الفصل 8 | من 20 فصل

رواية هجران رحيل الفصل الثامن 8 - بقلم شامة الشعراوي

المشاهدات
15
كلمة
3,372
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

صف "أدهم" سيارته بجانب بوابة القصر حين لمح طيفها. فنزل من السيارة واقترب منها فوجدها جالسة على الجانب الآخر من الرصيف تلاعب طفلاً صغيراً. فقال بتساؤل: -نور، إنتي بتعملي إيه هنا ومين دا؟ رفعت "نور" رأسها إليه ثم ردت قائلة: -معرفش، أنا لاقيته قاعد هنا لوحده وبيعيط، شكله تايه من أهله. -طب هاتيه وتعالي ندخل جوة، وأكيد أهله هييجوا يسألوا عليه الأمن، لأن مينفعش تفضلي قاعدة في نص الشارع بالشكل ده. أجابته "نور" باعتراض:

-لا، أنا هفضل قاعدة هنا بيه وهما أكيد هييجوا دلوقتي. نظر إليها مطولاً ثم قال بخضوع: -ماشي يا ستي، أدينا واقفين لحد لما يجوا. لما نشوف آخرتها معاكي يا ست نور. بينما هي ظلت تداعب الطفل بكل حب ولين. فنظر إليها "أدهم" بابتسامة بشوشة، كم هي بريئة كالاطفال وحنونة كالأم. أنها حقاً تملك مشاعر جميلة مثلها، ولديها حب كبير يسع الكل. بعد لحظات جاءت أم الطفل تبكي، فقامت بضمه إلى صدرها، ثم شكرتهم وذهبت بطفلها إلى البيت المجاور.

وجهت "نور" بصرها نحوه وقالت باسمة: -أنا داخلة القصر عن إذنك. ذهبت من أمامه وتركته بمفرده يتطلع لأثرها بابتسامة عريضة. ظهرت "رحيل" من خلفه وقالت بود: -الحياة فرص يا أدهم، والأمل لا يموت والطرق تتسع لا تضيق. حاول تستغل الفرصة اللي قدامك قبل ما تندم إنك ما استغلتهاش. وأنت وحدك صاحب القرار، فاختر ما يليق بقلبك. وإياك تضيع من إيدك الشخص اللي حبك بجد من كل قلبه.

تركته في حيرته من أمره. بعد تفكير طويل وجد أن حديثها صحيحاً، وإن لم يستغل الفرصة التي أمامه فسوف يندم كثيراً. لذا أخذ قراره باستغلال كل فرصة تأتي إليه.

في حديقة القصر مساءً، اجتمعن شباب العائلة في جو أسري جميل مليء بالحب والدفء، يلعبون الشايب. ولم يتبقى أحد سوى "هشام" و "مازن"، فكان الوقت عصيباً على كل منهما خوفاً من الخسارة. بينما الباقي كانوا ينظرون بترقب لما سيحدث. وبعد لحظات قليلة أمسك "مازن" ورقة الشايب، فأطلق "هشام" على أثر ذلك قهقهة عالية مما جعل الجميع يضحكون على ضحكته الجميلة. فقال "مازن" منزعجاً: -لا والله، كدا غش وظلم. يعني إيه؟

دي تاني مرة ألبسه. أنتم متفقين عليا؟ لا وربنا، دا أنا أموتكم فيها. رد عليه "هشام" بنبرة لعوبة وهو يرفع أطراف حاجبيه: -وأنا أعملك إيه؟ ما أنت اللي متعرفش تلعب. أردف الآخر بضيق: -أنا اللي معرفش ألعب؟ ولا أنت اللي مستقصد أمي؟ -مهما تقول إيه، هيتحكم عليك يعني هيتحكم عليك يا ميزو. يلا يا رجالة نبدأ بالحكم، وأول واحد هيحكم عليك مراد. تبسم "مراد" ابتسامة خبيثة ثم قال: -طبعاً، هو إحنا عندنا أغلى من مازن عشان ننفذ فيه الحكم؟

