الفصل 3 | من 23 فصل

رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الثالث 3 - بقلم اية حسين

المشاهدات
18
كلمة
4,044
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

أغلق معها المكالمة وهو يبتسم ابتسامة بلهاء ويرقص بشكل يثير الضحك، ليلاقي غضب صديقه الذي يتوجه إليه صارخًا: -أنا بقى عايز أفهم الحركة الزبالة اللي أنت هببتها دي. قال الآخر بنشوة لا توصف متجاهلاً قول عمر: -رنت عليّ! -طب لما أقتلك بقى متبقاش تزعل عشان أنت عيل مستفز ومُشل. رد علي متذمراً: -ما خلاص يا عم متزودهاش بقى، ده أنت أوفر صحيح. استطرد حديثه ببهجة وكأنه يبشر بحدث عظيم:

-بقولك مي اتصلت بيا، دي أول مرة تعملها، وعايزاني في موضوع. تحولت نبرته إلى التساؤل وهو يقول: -تفتكر عايزاني في إيه؟ سأله عمر مستغرباً متعجباً، هازاً رأسه: -ثواني بس، أول مرة تتصل بيك إزاي؟ أنتم مخطوبين بقالكم تلات شهور! -شفت بقى الغلب اللي أنا فيه. رد عمر ساخراً، لكنه لم ينجح في إخفاء نبرة الغضب من صوته: -لا صعبت عليّ فعلًا. تحولت نبرته للغضب كلياً وهو يردف: -لسة مش طايقك على فكرة.

ثم زفر عمر زفرة أخرج معها غيظه وسخطه، خوفه وقلقه، تيهه وحيرته. هل يقبع أبواه اللذان أحرقه الشوق لهما خلف ذلك الباب الذي وقف أمامه؟ أم أنه شخص يتلاعب به لا أكثر؟ يحاول البقاء طبيعياً رغم صراع التساؤلات بداخله. ودّع صديقه، لكنه لم يعُد للعنوان في الورقة. هل كان سيدخل لولا اتصال علي؟ لا يدري. يخشى المواجهة وبشدة، يخشى أن يكون كل ذلك سراب، ويخشى أن يكون حقيقة، فيُصدم بحقيقة أن أهله تخلوا عنه. يخشى تلك اللحظة

التي قد يراهما بها ويسأل: لماذا تركتوماني؟ -هناك نوعان من البشر، محبو الشاي ومحبو القهوة. أما إسراء فهي تعشق الكاكاو. حضّرت لها كوباً من الكاكاو ثم اتجهت نحو فراشها لتسافر عبر كتابها أثناء تلذذها بكوب الكاكاو. وجدت إشعاراً من هاتفها ففتحته لتجد حساباً باسم مروان يرسل لها طلب صداقة. تذكرت أنه ذلك الفتى الذي سلم عليها أثناء وقوفها مع آية في الكلية. كيف حصل على حسابها بتلك السرعة؟ وجدته قد أرسل لها:

-ازيك يا إسراء عاملة إيه؟ وتليها: -أنا مروان زميلك في الكلية. بمجرد أن رأت تلك الرسائل، حظرت الحساب. من يظن نفسه حقاً؟ ثم إن هيئته وطريقة حديثه لا تبشران بخير أبداً. أنهت كتابها ومزاجها متعكر. فلا شيء أسوأ من إنهاء كتاب عشنا معه الكثير، بكينا وضحكنا وصدمنا وعشقنا. كيف سنكون بعد فراقه؟ وجدت إشعاراً آخر على هاتفها. كان طلب صداقة من آية هذه المرة. من أين يأتون بحسابها؟ هل يريد الجميع مصادقتها أم ماذا؟

فكرت قليلاً قبل أن تقبله. رغم أنها ترى آية مائعة ولا تروق لها، إلا أن لديها العديد من المميزات. هي جميلة، حجابها جميل، متدينة وذكر الله لا يفتأ يترك لسانها. لو لم تكن هناك فائدة من التعرف عليها، فلن يكون هناك ضرر. قررت في البداية -عندما اكتشفت أن آية زميلتها -عدم الاحتكاك بها. أما الآن فهي لا تمانع التعرف عليها. لن تكونا صديقتين حميمتين على أية حال، فهما مختلفتان بشكل كبير.

