كانت تسير "رحيل" في حديقة القصر مع صديقتها "رهف"، فأتت إليهما "هشام" ليتمشى معهما، فكان يريد أن يتحدث مع تلك الفتاة التي أعجبته منذ رؤيتها في حفل زفاف "مازن". تلكأت "رحيل" في مشيتها حينما عرفت بما ينوي فعله، لذا انحرفت بخطواتها لترجع إلى البيت. تعجبت "رهف" من تصرفها، لكنها ظلت واجمة صامتة لتكمل سيرها معه بعدما أزاحت خصلة الشعر عن وجهها الذي يلعب فيه الهواء. فحمحم "هشام" بتردد ثم أخذ نفسًا عميقًا ثم بدأ يسترسل حديثه قائلًا:
-ممكن أسألك سؤال مهم؟ نظرت إليه وقد ارتسمت علامات الاستفهام على وجهها، فهي متعجبة من تصرفاته، فقالت بهدوء: -اتفضل. نظر "هشام" لبرهة في عينيها ثم قال: -هو أنتِ مخطوبة أو في حد في حياتك؟ اندهشت "رهف" من سؤاله الذي لم تتوقعه بتاتًا، ولكنها أجابت عليه قائلة: -لا. أردف بحماس عندما أعلنت رفضها فقال باسمًا: -بصي من الآخر كده وعلشان أكون معاكي صريح، أنا معجب بيكي من أول مرة شوفتك فيها.
أحست "رهف" بالخجل والإحراج من اعترافه المفاجئ، فصمتت. بينما "هشام" أكمل حديثه بنبرة لطيفة: -أنتِ فتاة جميلة جدًا يا رهف، وعلشان تتأكدي من صدق حديثي أنا طلبت من أبوكي إنه يحدد موعد أجي أخطبك فيه، فمن هنا للوقت ده فكري في عرض الجواز براحتك وأنا هستناك. أبعدت وجهها عنه باستحياء لتسير بسرور في كل اتجاه. فلما وصلت إلى غرفة المعيشة سألتها "رحيل" عن سبب تأخرها، فأجابتها "رهف" وقد تغير لونها فقالت بتلعثم:
-كنت بتمشى ومحستش بالوقت علشان كده اتأخرت في الرجوع. أطالت "رحيل" نظرتها نحوها ثم قالت بنبرة لعوبة: -يعني هو ده كل اللي حصل بس؟ تبسمت "رهف" بخجل وقالت: -الصراحة ومن غير لف ولا دوران قريبك هشام قال إنه معجب بيا وعايز يخطبني. حدقت به "رحيل" باندهاش وقالت لها: -بتهزري صح؟ أنا عارفة إنه معجب بيكي بس مكنتش أتوقع إنه ياخد الخطوة دي حاليًا. -أنا كمان اندهشت من الجراءة اللي هو فيها، لكن عجبني إنه واخد الموضوع جد. ربتت "رحيل"
على معصمها برفق وقالت لها: -هشام راجل طيب وابن حلال ومدام هو حابب يدخل البيت من بابه فاطمني إنه شاريكي وحابب وجودك، لكن أنتي إيه رأيك؟ ارتبكت قليلاً ثم تفوهت بتردد: -مش عارفة بس أنا لما بشوفه قلبي بيقعد يدق جامد. حضنتها "رحيل" بكل محبة ثم قالت مبتهجة: -يبقى السنارة غمزة يا رهوفة، ودلوقتي أقدر أقول مبارك عليكي مقدمًا. وفي هذا الأثناء شدت "صفا" أذن "مروان" بقوة وهي تعاتبه قائلة:
-مطمرش فيك الرضاعة اللي كنت برضعها لك، ده أنا يامؤمن كنت بسيب أدهم يعيط وأقعد أرضع فيك وأغير لك البامبرز وفي الآخر تضحك عليا. حاول أن يفلت من تحت يدها فصاح قائلاً: -يا صفصف ياحبيبتي حرام عليكي اللي بتعمليه فيا ده، اشحال إني ابنك حبيبك تقومي تبهدليني كده. -أصلي مفروسة منك أوي، كل ما افتكر إن رحيل كانت عندكم وأنت مكلفتش خاطرك تتصل عليا تطمني عليها. بعدما دفعته عنها تحسس أذنيه بألم ثم قال باسمًا:
