"مفيش قدامنا غير إنك تهربي من البيت! الجملة فاجئتني، عمرها ماخطرت على بالي قبل كده ولا فكرت حتى إني ممكن في يوم أعملها! ولإني استصعبت الفكرة قولتله نستنى شوية يكون نفسه ويثبت لبابا إنه جدير بيا يمكن يقتنع، وبالفعل فضلت سنداه ومستنياه، كمان كنت بساعده مادياً من ورا أهلي عشان يكون نفسه. مروا 3 شهور خلالهم كنت منعزلة عن أهلي، عايشة معاهم بس طول الوقت في أوضتي لا بتكلم مع حد ولا بقعد مع حد، حتى سلوكياتي اتغيرت.
في الأول كانوا بيحاولوا يخرجوني من عزلتي ومع إصراري سابوني على راحتي. لحد ما ابن خالتي اتقدملي تاني والمرة دي بابا كان مختلف، المرة دي بدأ يمارس الدكتاتورية في قرار جوازي. اتصلت بمحمود وحكيتله قالي إن ده الوقت المناسب للهروب وساعتها هنحط أهلي قدام الأمر الواقع. الحب كان عاميني بس رغم كده الفكرة مرفوضة جوايا، مش قادرة أتخيل إني أعمل في أهلي كده. لقيته بيخيرني إما أهرب معاه الليلة أو كل واحد فينا يمشي من طريق.
4 سنين حب مروا من عمري هيضيعوا في لحظة كده! معقولة كل الأحلام اللي بنيتها هتنتهي وأتجوز جوازة تقليدية من غير ما يكون لقلبي رأي! الوقت بيمر وأنا عاجزة عن التفكير. جت اللحظة الحاسمة، لحظة الاختيار اللي بعدها حياتي هتتغير للأبد. وقتها كنت شيفاها مقارنة بين سعادتي مع محمود وتعاستي اللي عايشاها مع أهلي دلوقتي وهم عاوزين يفرقوني عن حبيبي ويجوزوني جواز تقليدي. بابا عنيد بس ناسي إن ورثت العند منه، أنا هختار سعادتي.
جهزت شنطة صغيرة فيها أهم حاجتي وكتبت جواب لأمي. بعدها نزلت بهدوء وخرجت من البيت. محمود كان منتظرني في مكان قريب من بيتي. هربت معاه وجريت ورا السعادة اللي رسمهالي... قعدت في شقة بتاعة صاحب محمود كان مأجرها منه عشان نتجوز فيها وهو كان بيعدي يتطمن عليا من غير ما يدخل. وبعد 3 أيام اتفاجئت بصاحبه بيكلمني ع الرقم الجديد اللي جابهولي محمود ويقولي إنهم قبضوا عليه بتهمة خطفي.
رحت القسم وأول ما بابا شافني بدل ما ياخدني في حضنه ضربني ألم من شدته وقعت ع الأرض. لمع العند في عيوني أكتر واعترفت إني أنا اللي هربت معاه بإرادتي. بعد ما انتهت التحقيقات، أخويا خاف عليا من غضب بابا. ركبني عربيته وقعدنا في كافيه يقنعني إني اخترت غلط وإن الشخص ده لو كان حبني بجد عمره ما كان هيشجعني ع الغلط. طلب مني أرجع معاه البيت على الأقل دلوقتي.
ولما وصلنا بابا طردني وقالي إني مابقاش ليا مكان في البيت ده وإنه خلاص متبرّي مني. مشيت مش عارفة أنا حاسة بإيه، جوايا فراغ كأن في حاجة ناقصة أو حاسة كإني عريانة! لقيت محمود بيكلمني فبكيت. سألني عن مكاني واستنيته. جالي وأخدني الشقة اللي كنت قاعدة فيها. كان في نظري راجل بجد شهم وجدع. ورغم إن بابا استخدم نفوذه واتسبب في طرده من الشركة ورفض باقي الشركات قبوله ماتخلاش عني لحظة وفضل متمسك بيا.
