الفصل 9 | من 20 فصل

رواية هجران رحيل الفصل التاسع 9 - بقلم شامة الشعراوي

المشاهدات
20
كلمة
2,924
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 45%
حجم الخط: 18

بعد ما أصاب الملثم هدفه فر هاربا، أوقف "مراد" سيارته بجانب الطريق. نظرت نحوه "رحيل" بخوف وقلق. فلفت انتباهها تساقط قطرات الدماء من كتف "مراد" الخلفي. رفعت عيناها اللامعة بالدمع تدريجيا لتنظر إليه بوجه شاحب من شدة القلق عليه. فتحدث هو بألم: -متخافيش، أنا كويس. ردت عليه بصوت ضعيف وهي تبكي: -إحنا لازم نروح المستشفى دلوقتي، أنت بتنزف.

لم يجيبها بسبب ذلك الدوار الذي بدأ يشعر به. فدنت منه وقامت بفك حزام الأمام، ثم هبطت من السيارة وأخرجته هو أيضا منها لتجعله يجلس مكانها. لتبدأ هي بقيادة السيارة لتتجه به إلى أقرب مستشفى. بعد أن وصلت تم نقله إلى غرفة العمليات، بينما هي جلست بجانب الباب تبكي بانهيار على ما أصابه. فأخذت تدعي ربها أن ينجيه.

بعد لحظات جاءت العائلة بعد ما علموا بما حدث. اقتربوا من "رحيل" التي كانت في حالة صدمة شديدة والدماء تغرق ملابسها ويدها. دن "حمزة" منها بحذر والخوف يمتلك قلبه، فقال متسائلا: -طمنيني يا بنتي على مراد، هو كويس مش كده؟ أردفت "حنان" ببكاء: -إيه اللي حصل معاكم يا رحيل وإيه الدم ده كله؟ اقترب "أدهم" من شقيقته المنصدمة ليمسد على معصمها برفق، ثم قال بقلق: -رحيل حبيبتي ردي عليا، أنتي كويسة؟

لم ترد على تساؤلاتهما. وفي تلك اللحظة خرجت الممرضة من غرفة العمليات. فمنعها "حمزة" الذي أردف بنبرة قلقة: -لو سمحتي، أنا ابني جوه. ممكن تقوليلي إيه اللي حصل له وهو كويس ولا لأ؟ الممرضة: -حضرتك هو دلوقتي في أوضة العمليات والدكتور شوية وهيخرج يطمنكم عليه. عن إذنكم. تفوهت "حنان" ببكاء: -أنا خايفة أوي يا حمزة عليه. أجابها الآخر قائلا بهدوء: -متخافيش يا حبيبتي، ابننا هيبقى كويس بإذن الله. بينما الجد اقترب

من حفيدته بهدوء ليقول: -حبيبة جدو ردي عليا، متقلقنيش عليكي. رفعت رأسها إليه، ثم بدأت تشعر بالأرض تحوم بها. فوقعت بين أحضان جدها. ليحاصرها "أدهم" بين يديه وهو يقول: -روح يا مازن نادي لأي دكتور بسرعة. بعد لحظات خرج الدكتور من غرفة الكشف، فأردف "سليم" بتساؤل: -ها يا دكتور طمني عليها. -اللي حصلها ده بسبب خوفها وصدمتها. وعلى العموم أنا اديتها إبرة وشوية هتفوق وهتبقى كويسة. عن إذنكم.

نظر "أدهم" على غرفة شقيقته بحزن لما أصابها وأصاب صديقه ورفيق عمره. تجمعت الدموع بعيناه حزنا. ليربت "هشام" على كتفه وهو يقول: -متقلقش، هيبقوا كويسين. بعد مرور مدة من الوقت خرج الطبيب من غرفة العمليات، فاقتربت العائلة منه. فقال هو أنه بخير وتم نقله إلى غرفة عادية. ولجت "حنان" إلى ابنها بعد ما سمح لهم الطبيب بالزيارة. فقامت بوضع يدها على رأسه وقالت ببكاء خافت: -حبيبي حمدلله على سلامتك يا قلب أمك. أجابها "مراد"