-وأنا كان بأيدي إيه أعمله يا صفصف بنتك هي السبب. تبسمت "صفا" بخفة وقالت له: -ده أنت مش سالك ياواد يا مروان. أردف "مروان" بنبرة مرحة: -وحياتك كل الرجالة مش سالكة اسمعي مني واشتري نصيحتي. -بلا وكسة توكسك أكتر ما أنت موكوس. أمسك بكتفها وهو يقول مازحًا: -بس أنا أعتب عليكي في حاجة، ليه بترضعيني مع ابنك مش لو كنتي سبتيني لحالي كان زماني متجوز القمر اللي هناك ده. أنهى جملته وهو يشير بإصبعه باتجاه "رحيل"، فقالت "صفا" ضاحكة:
-يلا مالكش في الطيب نصيب يا ابن فاطمة. تبسم فاه عن ابتسامة بشوشة ثم قال بنبرة فكاهية: -نصيبي أبقى أخوها في الرضاعة يا صفصف. في صباح اليوم التالي، بينما كانت "رحيل" تأخذ غرفة المعيشة الخالية جيئة وذهابًا، فولج إليها "هشام" مسرعًا وهو يسترد أنفاسه المتقاطعة، فتسألت هي: -ها عرفت عنه حاجة؟ جلس على الأريكة بأرهاق ثم قال لها: -أيوه. فأردفت "رحيل" بتردد: -طب عرفت مكانه؟ صمتت لوهلة ثم أضافت بنبرة قلق
حاولت قدر الإمكان إخفائها: -هو كويس مش كده؟ أجابها الآخر قائلاً: -نوعًا ما. -يعني إيه؟ -تقدري تقولي عايش ومش عايش. أحست بالخوف عليه فقالت مرتبكة: -أنت قلقتني يا هشام. -ماتقلقيش عليه هو بخير، لكن نفسه يشوف زين وزينة وبيستأذنك إني أخدهم يشوفهم. -وليه ما يجيش يشوفهم بنفسه؟ أجابها بنبرة مرتبكة فقال: -مش حابب يأذيكي بوجوده هنا.
نظرت إليه بدهشة من قوله، فهي لم تصدق ما فعله في الابتعاد عن صغاره حتى لا يحزنها أو يسبب لها أذى، فقالت له: -المهم دلوقتي هو قاعد فين؟ -هو حاليًا ساكن في مزرعة مع راجل عجوز. بينما هي جلست بإحباط وتمنت لو تستطيع أن تبقى بعيدًا كل البعد عن من حولها. نظر إليها "هشام" فاشفق على حالتها، فقال: -لو مش حابة عيالك يروحوا له انسى إني قولتلك حاجة. رفعت بصرها نحوه وهي تقول:
-لو مكنتش عايزة عيالي يشوفوه مكنتش طلبت منك من الأول تدور عليه، وبعدين هو في الأول والآخر أبوهم ومن حقه يشوفهم. -على العموم وقت ما تحبي توديهم ابقي قوليلي وأنا أخدهم له. -حاضر.
صعدت إلى غرفتها لتجلس مع صغارها فلم تجدهم. أخذت تبحث عنهما، فألتقت بها "نور" أثناء مرورها من أمام غرفتها وأخبرتها بأنهما في غرفة والدهما. فاتجهت إليهم، فلما اقتربت وضعت يدها على مقبض الباب وقد سيطر عليها الاضطراب الشديد، ولكنها الآن تغلبت على خوفها وشجعت نفسها بأنها لن يصيبها شيء إذا دخلت إلى غرفته، فهو ليس متواجدًا بداخلها من الأساس. فلما ولجت إليهم وقفت متصنمة مما رأت. فراحت تحول بصرها بكل ركن بالغرفة، فكانت في حالة يرثى لها. فكل شيء ليس في مكانه، حتى أدراج الخزانة مفتوحة على مصراعيها وما بداخلها ملقى أرضًا، وكل ثيابه تنثرت في جميع الاتجاهات.
