الفصل 8 | من 23 فصل

رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الثامن 8 - بقلم اية حسين

المشاهدات
19
كلمة
2,131
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

وصل غضب والدة "علي" منه إلى حدٍ كبير، ترك خطيبته فجأةً دون سبب واضح! أليست تلك التي كانت أقصى أمانيه أن يوافق والدها عليه، حين أصبحت بين يديه يتركها! كانت تشعر بالحزن عليه أيضًا، ما شعر والدها من شعور إلا شعرته معه، تعلم ما في قلبه أكثر منه، وتعلم كم هام بحبها، تستطيع لمس الأسى في نبرته واستشعار الحزن المطلّ من عينيه. خرج "عمر" متحججًا بأنه ذاهبٌ لدورة المياه إذ أراد أن يتركهما وحدهما. قالت أمه:

-مش ناوي تحكي لي بقى إيه اللي حصل؟ مش أنا أمك وأنت على طول بترجع تحكي لي في الآخر؟ أغمض عينيه بقوة ثم فتحهما فقال: -للأسف يا أمي مش هقدر أحكي لك المرة دي. صمد "علي" أمام إلحاح أمه وأسئلتها التي كانت إجاباتها جارحةً له وفاضحةً لخطيبته السابقة، كيف يخبرها أنه لقيَ خطيبته تجلس مع شاب ويتغزلان ببعضهما؟! لم تجد منه إجابةً بعد سؤالها فقامت بعدما قالت: -ماشي يا "علي"، عمومًا أنت بتفضل تخبي بس ما بتقدرش وبتجيلي في الآخر.

بعد قليل... أغلق "عمر" هاتفه ليركض نازلًا من الشقة فتبعه "علي" دون أن يعلم ماذا قيل في تلك المكالمة ومع من ليفزع "عمر" ويركض هكذا. *** كان "عمر" يهرول بين ممرات المستشفى و "علي" يتبعه، حتى توقف "عمر" -وتوقف بالتبعية "علي" -في ممر تراصت غرف المرضى على جانبيه، كما تراصت بعض الكراسي ملتصقةً بالحائط، كان الممر حيث تجلس فتاةٌ ممتلئة الجسم برداءٍ محتشم ووجه منكمش من الذعر. كانت تلك "آية".

نظر "عمر" حوله بحيرة، أين "إسراء" الآن. قامت الفتاة وسألته: -أنت أخو "إسراء"؟

أجابها بـ"نعم" فبدأت تقص عليه ما حدث بدايةً من عندما فاجأ "مروان" "إسراء" فتبعتهما "آية" خلسةً إذ لم تكن ابتعدت كثيرًا، حاولت مناداة أي شخص من المارة فلم يستجب أحدٌ لها سوى ذلك الرجل الذي استطاع "مروان" التملص منه، انتظرت بعد ذلك حتى رحل "مروان" ثم اقتربت من جسد "إسراء" الذي تجمهر حوله الناس ينظرون إلى تلك الشابة التي دفعها شابٌ من فوق السلم، نقلوها للمستشفى ثم أجابت "آية" على اتصال "عمر" لهاتف "إسراء" الذي كانت تحاول فتحه لإبلاغ أيٍّ من أهلها.

جاء الطبيب حينها وكان أول شيءٍ سأله "عمر" إن كان بإمكانه الدخول لها. أجاب الطبيب: -أيوه بس... لم يعطه "عمر" الفرصة ليكمل جملته بل كرر سؤاله بحدة زائدة: -ينفع أدخل لها؟ أدرك الطبيب أن "عمر" لن يهدأ ويسمعه إلا حين يدخل لها فأشار له بالدخول دون أن ينطق. دخل "عمر" فتطلع كلٌ من "علي" و "آية" إلى الطبيب يستعلمان عمّا حدث لـ"إسراء". قال الطبيب:

-للأسف، هي وقعت وقعة شديدة على مركز الإبصار في المخ عندها وده أدى لأنها فقدت البصر. كانت الإجابة صادمة، فعادت "آية" للجلوس على الكرسي إذ لم تحملها ركبتاها بعد المصيبة التي فجرها الطبيب مستمرةً في بكائها الصامت. سأل "علي" ملتمسًا الأمل لرفيقه وشقيقته: -طب هو ما ينفعش يرجع بعملية أو حاجة؟ أجاب الطبيب نافيًا ليزيد من خيبته.

