الفصل 11 | من 23 فصل

رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اية حسين

المشاهدات
24
كلمة
1,990
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

"إسراء" أنا عمّالة أتكلم أتكلم وأنتِ ساكتة، ما تكلميني عنك كده، يعني قولي لي بتحبي إيه وبتكرهي إيه؟ بتحبي تعملي إيه وقت ما تفضي؟ ارغي يعني عايزين نبقى صحاب. كانت تلك أسئلة "عالية" التي أجابت عليها "إسراء" بانفعال: هقول إيه يعني؟ أنا خلاص مابقاش في حاجة أحبها ولا أكرهها، كل حاجة راحت، هعمل إيه أنا في حياتي دلوقتي بعد ما نظري راح؟! ولا حاجة. قالت "عالية" محاولةً تهوين الأمر عليها ونافيةً كل ما قالته:

لا طبعًا، في حاجات كتير تقدري تعمليها، أنتِ تقدري تعملي أغلب الحاجات اللي كنتي بتعمليها قبل كده بس بطرق مختلفة وممكن تحتاجي مساعدة، لكن حياتك مش هتقف أبدًا. ثم سألت: قولي لي بس إيه أكتر حاجة بتستمتعي بيها؟ أجابت "إسراء" بمرارة: القراءة، كان يبقى يوم وحش أوي اللي يعدي عليّ من غير ما أقرأ، كنت بحب الروايات والكتب وبقرأ الاثنين بالتساوي تقريبًا، مش قادرة أصدق إني بقالي تلات شهور مامسكتش كتاب في إيدي وقرأت فيه.

توقفت "إسراء" ثم قالت متذكرةً بأسىً وصل لـ"عالية": أو لأ، كان فيه مرة مسكتهم فيها، فضلت أحسس لحد ما وصلت لهم، كانوا كام كتاب عندي منها اللي قرأتهم واللي كنت ناوية أقرأهم، مسكتهم وقعدت أشم فيهم وأنا بتحسر. شعرت "عالية" بالحزن تجاهها وبالشفقة عليها، لم تحب "إسراء" ذلك لكنها لم تستطع ألّا تنفّس عن مشاعرها، كانت أكتر كتمانًا من قبل لا تدري ماذا جرى؟ قالت "عالية": جربتي الكتب الصوتية؟ لأ، أكيد مش هتبقى زي الورقية.

يعني ما جربتيش، جربي يمكن تحبيها، وحتى لو مش أحسن حاجة أكيد هيكون أحسن من مفيش. بدا على "إسراء" الإقبال بشيءٍ يسير على ما تقوله "عالية" التي قالت بعد دقائق: سيبك بقى من الكلام النكد ده و خلينا نلعب حاجة. وجهت حديثها لابنها قائلة: "مصطفى" فين الكوتشينة اللي قلت لك هاتها معاك؟ أخرج "مصطفى" اللعبة من حقيبةٍ زُيّنت بالرسومات الكرتونية فأعطاها لوالدته، ثم سألها بصوتٍ منخفض: هي هتلعب معانا إزاي؟ قالت "عالية" بصوتٍ مسموع:

هقولك دلوقتي. ثم تناولت بطاقة لعب وطوت طرفها بإحكام فمررتها لـ"إسراء" قائلة: ورقة الواحد هتبقى مثنية بالطريقة دي، المسّيها واحفظي إن الورقة دي واحد، إحنا هنثني كل ورقات الواحد بالشكل ده.

ثم أخذت بطاقةً برقم اتنين وطوتها بطريقةً مختلفة ثم مررتها لـ"إسراء" لتلمسها وتعرف شكلها، هكذا ابتكرت طريقةً تطوي بها كل رقم بطريقة مختلفة، حتى أنها استخدمت بعض الملصقات ذوات الملمس المميز كانت قد جلبتها معها لتفريق كل بطاقةٍ عن غيرها وتنافست هي و"مصطفى" في تمييز أكبر عدد من البطاقات. ثم بدؤوا اللعب، وكانت "منة" تمسك ببعض البطاقات وتتصنع اللعب معهم وهم يشجعونها رغم أنها لا تفقه شيئًا من لعبهم.