لقى فرصة شغل في السعودية بس محتاج فلوس كتيرة ومصاريف عشان نقدر نتجوز وأسافر معاه. فبعت كل دهبي اللي هربت بيه وهو باع أرض ورثها من باباه وخلصنا إجراءات السفر. اتزوجنا بفضل أخويا اللي لما خلاص لقاني متمسكة بقراري جوزني ليه وودعني. لما رحت أودع أمي وباقي إخواتي اتمنعت من دخول البيت وبابا وصلّي رسالة مع أخويا انسى إن ليا أهل، جملة صغيرة بس وجعها كبير أوي وتقيل ع القلب.
سافرت مع جوزي وماكنتش متخيلة إني بعد ما أحقق حلمي سعادتي هتبقى ناقصة بالشكل ده! بس بعد ما استقرينا ومحمود استلم شغله الإحساس ده بدأ يتلاشى وهو بيتفنن إزاي يسعدني ويعوضني عن غياب أهلي. حاولت كتير أتواصل مع أمي أو إخواتي بس رفضوا يسمعوني حتى أخويا الوحيد منهم اللي كان واقف جنبي قاطعني زيهم. الحياة كانت صعبة. افتكرت نفسي هقدر أستحمل الفرق في المعيشة. صحيح كنت متأقلمة بس من جوايا تعبانة وبحاول مابينش لجوزي.
مشتاقة لأهلي ولحياتي. فعملت حساب فيس بوك مزيف وبعت لكل أهلي وقرايبي عشان أعرف أخبارهم من بعيد لبعيد. أخبار بابا كنت بعرفها من الإعلام بس رغم كل اللي حصل حساه واحشني أوي ونفسي أطمن على صحته. محدش قبل إضافتي غير بنت خالتي. دخلت عندها واتفاجئت بصور فرح أخوها. فرحت عشانه وإنه قدر ينساني ويكمل حياته. أول ما شفت أمي وأبويا وإخواتي في الصور بكيت بحرقة. كان زماني دلوقتي وسطهم كعادة كل مناسبة خاطفة الأضواء بفستاني وأناقتي.
كنت في كل مناسبة أبقى محتارة ألبس إيه رغم دولابي المليان فساتين وفي النهاية بنزل أشتري فستان جديد. إزاي هحضر مناسبتين بنفس الفستان! أنا ماكنتش بلبس طقم غير مرة واحدة. دلوقتي مابقاش حيلتي غير دولاب فاضي مفيهوش غير طقمين ببدل فيهم. مش مهم كده كده مابخرجش من البيت.
صحيح الوضع كان ومازال صعب أوي ولسه مش عارفة أتعود على التغيُّر المفاجيء في طبيعة حياتي بالشكل ده بس كنت دايماً بصبّر نفسي إني عايشة مع حبيبي وبيعمل كل اللي يقدر عليه عشان يسعدني وبعدين أنا استحملت 5 شهور اهه يبقى أكيد إن شاء الله هقدر أكمل. لكن الحاجة الوحيدة اللي كانت مصبراني للأسف بدأت تختفي.
محمود بقى عصبي أوي وبيتهمني دايماً إني مسرفة ومش حاسة بيه ولا بساندة رغم إن أبسط حقوقي واحتياجاتي اتنازلت عنها عشانه وصابرة ومستحملة. مابقاش طايقلي كلمة ولا بيحترم رأيي في أي حاجة تخص حياتنا حتى الخلفة بعد ما كنا متفقين نأجلها رجع في كلامه فيها بعد مكالمة من مامته. حاولت أفهمه إن وضعنا لسه محتاج استقرار شوية بس ماسمعنيش. وبالفعل حملت. ورغم إني نفذت قراره وأنا متضايقة بس فرحته بحملي غيرت رأيي.
ده غير إن معاملته اتغيرت ورجعت تاني كويسة. اكتشفت إنه بيدي لمامته كل يوم تقرير عن حياتنا وإنه ممشي الحياة بمشورتها وبس. الموضوع يمكن كان مضايقني جداً بس أهه مامته في النهاية عاوزة مصلحتنا فكنت بسكت عشان أحافظ على بيتي. لحد ما عرفنا إن اللي في بطني بنت والمعاملة بقت أسوأ مما كانت قبل حملي. في اليوم ده اتخانقنا. المرة دي ماسكتش ولأول مرة يمد إيديه عليا. وقفت مصدومة ومش عارفة لا أنطق ولا أتحرك.
