دار العمدة –قبل شهور –فلاش باك دخلت حبيبة مكتب العمده عمران، ملامحها باينة فيها الانكسار. قالت بصوت واطي: أنا خلاص ضيعت... أنت لازم تتصرف الله يخليك... أنا حامل... عمران لف وشه ليها وقال ببرود: انتي اتخبلطي بعقلك ازاي تدخلي عليا أكديه وايه الحديت الماسخ ديه؟ جايه تقولي أكديه ليه؟ وأنا مالي تكوني حامل ولا متكونيش ماليش صالح... حبيبة حاولت تبص له في عينه: كيف يعني مالكش صالح؟ الواد منك... أنت أبوه...
ولازم تساعدني في المصيبة اللي أنا فيها داي... أبوس إيدك يا بيه استر عليا... عمران ضرب المكتب بيده بعنف وقام واقف: انتي اتخبلطي بعقلك يا حبيبة! بتقولي إيه؟ انتي عارفه لو الحديت ديه طلع من خشمك تاني هعمل فيكي إيه؟ على آخر الزمن أنا عمران العمده يكون لي واد من خدامه عندينا... اتصرفي في مصيبتك لحالك أنا ماليش صالح فيها انتي سامعه... حبيبة صرخت بدموع: كيف يعني اتصرف لحالي وانت مالكش صالح؟ أنا ماكدبتش!
أقسم بالله ما قربلي راجل غيرك! أنت وعدتني بالجواز... وعدتني إنك هتحميني من الناس... دلوك لما فضيحتي بانت على رايد تتخلى عني؟ دلوك بقيت الخدامه وميشرفكش تجيب واد مني... عمران لف حوالين المكتب ومسكها من دراعها بعنف: انتي فاكرة نفسك مين؟ ديه حتى لو كنت ضيعتك، ما حدش هيصدقك... وماليش صالح باللي في بطنك ديه، فهمتي؟ حبيبة كانت بتترعش من الخوف، بس صرخت فيه: ده ابنك... أنا ما جبتش العار... أنت اللي وعدت... أنت اللي حلفت!
وجيتني وعملت اللي عملته ديه... عمران بص لها بنظرة كلها قسوة: أنا عمري ما هعترف بيه... واللي جاي هيكون سواد لو فتحتي خشمك ديه... فاهمة؟ انكتبي... واختفي من الدار ديه وغور في أي داهية بعيد عن أهنيه وديه أحسن لك انتي بدل ما أدنك بارضك وانت مالكيش حد يسال عليكي واصل... حبيبة بصت له، كأنها شافت شخص غريب لأول مرة. قلبها اتكسر، وانسحبت بهدوء، بس جواها كان فيه نار. قالت قبل ما تخرج، بنبرة مخنوقة: ربنا كبير...
والحق مش هيموت... حتى لو أنت قتلته بإيدك واني صوح ماليش حد بس معايا ربنا اللي أحسن من الكل وميرضوش الظلم ديه واصل... نرجع تاني لوادي الجبل –الحاضر حبيبة كانت قاعدة ضهرها محني، ودموعها بتنزل بصمت. رشاد دخل ومعاه طبق شوربة. رشاد: كلي... جسمك محتاج يتقوى مينفعش أكديه... مش هتعرفي تصلبي طولك ولا تردي صحتك انتي لسه والده وتعبانة ومحتاجة تتغذي... حبيبة همست: ابني... اسمه وحيد عمران... لو حد ناداه غير أكديه، يبقى كداب...
أنا اللي قولت اسميه وحيد علشان هيبقى وحيد في الدنيا دي زي ما كنت بالتمام... رشاد بهدوء: وحيد؟ اسمه وجع في القلب، بس يرضى ربنا؟ احكيلي اللي حصل بالظبط علشان أبقى عارف بس لو داريت إنك كذبتي عليا بحرف مش هتعرفي أنا هعمل فيكي إيه؟ حبيبة مسحت دموعها بطرف جلابيتها وقالت بصوت مبحوح: أنا كل يوم بنام على ريحة اللي مشيت من حضني... بحس صدري فاضي من غيره... ده أنا يوم ولادته كنت بموت وفرحانة في نفس الوقت...