بصوت مجهد: -الله يسلمك. ثم حول بصره بأركان الغرفة باحثا عن محبوبته. فقال بقلق متسائلا: -هي فين رحيل؟ هي حصلها حاجة؟ أردف "هشام" باسما: -حمدلله على سلامتك يا بطل. متقلقش هي بخير. حاول أن ينهض من فراشه ولكنه تألم كثيرا بسبب الجرح. فتفوه "حمزة" بتوتر: -استنى، هروح أنادي للدكتور. تحدث الآخر بأرهاق: -يا بابا أنا كويس. لكن رحيل فين؟ هي حصلها حاجة وأنتم مش راضيين تقولولي. صاح "مازن" مندفعا: -هي محجوزة في الأوضة اللي جنبك.

نظر الجميع إليه بغضب. فحاول الآخر أن ينهض وهو يقول بنبرة قلقة: -محجوزة إزاي يعني؟ مش فاهم. أنا عايز أشوفها. مانعه الجد قائلا: -ممكن تهدأ. قولنا إن هي كويسة. هي بس أغمى عليها من اللي حصل وكانت محتاجة إن هي ترتاح. وشوية هتلاقيها جاية. تفوه "مراد" وهو يحرك رأسه نافيا: -لا، أنتم بتكدبوا عليا. أنا هقوم أشوفها بنفسي. تحدث "حمزة" بيأس: -والله يا ابني جدك كلامه صح. هنكدب عليك ليه يعني؟

نظر إليهما بضيق. فقلبه لن يهدأ حتى يراها أمامه. في الغرفة المجاورة انتفضت "رحيل" من على الفراش بفزع. فوضعت يدها على قلبها لتستنشق بعض الهواء. فكان قلبها يهبط ويعلو بضربات مسرعة. فقالت بخوف: -ده أكيد حلم مش حقيقة! سمعت صوت الممرضة بجانبها تقول متعجبة: -أنتي كويسة يا آنسة؟ أردفت "رحيل" ببكاء: -هو إيه اللي حصل؟ -واضح إنك حصلك صدمة وحضرتك مستحملتيش. فأغمي عليكي.

نهضت "رحيل" من فراشها ونزعت المحلول من يدها. فخرجت بعض الدماء منها فتألمت بشدة. فقامت بوضع يدها على فمها لتكتم تأوهاتها. ثم سارت بخطوات غير متزنة تحت اعتراض الممرضة. وحين خروجها من الباب وجدت شقيقها "أدهم" أمامها. فقال بتساؤل وهو يتفحصها: -أنتي كويسة يا حبيبتي؟ إيه اللي قومك بس من سريرك؟ أنتي لسه تعبانة. نظرت إليه "رحيل" بأرهاق وبأعين دامعة: -مراد يا أدهم. عايزة أشوفه وأطمن عليه. أرجوك خدني له. -حاضر يا رحيل، تعالي.

فقام بإسنادها. وبعد لحظات دلفت "رحيل" لغرفة "مراد" بهدوء تام. فلما دخلت ورأته بخير شعر بالارتياح. فاعتدل في جلسته. ليشير إليها بأن تأتي نحوه. فلما دنت منه قام بأحضانها بقوة واشتياق رغم ألمه. ولم يبألي لأي أحد من أفراد عائلته. فكل شيء بالنسبة له هين مدام محبوبته بين ذراعيه، فهذا يكفيه. أتاه صوتها الخائف المرتعش: -أنا خفت عليك أوي. كنت خايفة يا مراد إنه يحصلك حاجة وحشة. همس لها في أذنيها لكي يجعلها تطمئن، فقال برفق:

-متخافيش عليا يا حبيبتي. أنا مفيش أي حاجة وحشة هتحصلي طول ما أنتي جمبي. أرتسمت علامات التعجب على وجه الجميع. فهمهم "أدهم" حتى ينقذ الوضع، فقال بمرح: -حمدلله على سلامتك يا بطل. تعيش وتاخد غيرها. ابتعدت "رحيل" عنه بحياء بسبب نظرات من حولها ومن نظرة والدها المتوجه إليها. فتحدث "مراد" بحرج بسبب نظرات عمه. فقال: -الله يسلم يا أدهم. فأردف "سليم" بتساؤل: -متعرفش مين اللي عمل كدا؟ هتف "مراد" بغضب جحيمي:

