الفصل 4 | من 23 فصل

رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الرابع 4 - بقلم اية حسين

المشاهدات
19
كلمة
2,324
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

استيقظ "عمر" فوجد "إسراء" تستعد للذهاب للجامعة. لمحته "إسراء" فاستوقفته تسأل مندهشة وهي ترفع يدها لتلامس كدمة تمركزت تحت عينه: -إيه ده مالك في إيه؟! تأوه "عمر" عاليًا بمجرد أن لمست يد "إسراء" وجهه ثم قال: -شيلي إيدك. أنزلت "إسراء" يدها وهي تسأل مذهولة: -إيه اللي عمل فيك كده طيب؟ -مفيش، حادثة امبارح بالليل. بمجرد أن سمعت إجابته المبهمة تلك بدأت تدق فوق رأسه بالأسئلة: -حادثة إيه؟ وفين؟ وإزاي؟

-عادي يعني يا "إسراء" مش قصة، كنت ماشي في الشارع امبارح بالليل، عربية خبطتني. -طب سلامتك. أنهت جملتها التي قالتها بهدوء، ألح عليها سؤال ما وبشدة فقالت: -أنت كنت فين امبارح بالليل صحيح؟ لم يرد إخبارها بما يخص والديهما فنطق منزعجًا: -وإنتي مالك؟ نظرت له بخبث ثم قالت: -وأنا مالي؟ هي بقت كده؟ تحولت لهجتها إلى الإصرار أمام إخفائه: -طب أنا مش هحلك غير لما أعرف أنت كنت فين. -كنت في مشوار عادي، شاغلة بالك ليه؟

دفعها قليلًا ليزيحها من طريقه قائلًا بتأفف: -واوعي بقى خليني أنزل. تحركت من أمامه بالفعل لكنها سألته: -أنت رايح فين أصلًا؟ أكيد مش هتروح الشغل كده. أجابها بعدم اكتراث وهو يخرج من الشقة: -لا هروح عادي. غضبت من فعلته تلك فنزلت خلفه لأنها كانت تستعد للخروج من الأساس، اعترضت طريقه قائلة: -هتروح بمنظرك المتشلفط ده؟! انزعج من تطفلها هذا فقال: -متشلفط متشلفط مش مهم، خليكِ في حالك.

تركته "إسراء" يرحل والشكوك تملأ كيانها، لقد تغير أخوها مؤخرًا، تشعر أن همًا بات يجثم على صدره، وهيئته لا تجعله يبدو ذاهبًا للعمل، وقد يكون ذاهبًا للعمل بالفعل... لذا قررت السير خلفه، وإن وجدته في عمله سترحل دون أن يلاحظ، أما إن لم يحدث... فسيُجبر على إخبارها بكل شيء. لم يذهب لعمله بالطبع، ما قد يفعل بذراعه تلك أصلًا؟! لكن هناك أمرًا يجب عليه قضاؤه.

وقف أمام الباب للمرة الثالثة، زالت الرهبة وأصبح يتمنى وجود مجيب له هذه المرة ليجد الخلاص. ها هو يطرق الباب بلا إيجاد من يفتحه، عكف يطرق الباب فترة ليست بالقصيرة حتى سئم فقرر كسر الباب، لقد طفح الكيل ويريد الانتهاء من كل تلك الألغاز. حاول دفع الباب بيده السليمة لكنه بالتأكيد لم يستطع، خاصة مع تلك الكدمات التي تؤلمه. حاول قليلًا ثم جلس في زاوية ليستريح بعدما أُتعب ذراعيه المصابَين.

تأمل في حاله قليلًا، إن كان والداه على قيد الحياة، فلماذا تركاه وشقيقته؟ ما الذي جعلهما يتخليان عنهما؟ هو يحاول جاهدًا إيجادهما لكنهما هما من تركاه. أصابه الغضب واتخذ قراره، لن يبحث عنهما مجددًا قبل أن يهم بالرحيل فيُباغت بـ"إسراء" تندفع نحوه وسيل الأسئلة يتدفق من لسانها: -بتعمل إيه هنا؟ هو ده اللي رايح الشغل؟ أنت متجوز عليّ وديه شقتها صح؟! أفاق من صدمته على أسئلتها فصرخ بغضب من غباء الأخيرة:

-متجوز عليكي إيه يا حمارة، إحنا أخوات أصلًا. -هي بتبقى كده، لما واحدة بتقفش واحد في شقة يبقى متجوز عليها. -لما بيتقفش في الشقة مش على بابها. وضعت يدها على ذقنها وهي ترد: -يبقى كنت بتحاول تسرق، ماهي دخلة كسر الباب ديه معناها إنك عايز تسرق. -لا استني متسرحيش بيا... أنتِ إيه اللي جابك ورايا، مش المفروض عندك محاضرة؟ -ما أنا سبتها وقلت لازم أشوف أنت رايح فين عشان شاكة فيك، شكلك بتعمل حوار.