-هو أنتم ليه حاسسيني إن أنا رايح أتحبس؟ مش كدا يا جدعان؟ الله! رد "مراد" بكل أريحية فقال باسماً: -بص يا مازن، أنا مش هحكم عليك بحكم كبير، دا لأنك أخويا وابن عمي حبيبي. وحكمي إنك هتغسل عربيتي وعربية هشام وأدهم كمان. شوفت أنا حنين معاك إزاي. أجابه "مازن" ساخراً: -دا من ذوقك والله، أمال لو مكنتش حنين كنت عملت إيه؟ وبعدين أنا مالي؟ أمه ما تغسلوا عربيتكم لنفسكم، ولا أنا الشغالة اللي جابكم أبويا؟

-هتنفذ اللي قولتهولك عليه وأنت ساكت، فاهم. تأفف "مازن" احتجاجاً: -وربنا دا ظلم. طب خليها عربيتك بس، متبقاش ظالم ومفترى. نظر إليه "مراد" ثم قال بحدة: -بقى أنا ظالم ومفترى؟ طب وربنا لتغسلهم غصب عنك. تفوه "مازن" هامساً: -ربنا ع المفتري يا شيخ. -بتقول حاجة يا زفت؟ -لا، لا، لا. بينما "هشام" وجه حديثه إلى الفتيات فقال: -دوركم يا بنات. أردفت "رحيل" بنبرة لطيفة: -أنا عفيت ميزو حبيبي من الحكم. صاح "مازن" فرحاً: -قلبي وربنا.

بينما "نور" تبسمت شفتاها فقالت بود: -وأنا كمان يا مزاميزو عفوت عنك. -ياروحى، انتي خدي بوسة. ثم ألقى إليها قبلة في الهواء. فشعر شقيقه بالضيق والغيرة من هذا التصرف. فلما جاء الدور عليه قال بخبث: -بقولك إيه يا مزاميزو، أنا نفسي بقى أشرب عصير كوكتيل من إيدك العسل دي، وعايزة طبيعي وفريش كدا ومتلج، ها؟ نظر "مازن" باتجاهه وقال مندهشاً: -أنت بتكلمني أنا؟ -أمال بكلم نفسي؟ قوم اخلص.

-بس أنا مش بعرف أعمل حتى كوباية الشاي، هعمل إزاي عصير الكوكتيل؟ وبعدين يا أدهم، أنت يابا جاي تحقق أحلامك عندي؟ مش كدا يابا؟ مش كدا؟ -معرفش، اتصرف. دا حكم عليك ولازم يتنفذ. نهض "مازن" وقال بنبرة أشبه بالبكاء: -واقسم بالله أنتو عيلة ظالمة، والناس دي كلها شهادة عليكم. ثم نظر إلى "نور" وقال: -بقولك إيه يا عسل، ممكن أستعين بيكي للمساعدة؟ أردف "أدهم" بضيق: -لا يا روح أمك، هتروح تعمله لوحدك. نهضت "نور" وقالت باستفزاز:

-استنى يا ميزو، أنا جايه أساعدك يا روحي. ثم ذهبت من أمامهم تحت نظرة "أدهم" المشتعلة بالغضب. فهمست "رحيل" بداخلها وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة: -دي البداية يا دومي، لازم نعمل كدا عشان تعترف بأنك بتحبها وتبطل تكابر نفسك. العمر بيجري بسرعة وأنا مش هسيبك تضيع نفسك بسبب مخاوفك. لازم تفوق من اللي أنت فيه بدل ما تخسر البنت اللي بتحبك.

بعد دقيقة، تظاهر "أدهم" بأن لديه مكالمة، فذهب إلى الداخل حتى يرى ما يحدث بالمطبخ. فوقف بعيداً عنهما ليراقب ماذا يفعلون. ولكن شقيقه شعر بوجوده فدنا من "نور" وقال هامساً: -على فكرة الوحش واقف بيراقبنا، فخلي بالك واتعاملي كأنك مشفتيهوش. -تمام.

