على شريحة اللحمة الباردة تحفة، تاخد حتة ياميزو."
نظر إليه "مازن" بغضب وضيق وهو يسبه في سره، مما جعل الآخر يقهقه بقوة، ثم غادر من أمامه حتى لا يثير أعصابه أكثر من ذلك. على الجهة الأخرى دنا "حمزة" من زوجته التي يكسوها معالم الحزن، فقال بنبرة ودودة: "مالك ياحنون زعلانة ليه؟ اللمعت عيناها بالدمع فقالت بنبرة متحشرجة: "ابني وحشني ياحمزة بقاله مدة غايب عني ومعرفش عنه حاجة." ربت على يدها ثم قال بلطف: "متخافيش عليه ياحبيبتي." نظرت حولها وهي تقول بحزن:
"العيلة كلها متجمعة ومبسوطة ومحدش فارق معاه وجوده، عارفة إنه غلط في حقهم، ولكن ليه محدش سامحه على اللي عمله، ماهما كمان آذوها وفي الآخر سامحتهم ورجعت ليهم، ولكن ابني بقى منبوذ وسطهم وكأنه الوحيد اللي أذنب." "بس ذنبه كان أكبر من ذنبهم ياحنان، الأذى اللي عمله كان جسدي ونفسي، ابنك دمر البنت ولمس حاجة مش من حقه." فرت الدموع من عيناها ثم قالت بألم: "أنا قلبي موجوع ومش عارفة إذا كان عايش ولا ميت."
عانقها زوجها وهو يشعر بالحزن وقلة الحيلة، فليس بيده شيئاً ليفعله، انسحبت "رحيل" الواقفة خلفهما بهدوء بعدما سمعت حديثهما، فخرجت من القاعة لتقف بجانب بعيد لتسترد أنفاسها، فقد راودها الحزن مجدداً، فأخذ عقلها يفكر فيه دون إرادة منها، فنبض قلبها خوفاً وقلقاً من أن يكون أصابه شيء، فمنذ شهر أو أكثر لم تقابله ولو في مرة صدفة، حتى أنه لم يسأل عن أبنائه، تساءلت بداخلها هل من الممكن أن يكون تخلى عنهما، أم أنه لم يريد رؤيتها؟
أخرجت تلك الأفكار من رأسها ولكن ساورها القلق عليه، تعجبت من نفسها فقالت: "ليه بتفكري فيه دلوقتي مايموت ولا يولع أنتي نسيتي أنه كان السبب في عذابك." ولكن لقلبها قول آخر، فهو بدأ ينبض بقوة مجدداً، فضربت عليه بيدها وهي تقول بيأس: "بطل لأن اللي أنت عاوزه مش هيحصل، ولو اضطريت أشيلك من جوايا مش هتردد لثانية واحدة، أنا مش حمل وجع تاني."
كانت تحدث نفسها وهي غافلة عن تلك الأعين التي تراقبها في صمت، لاحت "رحيل" بأن هناك شيئاً غير طبيعي بتلك الجهة المتواجد بها، فلما علم بذلك اختبأ جيداً خلف الأعمدة، كادت تتجه نحوه لترى ماذا يوجد، ولكن جذبتها يد شقيقها الذي قال بتساؤل: "واقفة لوحدك هنا ليه؟ أردفت بحيرة قائلة: "أزعجني صوت الأغاني فقولت أبعد شوية." تبسم بحنية ثم قال بلطف: "طب تعالي ندخل لأن جدك بيسأل عنك."
سارت معه وهي تلتفت من حين لآخر خلفها، لحظات وتوارت عن أنظاره، فقال هامساً: "ثلج قلبي يذوب حين ألقاك يا ساكن فؤادي ولست أنساك."
بعد عدة ساعات كان ينتظرها على أحر من الجمر، فقد كافح كثيراً في تلك السنوات حتى يجتمع بها في بيت واحد، والآن جاءت اللحظة الحاسمة حين رأى طيفها يطل من غرفتها، ولكنه بهت عندما طالعها من مقدمة رأسها إلى أخمص قدميها، فوجدها ترتدي سروالاً وقميصاً مصبوغاً بالرسومات الكرتونية، وقد مشطت شعرها إلى جدائل صغيرة، فهذا الثوب لم يناسب هذه اللحظة بتاتاً، فشعر بجفاف في حلقه من هيئتها التي أحبطته، فأشار عليها بإصبعه وهو يقول منصدماً:
"ايه اللي انتي لبساه ده! تبسمت بخجل وهي تجيبه برقة بالغة: "دي بيجامة هكونا مطاطة." قطب مابين حاجبيه فقال مندهشاً: "بي أي هو أنا متجوز بنت اختي ياندي؟ وايه الضفاير اللي عملتها في شعرك دي؟ ثم أضاف متفحصاً حين أمسك الجدائل: "ومالها شكلها غريب كده ليه؟ أردفت "ندى" بدلال، فقالت بلهجة مبتهجة: "جرا إيه ياميزو دا أنا قولت أعمل حاجة مختلفة تغريك."
