يقف على باب غرفتها ينظر إليها وهي تكمل زينة وجهها. يتأمل مفاتن جسدها الذي يمتلكه ويتصرف فيه كيفما يشاء. فعدنان لا يحب إلا أن يمتلك. كانت عيناها تنظر إليه عبر المرآة وهي تتذكر كل ما حدث حين دخل عليهما في الشاليه. الموقف كان حقًا أصعب من التخيل. صحيح هي معتادة على ذلك، لكن أحمد كان بعيدًا تمامًا عن عدنان، ليس من زبائنه المعروفين. كيف عرف به؟
هي وأحمد كما ولدتهما أمهما، ويقف أمامهما عدنان واثنان من رجاله. للعجب، هو لم يتكلم، وذلك جعلها ترتجف من الخوف. إذًا القادم أصعب من التخيل.
أشار لأحد رجاله وبدأ في التصوير. أحمد يحاول أن يخفي وجهه عن الكاميرا، لكن لا أحد منهم يعطيه فرصة. حاولت هي أن تقلب الموضوع لصالحهم، حاولت إقناع عدنان أنها كانت تحاول أخذ الكثير من المال من أحمد، كما عودها عدنان أن تأخذ كل ما تستطيع أخذه من زبائنها. وأنها لا تستطيع الابتعاد عنه، وأن كل ما حدث كان مجرد لعبة.
لكن رده كان صفعة واحدة أسقطتها أرضًا. بعد ذلك، لا تتذكر ما حدث، ولم تعرف شيئًا عن أحمد إلا بعدها بأسبوع. هي تعلم أنه موجود في الكباريه، لكن لا تستطيع الوصول إليه مهما حاولت. دلف عدنان إلى غرفتها وقال وهو يجلس براحة فوق الأريكة، ولوح لها بشريط فيديو: "السهرة النهاردة مختلفة... جهزي القعدة."
وبالفعل قامت بكل ما أمرها به، من وضع زجاجة الخمر المفضلة لديه وبعض التسالي والأشياء الأخرى. وارتدت ملابس تكشف أكثر مما تستر، وجلست جواره. وبدأ عرض الفيلم. لتشهق بصدمة وهي ترى أحمد في ذلك الوضع المخل مع رجل آخر من رجال عدنان. صوت صرخات أحمد وتوسلاته كانت تجعل جسدها ينتفض بقوة. لم تعد تحتمل. ظلت تتوسل عدنان أن يغلق الفيديو، ولكنّه ظل يتأملها بسعادة.
لعدة دقائق، ثم أغلقه وخيم الصمت عليهم إلا من شهقات بكائها. اقترب من أذنها وقال بصوت كفحيح الأفعى: "ده جزائه علشان كان فاكر نفسه يقدر يخدع عدنان وياخد مني اللي أنا مش عايز أديهوله." ثم لف خصلات شعرها على يديه وجذبها إلى الخلف بقوة حتى تصبح عيناها في عينيه وقال: "أما أنتِ بقا يا حلوة... فده آخر انظار ليكي." وأخرج من جيب بنطاله زجاجة صغيرة وأكمل: "الجمال الحلو ده نشوهه ونقرا عليه الفاتحة."
كانت تبكي بخوف وصدمة. رغم معرفتها بجبروت عدنان، كونه قواد على مستوى عالي ويتعامل مع شخصيات كبيرة وذات سلطة، لكنها أبدًا لم تتخيل أن يصل انتقامه إلى ذلك الحد. عادت من أفكارها على يديه التي تحاوط خصرها، مرافقة مع كلماته: "زبون النهاردة ده A كلاس يعني تخلي بالك ومش عايز شكرى، مفهوم؟ وأومأت بنعم. وسؤال بداخلها لا تستطيع نطقه، لكنها حقًا قلقة وتريد أن تعرف مصيره. وكأنه شعر بها، أو أراد أن يخيفها أكثر، فقال وهو عند الباب:
"متفكريش فيه... هو خلاص بقا طوع ومش هينجيه من اللي هو فيه غير الموت... ده لو أنا سمحت إنه يموت." وضحك بصوت عالٍ وهو يغلق الباب خلفه. لتقول من بين دموعها: "شيطان... شيطان ربنا ياخدك." *** مرت أيام العزاء ثقيلة على الجميع، بين صدمة موت بركات بتلك الطريقة، وما وصلهم من أخبار أحمد الصادمة، وقرار مصطفى بعد موت والده أن العزاء سوف يكون على روح والده، وأحمد من اليوم سوف يعتبره ميتًا. يكفي ما طالهم من فضائح بسببه.