قامت "نور" بإخراج الفاكهة التي ستصنع به العصير من الثلاجة. فبعد أن غسلت الفراولة وضعتها بالأطباق، ثم قامت بتقطيع باقي الفواكه. بينما "مازن" المشاغب كان يأكل من الفراولة دون أن تلاحظ الأخرى. وقال: -تعرفي يابت يا نور، الفراولة من إيدك سكر، آه وربنا. -دا عشان أنت بس اللي مسكر، فـ حاسس إنها مسكرة من إيدي يا ميزو. أردف وهو يأخذ آخر قطعة فراولة من الطبق:

-طب تعرفي يا نور، إنك بتبقي قمر أوي لما بشوفك وأنتِ بتتكسفي، بتبقي عاملة زي الفراولية بخدودك الحمرا، آه وربنا. تحدثت "نور" وهي تختلس نظرة إلى "أدهم" بطرف عينيها، فلاحظت احمرار وجهه من الغيظ. فاقتربت من "مازن" أكثر حتى تشتعل غيرته أكثر من ذلك، فقالت بدلال: -بجد يا ميزو؟ يعني أنا قمر وعاملة زي الفراولية الحمرا؟ أجابها الآخر ببلاهة: -طبعاً، دا إنتي قمرين مش قمر واحد يا فراولة أنتي.

-تعرف يا مزاميزو، يابخت اللي هتكون مراتك دي، هتبقى أسعد واحدة في الدنيا. كنت أتمنى أبقى مراتك وحبيبتك عشان حنيتك وكلامك الجميل دا، بجد يابختها بيك. رد عليه بغمزة مازحة: -يا حب، إحنا لسه فيها، ويبقى يبختك أنتي بيا. أردف "أدهم" بغيظ مكتوم: -استني عليا يا مازن الكلب، أما أوريك. وسويت وشك بالاسفلت، مبقاش أنا أدهم. قال يبختك بيا؟ وأنتِ يا هانم، استني بس أنتي عليا، قاعدة تحببلي فيه، ماشي يا نور، ماشي.

أنهت تقطيع المانجا ثم استدارت حتى تأخذ الفراولة، فوجدت الطبق فارغاً. فنظرت إلى "مازن" الذي كان يتظاهر بالانشغال في تقطيع الموز. فقالت هي متسائلة: -هي فين الفراولة اللي أنا غسلتها يا مازن؟ نظر إلى الطبق الفارغ أمامه فقال بذهول: -إيه ده يا نور؟ هي الفراولة راحت فين؟ -أفندم! -الصراحة يا نوري، الفراولة من كتر حلاوتها كلتها ومقدرتش أكمل أكل الباقي، بس متزعليش ياروحى، أنا هجيب بقية الفراولة من التلاجة وأنتِ قطعي الموز.

همس "أدهم" بغيرة واضحة: -نوري وروحي؟ لا بقى، أنا جبت آخري. ثم دخل مندفعاً إليهما، فقال "مازن" منفزعاً: -إيه ده يا أدهم؟ خضتني يا شيخ. -بقالكم ساعة بتعملوا العصير ولسه مخلصتوش. -ما إحنا قربنا نخلصه أهو. -بقولك إيه، اطلع برا، ومشوفش وشك هنا. أجابه "مازن" بنبرة خبيثة: -معلش يا دومي، أنت عارف إن أنا محكوم عليا، وأنا دلوقتي في وضع الحكم. اطلع برا أنت ومتعطلناش بقى لو سمحت. نظر إليه "أدهم" بغضب وهو يقبض على يديه بقوة:

-عارف لو مطلعتش برا دلوقتي، مش هضمن إيه اللي ممكن هيحصلك. ثم أكمل بزعيق: -أنا قولت برا. تحرك "مازن" سريعا وبخوف، لأنه يعلم أن أخاه متهور وعصبي جدًا. بعدما خرج، اقترب "أدهم" من "نور" التي أخذت تتراجع بخطواتها إلى الخلف بتوتر، فنظراته لها لا تبشر بالخير. استندت على الحائط ليحاصرها بكلتا ذراعيه، فقال منزعجًا: -عايز أعرف كنتوا بتقولوا إيه بقى. رمشت "نور" بجفنها عدة رمشات متتالية من أثر الارتباك، فقالت بتوتر:

-ولا حاجة، بنتكلم عادي يعني. -كدابة يا نور، عارفة يا هانم لو لمحتك بتتكلمي مع مازن تاني أو قريبة منه، هعمل فيكي إيه. أردفت الأخرى بعد أن تحلت بالشجاعة قليلاً، رغم نبضات قلبها الخائفة: -وأنت مالك بيا أصلاً، وكمان أنت مين عشان تمنعني أعمل إيه ولا ما أعملش إيه، وبعدين يا ريت يا أستاذ ما تتدخلش بيني وبين مازن ولا أي حد، فاهم. تحدث "أدهم" بغضب وبحدة: -أنا أبقى ابن عمك، ومن حقي لما أشوف تصرف غلط منك أحاسبك عليه.