كانت "إسراء" مبتهجة، أكسبتها أفعال "عالية" بعض الإيجابية. تساءلت، أتكون "عالية" محقة؟ أتكون هي من تدفن نفسها في كآبتها وبؤسها؟ هل مازال العمر أمامها كما تقول "عالية"؟ إن كانت الإجابة نعم، فلمَ لا تستطيع التفاؤل بذلك؟ لمَ لا ترى إلا طريقًا معتمًا لا يصله النور أبدًا؟ لمَ لا ترى نفسها إلا مدفونةً في اللاجدوى؟ أهو اليأس من كل شيء الذي يزورنا عقب المصائب؟ أم هي الحقيقة متخفيةً في شكل مشاعر؟

انتبهت من شرودها على صوت الطفل "مصطفى" الذي نبهها بدوره في اللعب. تنهدت ثم قالت واضعةً البطاقات التي في يدها أمامها: زهقت بقى خلاص مش عايزة ألعب. قال "مصطفى" راجيًا: لأ بليز الله يخليكِ نخلص الدور ده بس. أنت بتحب اللعبة دي أوي كده؟ بحبها علشان بابا هو اللي علّمها لي. ابتسمت "إسراء" ابتسامةً مريرة، تعجبت من وجود ما تتشاركه مع طفل في الثامنة، هي لا تحب التعامل مع الأطفال لكن تشارك الألم يقرِّب فسألته: وحشك؟

أجاب الصبيُّ بما أيقظ الآلام المخدرة داخل كلٍّ من "عالية" و"إسراء": أوي. قالت "عالية" بحنين: مستنينا في الجنة يا حبيبي، ادعي نتقابل هناك. قالت "إسراء": أنا كمان بابايا وحشني. سألها "مصطفى" مندهشًا: أنتِ كمان باباكِ مشي؟! أجابت شاردة: أيوة، بس أنا مش فاهماه خالص، كان نفسي أبقى فاكرة منه أي حاجة. استطردت بصوتٍ أكثر إشراقًا: عارف لما يوحشك تعمل إيه؟

تجيب صورته وتحطها قدامك وتكلمه، تقوله قد إيه وحشك، وتحكيله عملت إيه في يومك، هو مش هيرد عليك، بس هو هيكون سامعك. كان هذا ما تفعله "إسراء" بصورةٍ قديمة غير واضحة احتفظ بها "عمر"، تقطعت من جوانبها، حمل كلٌّ منها وأخاها الحنين لها، وصورةٌ أخرى لم تعرف بوجودها سوى قبل عماها بمدة قصيرة، بدت أحدث وبدا أبواها أكبر، استغربتها حين رأتها.

بعد تفكير، قرر "عمر" الذهاب إلى المكان المذكور في الورقة، كان مبنىً سكنيًا، لكنه بدا خاليًا.... خاليًا من أي شيء، وأي حياة. كان على وشك الدخول قبل أن يقطع طريقه رجلٌ قائلًا: اقف يا عم أنت رايح فين كده؟ داخل العمارة، في مشكلة؟ داخل تعمل إيه في العمارة؟ بدا سؤال الرجل غريبًا غبيًّا متطفلًا، ممّا جعل "عمر" يجيب ببعض الحنق: إيه السؤال ده؟! داخل عادي، في ناس جوه أعرفهم داخللهم.

ناس مين ياباشا المبنى واخد قرار إزالة وهيتهد خلاص، مفيش حد جوه. ماذا؟! لا يمكنُ أن يكون ما يقول الرجل صحيح. عارضه في البداية محاولًا الدخول لكنه بعد مدةٍ تقبلَ الأمر وحاول البحث في المباني المجاورة فلم يجد شيئًا أيضًا، لم يعرف والديه أحد. تبدو خدعة، لكن مَن مِن مصلحته أن يخدعه؟!

