مفيش قدامي غير الحل ده. رجعت لجارتي واستلفت منها فلوس، شاورت لتاكسي وملّيته العنوان. أول حد فكرت إنه ممكن يساعدني هو ابن خالتي، بس أنا لا حافظه رقمه ولا عارفة عنوان بيته. أنا حتى مش عارفة إذا كان هنا ولا في إسكندرية! "هغامر عشان بنتي، هغامر عشان معنديش غير الحل ده أو الانتحار إللي كنت من شوية هنفذه."
وصلت عند البيت، وقفت أتأمله من بره. وقفت أتأمل الجنة إللي كنت عايشة فيها، لمحت المكان إللي كان محمود مستني فيه ليلة ما هربت معاه. واتمنيت لو الزمن يرجع بيا للحظة دي أمحيها لإنها كانت بداية اللعنة.
قربت من البوابة بقدم رجل وبأخر التانية. أول ما وصلت عندها لقيت واحد من الأمن جاي عليا. أول مرة أشوفه، غالباً عينوا ناس جديدة. كان ماسك في إيديه "روي". إللي أول ما لمحني فلت من إيديه وجري عليا. الراجل كان متفاجيء وخايف الكلب يأذيني، ومايعرفش إنه بيجري يحضني، وأنا دلوقتي في أمس الحاجة لأي حضن. عمره ما هيأذيني عشان الكلاب رحيمة ووفية، عكس البشر إللي مفيش في قلبهم رحمة.
حضنت "روي" وبكيت. خرج على الصوت عم محمد الأمن إللي من يوم ما اتولدت ما تغيرش. ماعرفنيش من بعيد، بس أول ما قرب مننا اتفاجيء وقال بفرحة: "ده الدنيا كلها نورت يا ست كاميليا! وقفت وروي لسه حاضن رجلي. سلمت عليه وسألت: "ازيك يا عمو؟ "دلوقتي بس بشوفتك بقيت بخير يا ست البنات." "ياااااه، ست البنات؟ اد إيه الكلمة دي كانت وحشاني! ابتسمت وسألت: "هو معتز هنا؟ "دلوقتي مفيش حد في البيت." استغربت وسألت: "ليه، فيه حاجة؟
"لا مفيش حاجة، الباشا عنده شغل بره مصر وخد معاه الست هانم وأمجد بيه. معرفش تعرفي ولا لا، بس هو خلاص نقل حياته كلها لاسكندرية. وأحمد بيه ومعتز بيه لسه مارجعوش البيت." "طيب ممكن تكلملي معتز وتقوله يجي البيت ضروري من غير ما تقول إن أنا إللي مستنياه؟ "حالاً يا ست كاميليا، بس ادخلي استني جوه." "لا، أنا هستنى هنا أحسن." "ودي تيجي برده! والله ما يحصل أبداً، ادخلي يا ست البنات."
حسّاه عاوز يقول حاجة وهو بيبصلي. عاوز يسأل عن منظر وشي المتشوه من الضرب، بس مكسوف ومتردد. ابتسمتله وقلت: "ماتقلقش، أنا كويسة." "الله يجعلك دايماً بخير وكويسة. ادخلي وأنا هتصل بمعتز بيه حالاً."
بمجرد ما رجلي خطت الجنينة حسيت بدفا غريب. كنت شايفة طيفي بيجري ويلعب في كل مكان فيها، سامعة صوت ضحكي. دخلت البيت وإحساس الدفا زاد لدرجة بكّتني. عرفت دلوقتي قيمة تصميم بابا على إننا نفطر ونتغدا ونتعشى كلنا سوا. عرفت قيمة اللمة إللي كانت زمان بتخنقني. عرفت قيمة كل أمر كان بيوجهه وبتضايق من جوايا منه. دلوقتي نفسي بس أرجع أسمع صوته، أترمي في حضنه هو وأمي.