-وياترى إيه بقى التصرف الغلط يا أستاذ أدهم. -وقفتك مع مازن وضحكك وكلامك ودلعك المقرف، وبعدين هي في واحدة محترمة من أسبوع كانت بتعترف لواحد إنها بتحبه، ودلوقتي واقفة تحب في أخوه وعايزة تتجوزه، ها؟ ردي عليا. تجمعت الدموع في عينيها، فقالت بنبرة مختنقة: -قصدك إيه بالكلام ده؟ قصدك إني واحدة مش محترمة؟ وإن أنا كنت بضحك عليك مثلاً. أردف ساخرًا: -والله كل واحد عارف نفسه كويس وعارف أخلاقه. نظرت إليه وتفوّهت حزنًا وقهرًا

والدموع تسيل على وجنتيها: -أنا مسمحش ليك إنك تتهمني في أخلاقي، وبعدين أنا مازن بعتبره زي أخويا، ولو أخلاقي فيها حاجة وحشة، هتمسك أنت كمان لأن أنا بنت عمك. أنهت جملتها، ثم جاءت أن تذهب، لكنه منعها ممسكًا بيدها. حاولت أن تبتعد عنه، لكنه ضمها إليه. ظلّت تبعده عنها، لكنه كالحجر لم يتزحزح. فلما فشلت من الابتعاد، سَندت على صدره وبكت بانهيار. شعر "أدهم" بالذنب والشفقة تجاهها، فتفوه بكلمات حنونة كي يهدئها، فقال معتذرًا:

-أنا آسف، حقك عليا، سامحيني يا نور، مكنش قصدي أجرحك بكلامي، وعمري ما شكيت في أخلاقك أبدًا، والله العظيم أنتي مفيش أحسن منك ولا من تربيتك. ابتعد عنها ليحتضن وجهها بين كفيه، مقبلاً رأسها برفق ولين، ثم قال مازحًا: -طب يا ستي، إن شاء الله لسان يتقطع لو قال لك كلمة تانية بعد كده تزعلك، أو حتى أموت. -بعد الشر عليك، متدعيش على نفسك تاني. تبسم فاهه حبًا لينبض قلبه باسمها، فقال هامسًا: -أنتي جميلة أوي يا نور.

طأطأت رأسها خجلًا، لكنه رفع وجهها إليه وقال بلطف: -بصيلي، خليني أشوف عيونك الجميلة دي. نظرت إليه برقة والبسمة تزين ثغرها من أثر كلماته التي راقت لها، فأكمل وهو يجفف وجهها من الدمع، فقال بحب: -مش عايز أشوف دموعك دي تاني، لأنها غالية أوي وبتوجعني لما بشوفها. وبعدين عينيكي الحلوة دي تستاهل تشوف كل حاجة حلوة زيها. ثم أضاف حين نظر إلى الفاكهة الموضوعة على المطبخ:

-يلا خلينا نعمل العصير ونخرج ليهم بدل ما مازن الرخم يطب علينا يا قمر. ضحكت بخفة ثم قالت بمرح: -هتساعدني يعني؟ -طبعًا هساعدك، أنتي عايزة مازن ياكل وشنا بره ويفضحنا، يلا هاتي الفراولة يا فراولتي، واقعدي أنتِ وأنا هعمل العصير في ثواني. هتفت "نور" رافضة: -لا، خليك أنتِ وأنا هعمله. -قولت لا، أنا اللي هعمله ومش عايز اعتراض منك. ظلّت تتابعه وهو يعمل العصير بكل سلاسة، لتغمرها سعادة لا متناهية، فقد أوشك حلمها على التحقق.

