فى ظهيرة هذة الليلة قام "مراد" بمساعدة العم "أيوب" فى زراعة بعض الأشجار الصغيرة. ومن حسن حظه أن اليوم جاءت إليه حبيبته برفقة صغاره وبعض أفراد العائلة، مما أضاف هذا ليومه بهجة وسرور. فكان من حين لآخر ينظر لها باسما وهو يتغنى بمرح قائلا: -حبيت جميل ياريتني ظله، وحبيت جميييل.
بينما "رحيل" كانت لا تهتم لشأنه، فهى متواجدة الآن معه لأجل صغارها. لكنه لم ييأس من تلك المعاملة الجافة، فأمرها أن تعطيه دلو المياه ليسقي الزرع. فلما مد يده وأخذه منها، التقت أعينهم معا. فنظر لها بسرور ثم قال بنبرة فكاهية: -وأنا أعمل ايه ف اللي بحبه يـ ويلى يـ نارى. لم تستطع كتم ضحكاتها فتبسمت لا إراديا على نبرته المبهجة. فاستدارت بوجهها خجلا من نظرات المتفحصة لها. فلما مشيت بضع خطوات إلى الأمام وصل
لمسمعها صوته الحنون يقول: -على فكرة أنا مليش غيرك، وحتى لو ليا أنا مش عايز غيرك أنت يارحيل. شعرت بسعادة تغمرها من قوله هذا، ولكنها لم تخضع له مهما حدث. فما حدث في الماضي لم يكن بالشيء الهين. ظلت تتابع سيرها حتى وصلت لمكان صغارها. تعجبت لضحكات شقيقها "مازن" العالية، فتسألت قائلة: -بتضحك على ايه ياميزو؟ مد يده إليها ليعطيها الهاتف وهو يقول باسما: -والله لتقرائي البوست ده بنفسك وأنتي هتعرفي بضحك على اي.
نظرت إلى ما أشار إليه في الهاتف فمرت ثوانٍ وقد ارتسمت البسمة على محياها. فعادت تقرأ مرة أخرى بصوت رقيق: -شفت الأرنب لا لا لا قاعد بيلعب لا لا لا طب شوفت البطة لا لا لا نطت نطه لا لالا طب شوفت الأهبل اه اه اه قاعد بيقرأ البوست وباللحن كمان. فأضافت "رحيل" بنبرة ضاحكة: -طب تصدق أنا فعلا قرأتها باللحن بتاعها وكأني بغنيها. أجابها "مازن" بمرح: -عشان تعرفي أن أحنا هبل ياريري ومازلنا أطفال. -هو في أحلى من الطفولة؟
أتمنى أرجع لأيام زمان وما أكبرش أبدًا. هتف "مازن" مغنيًا: -قول الزمان ارجع يازمان. حدقت به "ندى" وهي تقول بقلة حيلة: -أنا مش عارفة عقلي كان تايه فين وأنا بوافق عليك. تفوهت "رحيل" وهي تشير بأصبعها على شقيقها فقالت بنبرة لطيفة: -هو أنتي كنتي هتلاقي حد أحسن من ميزو تتجوزيه؟ دا بنات المنطقة عندنا كانت هتتجنن عليه من كتر حلاوته اللي مفيش زيها. لوت شفتيها ثم قالت ساخرة: -بلا لينة هو ده أصلا كان في حد يبص له.
في هذا الأثناء رد "مازن" بنبرة مستهزئة: -مابلاش أنتي ياأم ضفاير بقى يابت، في واحدة تعمل لجوزها ضفاير يوم فرحها وتلبس هكونا مطاطة. شهقت "رحيل" بذهول وهي توجه بصرها نحو صديقتها التي أشاحت وجهها عنهما. فقالت بنبرة مازحة: -يالهوووى ياندى دي عاملة تعمليها في ميزو. أجابها شقيقها بطريقة كوميدية: -شوفت ياختي أخوكي متبهدل أزاي؟ لا ومن أول يوم ضفاير وهكونا مطاطة، يرضيكى اللي بيحصل ده. تفوهت "رحيل" بنبرة لطيفة:
-لا يابا ميرضنيش. أردفت "ندى" فقالت عابسة: -ما خلاص يامفضح فضحتني. -أنا يابنتي! -لا خيالك ياظريف.