-جلستا على الكرسيين بعدما أنهتا محاضرتهما. وقد اشترت إسراء فطيرتين لها ولآية التي باتت تتقبلها أكثر من قبل. فوجدتا مروان يدخل عليهما قائلاً بتضاحك: -إيه يا جماعة متحسسونيش إنكم مش طايقيني، ولا واحدة فيكم قبلت الآد! ليه كده بس؟ قامت آية بصمت متأففة من ذاك الفتى المزعج الذي يلاحقهما. تلتها إسراء قائلة بتشفي: -عيبك إنك مبتتعلمش من الدرس، مش أنا قولتلك قبل كده سلام يا مهزأ؟ يبقى سلام يا مهزأ متصدعناش. ثم انطلقت حيث

غدت آية وهي تقول بإنزعاج: -الواد ده مستفز أوي بجد، هيحل عن دماغنا إمتى بقى. علقت آية بسخط: -أوي يعني، أنا مش فاهمة مين اداله الحق إنه يدخل يهزر معانا كده. تشعر إسراء بالذنب قليلاً أنها لم تكن تطيق آية من البداية. إنها خلوقة وجميلة. لمَ عليها أن تكون رقيقة بشكل مستفز لهذا الحد؟ قالت آية بوجه بشوش: -إسراء ينفع أقولك حاجة؟ ردت إسراء بإستغراب: -ما تقولي على طول، في إيه؟ قالت آية بنبرة صوت محببة للقلب:

-أنتِ جميلة أوي، شكل وشخصية على فكرة. يعني من أول يوم شفتك فيه في المكتبة وأنتِ بتتكلمي عن الكتب كده ووشك بيلمع، حسيت إن شخصيتك حلوة وحبيتك وحبيت طريقتك ودماغك قمر بجد، وفيكِ روح حلوة كده مش أي حد بياخذ باله منها. ابتهج وجه إسراء وسعدت بكلمات آية الطيبة التي تطرب الأذن فقالت وقد تجلت سعادتها: -شكراً يا ستي، بس بمناسبة إيه الكلام الحلو ده؟

-من غير مناسبة؛ حسيت إني مقولتلكيش فقلت لازم أقولك إني بحبك. مش في حديث لما رجل كان عند النبي ﷺ فمر عليهم رجل ثاني فالرجل الأول قال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي ﷺ: أأعلمتَه؟ قال: لا، قال: أعلِمْه. لا تتأثر إسراء بالكلام عادةً، لكن كلمات آية كانت سحرية؛ دخلت قلبها بسهولة فقط لأنها خرجت منها بسيطة صادقة. قالت إسراء مغيرة الموضوع وهي تشير إلى الفطيرة التي لم تمسها آية: -كلي مبتاكليش ليه؟

تغيرت تعابير آية قليلاً وهي تقول: -شكراً مش عايزة. قالت إسراء وقد علا صوتها بعض الشيء: -لا مهو أنا مينفعش أبقى وقفت في الطابور الطويل العريض ده كله عشان أجيب لنا، وفي الآخر يبقى مش عايزة. هتاكلي ومش بمزاجك على فكرة. قالت آية بإصرار: -وأنا مش عايزة، مش قادرة آكل. -لا بقولك إيه أنتِ مش هتعملي كيوتة عليّ، والله لأنتِ واكلة. ظل الأخذ والرد بينهما وقتاً إلى أن عبست ملامح آية وانتفخت عينيها بوخز الدموع

مما أثار تعجب إسراء فقالت: -في إيه يا آية مالك؟ اعترفت آية بما يدور داخلها بحزن ملأ قلبها: -مش عايزة آكل عشان لما أروح البيت ماما تقعد توصف في عيوبي وإني تخينة وعمالة آكل لحد ما هبقى فشلة. عشان كده بحاول ما آكلش؛ يمكن أخس وأعجب ماما. زُمّت شفتا إسراء التي ظلت تنظر لآية بدهشة وهي تستطرد بصوت متحشرج:

-ناس كتير بتقولي إن شكلي حلو، بس ماما مش بتعلق غير على وزني. يا ريتها كانت بتقول كده بيني وبينها حتى. ده كل ما يبقى عندنا تجمع عائلي أو مع ناس تقلب القعدة على وزني. في الأول قرايبنا كانوا بيستغربوا ويسكتوا، بس بعد ما لاقوا إن ماما مابتتبطش بقوا يتريقوا زيها. شقت عبرة طريقها على وجهها وهي تقول بحسرة: -أكيد بيقولوا: دي أمها نفسها بتهينها وبتتريق عليها، يعني جت علينا؛ ماما رخصتني قدام الناس. نظرت لإسراء بحيرة وهي تسأل:

-هو أنا فعلاً تخني مخلي شكلي وحش وما أتحبش؟ أجابت إسراء سريعاً بما أملأه عليها قلبها وعقلها: -أبدًا، ده أنتِ زي القمر. قالت آية وقد شعرت بهرس فؤادها قطعة قطعة: -أنا مش عارفة أشوف كده، مش عارفة أشوف غير اللي هي شايفاه. ثم أضافت بحزن عميق وجرح لا يُشفى؛ وهل تُشفى الجراح حين تكون من الأهل؟ -نفسي تفهمي إني مبشوفش نفسي إلا من خلالها، إنها العدسة اللي بشوف بيها نفسي والدنيا. تنهدت إسراء ثم أتبعت تنهيدتها بقولها:

-طول عمري أسمع إن القرد في عين أمه غزال، أول مرة أشوف الغزال اللي في عين أمه قرد. قالت إسراء محاولة التهوين عليها: -بس والله أنتِ قمر بجد، وحتى لو لا الشكل مش مهم، شخصيتك أجمل وأهم بكتير. صمتت للحظة ثم قالت لتغير الموضوع: -أنتِ عارفة أنا أول ما شوفتك وأنتِ بسكوتة كده قلت إيه البت المايعة دي. قالت آية وهي تمسح دموعها وتشير إلى نفسها متعجبة: -أنا مايعة؟ -لا متستعبطيش يا آية، أنتِ مايعة فعلاً. نظرت لها آية

بحنق فتابعت إسراء بصدق: -بس مياعة حلوة، حاجة مكس رقي على ذوق على أخلاق. البنت كما يقول الكتاب يعني. هو أنا مبعرفش أقول كلام حلو بس أنا حبيت شخصيتك في مدة قصيرة الحقيقة بعدما كنت مش طايقاكِ وهموت وأديكِ بالجزمة؛ قدرتي في وقت قصير تخليني أتقبل أقعد معاكِ على ترابيزة واحدة. قالت آية ضاحكة: -شكراً أوي يا إسراء، بس بلاش تقولي كلام حلو تاني بجد. -سبنالك أنتِ الكلام.

لم تكذب إسراء فيما قالته. لقد بدأت تلك الفتاة تأخذ حيزاً من قلبها. غيرت القاعدة لديها إذ دخلت حياتها وجعلتها تحبها بسهولة وهي إسراء التي تبغض الاختلاط بالبشر. ثم قالت إسراء وهي تشير إليها بالفطيرة: -كلي يلا بقى متعصبينيش. وبالفعل بدأت آية تقطم قطعة من الفطيرة.

كان موعد المحاضرة فقامتا إليها. جلسنا هناك لمدة محاولتان تفادي مضايقات مروان. خرجتا بعدما انتهت المحاضرة ومُحيت آثار الحزن من على وجه آية. فنادتها إسراء ناطقةً اسمها. ردت عليها آية مستفسرةً فقالت إسراء: -ماما... تبدلت تعابير آية فأردفت إسراء:

-مش عايزة وشك يتقلب لما تسمعي سيرتها كده، أوعي تشيلي منها وسامحيها؛ دي أمك اللي جابتك للدنيا وليها فيكِ أكتر ما ليكِ في نفسك، ومستعدة تعمل أي حاجة عشانك. حاولي تتكلمي معاها في حاجات تانية واعملي معاها ذكريات كتير؛ عشان لما تسيبك وتمشي تبقي فاكرالها الحلو. كلنا بنغلط واحنا فاكرين إننا ماشيين صح، فمتقسيش عليها. أردفت بحزن تعمق في صدرها منذ أعوام وهي ترى آية المرتبكة:

-صدقيني وجود مامتك في حياتك نعمة غيرك بيتمناها. غيرك يتمنى بس يلمح أمه في حلم.