-لا، بس أكيد هعرفه. ولما أعرف هو مين هخليه يندم على اليوم اللي اتولد فيه. فقال والده: -أهم حاجة إنك قمت لينا بالسلامة. والحمدلله أن رحيل متأذتش. وجه "مراد" بصره نحو "رحيل" التي كانت جالسة بجانب شقيقته وقد أرتسمت على ملامحها علامات الخوف والذعر. ود لو أن ينهض ويضمها بين أحضانه لتطمئن. فما حدث لم يكن بالشئ الهين عليها. فتلك هي مرة الأولى التي تتعرض بها لحادث هكذا. أغمض عيناه بأرهاق وتعب. فهو الآن عاجز على فعل أي شيء.

في صباح اليوم التالي خرج "مراد" من المستشفى برفقة أصدقائه. وفي جناحه كان جالسا على الأريكة. فولجت إليه "رحيل" وقالت بوجه بشوش: -عاملين إيه؟ أردفت "حنان" بابتسامة: -الحمدلله بخير. كويس إنك جيتي يا رحيل. هطلب منك مساعدة بسيطة. -اتفضلي يا عمتو. نهضت "حنان" من مكانها وهي تقول: -بصي، حاولي تغيري لمراد على جرحه لحد ما أحضر الأكل وأجيبه. تبسم ثغر "مراد" بابتسامة رقيقة وماكرة بنفس الوقت. فقالت الأخرى برقة: -حاضر يا عمتو.

أعطت لها زوجة عمها بعض الأدوية والمراهم، ثم خرجت من الغرفة واغلقت الباب خلفها. تقدمت "رحيل" من "مراد" وجلست بجانبه بحذر وقالت بحرج: -ممكن تحاول تقلع التيشيرت علشان أعرف أحطلك المرهم. تبسم "مراد" بخفة على توترها فقال: -حاضر هقلعه. بس ممكن تساعديني؟ لأن مش عارف أرفع دراعي اللي متصاب فيه.

دنت منه بحياء وهي تبعد وجهها بعيدا عنه. فقامت بمساعدته تحت نظراته السعيدة من قربها. ثم جلست خلفه وبدأت بتغيير الجرح. تألم "مراد" من وضع المرهم. فحاول أن يكتم وجعه ولكن فلت منه صوت تأوه مؤلم بسبب الجرح. نزعت "رحيل" يدها خوفا. فقالت ببكاء: -أنا آسفة إني وجعتك. -اهدى، أنا كويس. يلا كملي. بدأت تكمل بيد مرتعشة والدموع تتساقط من عيناها حزنا. فهي تعلم بأنه يتألم لكن يتحامل على نفسه من أجلها حتى لا تحزن. أنهت

ما تعمله وقالت بصوت مبحوح: -أنا خلصت. التفت بجسده إليها ليمسك يدها بحنان وبيد الأخرى مسح دموعها. ثم قال بلين: -مبحبش أشوف دموعك الغالية بالنسبالي. نظرت إليه بوجه حزين. فقال بلطف: -ممكن أفهم ليه الحزن ده كله؟ -مش عارفة. أنا ليه خايفة لحد دلوقتي. احتضن وجهها بين كفيه وهو ينظر إلى عيناها التي فتن بها. ليقول برفق: -عايزك متخافيش طول ما أنا عايش. ثم أضاف وهو مازال محدقا بتلك العيون التي هي عبارة عن سلاح

صامت يفتك قلبه باستمرار: -ممكن بقى مشوفش القمر بيعيط تاني؟ عايز أشوف ضحكتك دايما اللي بتنور دنيتي. تبسمت "رحيل" بخجل. فقال فارحا: -أيوه كدا. خلي الدنيا تضحكلي. تعرفي أنا كنت خايف عليكي أوي. خوفت لتتأذي. أنا لو كان حصلك حاجة كنت هموت. ثم جذبها إلى صدره ليضمها بخفة. ليستنشق عطرها المميز الذي يعشقه. زادت دقات قلبه أكثر مما ينبغي بسبب قربها المهلك. فأخذ يملس على شعرها الناري بلطف ولين. ثم همس معترفا: -بحبك.