وعلى هذا الحال ظل "مازن" يساكس زوجته ويمازحها لغاية ما جعلها تبتسم وتتقهقه بسعادة. فهذا الثنائي أضاف للمكان أجواء مليئة بالفرح والسرور. فدعت "رحيل" في سرها بأن يديم الله عليهما تلك المحبة. فلما خطفت نظرة إليه وجدته يدب الفأس بالأرض وحينها تمنت لو كان معها كزوج محب. مسحت على وجهها بيأس. فعلاقتها به صارت معقدة إلى حد يصعب حلها. صمتت فجأة عندما علمت أنها لازالت تكن له مشاعر. فتسألت بداخلها لما قلبها يميل إليه رغم ما فعله بها؟
فهمست قائلة: -يا لك من قلب مغفل تميل إلى من يعذبك! ألقى "هشام" هاتفه بأنزعاج وهو يقول بضيق: -الواحد محتاج يتعالج نفسيًا عشان يرجع لطبيعته اللي كان عليها قبل كدا. تحدث "مازن" الذي كان جالسًا مقابله: -ليه يابني بتقول كدا؟ -من القرف والظلم اللي بنشوفه في بلدنا. -ماهو اللي ملهوش قيمة في بلدنا بيدوسوا عليه من غير رحمة. واللي له قيمة ومعاه فلوس وسلطة بيرفعوا له القبعة ليضربون له تعظيم سلام. زفر "هشام" أنفاسه بملل وهو يقول:
-والله صدقت يابن خالي، بلدنا ماشية على هوا حاكمها. على الحوض الذي يتوسط منتصف البيت كان "مراد" يغسل يده من أثر التراب. فلما انتهى وضع كلتا يديه على موضع قلبه الذي ألمه بشدة. فهو منذ أيام يشعر بهذا الألم لكنه كان يتحامل على نفسه. رآه العم "أيوب" فدنا منه وقال بنبرة قلقة: -لسه قلبك بيوجعك؟ أومأ رأسه بالإيجاب ثم اعتدل في وقفته عندما قل الوجع. فقال بهدوء: -متقلقش عليا دا كان وجع بسيط وراح لحاله.
-مش عارف أنت ليه مش راضي تسمع كلامي وتروح تكشف عشان نطمن عليك. رد عليه الآخر وقد علت علامات الحزن والحسرة على وجهه ثم قال: -ملهوش داعي لأن الوجع اللي حاسس بيه ملهوش دواء. ربت على كتفه برفق ليقول: -يابني الزعل وحش للبني آدم. دا غير أن الحزن بيورث الأمراض. رد "مراد" بنبرة حزينة وقد حاول قدر الإمكان أن تكن متزنة: -هي تستاهل زعلي عليها العمر كله، حتى لو كان في الحزن هلاكي.
فتح الليل أجنحته فغمر الأرض ظلام دامس. فأضاءت المصابيح في أرجاء المزرعة. فاجتمعن الشباب في حلقة دائرية على البساط تحت ضوء القمر. بينما "رحيل" كانت في المطبخ تعد عصير الليمون الممتزج بالنعناع. تحدث "مراد" الذي كان يتابعها منذ البداية فقال: -تحبي أساعدك؟ صمتت لوهلة وهي تفكر في عرضه ثم قالت بموافقة: -ياريت لو ده مش هيضايقك. افتر ثغره عن ابتسامة عريضة ثم قال بحماس:
-أبدًا دا أنا مسرور جدًا بموافقتك. لكن قوليلي أعمل إيه لأن أنا مش عارف. -جهز الكوبايات على صينية وحط جواهم تلج. ومتنساش تجهز لولادك زينا. فرك يده بحماس وهو يقول بنبرة دافئه: -من عينيا ياعيوني. أخذت تطالعه بعينان تسكنهما المودة. فتبسمت على حماسه الزائد قبلها لمساعدته. فلما انتهوا من التجهيز خرجن إلى الحديقة الخلفية ليسيروا معًا باتجاه أفراد عائلتهما. فقام "مراد" بتقديم المشروب لكل منهما كأسه الخاص. ثم قال بمرح:
-معكم مؤسس نادي قعدة الأرض الرايقة مع مشروب المفضل والقمر والنجوم فوقك. ضحكت صغيرته "زينة" التي قالت برقة: -شكرًا بابي. جلس على الأرض وقام بحملها بين أحضانه وهو يقبل خدها بحنان ثم قال بلطف: -بألف هنا يازينة. بينما "هشام" أرتشف العصير على دفعة واحدة ثم قال: -هو مفيش عصير تاني أصله طعمه حلو قوي. أجابه "مراد" قائلاً: -للأسف خلص. وضع الكأس بجانبه وهو يقول:
-ياخسارة خلص بسرعة. بس يلا مش مهم. بقولكم إيه ماتيجوا نلعب لعبة الصراحة. تفوهت "رحيل" بابتسامة جميلة. فقالت رافضة للفكرة: -لا شوف حاجة غيرها تكون أفضل. -خلاص إيه رأيكم هسأل كل واحد فيكم إيه الأمنية اللي بيتمناها. وافق الجميع على تلك الفكرة. فبدأ بطرح سؤاله على "مازن" وزوجته أولاً. فكانت إجابتهم أنهن يرزقن بطفل جميل يكن مسالمًا معافيًا. ثم وجه حديثه إلى "مراد" فتسأل: -وأنت إيه أمنيتك اللي بتتمناها الفترة دي.