بس لما فوقت وما لقيتوش جنبي حسيت إني اندفنت وأنا عايشة... ما لحقتش أبص له وأشوفه... رشاد: استهدي بالله الوجع عمره ما يدوم... بس اللي قلبه صافي ومظلوم ربنا بينصره ولو بعد حين... وأنا بوعدك إني هرجعلك حقك، مهما طال الوقت وأنا راجل جدع مبيخلفش بوعده واصل ولا يرضاش بظلم زي ديه... حبيبة رفعت عينيها وقالت بتصميم رغم التعب: وأنا مش هسكت... حتى لو كان العمدة عمران نفسه هو اللي وقف في وشي...
هو اللي غلط، هو اللي وعد، وهو اللي كسرني ورماني زي الخلجات القديمة... بس أنا هرجع... مش علشاني... علشان وحيد... علشان ابني يعرف أمه مين، وما يعيشش في كذبة طول عمره. رشاد: متقلقيش اللي انكسر، هيتصلح... بس محتاجين عقل وصبر... وأنا عند وعدي... أول خطوة هتكون إننا نعرف مين اللي خد الواد... وإزاي خرج من المستشفى... ومن اللي سجل اسمه! حبيبة اتلفتت له وقالت: أنا خابرة مين اللي عمل أكديه...
العمدة سجل الواد باسمه علشان يدفن كل حاجة... بس أنا ما سمحتش بديه! أنا ما وقعتش على حاجة! لا ورقة، ولا اعتراف... ومفيش حد يقدر يثبت غير أكديه! وأنا مولدت ولدي بالمستشفى ولدته بالدار صغيرة وسط الغيطان وكان معايا الدايه واسراء مرات العمده وهي والغفر اللي رموني في قلب الجبل للديابة تنهش فيا... رشاد قعد قدامها، وقال بصوت هادي بس وراه عاصفة: بس أكديه يبقى عندنا خيط... لو العمدة زور ورق، يبقى نقدر نوقعه بيه...
بس محتاجين نشتغل في هدوء... وأنا ليا رجالتى في البلد، راجل هبعتلهم، ونشوف معاه إزاي نكشف اللي اتعمل فيكي ونرجع لك ولدك... حبيبة ضمت إيدها وقالت بحرقة: أنا مش خايفة على نفسي... بس خايفة الواد يكبر في حضن كداب... يسمع يقولوله: أمك سابتك... أمك شينة... أمك فضيحتنا... ودي كدبة أنا مش هقبلها، حتى لو تمنها روحي! رشاد قام وقال وهو بيبص للجبل: أنا هانزل البلد يوم الخميس... هاروح أدور...
لو لقينا الواد متسجل من غير ورقة تثبت إن حبيبة أمه، يبقى نبدأ نضغط... وكل حاجة هتتغير لصالحنا إن شاء الله.. حبيبة نطقت بالكلمة وهي ضامة على نفسها: اوعدني يا بيه... اوعدني إنك مش هتسيب حقي يضيع... أنا ماليش حد واصل... رشاد وهو بيبص لها بكل حزم: طول ما فيا نفس، ما هسيب حقك يضيع واصل، ولا حق وحيد. نرجع لدار العمدة –بعد نص الليل إسراء قاعدة في أوضتها، ماسكة وحيد في حضنها، وبتكلمه وكأنه فاهم: شايف اللي بيحصل يا وحيد...
أبوك راجع يدور عليها... بس أنا مش هخليك تروح مني... أنت بقيت مني أنا... وهي اختارت تعاندني ومتسمع كلمتي... أنا ربيتك... وأنا اللي هفضل أمك! وفي اللحظة دي، عمران دخل من الباب، عينه حمرا من السهر والتفكير. قال وهو بيشاور على الطفل: من النهاردية، محدش يشيل الواد غيري... اسمه وحيد زي ما قولتلكم صوح؟ أنا مش هسكت يا إسراء وحبيبة هوصلها يعني هوصلها... وفري على نفسك وعليا يا بنت الناس الوقت وقوليلي عملتي فيها إيه؟
علشان لو عرفت ولا سمعت إنه جرالها حاجة ما يكفينيش فيكي عمرك... سامعة يا غراب الشوم انتي... إسراء بصت له وقالت بنبرة فيها غيرة ومرارة: وإيه كل ديه يا عمران... كنت بتحبها؟ للدرجة دي؟ لحد ما تنكرني وتنسا اللي بينا؟ تقولي أنا الحديت ديه وتغلط فيا أكديه علشان مين؟ واحدة خدامة متسواش تعريفه وأنا إسراء بنت الحسب والنسب... الواد ديه ابني أنا... من حقي أنا ومحدش يقدر ياخده من حضني واصل حتى لو كنت أنت يا عمران...