اتسعت عيناها على مسرعهما بصدمة. ألجمت لسانها وتصنم جسدها. ليطرق قلبها نبضات عالية كادت أن تصل إلى مسمعه. ابتعد "مراد" قليلا وهمس بجانب شفتاها: -أنا بحبك أوي يا رحيل ومن زمان. أنتي روحي وقلبي والنفس اللي بتنفسه. وليكي في كل حاجة في حياتي نصيب. وفي أحلامي وفي أنفاسي. حتى دقات قلبي هناك دايما. نبضات تتغنى باسمك طفلتي.

ثم أخذها في قبلة ليهدأ ضجيج قلبه المتهالك شوقًا إليها. ثوانٍ وابتعد عنها ليسند جبينه على جبينها وهو يتنفس تنفسها، ثم قال باسمًا: -تقبلي تكوني مراتي وحبيبتي وشريكة حياتي وأم ولادي. حركت "رحيل" رأسها بالإيجاب بحياء تحت تأثير قبلته وكلماته وهمسه لها. فقد شعرت بارتفاع خفقان قلبها وتورد وجنتيها بالاحمرار. فابتسم "مراد" بسعادة ثم قال: -حبيبتي أنا مش عايز منك قرار دلوقتي، فكري براحتك وأنا هستناكي، خدي وقتك في التفكير.

أومأت له بالإيجاب ثم ابتعدت عنه لتهرول إلى الخارج هاربة من أمامه، وتلك السعادة تغمرها بشدة فهي الآن لم تصدق ما حدث للتو. في بيت عائلة ندى. ولج أبوها إلى غرفتها فوجدها نائمة فتنهد بقلة حيلة: -ندوش يلا ياحبيبتي اصحي الفطار جاهز. خرج من الغرفة ثم دلف ثانيًا فوجدها كما هي: -يابنتي حرام عليكي قومي بقى بقينا الظهر وإنتي لسه نايمة، شاطرة بس تيجي بليل تزني عليا إني أصحيكِ بدري، ولما أجي أصحيكِ متقوميش. نهضت "ندى"

من على السرير وقالت بتذمر: -خلاص يابو ندى أهو قومت. -بقالي ساعتين عمال أصحيكي ياشيخة، حرام عليكي تعبتيني معاكي. -ما أنت يابابا بتيجي في أوقات غريبة. رفع حاجبيه وقال متعجبًا: -أوقات غريبة اللي هي إزاي مش فاهم. -كنت بحلم حتة حلم إنما إيه عسل. ضحك الآخر بخفة على ابنته ثم قال: -يلا ياهبلة تعالي خلينا نفطر يا أم حلم عسل. فردت "ندى" يدها على مسرعهما وهي تتنفس بعمق ثم قالت: -خمس دقايق وهتلاقيني وراك على طول. نظر إليها بشك:

-متأكدة يعني مش هتخليني أخرج وترجعي تنامي تاني. -عيب عليك يا جدع، هو أنا بتاعت كدا. -دا أنتي بتاعت كدا، اخلصي بقى ياندوش. أنهى جملته وهو يخرج من الغرفة، بينما هي كانت تتقلب على الفراش بكسل. فلاحت هاتفها يضيء، فجذبته إليها لتجد مكالمات كثيرة من صديقتها. فصاحت قائلة: -ينهار أسود دي نور هتنفخني. ولسه هتكمل كلامها، وجدت "نور" تهاتفها، فأتاها صوتها الغاضب: -أنتي يازفتة برن عليكي من بدري مش بتردي ليه ياهانم.

-كنت نايمة يانور. -دا أنتي أبرد خلق الله ياشيخة، روحي ربنا يسامحك قلقتيني عليكي يازفتة. -ما خلاص يانور ماقلنا كنت نايمة، وبعدين إيه كل الرنات دي، حد يرن على حد فوق الـ 200 رنة مش كدا ياماما. -ما أنا قولت أكيد البعيدة ماتت. أردفت "ندى" ساخرة: -يعني هو لو أنا مت وأنتي فضلتِ ترني كانت المرحومة هتقوم ترد عليكي مثلًا. -بقولك إيه أنا مش فاضيلك، هتيجي ولا لأ اخلصي. -هاجي ويلا غورِ خلينى أقوم أدوش.