-أمنيتي أوصل لسن أني جوزت ولادي واطمنت عليهم مع أشخاص تحافظ على قلوبهم. دا غير أشوفهم آخر الأسبوع يجوا يتغدوا معايا وصوت أحفادي يملأ البيت عليا. وتيجي مراتي حبيبتي تصحيني تاني يوم الصبح عشان أقعد أفطر معاها في البلكونة مع كوباية شاي بالنعناع. ودا غير أننا طبعًا نلعب كوتشينه أو طولة أو حاجة تسلينا مع أن وجودها حواليا مونسني. وبعد العصر أراقبها وهي بتسقي الورد في الجنينة. وفي آخر اليوم أخدها في حضني. تحدث "هشام"
فقال باسما: -ياااها أمنيتك بسيطة وقنوعة. ثم وجه سؤاله إلى "رحيل" فقال بنبرة مازحة: -وأنتي ياريري يامالكة زمانك إيه أمنيتك؟ أتمنى متكونيش بتخططي لاقتل شخص ما. في تلك اللحظة اتجه بصرها نحوه تلقائيًا. فقالت بنبرة رقيقة: -أتمنى أن يكون أحدهم فخور بوجودي في حياته، ولا يراني عبئًا كما أشعر. في قصر الألفي وتحديدًا في غرفة المعيشة صاح "سليم" منفعلًا: -أنا مش عارف إيه اللي يخليها تروح له مش كفاية اللي الحيوان عمله فيها.
تحدث الجد "وهدان" برزانة فقال: -ماينفعش كلامك اللي بتقوله ده. وبعدين بنتك مش صغيرة وعارفة مصلحتها كويس. نظر إليه بضيق وهو يقول بنبرة مفتعلة: -مصلحتها أنها تروح برجليها للشخص اللي اعتدى عليها. دي المفروض تمنعه من ولاده عشان يتعاقب أكتر على ذنوبه. رد عليه أبيه فقال مندهشًا: -أنت اتجننت عايز تمنع الراجل من عياله وتحرمهم من أنهم يتربوا في حضنه. دا أنا مصدقت أقنعت بنتك تيجي أنت وببساطة عايز تهد كل حاجة.