فهمست بداخلها: -أنا هفضل جنبك ومعاك لحد ما نتخطى أنا وأنت كل حاجة واقفة عقبة ما بينا، وإيدي هتبقى ماسكة في إيدك طول العمر، وعمري ما هتخلى عنك أبدًا، أنت حبي الأول والأخير، أنت قدري وحظي الحلو من الدنيا. في الخارج، جلس "مازن" بجانب شقيقته وهمس قائلًا:

-بقولك إيه، أنا مش هكمل معاكم في الخطة دي، يا ما ده أدهم كان هياكلني جوه وطردني من المطبخ، أنا معنديش غير عمر واحد، و طبعًا الواحد مننا لازم يحافظ عليه، أمال يخليه يروح هدر. أردفت "رحيل" بخفة: -خلاص ياسيدي، مدام أدهم طردك، يبقى الغيرة اشتغلت واحنا مستغنين عن خدماتك. تحدث "هشام" قائلًا: -أنت يابني فين العصير؟ أجابه "مازن": -العصير أدهم هيجيبه. -يخربيت عقلك! هو أنت خليته هو اللي يعمله بدالك؟ -وأنا أعمل إيه؟

هو اللي قالي، خلاص أنا هعمله عشان أنت فاشل وما بتعرفش تعمل أي حاجة في حياتك. بعد لحظات، جاءت "نور" وأعطت لكل نفر منهم كأسه، وجلست بجوار "رحيل" والسعادة تتراقص بداخلها. تفوهت "رحيل" بابتسامة رقيقة: -شكلك فرحانة. -أوي يا رحيل، مش عارفة أوصفلك فرحتي. تعرفي إنه كان حنين أوي معايا جوه وقالي كلام حلو. -ربنا يفرح قلبك دايمًا يا نور. مرت بضع دقائق.

فقد انشغلت "نور" بالحديث مع "أدهم"، بينما "مراد" نهض من مكانه وجلس بجانب "رحيل"، فظلّ محدقًا بها وهي تنظر إلى السماء الصافية فوقها، فقال متسائلًا: -لسه بتعدي النجوم زي زمان؟ أجابته دون أن تنظر إليه، فقالت برقة: -عمري ما بطلت أعدهم، تعرف أنا بحب أفضل باصة كده للسماء طول الليل، بحس براحة نفسية. نظر "مراد" هو الآخر إلى السماء بعد أن سَند على ذراعيه، ثم قال:

-فاكرة زمان لما كنا بنسافر ونروح المصيف، ولما كنا بنسهر بالليل نسمع أغنية ع الكاس، ولما كانت بتخلص كنتي بتخليني أرجع أشغلها لكِ تاني من أول وجديد. ولما كنا بنقعد نقطع البطيخ أنا وأنتي، ولما كنت باجي آكله بالشوكة، تاخديها مني وتقوليلي مفيش أحلى من إننا ناكلها كده. ولما كنا بنطلع بالليل أنا وأنتِ نتسابق بالعجل، وتبقى السما فوقينا شايفانا. افتكر لما كنا نقعد قدام البحر بالليل، كنتي وقتها بتحبي

تعدي النجوم وتقوليلي بأمر: عد معايا يا مراد. نظرت إليه بوجه مشرق بالراحة، فقالت بابتسامة: -تعرف أنا تقريبًا مش فاكرة أي نوع من المسؤولية طول ما أنت كنت جنبي. أوقات كتير بقعد أفتكر زمان لما كنا بنبقى مسافرين وإحنا على طريق السفر بالليل، مكنتش وقتها بعمل حاجة غير أفضل باصة للسما من شباك العربية وأشوف النجوم بتقعد تكتر كل ما بنقرب من البحر. تنهدت "رحيل" ثم أضافت قائلة:

-تعرف إن السماء بتجدد فيا حاجات كتير، يمكن كانت دايما ثابتة مش بتتغير طول السنين. ويمكن كانت دايما بتساعدني أرسم أحلامي، ويمكن بتبقى دايما هادية ومبتسمة رغم اللي بيحصل ع الأرض. يمكن شافت دايما دموع وأحلام وابتسامات كتير، فبقت تسمع بس وتطبطب في كل الأوقات. تحدث "مراد" قائلًا: -على رأي الكاتب مارك توين لما وصف إحساس السماء وقال: بمجرد أن تتذوق طعمها، ستبحث عنه إلى الأبد. وفعلاً صدق في كلامه.

