جلست لا أدري كيف أتصرف، حتى أنني كنت أفكر في أن أتصل على فارس ليأتي كالعادة ويساعدني، ولكن أتصل عليه إزاي بعد آخر مكالمة وهو قد أنهى كل شيء. وظللت جالسة في حيرة وتفكير حتى سمعت جرس الباب يرن. جريت افتح الباب وأنا أقول: "بقى كده ياماما تخضيني عليكي؟ أنا قلقت عليكي أوي، كنتي فين؟
ولكن اتفاجئت أن مش ماما هي اللي واقفة أمامي، واللي واقفة هي والدة فارس. وواقفة بدون أي كلام، كل اللي عملته أنها بتبص لي. وأنا كمان وقفت شوية ساكتة. لقيتني بقول: "اتفضلي". فقالت: "اتفضل كده عادي، حتى بعد كل اللي قولتهولك وكل اللي عملته فيكي، وبعد ما حرمتك من الإنسان اللي بتحبيه؟ دا أنا كنت متوقعة مقابلة تانية خالص، مقابلة جافة".
فقولت: "لأ حضرتك مهما كان ضيفة وفي بيتنا، والأهم من كده إن حضرتك والدة فارس، الإنسان الوحيد اللي وقف جنبي وقت محنتي، وقت كنت محتاجة وقفته جنبي فعلاً". فقالت: "بتحبيه يا ماسة؟ ما ركزتش في الاسم اللي قالته واتحرجت من سؤالها إني بحبه، ونظرت للأرض. فردت إيدها ورفعت وجهي وقالت: "إيه؟ ما رديتيش ليه؟ بقولك بتحبيه يا ماسة؟ فـركزت في الاسم وقولت: "ماسة؟ أنا اسمي مها، هو حضرتك نسيتي؟
فقالت: "لأ، انتي اسمك مها، انتي بنتي اللي اتخطفت مني وهي عندها سنة". فقولت: "انتي ماما! معقولة؟ إزاي؟ فضمتني لحضنها وهي بتقول: "أيوه، انتي ماسة بنتي". وفضلت تبكي، وأنا مش مصدقة. بس لما ضمتني لحضنها حسيت بإحساس غريب وبتديء عجيب، والدموع نزلت من عيني وضمتها لحضني أكتر. دخلت أمي ومعها فارس وهي بتقول: "إيه كل الحب ده ليها؟ مافيش شوية لماما التانية؟ ولا خلاص اتنسينا؟ نادا! انتي نسيتي حتى إني مش موجودة! فمديت إيدي وأنا
في حضن أمي الحقيقية وبقول: "أنا أنساكي دا لا يمكن، دا انتي عمري كله". فقالت والدة فارس: "سيبيها في حضني، انتي مستكتره عليا الشوية دول؟ ما هي في حضنك طول عمرها". فارس قال: "مبروك يا ماما رجوع بنتك لحضنك". وقال لي: "مبروك يا ماسة، ولا مها بقى؟ أنا محتار". فقولت: "يعني فارس أخويا؟ فارس: "لأ، أخوكي إيه؟ أنا حبيبك، إنما أخوكي دي لأ، مليش فيها". فقولت: "أنا مش فاهمة حاجة".
فارس: "ضـب يا ستي، أول ما الحضن الأموي ده يخلص وماما تشبع منك، وانتي تشبعي منها، أبقى أكملك حكاية الأستاذة ماسة اللي مش راضية تخلص دي". فقال والدة فارس: "أهي خلصت أهي، ورجعت لحضن أمها الحمد لله، ولقلب حبيبها". فقولت: "لأ، أنا كده هتجنن، فهموني، وإزاي عرفتوا إن أنا ماسة؟ فارس مد إيده ومسك إيدي وبيخدني من أمه وهو بيقول: "طب بعد إذنك يا ماما، هاخدها منك شوية أفهمها وأبقى أرجعها لك".