صاحت غاضبة: -إيه اللي عملتوه ده! نظرت إليها "زينة" ببراءة وهي تسحب من فوق صندوق خشبي بعض الأغراض الخاصة بأبيها، ثم قالت برقة: -بنتفرج على صور بابي. ثم مدت يدها نحوها بوردة مجففة. أخذتها "رحيل" منها وهي تقول بتعجب: -جبتيها منين دي. أشارت بسبابتها نحو الصندوق، ثم قالت ببراءة: -كانت موجودة على الصندوق. جلست على ركبتيها بجانبها ثم قالت لهما بحده: -ياريت تتفضلوا تطلعوا بره لحد ما أعدل الأوضة اللي حضراتكم بهدلتوها.
وفي هذا الأثناء أردف "زين" برجاء فقال: -خلينا نلعب شوية هنا يامامي دا لسه في حاجات كتير عند بابي مشوفتهاش. حدقت به بذهول، فكان يرتدي قميص أبيه، فامسكته من كتفه وقالت منزعجة: -إيه اللي أنت عملته في نفسك ده؟ وبعدين هو ده قدك علشان تلبسه. نظر لنفسه مستغربًا ثم قال بنبرة طفولية جميلة: -ماله ماهو شكله حلو عليا. وبعدين بصي في صور بابي اللي هنا دي كان لابسه عادي. اختلست نظرة سريعة باتجاه ألبوم الصور ثم قالت:
-علشان ياحبيبي هو مناسب له، أما أنت لسه جسمك صغير والقميص كبير عليك. تفوه "زين" بعبوس وهو يقول: -أنا عايز أكبر زيه ماليش دعوة. -ماتستعجلش بكرا تكبر وتندم إنك كبرت وهترجع تقول ياريتني فضلت طفل زي ما أنا ولا شوفت يوم من أيام الكبر. أنهت جملتها وهي تخلع عنه الثوب ثم قالت بلهجة أمر: -ودلوقتي زي الحلوين كده تروحوا أوضتي وإياكم تخرجوا منها.
زفرت أنفاسها بعجز وهي تشاهد تلك الغرفة المليئة بالكراكيب. فراحت تعيد كل شيء بمكانه، ماعدا ذلك الصندوق الذي دفعها فضولها لاكتشافه. ومن حسن حظها أن أقفاله كانت مفتوحة مما ساعدها هذا على إخراج محتواه. ولكن ما جعلها مذهولة تلك الهدايا المتواجدة بداخله. لكنها شعرت بالضيق حينما وجدتها تخص فتاة ما. لا تعلم لما روادها شعور الغيرة. فتسألت بداخلها هل أصبح لديه حبيبة أخرى؟
ولما لا فهو مثل باقي الرجال مخادعون ومتقلبون المزاج. وفي هذا الأثناء لفت انتباهها تلك الأوراق الملتصقة على كل علبة. فاندهشت من تلك الأرقام التي نُقشت عليها بتسلسل. فقامت بفتح العلبة الأولى لتجد سلسلة ذهبية على هيئة تنة ورنة ومعها أيضًا رسالة. تبسم ثغرها تلقائيًا عندما بدأت بقراءة هذه الرسالة. "كل عام وأنتِ بخير يازهرتي..
اليوم عيد مولدك الأول بعد فراقك عني. أعلم أنك مجروحة مني ولو قدمت لك الكثير من الاعتذار فلن يغفر لي ذنبي. يازهرتي مازال صوتك في ثنايا مسمعي، والشوق في صدري يفتت أضلعي. هل تعلمين أني مازلت أفتقدك. وأفتقدك تبسماتك البريئة.
أعرف أنكِ الآن تستغربين لما اخترت لكِ تلك الهدية، فأنا أحببت أن أجلب لكِ ما تحبين وما يشبه روحك. وأيضًا لأني أعلم جيدا حبك لشخصية تنة ورنة لذا أردت أن تكون هذه الهدية مميزة مثلك. فقد صُنعت لكِ خصيصًا. والآن أختم قولي بالاعتذار إليكِ يازهرتي. أحبك كثيرًا ياابنة عمي. من المذنب في حقكِ حبيبك مراد...
علمت "رحيل" من خلال تلك الرسالة بأنها هي المعنية. لذا أحست بمشاعر مختلطة من بين الحزن والفقدان، والعفو والعقاب. فكرت أنها تنسحب بهدوء ولا تكمل ما تبقى من فتح الهدايا ورؤية ما بداخلها. ولكنها تراجعت عن هذا لتكمل بقلب شجاع محتوى الباقي. سحبت العلبة الثانية والتي كان مكتوب عليها رقم ٢. فقامت بفتحها. ضحكت بخفة عندما أخرجت منها زجاجات لطلاء الأظافر. فكان نصف ينقسم إلى لون اللافندر والقسم الآخر إلى اللون الأزرق. فكلتا اللونين كانوا متواجدين بتدرج في الزجاجات. تركتهم بداخل العلبة وبدأت في قراءة الرسالة الثانية.