دخلت أوضتي وكنت بلم هدومي لحد ما افتكرت إني ماليش حد ولا حتى معايا فلوس أرجع مصر. قعدت في الأرض أعيط ولأول مرة أواجه نفسي بالحقيقة اللي بهرب منها، بابا كان عنده حق... مش فاكرة نعست امته ع الأرض بس لقيته بيقومني وياخدني في حضنه. اعتذرلي ووعدني إنه مش هيكررها وطبعاً مضطرة أصدقه عشان مفيش قدامي غير كده. بس للأسف المرة دي اتكررت مرتين وتلاته لحد ما بقى الضرب ده أمر طبيعي. كان ممكن أتضرب قدام الناس وفي الشارع عادي جداً.
في مرة لقيته بيقولي إنه هينزلني أعيش مع مامته في مصر وهو يبقى ينزلي إجازات عشان مابقاش قادر على مصاريفي كمان بنت لسه جايه وده هيزود الحمل. فضلت أتحايل عليه وأعيط عشان مانزلش مصر. أنا بخاف من مامته وأنا في بلد تانية إزاي هقدر أعيش معاها في بيت واحد! وعدته إني مش هصرف أي حاجة تانية تخصني ولا هطلب منه حاجة.
وصلت لدرجة إن أوقات كنت بنام جعانة عشان أوفر وجبة لبكرة وده اتسبب في إني اتنقلت للمستشفى والدكاترة قالوا لازم أهتم بأكلي أكتر عشان الجنين. الحاجة الوحيدة اللي كانت بتهوّن عليا اللي أنا فيه بنتي. كنت أفضل أكلمها وأفضفض لها، متشوقة أوي لولادتها ولحضنها مابقاش ليا غيرها. لا عندي نت أعرف بيه أخبار أهلي ولا حتى تليفون أوصلهم بيه، باعه زي باقي حاجتي. لحد ما عمل مشكلة في الشغل بسبب عصبيته وطردوه.
دور على شغل تاني ومالقاش، فاضطرينا نرجع مصر. أهه نتبهدل في بلدنا أحسن من بهدلة في الغربة. كنا قاعدين عند مامته في اسكندرية. معرفش ليه كانت بتكرهني رغم إني عمري ما آذيتها ولا ضايقتها. كل يوم تنيمني معيطة. بس كل وجعي كان بيختفي ودموعي تتحول لضحكة مع كل خبطة من بنتي في بطني. بحس خبطتها دي طبطبة بتقولي أنا هنا حاسة بيكِ وجنبك. هي كانت أملي الوحيد في الحياة وخلاص باقي أقل من 3 شهور وهتبقى في حضني.
لحد ما في يوم مامته استفزتني فاض بيا فرديت عليها وكانت النتيجة ضرب من غير رحمة وهي واقفة بتتفرج وتشجعه. لحد ما حسيت بمغص شديد. وقعت ع الأرض وبدأت أنزف. ماحسيتش بألم الضرب بس كنت خايفة من حاجة واحدة بس إن أملي الوحيد في الحياة يروح. حطيت إيدي على بطني وهمستلها "أرجوكي ماتتخليش عني انتِ كمان وتسيبيني أنا محتاجاكِ". بعدها ماحسيتش بأي حاجة تانية. فتحت عيوني بوهن.
ماكنتش عارفة أنا فين بس سمعت صوت اتنين بيتكلموا فهمت من كلامهم إنهم ممرضات، يبقى أنا أكيد في المستشفى. سمعتهم بيتكلموا: "ربنا نجاها من الموت لو اتأخروا دقيقة زيادة كان زمانهم بيعملوا تصريح الدفن" "آه يا حبيبتي شكلها كده مضروبة من المنظر اللي كانت جاية بيه، صعبانة عليا أوي ربنا يلطف بيها بقى لما تصحى وتعرف المصيبة" أول ما سمعت آخر جملة ضغطت بوهن على بطني كالعادة عشان ترد عليا بخبطة بس المرة دي مكنش فيه خبط.
المرة دي مش حاسة بوجودها!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!