بعد فترة خرجت إلى غرفة المعيشة فوجدت أباها مجهز الفطور، دنت منه وقبلت يده ثم قالت بابتسامة: -صباح الخير يا حجوج. -قصدك مساء الخير، إحنا بقينا الظهر، يلا اقعدي افطري. -أنا بعد ما أفطر ياحج هخرج أروح لنور ورحيل. -ماشي ياحبيبتي بس حاولي ماتتأخريش. -حاضر. *** أقبلت "رحيل" نحو جدها وقد حلقت روحها في أجواء السعادة والحبور، حتى أصبحت الدنيا لا تسعها من فرط سعادتها. فأردف الجد بحنية:

-وشك منور النهاردة ياريرى وكمان خدودك حمرا زي الطماطم. طأطأت رأسها خجلاً، فأكمل باسمًا: -لا شكل الموضوع كبير أوي، قوليلى إيه سر لمعة عينيك الجميلة. تفوهت "رحيل" بحياء وقد تورد وجهها خجلًا: -جدو مراد. ضحك الجد بخفة ثم قال مازحًا: -أيوه بقى الموضوع فيه مراد، قوليلي عمل إيه الواد ده خلى بنوتي مبسوطة بالشكل ده. لمعت الفرحة في عينيها الزرقاء فقالت بنبرة سعيدة: -تعرف ياجدو مراد اعترف ليا إنه بيحبني وعايز يتجوزني.

صاح الجد بسعادة وسرور: -ياااااه أخيرًا نطق، دا أنا كنت مستني اللحظة دي من بدري. -هو حضرتك كنت عارف. الجد: -طبعًا ياحبيبتي، مراد بيحبك من زمان وأنا كنت عارف، بس قوليلي أنتي بتحبيه. وضعت خصلة متمردة خلف أذنيها وقد افتر ثغرها عن ابتسامة عذبة فقالت:

-الصراحة ياجدو مش عارفة، بس الفترة دي حسيت معاه بشعور حلو أوي أول مرة أحسه مع حد. وقلبي كل ما بيشوفه أو يقرب منه بينبض بشدة، بحس إنه هيخرج من مكانه من قوة دقاته. أنا ببقى مبسوطة وأنا معاه، بحس إني مالكة الدنيا دي كلها. أنهت حديثها وهى تمسك كف يد جدها لتدور به بسعادة لا توصف، وتلك الضحكة الجميلة لم تفارق محياها، فقالت بحب: -عارف ياجدو أنا حاسة دلوقتي إني طايرة في السماء من كتر الفرحة. ضحك الجد بسعادة فقال مازحًا:

-وأنا شكلي هطير من الدنيا بسببك يابت، براحة أنا مش قدك يابكاشة. ارتمت الأخرى بين ذراعيه ثم قالت بسعادة ممزوجة بالخجل: -أنا بحبك أوي ياجدو. تبسم الجد بالسعادة من أجلها فقال: -وأنا أكتر ياقلب جدو. ابتعد قليلاً ليجلس على الأريكة ويجلسها بجانبه ثم تسأل: -هتعملي إيه معاه. تنهدت بعمق ثم قالت بلطف: -هو قالي مش عايز أسمع منك رد دلوقتي وفكري براحتك، وأنا الصراحة محتاجة أتأكد من مشاعري أكتر ناحيته، فاهمني ياجدو.

أجابها الجد بطيبة: -طبعًا ياحبيبتي فاهمك، وقريب هتعترفي بحبك له لأن أنا متأكد من شعورك ناحيته. نظرت إليه "رحيل" بحياء فقامت بوضع رأسها على كتفه، فمسد هو على شعرها بحنان وحب لحفيدته الرقيقة. *** في المساء كانوا الفتيات جالسات في الحديقة، فتحدثت "ندى" بزهق: -أنا هقوم أمشي. أردفت "رحيل" بهدوء: -لسه بدري خليكي شوية. -لا كفاية كدا عليكم، لما أقوم يلا باي. تفوهت "نور" قائلة: -باي ياعسل، متنسيش تطمنيني عليكي لما توصلي.