أوضتي كانت وحشاني. لقتني بطلع وأنا مرعوبة يكونوا خدواها أو رموا حاجتي ونسيوني. فتحت الباب واتفاجئت. كل حاجة زي ما هي، حتى هدومي إللي كنت مغيرها يوم ما مشيت ومعلقاها زي ما هي، كإني سبت الأوضة امبارح. فتحت دولابي وشفت فساتيني وهدومي. بكيت بحسرة وأنا بلوم نفسي على إللي عملته فيها. شفت صوري وأنا صغيرة محطوطة على مكتبي وقلبي وجعني على بنتي. يا ترى هي كويسة دلوقتي؟
فضلت أدعي ربنا يطمن قلبي عليها ومعتز ما يردنيش. هو أملي الوحيد دلوقتي في رجوع بنتي وطلاقي. سمعت صوت أحمد ومعتز تحت. مسحت دموعي وخرجت من الأوضة. وقفت عند أول سلمة ومش قادرة أنزل. أخواتي وقفوا ساكتين من الصدمة. نزلت بهدوء ووقفت عندهم مش عارفة أنطق. كل ما أحاول أتكلم لساني يتعقد. ببصلهم برجاء وعيني بتلمع. أحمد بصلي بغضب وسابني ومشي. أما معتز من غير كلام لقيته بيشدني لحضنه، فبكيت بحرقة. شد ضمّته عليا وسأل:
"هو إللي عمل في وشك كده؟ ماردتش من كتر البكا. فقال بغضب: "والله لاندمه على كل لحظة فكر يمد إيديه عليكِ فيها."
"ياااااه، ده انت على كده بقى هتندمه باقي عمره ومش هيكفي لإني من يوم ما مشيت من هنا وأنا بتهان وأتضرب. مش عاوزة حقي خلاص، بس أنا عاوزة بنتي وعاوزة أتطلق منه. مش عاوزة أكتر من كده. عارفة إني غلطت، والله والله خلاص اتعلمت الدرس. عشان خاطري ما تردنيش، أنا قبل ما أجلك كنت هنتحر، بس عقلت في آخر لحظة عشان بنتي. مش هقدر أسيبها مع أب قاسي زيه. عشان خاطري ما تتخلاش عني يا معتز، أنا محتاجالك." باس راسي وحضّنّي وهو بيقول:
"ماتقلقيش يا حبيبتي، بنتك هترجع لحضنك وإنتِ هترجعي تنوري بيتك من تاني." "بس راسي وحضنّي وهو بيقول: _ماتقلقيش يا حبيبتي بنتك هترجع لحضنك وإنتِ هترجعي تنوري بيتك من تاني _بعد مقابلة أحمد ليا مافتكرش هيكونلي مكان هنا خصوصاً لما بابا يرجع. أنا مش هتقل عليكم، أنا بس عاوزاك تجيبلي بنتي وتطلقني وأنا بعد كده إن شاء الله هدبر كل حاجة في حياتي، بس ساعدني."
"حاضر، اكتبيلي كل معلومة عنه وعن أهله وعناوينهم حالاً وسيبى الباقي عليا." كتبتله كل حاجة طلبها، وحكيتله بالتفصيل كل حاجة مريت بيها من يوم ما مشيت من بيتنا. قالي أطلع أرتاح في أوضتي. كنت تعبانة أوي ونفسي أنام، بس عيني مش قادرة تغمض وبنتي مش في حضني. فضلت قاعدة في الأوضة مستنية أي خبر منه لحد ما عيني غفلت غصب عنّي.
صّحيت لمّا حسيت بحد بيدخل الأوضة. ولمّا لمحت أحمد عملت نفسي نايمة. قرّب باس راسي وخرج. فابتسمت وانتبهت من النور إللي في الشباك إن النهار طلع. قعدت ع السرير واتفاجئت بصينية الفطار محطوطة في أوضتي. قمت ولسه الابتسامة على وشي لحد ما لمحته في المراية واختفت ابتسامتي. هو أنا بقيت دبلانة كده امته؟ كإني اتبدلت بإنسانة تانية. في كل لحظة بلمح فيها وشي بندم على غبائي إللي وصّلني لكده.
سمعت خبط ع الباب فأذنت ل إللي بيخبط بالدخول. دخلت الشغالة وناولتني موبايل وهي بتبلغني إن معتز عاوزني. رديت بلهفة فقال: "غيري هدومك واستعدي عشان هبعتلك عربية تجيبك عندي هنا." "عندك فين؟ "هتعرفي لمّا تيجي، يلا عشان العربية في الطريق."
فتحت دولابي واخترت فستان وحجاب. صحيح الهدوم بقت واسعة عليا جداً، بس برده كان شكلي أنيق. العربية وصلت. بصيت على نفسي في المراية وابتسمت. بدأت ملامح كاميليا القديمة تظهر. عمرها ما هترجع زي زمان بالكامل، بس على الأقل اهه جزء منها لسه عايش.