-أنا مش عارف إزاي حضرتك جالك قلب تخليها تعمل كدا. أنت شكل نسيت الأذى اللي هي اتعرضتله من الزبالة ده. أردف الجد منزعجًا فقال: -شكلك أنت اللي نسيت قسوتك على بنتك وفي الآخر هي سامحتك. ليه بقى مش عايزها تسامحه وتعيش مبسوطة. أجابه "سليم" بنبرة حزينة: -أنا منستش بس اللي هي بتعمله هيأذيها. -ومين قالك أنه هيأذيها؟
مراد فعلًا ندمان على اللي عمله وبيتمنى أنه ياخد فرصة تانية زيكم عشانها هي وولاده. نفسه يرجع ليها ويعوضها عن الأذى اللي سببهولها. صاح "سليم" بصوت عالٍ فقال غاضبًا: -وأنا مش هخليه يحصل على الفرصة دي حتى لو كان بيموت قدامي. نظر إليه والده بحدة عندما رأى "حمزة" الذي نكس رأسه حزنًا من حديث شقيقه. فقال محذرًا: -سليم انتبه لكلامك. التفت "سليم" نحو شقيقه فلاح تلك الدمعة التي لمعت بعينيه فاقترب منه وقال معتذرًا:
-حمزة أنا آسف مكنتش أقصد بكلامي أني أجرحك. مازال ينظر إلى الأرض. فهو يشعر بالخزي من أفعال ابنه. فقال بصوت ضعيف: -عادي ياسليم أنا مقدرش ألومك لأن ده من حقك. وأي أب مكانك كان عمل أكتر من اللي أنت عملته. أنهى جملته وهو ينهض من مكانه ليستأذنهم للخروج. ليجر خيبته جرا. فبرغم ما فعله ابنه لازال قلبه يؤلمه من بعده عنه. أردف الجد معاتبًا:
-خلي بالك من كلامك يابني. أخوك برضو بيزعل لما بتجيب سيرة ابنه بالسوء. وبعدين أنا بحاول أصلح العلاقة مابينهم ياسليم عشان خاطر زين وزينة. أنا مش عايزهم يتربوا في علاقة متفككة. الأفضل ليهم أن يتربوا في بيت سوي. طب تخيل معايا لو هما كبروا على الوضع ده وعرفوا أن أهلهم مش متجوزين وأنهم جم عن طريق غير شرعي هيكون ردت فعلهم عاملة أزاي. دا غير أنهم هيتعقدوا وكل ده هيأثر عليهم بالسلب. ف أنت فكر بعقلك وأوزن الأمور وحط قدام عينيك احفادك وتخيل ردت فعلهم في كلتا الوضعين وصدقني وقتها هتختار الأنسب والأصلح ليهم. وأن كان على بنتك فهي لسه جواها مشاعر له بس بتكابر وبتعاند. وأنت دورك كأب تسعى لمصلحتها.
جلس على الأريكة بأهمال ثم قال: -يعني حضرتك شايف كدا. -أيوه يابني. وبعدين مفيش حد فينا خالي من أخطاء. وهو أدرك خطأه وبيحاول يصلحه. ودورنا نقف جنبه ونسنده. وضعت "نور" طفلتها في فراشها برفق حتى لا تستيقظ مرة أخرى. فقد غفت بين يدها بصعوبة شديدة. تنفست براحة عندما جلست على الأريكة باسترخاء. جاء "أدهم" وجلس معها ثم تسأل: -ليه قومتي فجأة من على السفرة قبل ما تكملي أكلك؟ علت علامات الحزن على وجهها حينما تذكرت حديث عمها.
فقالت: -عادي أصلي شبعت مش أكتر. لاحظ تغير صوتها ليراها قد أطلقت دموعها للعناء. فلمس وجهها بلين وهو يقول بدهشة: -إيه بس اللي خلاكي تعيطي ياحبيبتي! أجابته بنبرة حزينة فقالت: -يعني أنت مش عارف إيه السبب. تحدث "أدهم" قائلاً: -مش عارف. ثم لوهلة ثم أضاف: -أنتي زعلتي من كلام بابا مش كدا. ردد عليه بنبرة عابسة: -أيوه. أنتم ليه قاسين على مراد؟ ليه بتعذبوه بالشكل ده؟ مش كفاية بقى اللي بتعملوه فيه. أردف زوجها بنبرة حادة فقال:
-لو سمحتي يانور بلاش تجيب سيرة قدامي. -ليه بقى إن شاء الله مش ده كان صاحبك. -كان صاحبي قبل مايأذي أختي. ردد "نور" وقد زاد بكائها فقالت:
-على فكرة بقى كل اللي بتعملوه فيه حرام. أبوك بهدله و ضربه و أهانه و طردته من البيت و حرمه من الشغل في الشركة اللي هو في الأصل بناها و تعب فيها لحد مابقت بتنافس أكبر الشركات في مصر. ودلوقتي عايزين تحرموه من ولاده. أنت و أبوك مش هترتاحوا غير لما تموتوه بحسرته. بجد يا أدهم أنا مصدومة فيك. -مايموت ولا يتحرق الشخص اللي زي ده مايستحقش أني أتعاطف معاه. نهضت من جانبه لتقول بصوت حزين:
-أنا لو أخويا جراله حاجة بسببكم هيبقى فيها طلاقي منك لأني مستحيل أعيش مع واحد الحقد مالي قلبه بالشكل ده. نظر إليها بذهول ليقول بصدمة: -إيه اللي أنتي بتقوليه ده! وضعت يدها على فمها لتكتم صوت بكائها العالي. فاقترب منها "أدهم" بلهفة ليحاوط بيده وجهها. ثم قال مواسيًا: -أهدي ياحبيبتي أنا آسف. صدقيني أنا مابتمناش لمراد أنه يموت. سمع صوتها المعاتب فقالت بنبرة باكية: -أنت ليه بتعمل كدا؟ ليه مابتحاولش تصلح الأمور وتسامحه؟
أنت نسيت أنه كان أقرب واحد ليك وياما شال الحمل عنك. -الموضوع بالسهولة دي زي ما أنتي متخيلة. أجابته "نور" قائلة: -لو مكنش بالساهل مكنتش أختك سامحتك. أنت اللي بتحاول تصعب دنيتك. ودلوقتي أنا تعبانة ومحتاجة أنام عن إذنك. -بس أنا مش هسيبك تنامي زعلانة مني. شوفي إيه اللي يرضيكي وأنا هنفذه. نظرت إليه مطولاً. ثم قالت بتساؤل: -أي حاجة هطلبها هتنفذه فعلا؟ مسد على شعرها بحب ثم قال باسما:
-صدقيني يانور أي حاجة هتطلبيها هنفذها وده وعد مني. لأن أهم حاجة عندي أني أشوفك مبسوطة. استغلت هي الوضع فقامت بإلقاء طلبها قائلة: -طلبي أنك تسامح مراد وتخلي رحيل تسامحه. ثم أضافت بنبرة حزينة: -أنت متعرفش قد إيه هو وحشني ونفسي يرجع البيت. زفر بهدوء ثم فرك رأسه غيظًا من تلك الاستغلالية فقال: -اللي بتطلبيه صعب جدًا أنه يتنفذ. دفعته من أمامها بعنف وهي تقول بضجر: -تصدق أنك إنسان مستفز. حاوطها بين ذراعيه ليعانقها بحنان
ولطف ثم قال بنبرة مرحة: -ماتبقيش قفوشة يابت أنا بهزر معاكي. ومن أجل عيونك الحلوة هاجي على نفسي وهسامح أخوكى. -وهتخلي رحيل هي كمان تسامحه عشان يرجع البيت. -حاضر ياست نور أي أوامر تانية. أجابته بدلال وحب فقالت بصوت أنثوي: -تسلملي ياحبي. على الجانب الآخر في مزرعة العم "أيوب" مازالت السهرة مستمرة. تحدث "مازن" بلهجة مليئة بالحماس فقال: -سيبكم من هشام وعمايله. إيه رأيكم نلعب لعبة حزر فزر؟
حدقوا به لبضع ثوانٍ. فأجابته "رحيل" وهي تحضن ابنها. فقالت مبتهجة: -وليه لأ فكرة مش بطالة. تحدث "مراد" قائلاً: -يلا يابني ابدأ فزوراتك. أردف "مازن" بحماس زائد فقال: -تاجر من التجار إذا اقتلعنا عينه طار. مين هو ياشطار؟ تبسم "هشام" والذي قال مندهشًا: -تاجر مين بس ياعم اللي هنشيل عينه. ماتسيب الناس في حالها. رد عليه بنبرة ساخرة: -بس ياجاهل أنت. ها مين عارف الإجابة. تحدثت "رحيل" بتفكر فقالت بيأس:
-ماتستنى لما نفكر ليه مش مدينا فرصة. -أصل ياحبيبتي الإجابة سهلة مش محتاجة تفكير. بينما "مراد" همس في أذن طفلته التي صاحت بفرح قائلة: -العطار. ضحك "مازن" على رد ابنة شقيقته ثم قال بمساكشة: -صح ياسوسة أنتي. بس طبعًا ماننساش أنك غشيتيها من أبوكي. رددت عليه "زينة" بثقة فقالت: -ما أنا وبابي واحد. -ماشي يازينة. ودلوقتي الفزورة التانية. قمت بتناول الفلفل فتفلفل فمي. كم مرة ذكر حرف الفاء في ذلك؟ أجابه "هشام" بفرحة