ثم نظر إليها بحب، فقال باسماً: -يمكن يا رحيلي، إذا نظر الناس إلى النجوم كل ليلة، فإنهم سيعيشون بطريقة مختلفة، لأنهم عندما ينظرون إلى ما لا نهاية، حينها سيدركون أن هناك أشياء أكثر أهمية مما يفعله المرء طوال اليوم. ثم نظر إلى السماء بأعين لامعة، ضاحكة بفعل العشق.

أخذت رحيل تدقق النظر إليه، فشردت في تفاصيله الجميلة. لاحظت أنها كانت مشتاقة إلى مراد، ابن عمها، الذي كان لطيفاً ودائماً بجانبها قبل أن يغيره العالم. والآن فقد بدأ يرجع كما كان تدريجياً. دق قلبها بسعادة حقيقية، فشعرت بشعور جميل لم تعهده من قبل في حياتها.

التفت مراد نحوها بطلته المبتهجة وابتسامته الوسيمة التي جعلت قلبها يخفق بشدة. اصطبغ وجهها باللون الوردي من تلك النظرة المهلكة، التي إذا رآها أحد لقال إنها نظرة عاشق وليس محب فقط. أشاحت وجهها عنه بحياء لتنظر باتجاه آخر، بينما هو دنا منها وقال هامساً بجانب أذنيها: -إنك زاهية وبراقة كالورود، حتى تظن من فرط رقتك أن جميع الأشياء الجميلة التي توجد في هذا العالم سُقيت من قلبك يا رحيلي.

في وقت متأخر من الليل، كانت جالسة أمام المرآة تمشط شعرها، تفكر فيمن سلب عقلها اليوم، فكان لحديثه وقع خاص على مسمعها. تبسم فمها حين تذكرت همسه ووصفه لها. نهضت واتجهت إلى الفراش لتسترخي عليه، ثم أخذت تفكر في أمر قلبها الذي نبض لمراد. وفي هذا الوقت أدركت أنها لم تشعر بمثل هذه المشاعر مع سامر، فقالت بذهول:

-أنا عمري ما حبيته، أنا اللي أوهمت نفسي بده، واللي كنت بحسه ناحيته كان مجرد إعجاب مش أكتر. لكن مراد، المشاعر اللي حسيتها معاه الفترة الأخيرة دي أول مرة أحسها وأعيشها. أنا أول مرة قلبي يدق لحد أصلاً. وأخذت تفكر في حياتها حتى غلبها النعاس. بعد قليل، نهضت من فراشها وهي تصرخ بشدة، فدلف إليها والدها بعد أن سمع صوتها أثناء مروره من أمام غرفتها، فقام بضمها بين أحضانه، ليُربت على ظهرها برفق وقال بنبرة قلقة:

-اهدئي يا حبيبتي، اهدئي، دا كابوس وانتهى. كانت ترتعش بقوة وتبكي بين يدي أبيها. حاول أن يبعدها كي يسقيها كوب ماء، لكنها رفضت أن يتركها. فقال سليم برفق: -خلاص يا روحي، متخافيش. تحدثت ببكاء وشهقات متقطعة: -بابا، متسبنيش أرجوك، أنا أنا خايفة أوي. قال مهدئاً: -أنا جنبك يا بابا، متخافيش يا عمري. -كان حلم وحش أوي يا بابا، كان فيه حد بيحاول يأذيني والدنيا كانت ضلمة أوي والمكان شكله يخوف. أجابها قائلاً بهدوء:

-محدش يقدر يأذيكي يا وحيدتي، طول ما أنا معاكي مش هسمح لحد يقرب منك. حاولي تنامي يا حبيبتي ومتخافيش أبداً طول ما أنا عايش. ظلت متماسكة بملابس أبيها، فقالت ببكاء: -علشان خاطري يا بابا، خليك معايا ومتمشيش. -حاضر يا حبيبتي، مش هسيبك. بعد لحظات، غفت رحيل بأحضان أبيها بأمان، ليغفو هو أيضاً بجانبها. في صباح يوم جديد.