لم تدرِ آية أن الغير الذي يتمنى تلك النعمة هي إسراء التي لم ترَ والديها قط. لكنهما يبقيان حاضرين في ذهنها في كل مرة تستمع لعمر وهو يحكي عنهما. يخبرها كم أحباها، كيف كانا حين حملاها لأول مرة، والكثير والكثير من الأوصاف والقصص، حتى بقيا طيفاً يزور أحلام يقظتها. تتخيل والدتها وهي تمسح على شعرها وتسرحه لها، تنتقي لها فستاناً جميلاً، تعانقها وتنام في حضنها، تخبرها كم تحبها. تتخيل أيضاً أباها، تتخيله يشتري لها هدية بمناسبة

نجاحها، يأخذها من يدها كي يقضيا وقتاً ممتعاً بالخارج، يقبلها ويعانقها، وتتخيله يقف في وجه عمها، يحميها منه ويوبخه على أفعاله، ثم يأخذها من هنا لتفيق من أوهامها على صوت شجار عمها وزوجته أو صوته وهو يضرب ويستصرخ أخاها الذي يكون قد منعها من الخروج من الغرفة للدفاع عنه كي لا تُصاب بأذى....

وتبقى الأحلام أحلام. -خرج علي من عيادته ليقف تحت المبنى السكني الذي يسكن به منتظراً شقيقته عالية، لأن والدته اتصلت به تطلب منه أن يصطحب أخته إلى مدرسة ولدها حيث طلبوا منها الحضور لاجتماع أولياء الأمور. ستحضر ثم تأخذ ابنيها وترحل. نزلت عالية ثم ركبت معه لينطلقا نحو المدرسة.

وصلا إلى المدرسة فبقي علي بالخارج ينتظر خروج الطفلين في حين دخلت عالية للتحدث مع المعلمين. استطاع علي سماع حوار دار بين أم وولدها باللغة الإنجليزية مع بعض الكلمات العربية التي تدخل في الوسط. كان الابن يحكي لوالدته عن يومه ثم تخبره أمه بأن عليه حل الواجب المنزلي عندما يصلان للبيت. تعجب علي من تحدثهما باللغة الإنجليزية رغم أنهما ليسا في محاضرة أو حصة لتعلمها.

ثوانٍ قليلة وخرج مصطفى ومنة فوجدا علي يقف في الخارج. تبعتهما عالية. سلم علي على الطفلين وهو يداعبهما، ثم أشار إلى الأم وطفلها سائلاً عالية: -هو الواد مصطفى معاه عيل أجنبي في الفصل؟ نظرت عالية للولد ثم إلى علي وهي ترد مستغربة: -أجنبي إيه ده سليم مصري عادي. -يبقى أكيد أمه أجنبية؟ -لا خالص برضو، ليه يعني؟ سألها متعجباً: -اومال بيتكلموا إنجليزي ليه؟ ضحكت عالية ضحكة قصيرة تبعها قولها:

-لا هو في فئة من البشر عاملين كده عادي، عقلية غبية فاهمين إن لما يتكلموا إنجليزي يبقى هم كده متحضرين، وأي حاجة بالإنجليزي تبقى أكيد أحلى من بالعربي. الولد هينبسط أكتر في الـ garden مش في الجنينة أو الحديقة، الـ water أكيد صحية أكتر من المياه، الـ sweets أكيد طعمها أحلى من الحلويات، والدين حاجة مش مهمة في حياتنا، يعني حاجة على جنب كده، لحد ما طلعوا جيل لا فاهم في لغته ولا في دينه، وبقوا شوية ناس تافهة بتدور على حاجات يتمنظروا بيها على بعض وخلاص. أنا بعلم ابني الإنجلش آه لكن لغته لازم يبقى ليها دور في تكوينه ويفتخر بيها وببلاغتها.

ابتسمت بحنين وهي تضيف عن زوجها الذي لها معه في كل موضع ذكرى: -عارف، محمد دايمًا كان بيقولي كده، وإن أوعي تتكلمي معاهم إنجليزي كتير فينسوا لغتهم، وكان مهتم يأسسهم في دينهم صح. لما معاد درس أو تمرين يدخلوا مع معاد حصة قرآن كان يقولي القرآن أهم الغي الباقي أي حاجة تانية تتعوض، وكان بيحاول يدورلهم على مقاطع للتفسير تكون بسيطة لسنهم عشان ميبقوش بيحفظوا وخلاص، لحد ما بقوا مختلفين عن كتير من زمايلهم.