جذبها من ثوبها بلطف وهو يشعر بضيق، لقد أوشكت تلك الفتاة أن تذهب بعقله، فقال عابساً: "بذمة أهلك إيه الإغراء في الضفاير؟ ثم أضاف حين مسح على وجهه بنفاذ صبر: "ادخلي ياندي الله يهديكي ادخلي غيري الزفت ده." وضعت كلتا يديها على خصرها ثم قالت نافية: "لا عاجبني شكلي كده وبعدين أنا جعانة ياميزو ممكن نأكل الأول لأن هموت من الجوع وبعدها نشوف حكاية اللبس." ابتعد عنها ليتجه إلى المطبخ وهو يقول بضجر:
"لا مفيش ليكي انتي بالذات أكل، وهأكل لوحدي لقمة تواسيني في محنتي لأن خلاص نفسي اتسدت على دي جوازة، دا أنا حتى صارف ومكلف يارب يقوم يحصل فيا أنا كده." انتظرت لحظات حتى يخرج ولكن لازال بالداخل، فولجت إليه فوجدته جالساً فوق طاولة الطعام يلتهم ما يقابله من أصناف شهية، فقالت مندهشة: "بقى أنا مستنياك تجيب الأكل وتيجي، اتاريك قاعد بتأكل من غيري."
أنهت حديثها وهي تجذب الصينية المحملة بالطعام من أمامه، لتهرول بها إلى الخارج، فنهض "مازن" سريعاً ليتبعها وهو يصيح قائلاً: "انتي ياصاحبة الضفاير هاتى الأكل بتاعي." قامت بإغلاق باب غرفتها بالاقفال ثم صاحت بصوت عالٍ: "ابقى خلي أمك تعملك غيره ياحيلتها." دفع الباب بيده لكنه لم يفتح، فقال منزعجاً: "افتحي الباب بدل ما أكسره عليكي اخلصي أنا جعان إلهي تتشكي ياندي."
أتاه صوتها من الداخل لتعلن عن الرفض قطعاً، فأردف بنبرة ممزوجة بمكر حتى يساورها، فقال: "طب بصي اخرجي و خلينا ناكل مع بعض، دا أنا حتى مازن جوزك." "انت كداب وبتضحك عليا وغدار ومالكش امان." ضحك بخفة على وصفها فقال بنبرة لينة: "يخربيتك عقلك بقى أنا كل ده، طب ماشي ياستي اطلعي من الاوضة ومتخافيش مش هعمل حاجة يلا بقى ياندوش." فتحت الباب برفق ثم أخرجت رأسها أولاً وهي تقول محذرة: "أوعى تغدر بيا." "متقلقيش."
فلما خرجت ووضعت الطعام على الطاولة، قام بجذبها من الجدائل وهو يقول بمشاكسة: "تعالى بقى دا أنا ساكتلك من الصبح من ساعة ما لبستي بيجامة بنت اختي وأنا مش راضي أتكلم، لكن توصل لموضوع الأكل لا واستوب عندك، ولازم تتجازي على عملتك السودا يابنت بديعة الهبلة." فقام بغرس أسنانه بذراعيها ليقتص منها حقه، فصرخت "ندى" بأعلى صوتها، ابتعد عنها فجأة، وهو يضع يده على فمها ليكتم صراخها، فقال مهدئاً:
"بس بس اسكتي الله يخربيتك الجيران هتسمع صوتك وهيقولوا بيعمل إيه فيها." لم تجبه وظل صراخها مستمراً، فقال هو: "يانهار أسود يخربيت اللي يزعلك ياشيخة اتهدي بقى وافصلي." نظرت إليه "ندى" نظرة معاتبة، فدنا منها ليقبل يدها برفق ثم قال معتذراً: "حقك عليا آسف مش هكررها ميبقاش قلبك أسود بقى ياندوش." أشاحت بنظرها بعيداً عنه لتنظر باتجاه آخر، بينما هو لمس خدها برفق وقال بنبرة دافئة محبة:
"خذي من قلبي كل الحنان يا من أشعر بقربه بالأمان." تبسم ثغرها عن ابتسامة عذبة، فسمعته يضيف بعض الكلمات الودودة حتى ترضى عنه، فقبل راحت يدها ثم قال باسماً: "نهر حبك غسل كل بساتيني وأزهرت أشجاري وكثرت رياحيني." ارتسمت علامات الفرح على محياها فبادلته تلك النظرة المليئة بالحب والرحمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!