فقالت والدته: "سيبها في حضني شوية تطفّي النار اللي قايدة جوايا بقالها سنين وسنين". فقال: "هرجعها لك تاني، أصل أنا عارفها مش هتقدر تنتظر إلا لما تفهم". أمي أخدت والدة فارس وقالت لها: "سيبيهم وتعالي، أنا أحكيلك كل حاجة عن بنتك واضحك عليها وعلى اللي كانت بتعمله، بس تعالي ندخل غرفتي لحسن أنا حاسة بشوية تعب". تركتني وراحت معاها، بس رجعت مسكت إيدي وقالت: "لأ، تعالوا معانا واقعدوا جنبنا".
ودخلنا كلنا مع بعض، وفارس قعد جنبي من ناحية، ووالدته قعدت جنبي من الناحية الأخرى. وأمي رقدت على السرير. ورغم أن والدة فارس بتتكلم مع أمي، إلا أنها لم تترك يدي من يديها. وأكمل فارس الحكاية من وقت ما قال إنهم مسكوا الست اللي خطفتني وقتها من أمي. وبعد أن اعترفت من ضغطهم عليها ومواجهتها بالكاميرات، قالت: "أنا آه خطفتها منها، بس هي مسكتش. وبينها كانت مرعوبة مني، فضلت تصرخ لما لاحظت إني مش أمها وتحاول تفلت مني.
وكل شوية حد يوقفني يسألني: هي دي بنتك ولا لأ؟ "وحد من العيال السريحة اللي عرفني مشيوا
خلفي وقرب مني وقال لي: على فكرة والدة البنت حد شاور لها على طريقك وجاية الناحية دي، فاخوفت حد يوقفني تاني وتلحقني أمها وأتـمسك. فجريت لحارة جانبية هادية بعيد عن العيون، ووضعتها على جنب وهربت ورجعت بعد ما الأمور هديت شوية، بس ما وجدتهاش، أصلها كانت بتمشي. فـ ماعرفش حد خدها ولا هي مشيت لمكان تاني. وبعد ما حققوا مع الست، أخدوها على المكان اللي وضعتك فيه، بس كان مر وقت مش قليل على وقت خطفك، وطبعًا لما راحوا ما كنتيش موجودة. ومن وقتها وانتي اختفيتي، ووالدتك فقدت الأمل في إنها توصل ليكِ".
فقولت لها: "وعرفتوا إزاي إني ماسة؟ فقالت أمي: "أحكيلك أنا بقى عرفت إزاي إنك بنتها". ووضعت إيدها في شنطتها وخرجت ملابسي اللي كنت لابساها يوم ما وجدوني في الشارع وأخدتني معاها. وقالت: "زعلك على فارس خلاني ما بنمش. وفضلت ليل ونهار أفكر أقدر أعملك إيه، لحد ما افتكرت إني لسه شايلة لبسك اللي كنتي لبساه وقت ما وجدتك وبحثت عنه ولقيته فعلاً". "اتصلت على فارس لحد ما رد عليا،
وقولت له: عاوزة أقابلك، عاوزاك في موضوع مهم. ولما قابلته، قولت له: وديني لوالدتك، عاوزاها في موضوع ضروري. وفعلاً وداني ليها. ومن غير ما أتكلم بأي كلمة، خرجت ملابسك أمامها. وهي مجرد ما شافتها، كأن حد كان بيموت وروحه رجعت له. مسكت مني الملابس وفضلت تقول: ماسة بنتي حبيبتي، هي فين؟ دي ملابسها، هي فين؟ نفسي أشوفها، هموت وأكلمها وأسمع صوتها". "فقولت لها: انتي شوفتيها وكلمتيها؟
ومش مرة واحدة، أكتر من مرة، وكنت قاسية عليها أوي". فقالت لي: "تقصدي مين؟ لأ، مش معقول، هي مش بنتك؟ فقولت لها: "أنا ما حلفتش، وزوجي مات في أول سنين زواجي، ودي بنتك اللي اتخطفت منك. أنا وجدتها في الشارع لوحدها، أخدتها وربيتها، وأدينا جينا ليكي". فقولت: "يعني فارس أخويا؟ فارس قال: "يوووه، والله مش أخوكي، مش أنا كنت قولت لكِ إن حكاية خطف ماسة دي مجرد مقدمة لموضوع تاني؟
فقولت: "أيوه فعلاً، انت قولت لي كده، بس الظروف ديما ما كانتش بتسمح إنك تكمل لي الموضوع".