استيقظ سليم من غفلته ونظر إلى وحيدته بحب أبوي، وقبلها على رأسها بحنية بالغة. ثم نهض من جانبها بحذر حتى لا يوقظها. ولكن توقف حين نادته ابنته قائلة بابتسامة ودودة: -صباح الخير يا بابا. -صباح النور يا قلب أبوكي، طمنيني عليكي، أنتي كويسة؟ -أيوه يا حبيبي، أنا كويسة. -طب الحمد لله، متعرفيش قد إيه أنا خوفت عليكي امبارح لما سمعت صراخك، قلبي وجعني أوي وفكرت إنه حصلك حاجة. اقتربت من أبيها وضَمَّته باشتياق، ثم

قالت بنبرة مختنقة مؤلمة: -تعرف يا بابا، إنك وحشتني أوي، أرجوك متزعلش مني ولا تبعد عني، أنت متعرفش الأيام اللي فاتت مرت عليا إزاي وإحنا مش بنتكلم. تألم سليم لألم ابنته، فقال برفق باسماً: -أنتِ كمان يا روحي وحشتيني، وبعدين أنا مش زعلان منك يا وحيدتي، وخليكي عارفة إني بحبك يا بنتي وعمري ما أزعل منك، دا أنا معنديش أغلى منك إنتي وإخواتك، ودايماً بدعي ربنا إنه ميحرمنيش منكم. تبسمت رحيل بخفة، ثم قالت:

-ولا منك يا أحسن أب في الدنيا. بعد لحظات من الوقت، كان مراد في الصالون يحتسي القهوة الخاصة به بهدوء تام. فقاطع هذه اللحظة دخول رحيل. فنظر إليها بابتسامة مشرقة وقال: -صباح الخير. أجابته رحيل بنشاط وحماس: -صباح النور. -رايحة فين كدا؟ رددت رحيل بابتسامة ساحرة: -جاية معاك الشركة، أصل العيال الرخمين مشيوا وملحقتش حد فيهم، ومفضلش غيرك اللي هياخدني معاه. بهت وجهه قليلاً وهو ينظر لتلك الملابس التي ترتديها، فقال متسائلاً:

-أنتي هتروحي كدا الشركة؟ -كدا اللي هو إزاي مش فاهمة! أشار بيده لثوبها، ثم قال: -يعني هتروحي باللبس ده. أردفت رحيل متعجبة: -آه هروح باللبس ده، ماله يعني، دي جيبة وبلوزة. أجابها مبتسماً، فقال ساخراً: -الصراحة هو أوت فيت هايل، بس يا خسارة مش هتخرجي بيه. قالت منزعجة: -ليه بقا إن شاء الله؟ نظر إليها مراد نظرة حادة: -يعني الأستاذة مش واخدة بالها بأن الزفتة قصيرة شويتين. مدت رحيل شفتيها إلى الأمام، ثم قالت بملل:

-لا، عادية خالص. -رحيل، متعصبنيش، الجيبة قصيرة جداً، دي حتة محصلتش إنها تيجي لحد الركبة. اطلعِ فوراً غيري أم القرف ده، والبسي حاجة تغطي جسمك يا هانم. ربعت كلتا يديها وقالت ببرود: -وأنا مش هغير هاا. -لا هتغيري يا رحيل، يا ما فيش خروج من هنا، وأنا قاعدالك اهو، ووريني بقا هتخرجي إزاي. أردفت رحيل بعند: -لا هخرج يا مراد ومش هتقدر تمنعني. نهض مراد من مقعده وقال بعدم صبر: -لا بقا مابدهاش، أنتي اللي جبتيه لنفسك.

جاءت رحيل تهرول من أمامه حين وجدته يتجه نحوها بغضب، ولكنها وجدت نفسها في الهواء، فقد أمسك بها من رجليها ورأسها منقلبة إلى الأسفل. أتجه بها إلى غرفتها صاعداً على الدرج، فأخذت الأخرى تضربه على جسده الصلب بكل ما أتت به من قوة بيدها الصغيرة، ولكن كل هذا لم يؤثر به ولم يحرك به ساكناً. فصاحت صارخة: -أنت يابن آدم أنت نزلني، بقولك نزلني، أنت مب تسمعش؟ بقولك نزلني. -رحيل، اخرسي. ولج لغرفتها وقام بإلقائها على الفراش حذفاً،