"اليوم مولدك الثاني منذ فراقنا تمنيت لو أنني أراكِ لأخبركِ كم اشتقت لكِ يازهرتي. ما رأيك بطلاء الأظافر أعلم جيدا أنكِ تعشقين هؤلاء اللونين بشدة وأنهما مفضلين عندكِ لذا جلبتهم لكِ حتى بألوانهم المتدرجة. هل أعجبتكِ هدايتي؟ وعندئذ أجابت "رحيل" بأعين دامعة فقالت هامسة: -عجبتني جدًا. ثم عادت لتقرأ باقي الكلمات.. صحيح أن القدر لم يجمعنا هذه السنة أيضًا، ولكني سأخبركِ هنا
بأنكِ أجمل وأرق امرأة قابلتها في حياتي، فأنتِ يازهرتي أجمل ما حصلت عليه من خير....... أرجوكِ أن تغفري لي. مراد." وعندئذ قهقهة بقوة واللمعت عينيها الزرقاوين بالسعادة والفرح عندما احتضنت الهدية رقم ثلاثة. فهتفت بسرور: -أنا بجد مش مصدقة شرابات شلبي وكورة البعبع. مكنتش متخيلة إنه هيخطر على باله إني بحب النوع ده من الشرابات. "كل عام وأنتِ بخير يازهرتي فاليوم مولدكِ الثالث.
كنت محتار ماذا سأعطيكِ في هذا اليوم لكني تذكرت حبكِ لارتداء مثل هؤلاء الشرابات في الشتاء. أعرف أنكِ ستندهشين بمعرفتي بالأشياء التي تحبينها. لقد علمت بكل هذا من خلال مراقبتي لكِ وحرصي على معرفة ما تحبينه وعلى ما تكرهينه. لقد كنت مغرمًا بكِ إلى حد لا يتصوره أحد ومازلت إلى الآن أحبكِ بشدة. والآن جئت إليكِ معتذرًا وندمًا فأرجو أن تسامحيني.. رسالتي من المذنب مراد."
قاطع تلك اللحظة رنة هاتفها فردت على المتصل فكان "هشام" الذي أخبرها بأنه يريد أن يأخذ صغارها لزيارة والدهم. فأمرته أن ينتظر حتى تجهزهم. بعد ما أغلقت معه نظرت إلى الشرابات التي تعانقها بسعة رحب. فقامت بوضعها بداخل الصندوق وكان هناك أربع علب مغلقة لم تفتحها بعد. فوضعتهما معًا حتى تراهم بوقت لاحق. مرت ساعة من الانتظار. فلما ولجت إلى غرفة المعيشة نطق "هشام" قائلاً: -أخيرًا خلصتم دا أنا كنت همشي وأسيبكم. أردفت "رحيل"
مبتسمة فقالت: -شكرًا لانتظارك لينا طول المدة دي. ودلوقتي يلا خلينا نمشي. نظر إليها بتعجب فقطب مابين حاجبيه وقال بتساؤل: -هو أنتِ جاية معانا؟ -آه ليه؟ -أصلي مستغرب لأني عارف إنك مش بطيقي مراد. تنهدت بعمق شديد ثم أخبرته قائلة: -أنا مضطرة أجي معاك علشان خاطر ولادي اللي أصروا أكون معاهم. ولج إليهن الجد "وهدان" بعدما سمع حديثهما، فقال: -متأكدة من مرواحك له يعني هتتحملي تشوفيه قدامك. أجابته "رحيل" بهدوء فقالت:
-أيوه يا جدو وبعدين أنا من أجل ولادي أتحمل أي وجع المهم يكونوا مبسوطين. مسح الجد على خصلات شعرها مسحة حنان ثم قال باسمًا: -ربنا يراضيكي يابنتي ويزيح من قلبك أي وجع. ودلوقتي يلا نمشي أصلي أنا جاي معاكم.