كانت كل ورقةٍ تأتيه تقوده إلى مكانٍ تواجد فيه أبواه في وقتٍ ما، أما تلك الورقة الأخيرة، التي تأخرت جدًا بشكلٍ مريب، فلم تقُده لشيء، وكأن هناك شخصٌ يريد كشف الحقائق المتخفية خلف أستار الكذب، لكنه وَجِل، وكأن هناك ما يهدده، من هو هذا الشخص وما الذي يهدده؟ كان هذا السؤال يشغل بال "عمر". قال في نفسه متهكمًا وهو يغادر يائسًا: أنا بقيت كورة وبيتلاعب بيا. كفاية بقى كفاية بجد!

أنا زهقت من كلامك اللي دايمًا عن إني تخنت ولازم أخس، أنتِ ما بقيتيش تشوفيني من غير لما تقولي لي كده، خلاص أنا حفظت، هو ليه؟ ليه مابتسيبيش فيّ عيب غير لما تمسكي في غيره؟

تسترجع "آية" تلك الذكرى، حين صرخت في وجه والدتها، صرخت بأعلى ما استطاعت حنجرتها أن تصرخ، كان ذلك منذ ثلاثة أيام، استمرّ الصراخ واللوم قائمٌ طوال الليل، تدخل جميع أفراد العائلة للتهدئة، تعتقد الآن أن جميع أفراد العائلة هجروها، ربما استقصوها من حياتهم لأنها لم تملك الصفات التي تعجبهم.

كان صراخها بمثابة إفراغ للشحنة السلبية بداخلها، لم يكن أمر والدتها فقط ما يشغلها، كان أمر "إسراء" أيضًا يكويها قلقًا كل يوم، منذ آخر مرةٍ رأتها في المستشفى وهي لا تعلم عنها شيئًا، اتصلت بها كثيرًا ولا رد، أرسلت لها ولا إجابة، لم تعرف لها عنوان منزل فسألت عنها في الجامعة ولم تجد شيئًا كما توقعت، "إسراء" لا تملك أصدقاءً سوى "آية". تفكر وتغوص بين الهواجس والتخيلات، ثم تقول داخل نفسها: ماذا قد يحدث أكثر مما حدث؟

تعلم أنها مخطئة، مخطئة كثيرًا، لكنها ليست وحدها المخطئة. جاءتها شقيقتها الكبرى "أسماء" فقالت: مش عايزة تيجي تفطري معانا؟ أجابت "آية" بعدائية: مش لازم، لو ده هيزعجكم أوي كده. "آية" ماتعيشيش دور المظلومة أنتِ غلطتي برضو. خلاص لو أنا وحشة أوي كده سيبيني وامشي. قالت "أسماء" متعقلةً مترفقة: بصي يا "آية"، ما ينفعش خالص ترفعي صوتك كده مع أمك مهما كانت المشاكل والخلافات اللي بينكم.

أنا عارفة إني غلطت بس كلكم بتتعاملوا على إني غلطت لوحدي، على أساس إني غلطت كده بمزاجي، ده أنتِ بالذات عارفة قد إيه تنمرها عليّ وإحراجها ليّ قدام الناس مؤثر فيّ، حاولت قد كده أقنعها إنه ده بيضايقني مفيش. فالحل إنك تتخانقي؟! تنهدت "آية" متعبةً ثم قالت: والله ما كانش قصدي، أنا بس كنت مضغوطة فما قدرتش أتحكم. ربتت "أسماء" على كتف شقيقتها ثم قالت: معلش، راضيها أنتِ دلوقتي وأنا هبقى أكلمها في موضوع المضايقة ده بعدين.

قامت "آية" لتفعل ما قالته "أسماء" فطَرقت باب غرفة والدتها لكن والدتها لم تفتح لها، حاولت استعطافها وطلب العفو من خلف الباب ولم يجدِ ذلك أيضًا فانصرفت جارةً أذيال خيبتها. بعد ثلاثة أيام... هو فيه إيه بقى؟ أنا من حقي أفهم إيه اللي بيحصل. كان ذلك سؤال "عمر" موجهًا لـ"إسماعيل" الذي يقف أمامه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...