-حوار إيه يا بنتي، اطلعي من جو الأفلام ده، واحد صاحبي كان بقاله فترة مبيجيش ولا بيرد عالتليفون فجيت أطمن عليه. رفعت "إسراء" حاجبها وهي تقول مستنكرة: -فتروح تكسرله باب شقته؟ -قلت لك مليون مرة خليكِ في حالك. لم يخبرها لأنه لم يردها أن تتعلق بحبال الشك وتُقيد بالظنون كما يفعل هو، لا يريد لها أن ترتفع بالأمل ثم تهوي بزواله. فعل ما اعتاد عليه كل مرة، هو أنه يلملم جراحها غير مبالٍ بجرحه هو. أثناء عودتهما

نظرت له بتهكم قائلة: -بقى أنت كنت عايز تكسر الباب بذراعك ده. ثم صفعت ذراعه صفعة خفيفة تأوه عاليًا إثرها وهو يتمتم: -حلوفة. فُجعت عليه وهي تقول قلقةً: -أنا آسفة... أنت كويس؟ بمجرد ما سمعت تألمه ندمت على ما فعلته وظلت تسب نفسها وغباءها، إنها لا تريد له أن يتألم. رد عليها، لم يستطع منع ابتسامته من الظهور: -هو أنتِ ضربتيني بالنار يعني إيه الأوفر ده؟ استفزها رده فقالت: -الحق عليا إني قلقّت عليك. استطردت وهي تهم بالرحيل:

-بما إنك كويس وعمال تستظرف كده، أتكل أنا بقى عشان أطلع على الكلية... سلام. دخلت "إسراء" الكلية فنظرت لساعتها وجدت أن المحاضرة أوشكت على الانتهاء، لذا لا داعي للدخول وتعريض نفسها للإحراج. انتظرت دقائق حتى وجدت "آية" تخرج لتقابلها سائلة بعدما ألقت السلام: -إيه ماجيتيش ليه؟ -موضوع كده، ماتشغليش بالك. همت أثناء تبادلهما الحديث ثم توقفت "آية" فجأة حين أقبلت عليهما فتاتان لم تعرفهما "إسراء" من قبل.

سلمت الفتاتان على "آية" ثم بدأت "آية" بتعريفهن على بعض قائلة: -"إسراء" ديه "نهى" بنت خالتي، ودي "روان" صاحبتها، هما معانا في الكلية بس سابقينا بدفعتين. ثم نظرت إلى "نهى" فقالت: -ديه "إسراء" صاحبتي. ابتسمت الفتيات الأربعة ابتسامات متكلفة مجاملةً، فلم تكن إحداهن تطيق الأخرى. "إسراء" التي تمقت التعرف على ناس جدد، "آية" التي لا تطيق ابنة خالتها وتبادلها ابنة خالتها نفس الشعور. جلسن يتحدثن قليلًا فقالت "روان":

-عاملة إيه يا "آية"؟ بقالي كتير مشفتكيش، احلويتي ما شاء الله. أضافت "نهى" ابنة خالتها ضاحكةً متهكمةً: -واتدورتي جامد ما شاء الله. نظرت "روان" لـ"نهى" بلوم بينما فركت "آية" يديها متحرجةً، ورفعت "إسراء" حاجبها بتعجب من وقاحة الفتاة، وقد تعجبت أكثر من صمت "آية"، لمَ لا ترد وتريها قدرها؟! لكنها لم تقل شيئًا أيضًا، حاولت الصبر والتحلي بالحكمة.

استمر الحوار بينهن و"نهى" لا تتوقف عن إلقاء التعليقات الساخرة على أي شخص، حتى أنها أحرجت صديقتها حين سخرت من هاتفها القديم. قالت "روان" محاولةً التلطف: -بس أنا لاحظت إنك وسعتي لبسك يا "آية"، حاجة جميلة أوي ربنا يثبتك. قبل أن تفتح "آية" فاها علقت "نهى": -هو أنتِ فاكرة إنها لابسة واسع عشان ربنا وتقوى بقى وكده، ده بتداري تخنها ومنظرها اللي بقى عرة. صمتت "آية" و"روان" تنظر لها نظرات نادمة وكأنها تعتذر بدل صديقتها الوقحة.

لم تحتمل "إسراء" الصمت والإيماء أكثر من ذلك فقالت بصوت عالٍ كعادتها: -مش أحسن ما تبقى بتداري السم اللي جواها باللبس؟ ياريتك حتى فلحتي وعارفة تداريه، ده بسم الله ما شاء الله طافح من لسانك. اشتعلت "نهى" غضبًا من قولها وشعرت أن جسدها يزداد حرارته من الانفعال فردت: -لا أنا معنديش سم، ديه بس الحقيقة اللي هي مش متقبلاها، أنا مقلتش غير الحقيقة، بس أنتم اللي بتطبلولها.