كانت كل من نوار وعائشة غير قادرتين على الاستيعاب والتصديق، أو حتى تخيل أن ما حدث وشاهدوه بأعينهم حقيقة وواقع. شاهده الجميع أيضًا، متقبلين قرار عمهم. فهم بالأساس يعتبرون أنفسهم أيتام الأب والأم. وكل من الشباب الثلاث في حالة صدمة لا تختلف كثيرًا عن صدمة الفتيات. أن انتقام الله أكبر وأعظم حقًا. ولكن ذلك الانتقام سوف يطولهم أيضًا. كيف يرفعون رؤوسهم أمام الناس الآن؟
إذا عرف هذا الأمر سوف ينتهون جميعًا وبلا رجعة. لذلك رحبوا أيضًا بقرار والدهم. ولكن ما يشغل بالهم حقًا هو من أرسل ذلك الفيديو وماذا يريد وما الهدف؟ لم يتصل أحد، ولا يعلمون مصير عمهم، ولا ماذا سيحدث في المستقبل.
كانت جنة تشعر بالصدمة وينتابها شعور عدم التصديق. أن المظاهر حقًا تخدع. أنها كانت ترى دائمًا عائلة حلم عائلة متكاملة قوية وكبيرة. عائلة حلمت بها كثيرًا وحلمت أن تكون جزءًا منها. لكن الصورة الخارجية تختلف تمامًا عما بداخلها. وهالة العائلة الكبيرة والعريقة والمتماسكة خلفها تفكك ومشاكل لا حصر لها. وأيضًا فضائح استطاعوا أن يخبئوها لسنوات دون أن يكتشفها أحد. لكن لماذا تندهش؟
فحلم طوال حياتها تتجنب الحديث عن عائلتها، وهي حقًا لا تعلم عنهم سوى الصورة الخارجية فقط. *** كانت نوار تفكر ما هو مصيرها الآن مع غسان. لقد أصبحت لا تصلح له بكل المقاييس. أنها لا تنجب، وفضيحة والدها مع اتهام حماتها لها. أنها لم يعد لها فرصة مع غسان، وعليها الابتعاد عنه قبل أن يبتعد هو. والدته لن تتركه يبقى معها. ولماذا يبقى معها؟ لما يظل مع عاقر بائسة ولديها والد كوالدها.
كانت حلم عكس أختها تمامًا. أنها هادئة، مستريحة. تنظر إلى كل ما يدور حولها وكأنها تشاهد فيلمًا تعلم نهايته. تشعر بالسعادة وأيضًا الانتصار. لا تبالي لنظرات زوجة عمها الشامتة، ولا لخواء عيون عمها، ولا بالتفكير الواضح على ملامح غسان، أو حتى النفور على وجه يوسف، ولا ذلك السؤال العالق في عيون جنة، وحتى تلك الحيرة في عيون راغب. لا تهتم بها. أن القدر قرر أن ينتقم لهم ولوالدتها بطريقته الخاصة، وهي راضية عنها تمامًا.
تعلم أيضًا أن صمام الأمان الذي كان يوقف انفجار زوجة عمها قد نُزع. وهي في انتظار اندلاع تلك النار التي سوف تأتي بالأخضر واليابس. ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تعد في عقلها تنازليًا: 10، 9، 8، 7...