عمران رد ببرود: اقطمي يا ولية... واحفظي أدبك واعرفي انتي بتتكلمي مع مين؟ أنا عمري ما نسيت... ولا هسامح نفسي... بس اللي عملته غلط... واللي جاي هيكون ندم كتير... بس لازم أتصرف قبل ما الحقيقة تتكشف بطريقة غصب عني وعنك.. إسراء بصت له وهي بتسأله بنبرة فيها تحدي: ولو وصلت؟ هتديها الواد؟ هتعرف تقول قصاد الخلق كلهم إن ابنك ديه من خدامة... وولادك العالم هتطل عليه بانهي عين...
خلي ولدك معايا وفى حضننا ويبقى وحيد ابن عمران العمده واسراء بنت الحسب والنسب أحسن ما يكون ولد الخدامة اللي جاي من غلطة... عمران وهو بيقرب من وحيد: أنا هشوف اللي فيه مصلحة الواد... بس أنا غلطت مرة، ومش عايز أغلط تاني ومش هامشي ورا كلامك تاني... فلاش باك.... من سنتين... مكتب العمدة بالليل يدخل عمران مكتب أبوه العمده حمدان... العمده حمدان كان قاعد على الكرسي، ماسك عصاه وبينفخ من ضيقه.
العمده حمدان بحزم: تعالي أهنيه يا عمران... في موضوع رايد أتحدت فيه وياك... جه الوقت اللي نشوف فيه رجولتك... أنا خاطبتلك إسراء، بنت الحاج عتمان... بنت نسب وأصل ومال... ومش هتلاقي زيها! عمران (واقف قدامه بصمت) : مساء الخير يا أبوي.... خاطبتلي أكديه من غير ما أعرف يا أبوي وإنت شايف إن ديه صوح... أنا ما بقتيش صغير لتعمل أكديه... العمده حمدان (بحدة) : وإيه حسك بيعلى على أبوك ولا إيه يا واد...
أنا شايف اللي فيه خير ليك، وللبلد، وللدار دي كلها! إسراء مش بس بنت حسب، دي كمان ضهر ومصلحة... وإنت لازم تخلف وتبقى عمدتنا بعدي. عمران (عينه تنزل لحظة، وبعدين ترفع تاني، بس في عينه حاجة محبوسة) : استغفر الله يا أبوي مقدرش أعمل أكديه واصل... بس أنا مش رايد نتجوز دلوك مافيش اختيار تاني؟ العمده الكبير (بعصبية) : اختيار إيه يا عمران؟ إحنا مش في سيرة حب ومغازل، إحنا في سيرة دار وبلد وشرف كبير...
ولا أنت عايزني أموت وأنا لسه ما شوفتش حفيدي؟ عمران سكت... ما قالش لا... بس ما قالش آه. جواه صوت بيصرخ باسم "حبيبة"، بس لسانه واقف... كرامته أكبر من إنه يقول إنه حب خدامة... قام من قدام أبوه، وقال بجفاف: خلاص... اللي تشوفه يا أبوي. العمده حمدان (مبتسم لأول مرة) : أكديه الرجولة ولا بلاش... أهو ديه ابني اللي أرفع بيه راسي... فرحك هيبقى بعد أسبوع، وخلي بالك...
عتمان جايبها جهزها دهبها ورافعها لفوق أنا رايد الدار كلها تتزين، والبلد كلها تعرف زين إن عمران العمده خد اللي تستاهله! عمران (ببرود، وبصوت واطي) : أيوه... اللي تستاهله. حاضر يا أبوي تحت أمرك اللي تقوله عليه يتنفذ....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!