فقالت والدته: "أنا هكملك يا ستي. أنا لما ما عرفتش أوصل ليكِ بكل الطرق، بقيت ألف على كل الملاجئ اللي في المحافظة عشان يمكن يكون حد أخدك ووداكي لأي ملجأ ظناً منه إن مالكيش أهل، أو أهلك هما اللي رموكِ في الشارع لأي سبب. فـ خوفاً عليكي من بهدلة الأقسام والإجراءات، فـ قرر إنه يوديكي ملجأ. وكنت كل شوية ألف على الملاجئ دي وآخد شوية هدايا وأفرقها عليهم أملاً في إن ربنا يجعلها سبب في ردك ليا".
"وفي أحد الملاجئ شفت فارس هناك كذا مرة، وكنت بأعطيه من اللعب. فـ في مرة مسك فيا وقال لي: خليكي معايا، ماتمشيش، أو خديني معاكي. حاولنا بقدر الإمكان نلهي ونمشي، بس هو كان ماسك فيا بشكل غير طبيعي، فـ صعب عليا، فـ قررت إني أخده أربيه، وخصوصاً إني قررت إني مخلفش تاني بعد ما ضيعتك من إيدي، لإنـي دُقت نار فراقك ومش هقدر أدوقه تاني في حياتي، وحـزننا عليكي".
"ومن وقتها وفارس معايا، واللي هون عليا الدنيا ومرّها، خصوصاً بعد وفاة والدك". فـ بكيت وكأني سمعت خبر وفاة والدي الآن، بكيت شوقاً لرؤيته وحنيناً لأبوته. فـ أخذتني والدتي في حضنها وظلت تواسيني. وقال فارس: "ها يا ستي، صدقتي بقى إني مش أخوكي؟ يالا بقى نتجوز". فقولت: "مش لما والدتك توافق؟
فقالت: "أنا مش مصدقة إني كنت بعمل ده كله في بنتي اللي عشت عمري كله أتمنى إني أشوفها بس، وإني أفرح بيها وأجهزها بأيدي لعريسها. أُتـارني أنا اللي كنت بقتل ليها فرحتها". ونظرت لأمي وقالت: "أنا متشكرة أوي على تربيتك وحفظك لماسة". فقالت أمي لها: "وأنا متشكرة على تربيتك لفارس التربية الحسنة دي، لولا تربيتك دي ليه وإنه يكون بالرجولة دي ومد إيد المساعدة ليا، الله أعلم كان زماني فين".
فقال فارس: "أيوه، اقعدوا اشكروا بعض، وأخرونا على المأذون، أنا عاوز أتـجوز! مليش دعوة، يالا بقى". فقالت والدته: "اقعد يالا، هو أنت عاوز جواز بنتي ماسة يبقى بالكروته دي؟ دا أنا هعمل لكم فرح ولا ألف ليلة وليلة". فارس: "يووو، أنا لسه هستنى لما تجهزي للفرح، طب نكتب الكتاب بس، وأبقى اعملي الفرح براحتك، اعتبريه حلاوة رجوع ماسة بنتك، ولا انتي مش عاوزانة نفرح؟
فقالت: "لأ ياسيدي، عاوزين نفرح، روح هات المأذون واتنين شهود وتعال". أقام فارس يجري: "يا سلام هوا! ". وراح فعلاً جاب المأذون ورجع، وكتبوا الكتاب. وأول ما كتبوا الكتاب سحبها من إيدها وقال لهم: "عن إذنكم بقى". ودخل بيها أحد الغرف وقال: "في حاجة كان نفسي أعملها من أول يوم شفتك فيها". فقولت: "إيه؟ فقرب مني وقبلني وقبلته، وقولت له: "كنت خايف موت إنك تطلع أخويا، بس تعرف، كان نفسي برضه يكون ليا أخ".
فقال لي: "خلاص يا ستي، اعتبرني أخوكي وأبوكي وجوزك وعائلتك كلها لو حبيتي". وانتهت حكايتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!