-حاضر. كانت تسير بخطوات بطيئة تبحث في حقيبتها على شيء، فلم تنتبه إلى تلك السيارة المقبلة نحوها سريعة. رفعت نظرها فجأة وصرخت بقوة مفزعة، وهي تسقط أرضًا. حين توقفت السيارة أمامها، نظرت إلى يدها التي سقطت عليها فوجدت بها خدشًا بسيطًا. اشتعلت عينيها بالغضب، فنهضت من مكانها واقتربت من السيارة وفتحت باب السائق، فوجدت شابًا جميلًا بأعين زرقاء. فصاحت منفعلة:

-أنت ياخ أنت إيه أعمى مش بتشوف قدامك، مدام أنت مش بتعرف تسوق عربيات بتركبها ليه؟ ولا هي أرواح الناس لعبة في إيد اللي جابوك. وقف "مازن" يحدق بها بصدمة من جمالها المبهر وشعرها الأسود الذي زادها جمالًا، ولكنه قال بغضب: -أنا اللي أعمى ولا أنتي اللي عامية. -أنت متخلف يابني. شعر بالضيق بسبب لسانها السليط ليقول بحدة: -تعرفي تخرسي خالص، مبقاش غير أم شبر ونص اللي تتخانق معايا. ثم قام بدفعها: يلا ياشاطرة من هنا.

تراجعت "ندى" للخلف بسبب تلك الدفعة فقالت بنرفزة: -والله لأوريك أم شبر ونص هتعمل فيك إيه يامتخلف أنت. وعلى حين غرة اقتربت منه سريعًا، وأمسكت كف يده وأغرست أسنانها الحادة بها، ليصرخ "مازن" متألمًا من قوة فكها. تركت يده حين وجدتها تنزف دمًا أمامها، ثم ركضت مهرولة وهي تقول بانتصار: -أحسن تستاهل. صاح "مازن" بصوت عالٍ غاضبًا وهو ينظر إلى يده المتورمة:

-اااااه ياعضاضة يابنت العضادين، وربنا لو لمحتك تاني ماهخلي حتة فيكي سليمة. بعد مرور أسبوعين تعلق "أدهم" أكثر بـ "نور" حتى أنه لم يستطع أن يفارقها.

بينما في فترة علاج "مراد" كانت "رحيل" دومًا بجانبه ولم تفارقه ولو للحظة، حتى أنها كانت تقوم بجميع احتياجاته الخاصة به، مما زاد هذا من قربهما. وكل هذا تحت نظرات العائلة المندهشة، من كان يصدق أن تلك الفتاة التي كانت لا تطيق ذاك المدعو "مراد" وتكره وجوده، تستغل كل دقيقة تمر في حياتها بجانبه. فمشاعرها نحوه أصبحت قوية، فتلك الفترة أكدت لها أنها تملك مشاعر حب حقيقية له، وهي الآن تنتظر اللحظة المناسبة كي تعترف بمشاعرها إليه.

داخل القصر مساءً. جذبت "رحيل" "نور" من معصمها إلى غرفتها، فتفوهت الأخرى بانزعاج: -يابنتي في إيه براحة عليا، عايزة إيه أنتي دلوقتي. أجابتها "رحيل" وهي تخرج من خزانة ملابسها ثوب أسود طويل مرصع بالماس، ثم مدت يدها إليها وقالت بأمر: -خدي البسي دا فورًا. أردفت "نور" بعدم فهم: -ودا ليه بقا إن شاء الله. -ياستي هنخرج نسهر شوية. -بس أنا مش قادرة أخرج النهاردة، خليها يوم تاني. تحدثت "رحيل" باعتراض:

-لا ياعسل هتقومي زي الشاطرة كدا وهتلبسي الفستان دا، اخلصي بقى يانور. -طب ما أروح ألبس حاجة من عندي، مش لازم ألبس دا. نظرت إليها "رحيل" بضيق وقالت: -ما عندي وعندك واحد يازفتة، ويلا اخلصي لحد لما أدخل أنا كمان أغير.