العربية وقفت عند القسم. كنت مستغربة لحد ما لقيت معتز منتظرني. حاوط كتفي بدراعه ودخلنا وأنا مش فاهمة حاجة. طلعنا الدور التاني وحسيت قلبي هيقف من الفرحة. أمه كانت واقفة وشايلة أمل. جريت عليهم وشديت بنتي لحضني. كنت ببوس كل حتة فيها وبردد "الحمدلله، الحمدلله". لقيت أمه بتبكي وعاوزة تبوس إيديا وهي بتقول: "أبوس إيديكِ قوليله يطلق ابني. مايخلصكيش أبو بنتك يتحبس ولا ست كبيرة زي أمك تتحايل عليكم كده."
ماكنتش فاهمة حاجة. بصيت لمعتز فشدني بعيد عنها وقال: "عمرك ما هتبقي زي أمها. صعبان عليكِ ابنك ولا إنك بتتحايلي عليها؟ ما هي ياما اتحايلت عليكِ ترحميها. كنتِ ربّي ابنك الأول عشان ماتتحطيش في الموقف ده. يلا يا كاميليا ادخلي معايا."
خبّط على باب مكتب ودخلنا. سلّم ع الظابط إللي كان قاعد. دقيقة وكان محمود واقف قصادي مكسور. وواضح إنه مضروب من الكدمات إللي في وشه. بعدها دخل المأذون. بصيت لمعتز بفرحة فابتسملي وربت على إيديا. وبنفس الإبهام إللي بصمت بيه على ميثاق المهانة والذل والأسر، بصمت على عقد الخلاص والحرية. أخيراً خلصت منه وبنتي في حضني!
وقفنا عشان نمشي فطلبت من معتز يستنى. ادتله بنتي ورجعت لمحمود. بصّلي باستعطاف فرفعت كفّي وصفعته بكل قوتي. الصفعة دي ماكنتش عارفة عشان الخذلان بعد ما بعت أهلي عشانه، ولا على كل لحظة ذل وضرب وإهانة وقرف خلّاني أعيشهم؟ مش مهم عشان إيه، المهم إنها شفت غليلي. مشيت مرفوعة الراس جنب أخويا. وبعد ما خرجنا طلبت منه يخرجه بس عشان بنتي شايلة اسمه، فقالي إنه هيخرجه بس بيأدبه شوية عشان يتربى التربية إللي أهله ماعرفوش يربُّوها.
ركبت مع أخويا العربية. كشفنا على أمل والحمدلله الدكتور طمّنا. رجعت بيت أهلي والفرحة مش سيعاني. أول ما دخلت سجدت شكر لله على النجاة. دلوقتي نفسي اتفتحت ع الأكل وأقدر أنام براحتي، ما خلاص اتحررت وأملي في حضني. أحمد كان كل يوم يدخل يبوس راسي ويمشي وأنا ببقى عاملة نفسي نايمة. في مرة من المرات باس راسي وراس أمل. حط أكياس على مكتبي وخرج. فتحتها ولقيت هدوم وألعاب لأمل. وتاني يوم لما جه يكرر عادة كل صبح فتحت عيوني. ارتبك وكان هيخرج، فقمت وحضنته عافيه. أنا حافظه أحمد طول عمره مابيعرفش يبين مشاعره، لسه زي ما هو ماتغيرش. كان رافع ايديه ومتردد، وفي النهاية حسم تردده. حضنّي
وهو بيقول: "أهلاً بيكِ في بيتك إنتِ و أمل."
مر أسبوع واحنا في بيت أهلي. أمل صحتها اتحسنت وأنا كمان اتحسنت جسدياً ونفسياً، كإني اتردت فيا الروح. وفي يوم كنا بنفطر أنا وأحمد ومعتز، فجأة سمعت صوته. قلبي ارتجف، ماكنتش رجفة خوف، كانت رجفة لهفة. كان نفسي أجري على حضنه هو وماما واستقبلهم بفرحة زي كل مرة بيرجعوا فيها من السفر، بس لقيتني واقفة متسمرة في مكاني ببصلهم وهم واقفين مصدومين، زي المجرم إللي مستني الحكم، يا براءة يا إعدام، ونظرات بابا إللي بعد الصدمة ماكنتش مبشرة بالمرة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!