فتأوهت متألمة: -مش براحة هو أنا كيس زبالة بتحدفه؟ لم يبالِ لحديثها، فقال بلهجة أمر: -قدامك خمس دقايق، لو القرف ده اتغير، متلوميش إلا نفسك. أوقفه صوتها العنيد عن الخروج: -وأنا مش هغير القرف ده، وهو دا اللي عندي، إذا كان عاجبك. دنا نحوها وقال بغضب جحيمي: -أقسم بالله لو مغيرتيش، هاجي أقطعلك القرف اللي عليكي بنفسي، وأنتي عارفة إني قد كلمتي، ولما بقول حاجة بنفسها فورا. حدقت به بعند، فقالت بإصرار شديد:

-والله متقدرتش تقرب مني ولا تعمل أي حاجة. قرب منها ليهبط لمستواها، حتى كاد أن يلتصق بها، فقال ساخراً: -شكلك حابة تجربي بنفسك، وأنا معنديش مانع. فقام بإمساك أطراف ثوبها من مقدمة رقبتها كي يقطعه، فأوقفته في طرفة عين، وقالت لاهثة: -خلاص يا مراد، ابعد، هعمل كل اللي أنت عاوزه، بس ابعد واطلع برا. همس أمام شفتيها وقال بمرح: -شطورة يا ريري، أحبك وأنتي بتسمعي الكلام.

ثم ذهب إلى الخارج، فتنفست بهدوء وقامت بتغيير ملابسها قبل أن يتهور ويفعل ما قاله. وبعد لحظات، خرجت من غرفتها وهي ترتدي فستاناً طويلاً أكثر احتشاماً، مصبوغاً بلون اللافندر، فجعلها أكثر جمالاً. انبهر مراد حين رآها، فأقسم بداخله بأنها هي من جعلت الفستان ذا إطلالة جميلة. تبسم قائلاً: -شكلك كدا أحلى وأجمل بنوتة، ما شاء الله عليكي، ربنا يحميكي. بادلته الابتسامة بحياء، ثم قالت بلطافة محببة: -مش هنمشي بقى؟

-طبعاً هنمشي يا ريري. كان مراد يتحدث في هاتفه بصدمة: -أنت بتقول إيه؟ مستحيل. ثم نظر خلفه، وبالفعل تأكد بأن هناك سيارة تتابعهم، فوجه بصره نحو محبوبته خوفاً وقلقاً، ولكنه تصنم حين توقفت عيناه بصدمة إلى النافذة بجوار رحيل، فوجد سيارة أخرى بجانبها، بينما هي تعجبت من نظراته، فأردت أن تعرف فيما ينظر. توقفت عيناها هي الأخرى على تلك السيارة.

تابع مراد تلك السيارات التي خرجت منها وجوه ملثمة تصوب أسلحتها عليهما، يشيرون نحوه، وفي لحظة، انطلق سريعاً حين بدوا بضرب النار عليه، فبدأ يغلق جميع النوافذ. صرخت رحيل فزعاً من صوت طلقات النار ومن سرعة العربية، فبكت خوفاً مما يحدث. كان يسمع صراخها بقلة حيلة، ولكنه قام بإخراج مسدسه وتعميره، فهو الآن في موقف عصيب، يخشى أن يصيب محبوبته مكروهاً. نظرت إليه رحيل بخوف، فقالت ببكاء: -أنا خايفة يا مراد، هو إيه اللي بيحصل؟

رد عليها برفق حتى يطمئنها: -متخافيش، أنا معاكي. أنهى جملته وهو يضغط على زر ليميل مقعدها إلى الوراء حتى لا يصيبها شيء، ثم قال بنبرة هادئة: -حبيبتي متخافيش، أوعدك إننا هنكون بخير. ثم فتح النافذة، وكانت طلقته سريعة أصابت عجلة السيارة التي بجانبه، فجعلتها تنقلب، ثم زاد من سرعته حتى يتخلص من السيارة الأخرى، ولكن سائق تلك السيارة اقترب نحوه بنفس السرعة.

ليخرج منها رجلاً مصوباً سلاحه باتجاههم، فقام بإطلاق رصاصته السامة تزامناً مع صرخة رحيل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...