شعر "علي" بالأسى لصديقه "عمر"، لا يدري إن كان لاحظ عليها هذا في الداخل أم لا. "عمر" لا يحتمل على أخته نسمة الهواء، فكيف يتحمل رؤيتها بتلك الحالة؟! أشفق على "إسراء" كذلك كثيرًا، فتاةٌ في بداية شبابها تقبل على الحياة لتنسى آلام الطفولة فإذا بالحياة تستقبلها بكارثة فقدانها بصرها بسبب شابٍّ لم يتقبل فكرة أنها رفضته!

دخل "عمر" فوجد أخته في حال انخلع لها قلبه وصوت نحيبها يخترق أذنيه، كانت بين بكائها وشهقاتها تنادي "عمر"، لم تعلم بوجوده معها ولم تكن معه أثناء وقوع الحادثة، لكنها لا تعرف غيره مأواها وملاذها. فور أن رآها ضمَّها إليه وهي ترتجف، بتلعثمٍ حاولت تبرير له ما حدث فقال وهو يضع إصبعه على شفتيها: -ما تقوليش أي حاجة يا "إسراء" دلوقتي مش مهم، المهم أنتِ. قالت: -أنا خايفة! -بس أنتِ في حضني.

قال جملته بنبرةٍ دافئة، وحنان بالغ، وهو يضمها، فكان وجوده كمسكن لها فسكنت في حضنه. قصد أن يقول حينها: « صغيرتي ما دمتِ في حضني فلا تخشي شيئًا، لا أحد سيقدر على مسِّكٍ بشرٍّ وأنتِ في حضني، اركضي واللعب وانتشري هنا وهناك، ثم اختبئي في حضني إن خفتي، لو عزمت جيوش كل بلاد الأرض على أذيتكِ، فسأكون هناك كي أذود عنكِ الضربات، وأحميكِ في حضني، اطمئنّي صغيرتي فأنتِ في حضني». ظلّت تبكي بين ذراعيه فترةً وهو

يربت على ظهرها ثم سألت: -"عمر" أنا مش شايفة ليه؟ كان ذلك آخر شيء قالته "إسراء" قبل أن يخرج "عمر" قلقًا مستغربًا من سؤالها. فور أن خرج "عمر" دخلت "آية" وقد سكن عينيها الجزع، لو رأتها "إسراء" لعلمت أنها في مدةٍ قصيرة استطاعت -بفضل الله -الحصول على أفضل صديقة قد تعرفها في عمرها. قالت "آية" وهي تعانقها:

-اللي اسمه "مروان" ده أكيد مش هيتساب كده، إن شاء الله هياخد جزاءه أضعاف اللي عمله فيكِ، حتى لو مش في الدنيا هيبقى في الآخرة بإذن الله. ردت "إسراء" بصوت باهت إذ كانت قد هدأت قليلًا: -مش مهم يا "آية" مش هتفرق. ثم كررت سؤالها الذي سألته لأخيها من قبل: -أنا بس عايزة أعرف أنا مش شايفة حاجة ليه؟ صمتت "آية" إذ لم تقوَ على الإجابة فصرخت "إسراء" وقد أصابها الشك: -ما حد يرد عليّ. استطاعت "آية" تحريك فيها فقالت

وكل حرف يجلدها وهو يخرج: -أنتِ فقدتي البصر يا "إسراء". لم يستوعب عقل "إسراء" الصدمة بعد فسألت: -الدكتور ما قالش هيرجع امتى يعني؟ أجابت "آية" بصوتٍ خافتٍ لو لم تكن "إسراء" قريبةً منها لَما سمعتها: -مش هيرجع. لم تتقبل "إسراء" إجابتها فقامت تصرخ وتسبّ بهيستيرية، كانت تتحدث بفظاظة وهي تنكر مما أغضب "آية" بسبب كلامها الجارح.