ابتسم علي وهو ينظر لها بحنان ثم قال مشاكسًا: -لازم تدخلي سيرته في كل حاجة. ما كان جوابها إلا أن رددت كلمات أبي نواس التي تمكنت من الغوص داخلها ووصف حالتها: إذا ما الشوق أقلقني إليهو ولم أطمع بوصل من لديه خططّت مثاله في بطن كفّيو وقلت لمقلتي فيضي عليه بعد دقائق كانوا يجلسون في سيارة الأجرة حين قال مصطفى: -آدم صاحبي اتخانق معايا النهاردة وقال إني غلطان وأنا مغلطتش. أتاه رد والدته: -ليه؟ احكيلي اللي حصل. أجاب الولد

ببعض السخط على صديقه: -مفيش، هو كان واقف لوحده في الفسحة فقلت أخضه بهزر معاه يعني، قام زعل مني وكبّر الموضوع، وأنا معملتش حاجة، أنا كنت بهزر. قالت أمه فاعلةً كما تفعل كل أم، تشير لأبنائها على الصواب، تعينهم وتفهمهم، ثم تطلقهم ليكونوا جاهزين على خوض الطريق: -بس اللي أنت عملته غلط، مينفعش تخض صاحبك أو تخوفه لأن ده بيؤذيه، وكمان عشان الرسول

صلى الله عليه وسلم قال: 'لا يحلُّ لمسلمٍ أن يروِّع مسلمًا'، وإحنا دايمًا بنسمع كلام الرسول. رد مصطفى متململاً: -عليه الصلاة والسلام، بس أنا كنت بهزر مش قصدي حاجة، وهو محصلوش حاجة هو كويس. -حتى لو بتهزر مينفعش، فيه آداب للمزاح. -حتى ديه ليها آداب؟! أجابت عالية بحنو وهي تمسح على شعره:

-طبعاً، كل حاجة في ديننا ليها آداب. آداب المزاح زي إنك متكذبش ومتقللش من حد أو تتريق عليه عشان تهزر، ولا تخوف حد. ديننا جميل فزينوا لنا الأدب والأخلاق وحسن التعامل، عشان تكسب محبة الناس في الدنيا، وأجر كبير في الآخرة. قال مصطفى مقتنعاً: -خلاص بعد كده مش هخض حد تاني. -وتروح تعتذر لصاحبك بكرة. -حاضر. قالت عالية وهي تقبل رأس ولدها: -شاطر يا حبيبي ربنا يرضى عليك.

أُعجب علي بذلك الحوار الذي دار بين شقيقته وولدها. كان يعرف تلك المعلومات لكنه يعرفها قولاً فقط. أما عملاً فلم يعمل بها. شعر بالندم وقد أدرك ما فعله. يحفظ الكثير منا الأحاديث والآيات، لكن.... هل يعمل بها؟ -كانت هناء وابنتها عالية تتجهزان للذهاب لمنزل مي، بينما ذهب علي ووالده ليصليا صلاة المغرب في المسجد. انقضت الصلاة فعادا إلى المنزل ليصطحبا هناء وعالية. خرجت هناء من غرفتها فقال زوجها كمال مداعباً متغزلاً:

-أعمل إيه في الحلويات والسكر ده بقى؟ ضحكت هناء فقالت: -بس يا راجل يا بكاش، بقى أنا حلويات؟ -طبعاً اومال إيه. التفت لولده علي وأردف: -قل لها حاجة. قال علي غامزاً: -حلويات طبعاً مش أم علي؟ قهقه الجميع على جملته أثناء نزولهم إلى السيارة.

وصلوا للبيت أخيراً، ثم دخلوا بعد ترحاب من العائلتين. بعد دقائق كان الجميع يجلس على مائدة الطعام وقلب علي يخفق وعينه ترجوه للنظر إليها وعقله لا يتوقف عن تخيل الأمر الذي تريده فيه مي. مر الوقت حتى صارا يقفان مع بعضهما، ومي تفتش عن شيء لتقوله. زاد علي من توترها حين سأل: -كنتي عايزاني في إيه بقى؟ حاولت تكوين جملة مفيدة فكانت النتيجة أن قالت بلسان ثقيل متلعثمة: -كنت عايزة أقولك... ككنت عايزة أقولك يعني...