عندما وصلوا إلى المزرعة ركض الصغار نحو والدهم الذي كان يسقي الزرع. فترك ما بيده ليحملهن بين ذراعيه بشوق جارف. وعند استقباله لجده انصدم من وجودها فهو لم يتوقع مجيئها. وعندئذ جاء العم "أيوب" ليرحب بهما بشدة ثم قام بإرشادهم إلى مكان المعيشة. ولكن الجد اقترح بأن يجلسن تحت شجرة وارفة الظل ليستمتع بالمناظر الطبيعية الخلابة. فأوراق الأشجار كانت تتمايل وكأنها ترقص على ألحان تغريد العصافير. أما "رحيل" كانت تحدق بملامح وجهه بتعمق فحزنت من هيئته التي أصبحت باهتة يكسوها الحزن، وجسده الذي بدأ ضعيفًا عن ذي قبل فمن يراه يظن بأنه أصيب بوعكة صحية كادت تطيح به إلى القبر. والآن حينما نظر إليها بعينين مشتاقة لها قرع قلبها نبضاته فلعنته في سرها. بينما هو
افتر ثغره عن ابتسامة ودودة عذبة عندما وقف مقابلها وقال بامتنان: -شكرًا ليك. نظرت إليه متعجبة ثم قالت بتساؤل: -على أي؟ فرك شعره بحرج وقال مرتبكًا: -لأنك ما منعتيش عني رؤية ولادي بجد أنا ممتن ليكي بالمعروف ده. كان هذا الحديث ليس ما ود قوله فهو ود أن يشكرها على مجيئها ولأنها سمحت لعينيه أن تراها وتشبع منها. تحدثت بنبرة ممتزجة ببعض من الحدة فقالت: -لا شكر على واجب. وفي هذا الأثناء أمسك كفها وهو يقول راجيًا:
-رحيل أرجو منك المسامحة أنا.. أوقفت حديثه لتنفض يده بعيدًا عنها ثم قالت بصرامة: -لو سمحت إياك تسمح لنفسك إنك تلمسني تاني. أنا لولا ولادي وخوفي من أنهم يتهموني بالقسوة والانانية لو منعتهم عنك مكنتش خليتهم ثانية واحدة هنا. أردف "مراد" بندم: -رحيل أنا. وقبل أن يكمل ما يريد قوله، تفوهت "رحيل" بحزم: -مراد كفاية لحد كده وياريت متديش لنفسك أكبر من حجمها لأن أنا حرفيًا مش طايقة أبص في وش واحد غدار زيك.
-أنتِ ليه مش راضية تديني فرصة أصلح اللي عملته. ردد عليه بلهجة مستهزئة فقالت: -عمر اللي اتكسر ما يتصلح يا مراد. وبعدين بلاش نفتح في ملفات الماضي لأن لو فتحتها صدقني هتطلع أنت اللي خسران في الآخر. ودلوقتي أنا اللي برجوك وبقولك كفاية لحد كده وياريت تعمل حساب إن ولادك قاعدين معانا وأنا مش حابة أبوظ فرحتهم. فخلينا نتعامل بود لحد ما الليلة دي تعدي على خير.
بعد بضع ساعات كان يلعب ويرتع مع صغاره في جو مليء بالسعادة والابتهاج. فكان يطلعهما بحب كبير ثم انطفأت فرحتها حين همست لنفسها لو لم تكن تلك الليلة لكنا الآن معًا بصحبة صغارنا. كنا سنصبح عائلة رائعة وسعيدة لن يكن في الحياة مثلها. أنك حقًا أب رائع ولكنك حبيب فاشل وغدار. قفزت "زينة" من على ظهر أبيها لتركض نحو أمها وهي تقول: -مامي أنا جعانة أوي. هتف "هشام" بمساكشة: -ياربي نخلص من مازن تطلع لنا بنت رحيل. جاء "مراد" ليقبل
خد ابنته برفق ثم قال: -محدش له دعوة بأميرتي الصغيرة. قوليلي يا بابا نفسك تأكلي إيه. نظرت إليه "زينة" وهي تقول برقة: -مش عارفة. -بتحبي السمك. تبسمت بسعادة وقالت: -جدًا. فقام بحملها على كتفه ليقول بمرح: -مدام أميرتي بتحبه يبقى نعملها أحلى وجبة سمك.