في أشد كوابيسها قسوة لم تتخيل "إسراء" أن هذا قد يحدث لها، لو قال لها أحدٌ بالأمس ستصابين غدًا بالعمى لسخرت منه. نرتعب ونفزع من كوابيسنا وهواجسنا حتى يفجعنا الواقع بمرارته، وأنه أفظع من كل ما خفنا منه. قالت "آية" بعدما انتظرت حتى هدأت نوبة الغضب لدى "إسراء": -ما عنديش حاجة أقولها لك يا "إسراء" غير قول الرسول صلى الله عليه وسلم:

(ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه) يعني حتى الشوكة الصغيرة اللي بتصيبك بتؤجري عليها، دي أكتر حاجة ممكن أواسيكِ بيها، إني أقول لك على الأجر اللي بتاخديه، وأفكرك بالآخرة، فاصبري، أحسن حل إنك تصبري، ده ربنا بيقول في كتابه: (وبشر الصابرين)

كان يسير بجانب أخته صامتًا، لم يجد كلمات المواساة ولم يملك لسانًا منطلقًا فسكت، استطاعته تحريك ساقيه وذراعيه حينها معجزة في حد ذاتها. حين علم بما جرى لها شعر بطعنةٍ تخترق قلبه، هي بالنسبة له ليست شقيقته فقط، بل هي ابنته وأمه، هي غذاءٌ لروحه، يستطيع تحمل كل شيء في سبيل راحتها.

كان فتىً في الثامنة عشرة يعمل بأكثر من عمل بجانب دراسته، يجدُّ ولا يجد وقتًا لراحته كي لا تشعر بأنها أقل من أقرانها. كان طفلًا يحاول أن يجنبها ويفديها بعيدًا عن مشاكل عمه وزوجته كي تنشأ إنسانةً سوية. أكثر ما يهوِّن عليه دنياه كانت رؤية البسمة مشرقةً على وجهها، فيشرق وجهه. فكيف يتحمل رؤيتها الآن ذابلةً فاقدةً لمعاني الحياة، كيف يتحمل رؤيتها تتحسر يومًا بعد يومٍ على بصرها الذي راح في بداية شبابها... كيف؟! ***

لا يذكر الكثيرَ من ذلك اليوم البعيد القابع بين ثنايا الذاكرة، بعض المقتطفات فقط. كان طفلًا يجلس مع جدته بانتظار أبيه ليعود ويصطحبه لزيارة والدته وشقيقه المولود الجديد. عاد أبوه لكنه لم يصطحبه لزيارة أمه، بل عاد متجهمًا حاملًا الطفل الرضيع دون أن ينظر له، لم تعد أمه، حين سأل والده عنها أجابه بأنها لن تعود... للأبد. عرف حينها معنى الفقد، أن يرحل الإنسان دون رجعة، أن يُنتَشَل من أمامك فجأةً ولا يعود مجددًا.

في الأيام المقبلة كان يتطلع إلى أخيه كثيرًا، هذا الكائن الصغير البريء، كان يحب الجلوس معه وممارسة دور الأخ الأكبر عليه، كان يسأل كثيرًا وجدته تجيب، أما أبوه... فلم يكن له دورٌ يذكر تلك الفترة، كان منغلقًا على نفسه في غرفته ولا يخرج منها لدرجة أنه الآن لا يذكر كيف كان شكله حينها. لا يدري متى بدأ يتغير مع أخيه، هل كان عندما سمع الحوار الذي دار بين جدته ووالده مصادفةً حين قالت جدته بحسرة على ولدها معاتبةً:

-هتفضل قافل على روحك كده لحد إمتى بس يا حبيبي؟ عيش وما توقفش حياتك علشانها الدنيا ما بتقفش على حد، حاول تنسى أو على الأقل اعمل نفسك ناسي عشان عيالك حتى! عيالك محتاجين لك يا حبيبي. لم تجد منه استجابة فأردفت تستعطفه: -طب أقول إيه أنا للكبير اللي كل شوية يسأل عليك؟ اطلع له وحسسه إنك موجود في حياته ما يبقاش خسر أمه وأبوه. كان أيضًا لا يجيب فتابعت: -ولا الصغير اللي هيكبر مش باين له أهل كده؟

لازم تشوفه وتاخد بالك منه أنا مش عايشة لك العمر كله. حين جاءت سيرته فقط قال متجهمًا: -ما تجيبيليش سيرة الواد الشؤم ده، مش هو السبب في موتها؟ هل كان عندما سمع ذاك الحوار أم كان بعد ذلك بكثير؟ استمر "إبراهيم" في اجترار الذكريات ليتذكر كم كان سيئًا قاسيًا، تذكر كيف استغل وصية والده ليحرم "إسماعيل" من إرثه، ثم ما فعل بعد ذلك. في رحلة سريعة للماضي يستطيع أن يقول: لم يحسن هو لأخيه أبدًا، أما أخوه، فقد كان له سندًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...