الفصل 9 | من 23 فصل

رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل التاسع 9 - بقلم اية حسين

المشاهدات
23
كلمة
1,274
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

لم يسأل "عمر" "إسراء" عن أي شيءٍ يوم الحادثة، إذ أخرست الصدمة كليهما. وفي اليوم التالي سألها، فقصّت له الأمر بوضوح، بدايةً من "مروان" زميلها الذي يلاحقها قائلًا أنه يحبها فتصده. ثار "عمر" غضبًا من هذا الفتى، تلفت أعصابه وهو يتخيله يؤذيها، وتمنى أن يذهب له الآن ويريه عواقب أعماله. سأل "عمر" معاتبًا: -وليه ما قلتيش قبل كده إن الولد ده بيضايقك، كنا اتصرفنا معاه قبل ما يحصل اللي حصل؟ أجابت "إسراء" بصوت خافت

باهت كما لم يكن من قبل: -أنا عمري ما جه في بالي إن ده ممكن يحصل، وجود "مروان" ده ومضايقاته ليا ما كانتش مأثرة في حياتي، وأكيد مش عايزة أعمل مشاكل. قال "عمر" متوعدًا لـ"مروان": -ده أنا هوري الواد ده أهوال ماشافهاش في حياته، ده لازم يتجازى على اللي عمله أضعاف. ثم نظر لها نظرة الإنسان لأغلى ما في دنياه قائلًا: -أنتِ غالية أوي يا "إسراء"، أغلى بكتير من إن واحد زي "مروان" ده يؤذيكِ ويتساب. -ناوي تعمل إيه يعني؟

-مش عارف لسة، بس اللي هعمله أكيد مش هيكون كويس بالنسبة له. -مش لازم يا "عمر". -هو إيه اللي مش لازم؟ -مش لازم تشغل بالك بيه ولا تحاول تنتقم منه، أصل ده مش هيرجع نظري، فليه نعمل مشاكل ملهاش لازمة؟ عمرنا أقصر من إننا نضيعه في خناقات وانتقام. سأل "عمر" معاتبًا مستنكرًا: -وماناخدش حقك؟ -مش لازم صدقني، ناخده يوم القيامة قدام ربنا. -ده ضعف يا "إسراء".

-مش دايمًا العفو ضعف، زي ما مش دايمًا الانتقام قوة. الانتقام ممكن يبقى ضعف لما تلغي حياتك وتفكيرك وشخصيتك عشانه، وتبقى مجرد مسخ عايش عشان تنتقم وماتفرقش في أي حاجة عنهم، وتنسى الحياة كانت بتتعاش إزاي. العاقل هو اللي بيعرف امتى يعفو. كان "عمر" معترضًا بشدة على حديثها، فظل الأخذ والرد بينهما حتى شُحنت الأجواء بالعصبية والتوتر، فتوقفا عن الحديث عندما لم يقتنع أحدهما بما يقوله الآخر.

تمر الأيام والشهور ولا شيء يحدث، كأن الزمن توقف عند اللحظة التي شعرنا بها أن لا شيء أسوأ قد يحدث، حين نصل إلى ذروة الألم في حكايتنا فتتزلزل كياناتنا ونظن أن لن نسعد مجددًا. في الحقيقة الزمن لم يتوقف، لكنه حين يسقط الإنسان فيتوهم أنه من شدة السقوط لن يقوم مجددًا فيبقى ساكنًا في حين أن كل الأشياء تتحرك. ويظل هو يتحسر على ما راح.

كان ذاك حال الشقيقين "عمر" و "إسراء"، حيث كانت "إسراء" غارقةً بين دموعها وغضبها الشبه الدائم، تغضب وتشتعل من أتفه الأسباب حتى تصل للذروة ثم تهدأ تمامًا فتغدو ساكنةً بلا حركة ولا كلام. و"عمر" يراها وقلبه ينفطر عليها وعلى حياتها التي ضاعت، ولا شيء أمامه يستطيع فعله. كل ما يقدر عليه هو أن يبقى جانبها، لا يفعل شيئًا سوى البقاء بجانبها. تمر الأيام جارةً أسابيعًا، وهو لا ينزل من البيت خشية تركها وحدها.

جمعت مكالمة بينه وبين صديقه "علي"، حين سأله "علي" كيف حالك، لم يستطع الإجابة بـ"بخير" إذ لم يشعر بأي خير قريب. قال "علي" أسفًا على ما صار إليه رفيقه: -"عمر" مش كفاية؟ أنت بقالك كتير أوي قافل على نفسك أنت وأختك ما بتخرجش خالص. -ماهي مش قادرة تخرج تعمل حاجة وأنا مش قادر أسيبها. -هي حاجة صعبة وتقيلة، بس أنتم مش هتوقفوا حياتكم يعني؟! أردف "علي":

-"عمر" أنت بقالك أكتر من ٣ شهور قافل على نفسك، شغلك طيب اللي مابتروحوش ده، أكيد الإجازة المفتوحة دي هتخلص وهيقولوا لك يا تيجي يا شكرًا مش عايزينك، وأنت مش ناقص مشاكل من النوع ده. رد "عمر" بصوتٍ حمل قلقًا كثيرًا: -أيوه بس هي ماتقدرش تقعد لوحدها ولا تقدر تروح حتة، دي مابتعرفش تعمل حاجة لوحدها خالص دلوقتي.

-طب هقول لك على حل، أنا ممكن أقول لـ"عالية" أختي تجيب "مصطفى" و "منّة" وتيجي تقعد معاها، وهو تساعدها وتسليها، و"عالية" و"إسراء" علاقتهم مش وحشة يعني حتى لو مش صحاب. قابل "عمر" فكرة "علي" باعتراضٍ شديدٍ في البداية، لكن "علي" ظل يلح عليه حتى أقنعه. ختم "علي" حديثه بأن قال: -ربنا معاك. أراد بكلمتيه تذكير "عمر" بوجود الله وإعانته، لعله يشدد أزره.

انتبه على صوت رنين هاتفه، لم يتعرف على الرقم لكنه أجاب. وجد صوت امرأة تبدو في أواخر الثلاثينيات أو بداية الأربعينيات، تقول: -أنت "عمر"؟ استغرب من سؤالها ثم أجاب بـ"نعم" سائلًا بعدها عن هويتها وما تريد منه. قالت: -مش لازم تعرف أنا مين لأن مش هتفرق معاك في حاجة، أنا طرف مش مهم في القصة. تعجب أكثر من كلامها، من تكون تلك السيدة المريبة وماذا تريد منه؟! قبل أن يفتح فمه قالت: -لو عايز تعرف أهلك فين، دور ورا "إسماعيل".

كان ذلك ما فجع "عمر" بحق، فقام واقفًا متسع العينين سائلًا للمرة الثالثة: -ما تقولي بقى أنتِ مين يا ست أنتِ؟! وإيه علاقتك بيا وبأهلي؟ أتاه قولها متجاهلًا كل ما قاله: -"إسماعيل" هو السبب في كل حاجة، هو اللي فهم كل واحد فيكم إن الثاني مات. لو مهتم بجد تعرف خليك ورا "إسماعيل". سأل هو متشككًا بعد أن استجمع إدراكه وتذكر الورقات والسيدة المنتقبة التي وصفتها الجارة: -هو أنتِ اللي كنتي بتبعتيلي الورق؟

سمع صوتها يوحي بأنها تهم ببدء حديثها. ما كادت تلك السيدة المجهولة تلفظ حرفًا حتى انقطع الاتصال. وبقي "عمر" وحده مع تساؤلاته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...