وكأنه حصل على كنز ثمين: -ستة. قهقهة الآخر بقوة ثم قال ضاحكًا: -غلط غلط غلط ياهشومة يافاشل مش دي الإجابة. -طب إيه هي؟ رقص حاجبيه بتلاعب وقال مازحًا: -مش هقولك ياهشومة. بينما "رحيل" قامت بالرد عليه مسرعًا عندما لاحظت "مراد" يهمس لابنته. فقالت متحمسة: -ولا حرف. وفي تلك اللحظة أردفت "زينة" بيأس: -ياخسارة ماما جاوبت قبل ما بابي يجاوب. افتر فاه "مازن" عن ضحكة عريضة فقال:
-لا بقى أحنا نقسم المجموعة إلى فريقين. فريق لرحيل مع ابنها وندى. وفريق تاني لمراد وبنته ومعاه هشام. ألقى "مراد" بصره نحوه معشوقته وهو يقول باسما: -معنديش مانع. ولكن زوجته تسألت بتعجب: -إزاي بس يامازن ولا حرف؟ أنا متهيألي أنهم ستة زي ما قال هشام. أجابه الطفل "زين" بذكاء فقال: -لا ياخالتو هما مش ستة لأن خالو مازن كان قصده على كلمة "ذلك". توقف عقلها عن العمل فقالت مندهشة: -أنا مش فاهمه حاجة. وضع "مازن"
يده على كتفها وقال باسما: -حبيبتي أنا سؤالي كان واضح. يعني أنا بقولك في كام حرف فاء في كلمة "ذلك" اللي مفهاش أصلاً حرف الفاء. فهمتي حاجة ولا نشرح من أول وجديد. -اااااه فهمت. -حمد لله ع السلامة. الفزورة اللي بعدها في ست تفاحات في السلة. وتم توزيع واحدة لكل شخص من الستة. لماذا يوجد تفاحة أخرى في السلة؟ اللي هيجاوب هجبله شوكولاتة. أجابه "مراد" بسلاسة عندما كان الجميع يفكر في الحل. فقال بهدوء:
-مش يمكن تخص اللي كان بيفرق التفاح مثلًا. صاح "مازن" بمرح: -الله عليك ياكبير دايما. كدا بتبهرني بذكائك الخارق. الإجابة صحيحة. طب بصوا السؤال ده وركزوا. هو طير من الطيور لكنه لا يطير. فإذا حذفنا آخر ثلاثة حروف منه طار فما هو؟ أشار "زين" بيده وهو يقول بنبرة طفولية: -البطريق ياخالو. نظر إليه "مازن" بدهشة ثم قال: -واو عرفت منين الإجابة دي ياقرد ياصغير أنت. نظر الصغير إلى والدته بفخر. فعلم الآخر بأنه حصل على الإجابة منها.
ثم قال متحمسا: -مين الراجل اللي رجله في الأرض وراسه فوق النجوم؟ أجابته "زينة" مسرعًا عندما أعطاها أبوها الإجابة كي تتفوق على شقيقها: -الظابط. ظل "مازن" يلقي عليهما الكثير من الفوازير. وقد امتلأ المكان بالحماس والسرور. -ما هو الشيء الذي ينبض بلا قلب؟ رددت "رحيل" بابتسامة جميلة: -الساعة. تحدث "مازن" بصوت مرح فقال: -الفزورة الأخيرة ما هو الشيء الذي يقرصك ولا تراه؟ تحدثت "ندى" مازحة وهي تشير على زوجها فقالت مبتهجة:
-مازن هو اللي بيعمل كدا وأنا نايمة. ضحك الجميع على تعقيبها. بينما هو ظهر على معالم وجهه الصدمة فقال مندهشًا: -أنا بعمل كدا فيكي ياولية يامفترية ياقادرة. هزت رأسها بالإيجاب وهي تقول بنبرة مرحة: -بالضبط. بينما "هشام" رد قائلاً: -الناموس هو مفيش غيره. متعرفش بيجي منين وبيختفي فين. تحدث "مازن" بقلة حيلة فقال: -وربنا مافي أهبل منك أنت ومراتي إيه اللي بتقوله ده! أردف "زين" و"زينة" في آن واحد: -الجوع.