ولجت إلى الحمام لتبدل ملابسها بثوب مصبوغ باللون القرمزي، فكان من قماش الحرير الناعم وله فتحة طويلة من اليسار. قامت بتصفيف شعرها لتجعله مفرودًا على طول ظهرها، ثم وضعت لمسة بسيطة ببرونز عبارة عن فراشة بنفس لون الثوب. تبسمت برضا على هيئتها الرائعة، ثم خرجت من الحمام فوجدت "نور" تجلس على الفراش بملل. فقالت بانبهار: -واو يانور شكله تحفة عليكي. -بجد.

-بجد ياقلبي، تعالي بقى كدا. فجعلتها تجلس أمام المرآة لتمشط شعرها وترفعه إلى الأعلى، ثم وضعت لمسات قليلة من الميكاب جعلتها أكثر انجذابًا. ثم قالت بود: -قمر ياخواتي. تحدثت "نور" بلطف: -بس مهما أعمل مش هبقى أحلى ولا أجمل منك ياقلب أختك. -حبيبتي يانور. بعد مغادرة البيت، وقفت "رحيل" في مكان مظلم لتغادر السيارة تحت مناداة الأخرى لها. نزلت "نور" خلفها وهي تقول بتوتر: -رحيل أنتي روحتِ فين، أنا بدأت أخاف... يارحيل.

أخذت تنادي عليها والدموع تتصاعد إلى عينيها. وفي هذا الأثناء اشتعل المكان بالأنوار التي تزينه بطريقة رائعة، فكانت الأرض مملوءة بالورود الحمراء. استدارت بجسدها إلى الخلف، فوجدت "أدهم" راكعًا على قدميه ممسكًا بيده خاتمًا من الألماس الخالص. فأردف المحب العاشق:

-عمري ما تخيلت إني أقع في الحب تاني، لكن أنتي الوحيدة اللي قدرتي تحيي المشاعر فيا من أول وجديد. أنا لأول مرة أبقى مبسوط بالشكل ده، أنا مقدرش أوعدك إني أخليكي أسعد واحدة، بس اللي أقدر أوعدك بيه إني هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أسعدك يافراولتي. ودلوقتي تقبلي تتجوزيني يانور، موافقة تكوني شريكتي في اللي باقي من عمري. تلألأت عيناها بالفرح والسعادة فأجابته بحب: -آه موافقة.

نهض "أدهم" ليضع الخاتم في إصبعها، ثم رفعها إلى أحضانه ليدور بها بسعادة وحب. اقتربت العائلة منهما وهم يصفقون بسعادة من أجلهما. فأردفت "نور" برقة: -أنا مش فاهمة حاجة، هو كل دا حصل إمتى. أجابها "أدهم" بلطف: -إحنا بقالنا كام يوم بنحضر المفاجأة دي ليكي ياحبيبتي. اقترب منها "حمزة" وقال باسمًا: -ألف مبروك ياحبيبتي. -الله يبارك فيك ياحبيبي.

بعد ما باركت العائلة لهما، اشتغلت موسيقى هادية ليرقص عليها كل ثنائي، حتى "مازن" و"هشام" الذين قاموا بالرقص معًا بطريقة مضحكة، مما جعلوا الجد يضحك من كل قلبه عليهما. دنا "مراد" من "رحيل" ليقبل كفها برقة بالغة ثم قال بلين باسمًا: -تعرفي إنك أجمل بنت شافتها عيني، وإني بشكر ربنا إنك في حياتي. بجد يارحيل أنتي نصيبي الحلو من الدنيا. انبسطت أسارير وجهها وشعر بريق عينيها بالحب، وافتر ثغرها عن ابتسامة عذبة. فقال الآخر بود:

-ممكن القمر ده يرقص معايا. تفوهت "رحيل" بسعادة وهي تنهض معه: -ممكن طبعًا. كانت ترقص معه بخجل مفرط تحت نظراته الصامتة، فكان يتأمل جمالها الذي أخذ عقله، وعينيها التي ليس هناك شيء في هذه الدنيا يفوق جمالها. فقال هامسًا: -إذا وقفت أمام حسنك صامتًا، فالصمت في حرم الجمال جمال.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...