أنهى حديثه وهو يتجه بها نحو البيت ليصنع وجبة غذاء لصغاره. بينما "رحيل" هي الأخرى ذهبت خلفهما لتساعده في إعداد الطعام. فلما ولجت إليهن وجدهن يخرجن المحتويات من الخزانة. تعجب "مراد" من وقفتها عند مدخل الباب. لكنه حثها بهدوء على الانضمام لهما. سألته ماذا يجب أن تفعل فأمرها أن تقطع الخضروات إلى حين أن ينتهي من تحضير السمك. لحظات وقد نسيت ما حدث بينهما لتندمج معه. كانت عيناه طيلة الوقت ترسل نظرات نحوها ليعبر فيها عن مدى
السعادة والارتياح برؤيتها. وفجأة عندما التقت أعينهما معًا استطاعت معرفة ما يدور في ذهنه من نظرة عينيه المتحدثة. فهي تعكس ما يشعر به من ندم وحزن ممتزج بالحنان والشوق إلى تلك المحبوبة العنيدة. فهي بالنسبة له فكرة خارج المنطق ليس لها شبيه. تبسم ثغره بحب ليحدث نفسه بمقولة تبًا لتلك العينين التي تحمل نظرة قوية كما لو أنها تريد ضربي أو قتلي. أشاحت وجهها عنه عندما وجدته يستلذ بالنظر إليها.
فقالت بنبرة مرتبكة: -قدامك كتير؟ أجابها حين حمل الصينية المحملة بالأسماك فقال باسمًا: -أنا خلاص خلصت مش ناقص غير أني أشويه. وأنتي جهزي باقي الأكل عشان زين باشا. وعند مروره بجانبها سمعته يقول بلطف: -أنكِ مثل الفراشة مهما انطفأت تحلقين من جديد. فلما ذهب ارتسمت ابتسامة حلوة على ثغرها. لكنها تداركت وضعها فأخذت تلوم نفسها لأنها سمحت لمشاعرها تنجرف نحوه مجددًا.
في الخارج كان الجد يراسل حديثه الممتع مع العم "أيوب". فسأله قائلاً: -وأنت يا أيوب عايش لوحدك هنا؟ -أيوه. -معندكش ولاد؟ تحدث العم "أيوب" بعدما علت على وجهه ابتسامة رضى فقال: -لم يرزقني الله بأطفال من زوجتي الراحلة. أردف "هشام" بتساؤل: -طب وليه حضرتك ماتجوزتش واحدة تجبلك أطفال. -أتجوز!
عمري ما فكرت أتجوز واحدة تانية غير مراتي. ومستحيل أعمل كده إزاي بعد الحب والهنا اللي عيشته معاها أتجوز واحدة غيرها تشاركني فيها. حتى بعد ما توفاها الله كانت روحها عايشة معايا. روحها موجودة في كل شبر في المزرعة. كل ركن هنا يشهد على ذكرى جميلة جمعت مابينا. هنا في ذكريات أحياها الله بيننا. إزاي بالسهولة دي أتخلى عن كل ذكرى بقايا من ريحتها اللي مونساني. بعد مدة من الوقت
وضع "مراد" سرفيس فضي مغطى بوجبة شهية على الفراش الذي وضعه "هشام" على البساط. وقال بنبرة مداعبة: -وجبة الملوك مع سمك الحوت المشوي بالبقدونس. قدمت "رحيل" طبق الباذنجان المخلل وهي تقول بمرح: -ومعاه طبق السعادة لأصحاب السعادة. تبسمت "زينة" حين رفعها أبها مع على الأرض كي تضع طبقها. فقالت مبتهجة: -وشيش طاووق بالثوم والليمون. تحدث العم "أيوب" قائلاً: -ريحة الأكل تجنن. وكمان عملته سمك مشوي دا أنتم طلعتوا شاطرين جدًا.
رددت عليه "رحيل" بابتسامة عريضة مشعة بالبهجة فقالت: -مراد طول عمره بيحب السمك وبيحب يعمله ويتفنن فيه. صمتت فجأة عندما استوعبت ما تفوهت به. بينما "مراد" طالعها بنظرة سعيدة. ولما أطال النظر في عينيها نسى ما ود قوله. ولكنه مال نحوها قليلاً وأردف المحب هامسًا: -الحياة من غيرك ليس لها معنى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!