تفوه "مازن" معلنًا وهو ينظر لأطفال شقيقته فقال بسرور: -ودلوقتي نقدر نقول أن البهوات دول هما اللي فازوا بالسهرة السعيدة وعشان كدا أنا هكافئهم وهجبلهم شوكولاتة بس بكرة. رفع "زين" رأسه لينظر إلى والدته ثم قال: -مامي أنا عطشان قوي. نهضت من مكانها لتجلب له الماء. وأثناء تواجدها داخل البيت ذهب "مراد" خلفها بحجة أنه سيجري مكالمة مهمة. تفاجأت "رحيل" بتواجده. فقال هو: -تسمحيلي بكلمة. -لا.
-رحيل لو سمحتي هي مرة واحدة نتكلم فيها مع بعض وبعدها اعملي اللي عاوزاه. نظرت إليه بمعنى أكمل حديثك. فقال هو بندم: -أنا آسف جدًا. لكن بتمنى أننا ننسى اللي فات ونرجع نتعامل زي زمان. طأطأت رأسها حزنًا. فقالت: -عمرنا ماهنرجع زي ماكنا في الماضي. -كلمة واحدة منك تقدر تمحي أي ذكرى سيئة ونصنع بدلها ذكرى جميلة تعيش معانا العمر كله. أنا عايز فرصة واحدة بس وصدقيني كل حاجة هترجع أحسن من الأول.
رفعت رأسها مجددًا لترتسم علامات الحدة والقوة على وجهها لتقول بنبرة حازمة: -دا بعينك يامراد. أعطته ظهرها. فقال هو بحزن ممتزج بيأس: -معقولة بقى قلبك حجر ومبقاش همك غير نفسك وبس. طب وأنا فين من ده كله! نظرت إليه بذهول. ثم تفوهت منزعجة وهي تدفعه بضربات متتالية في صدره بقوة: -أيوة قلبي بقى حجر وكل ده بسببك أنت. أنت السبب في أني أوصل معاك لطريق مسدود. أنا بكرهك يامراد.
ابتعدت عنه لتلتقط أنفاسها بهدوء. لتتحكم في انفعالاتها وغضبها. بينما شعر بألم في قلبه. لكنه تحامل على نفسه وقال: -بتكرهيني! للدرجة دي أنتي مش فاكرة ليا أي حاجة حلوة تغفرلي ذنبي؟
طب بلاش دي بعدك عني وحرماني من ولادي لمدة سبع سنين ده ماشفعش ليا. أنتي يارحيل حرمتيني من أجمل لحظات من أن الأب يعيشها مع أطفاله. أنا اتحرمت من أني أشوفهم واشيلهم يوم ولادتهم واكبر ليهم. أتحرمت أشوف أول ضحكة وأول سنة طلعت ليهم. أنا اتحرمت من أني أشاركهم أول خطوة يمشوها. ومن أول كلمة قالوها. اختلس نظرة إليها وهو يقول بألم: -ياترى إيه أول كلمة أو أول حرف ولادي نطقوها؟ ياترى قالوا بابا الأول ولا ماما؟
أنا في تفاصيل كتير بسيطة كان نفسي أعيشها معاهم من أول ما أنتي حملتي فيهم. لكني أنا اتحرمت من ده كله. تخيلي شعوري عامل إزاي دلوقتي وأنا شايفهم كبار قدامي وملحقتش أشاركهم طفولتهم. محدش هيفهم ولا هيحس باللي بقوله لأنه مجربش شعوري ولا أتوجع زيي. يمكن وجعي كان أكبر من وجعك أنا في بعدك كنت تايه أو بالمعنى الأصح كنت ميت. لازالت تنظر إليه بقسوة. ثم نطقت قائلة: -مهما تقول عمر شعوري من ناحيتك ماهيتغير.
وضع كلتا يديه على موضع قلبه عندما بدأ الألم يزداد. ونبضاته بدأت تقل. ولكنه مسك راحت يدها برفق عندما همت على مغادرة المكان. وترقرق الدمع في عيناه وهو يتراجع بنبرة متحشرجة: -آسف. أرجوك ماتمشيش أنا محتاجك. جاءت تذهب لكن صوته المتألم أوقفها قائلاً: -متسبنيش لوحدي أنا من غيرك أموت. عند نهاية جملته سمعت صوت ارتطام شيء ما يصطدم بالأرض. فلما نظرت خلفها صاحت بذعر: -مررراد
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!