كنت عايزك في موضوع مهم. -إيه هو؟ أدركت أنها لن تستطيع الكذب ولن تجني منه شيئاً فقالت: -بصراحة أنا معنديش حاجة أقولها، أنا كلمتك عشان حسيت إننا مبنشوفش بعض تقريباً فقلت لازم نقعد مع بعض. خجلت أن تعترف بأن والدتها هي من أجبرتها على إجراء تلك المكالمة، فقالت ما قالته مما جعل السعادة تنتشر بشكل هيستيري في جسده واتسعت ابتسامته حتى كادت تصل إلى أذنيه. هي تفكر به أيضاً إذاً!

اطمأن بجوابها ذاك كثيراً فقد ساورته الشكوك بأنها مُجبرةٌ على هذه الخطبة. قال: -تصدقي إن ده أحلى من أي موضوع تعوزيني فيه. ثم أضاف مازحاً: -إلا بقى لو طلبتي نخش على كتب الكتاب على طول. انقبض قلبها من مجرد أمر عقد القران، مازالت لا تتقبل فكرة أنها ستتزوج. تحاول تجنب التفكير في هذا الأمر، فظلت -في لحظات الصمت التي تحتل حوارهما -تتفكر في شخصية علي. يبدو مرحاً لطيفاً، كيف يستطيع البقاء مبهجاً هكذا؟ تذكرت

ما قالته والدتها عنه: -هو غير إنه شاب محترم وبيتقي ربنا وبيحبك وعينيه فاضحاه، سحنته كده فيها حاجة مريحة، متفهميش ديه عينيه اللي محلياه ولا ابتسامته اللذيذة كده ولا نظرته اللي تحسيه أغلب الوقت فرحان، حاجة كده تتحس متتشرحش، واد يملأ العين والقلب كده بس أنتِ شكلك هتضيعيه بهبلك. سألته فجأة: -هو أنت إزاي مريح كده؟ سأل وهو يرمش بعينيه مستغرباً: -مريح إزاي يعني؟ أجابت تفسر له:

-يعني اللي يبص في وشك يحس إنه مرتاحلك كده ويحس بالدفا. رد وقد ندت منه ضحكة قصيرة: -معرفش أنتِ شيفاني بطانية ولا إيه بس وشي مش أنا اللي متحكم فيه، ربنا اللي خلقه، ولو شايفة حاجة حلوة في وشي يبقى الحمد لله نعمة منه. -طب هو أنت بتبقى على طول فرحان ومبتسم كده ولا ديه تهيؤات مني؟

-محدش بيبقى فرحان طول الوقت أكيد مهما كانت حياته حلوة لازم يتضايق ساعات ولو بقدر بسيط، بس إن أغلب وقتك يبقى فرحة ديه حاجة في إيد الإنسان نفسه مش حد تاني، بإنه يبص على النعم مش النقم، ويحقق الرضا مش السعادة؛ لأن السعادة شعور لحظي أما الرضا فهي الحاجة اللي هتستمر مع الإنسان حتى لو مفيش سبب للسعادة. أنا الحمد لله حياتي فيها نعم كتير أوي تخليني فرحان. استطرد علي ضاحكاً: -وبعدين ما طبيعي تشوفيني فرحان مش ببقى معاكِ؟

-نزل عمر من وسيلة المواصلات التي ركبها وقد أصبح يفصله شارعان يعبرهما فقط ثم يصل إلى تلك الشقة مجدداً. يبدو ساكناً من الخارج وبداخله أمواج عاتية تكاد تغرق كل شيء، وذهنه يردد: هل بعد الفراق يا أمي لقاء؟ وقبل أن يخطو خطوته الأولى رآه.... إنه عمه إسماعيل!

ركض نحو الشارع بسرعة دون أن ينتبه للسيارة تعدو نحوه بشكل مفزع. استطاع في آخر لحظة وقبل أن يطير جسده ليسقط على الرصيف بسبب ارتطامه بالسيارة رؤية عيني قائدها الذي ينظر له بتحدٍ.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...