-طب حقيقة بحقيقة بقى، أنتِ عندك نقص، حتى ده طافح عليكِ لدرجة إني قعدت معاكي عشر دقايق وعرفت، الله أكبر عليكِ ما بتستريش خالص، الدونية بتبظ منك، خليكِ عارفة بقى إنها هتفضل أحسن منك وأنتِ هتموتي بغلك. ارتج جسد "نهى" من كلمات "إسراء" التي بدت لها كسِكّين حاد طُعنت به فصرخت بها: -إيه التخاريف اللي بتقوليها ديه؟! أنتِ بجد واحدة بيئة ومش محترمة وأهلك ميعرفوش يربوكِ. غلت عروق "إسراء" فقالت:

-أهلي دول أنظف من إن سيرتهم تيجي على لسانك. حاولت كل من "آية" و"روان" تدارك الموقف بجرّ صديقتها والرحيل، وما كان رد "إسراء" على "آية" إلا أن قالت وهي تنظر لـ"نهى" بازدراء: -هما اللي جولنا وهما اللي بدأوا بالغلط، يبقى هما اللي يمشوا. ثم وجهت حديثها لـ"نهى" وصديقتها: -يلا يا حبيبتي اتكلوا على الله. فور أن رحلتا التفتت "آية" لـ"إسراء" بغتةً بحنق قائلةً: -إيه اللي أنتِ عملتيه ده؟! ليه كده؟ ردت عليها "إسراء"

باستغراب من رد فعلها: -عملت إيه؟ دافعت عنكِ. ثم التفتت "إسراء" إلى زميلتها تسألها بلوم: -ثم أنتِ إزاي سايباها تاخدك غسيل ومكوة كده؟ منطقتيش ليه؟ -ما ده العادي بتاع "نهى". علقت "إسراء" مستنكرة: -ده العادي بتاعها توقفيها عند حدها. -وهستفاد إيه؟ -هتستفادي إنك تردي كرامتك المتبعثرة ديه، هتستفادي إنها اتأذت بالكلام زي ما أذتك. قالت "آية" تتصدى لعتاب "إسراء" بعتاب: -وهل ده مبرر للي عملتيه؟!

أجابت "إسراء" حين رأت أن لا فائدة من محاولة إقناعها ببرود استفز "آية": -آه. اشتعلت "آية" غضبًا وشعرت بأن عروقها ستنفجر وهي تقول: -لا مش مبرر، في حاجة اسمها نحتفظ بأخلاقنا حتى لو كنا مع مين. ضحكت "إسراء" من "آية" ضحكةً قصيرة، تبدو رقيقة هشة حتى أثناء غضبها، تناولت هاتفها تعبث به بلا اكتراث بكلام "آية" وهي تقارن بينها وبين "آية" في ذهنها، إذ كانت "إسراء" دومًا تبدو قوية لا تعرف لرقة الفتيات سبيل، وآية اللطيفة الهادئة.

و"آية" لم تتوقف عن الحديث وقد تغيرت نبرتها قليلًا حتى صارت كأنها تندب: -وبعدين ماما لو عرفت باللي حصل هتقعد تتخانق معايا وتقول لي إني على طول بفضحاها، وطبعًا "نهى" ما بتصدق تلاقي الفرصة عشان تبقى أحسن مني قدامهم، فهروح تقول لكل البشرية. تفحصت "آية" وجه "إسراء" فوجدته ضاحكًا، فتساءلت بحنق: -"إسراء" أنتِ بتضحكي؟! أجابتها "إسراء" وهي لا تزال تضحك: -أصل شكلك وأنتِ متشعننة كده يضحك صراحة يعني، بسكوتة حتى وأنتِ متعصبة.

لم ترد "آية" بل نظرت أمامها عابسة. يوم ممل وكئيب بالنسبة لـ"مي"، لم تفعل شيئًا سوى الجلوس على الأريكة والعبث بالهاتف حتى وجدته يرسل لها، تلاشت كل ذرة ضجر أو غضب لديها، وفتحت رسالته لتجده يقول: -وحشتيني على فكرة. اتسعت ابتسامتها فأرسلت تمازحه: -لو كنت وحشتك بجد كنت سألت عليّ ولا كلمتني، مش أنت اللي سايبني كده ومبتردش عليا؟ وما كان رده إلا أن أرسل: -هو أنا اللي رحت اتخطبت؟ أصيبت بالضيق مما أرسل فردت:

-يا "كريم" أنا قلت لك مية مرة إن الخطوبة ديه أنا بسكت بيها بابا لحد ما تعرف تيجي تتقدم، أنت عارف إني لو كنت قعدت أرفض في العرسان كده بابا ماكانش هيسكت وكان هيجوزني أي واحد بالعافية. -ماشي هعمل نفسي مصدقك. -فكك من الموضوع ده بقى خلينا نتكلم على حاجة تانية، أنت عملت إيه في يومك النهارده؟ استمر حوارهما وهي تود له، قبلت كل حرف يرسله ولا تفارق البسمة شفتيها وقد طغت عليها حالة من السعادة عجيبة. ليست خائنة بالتأكيد...

أليس كذلك؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...