وعند عائشة، هي لم تشغل عقلها بالتفكير في حماتها، أو ما هو موقف يوسف. ولكن ما شغل عقلها حقًا، أخوتها. ومحاولتها لفهم سبب ما حدث لوالدها أحمد بركات. الرجل البارد الذي لا يهتم لأحد. كيف وصل به الحال أن يحدث فيه ما حدث. تعلم جيدًا أن الجزاء من جنس العمل، ومن استهان بأعراض الناس وشرفهم لابد له من دفع الثمن وبنفس الطريقة. بداخلها إحساس بالسعادة يجعلها تشعر بالتوازن النفسي، وأيضًا حزن قوي. فهم أيضًا يدفعون الثمن ويشعرون بالخجل والعار.
هي أيضًا تعلم جيدًا أن النهاية قد أوشكت، وأن الصمت لم يعد خيارًا. وأن البركان الخامد لسنوات، والذي بدأ منذ مدة قليلة يلقي ببعض حممه عليهم، وصل به الأمر إلى نهايته. وانفجاره وشيك. وتوجهت إلى غرفتها. هي حقًا لم تعد تحتمل تلك السيدات المعزيات، ولا ذلك اللون الأسود البغيض، ولا تلك الكلمات الكاذبة التي تقال لهم أو يردون بها. تريد أن تطلع على التحاليل الخاصة بنوار وتكتشف الحقيقة التي تستشعرها منذ زمن. ***
لم يمر الكثير من الوقت على رحيل آخر المعزين، لتقول رقيه بحقد دفين: "الحقيقة اتكشفت... والفضايح بانت وكل واحد دلوقتي عارف مقامه كويس. والبيت ده مينفعش يفضل فيه أمثال أحمد وأشباهه." انتبه الجميع إليها والجميع في حالة ترقب وقلق. إلا حلم التي تبتسم بهدوء. لتكمل رقيه كلماتها السامة: "أنا ميشرفنيش إن مراتات ولادي يكون ليهم أب زي ده، حتى لو كان أخو جوزي." نظرت إلى حلم بتشفٍ وأكملت:
"والحمد لله إن راغب ما وقعش. وقعه إخواته نفد بجلده." وقف يوسف أمام والدته بعينيه شديدة الحمرة من الإرهاق والضغط النفسي وأيضًا الغضب، وقال مستفهمًا: "تقصدي إيه يا ماما؟ وعايزة توصلي لإيه بكلامك ده؟ "أقصد إنك أنت وغسان لازم تطلقوا عائشة ونوار. أنا ميشرفنيش إن دول يكونوا مرتات ولادي ولا أمهات أحفادي." قالت رقيه بإقرار وبشكل مباشر دون مراوغة. ثم نظرت إلى نوار وأكملت بسخرية: "ده لو قدروا يعني يجيبوا أحفاد."
اقترب يوسف خطوة واحدة في نفس اللحظة التي وقف فيها غسان بتحفز وقلق، ليقول يوسف مستفهمًا: "بأي حق بتطلبي مننا نطلق مرتاتنا؟ "أنا مش بطلب يا يوسف... أنا بأمر." أجابته رقيه بغرور وإصرار، وأكملت قائلة: "وبحق إني أم." قالها مصطفى بصمت تام، ينظر إلى ما يحدث بعيون خاوية. هو لم يتخطى صدمة أخيه، ولحقتها صدمة موت والده. والآن يرى عائلته تتفكك. رغم قراره القوي في حق أحمد، إلا أن ما يراه الآن صدمه.
اقتربت جنة من راغب تحاوط ذراعه بذراعيها بخوف. وكان هو ينظر إلى والدته باندهاش. يعلم أنها حزينة على غسان من أجل عدم إنجابه حتى الآن، وغاضبة من حلم وكل ما حدث له منها. لكن ما سبب تحاملها على عائشة؟ وأيضًا كل ما حدث لا يعني أن تخرب بيت أخوته أو أن تفكر في طلاقهم. من أين لوالدته كل هذا الكم من الغضب والكره؟
ظلت حلم جالسة جوار نوار تضمها إلى صدرها بحنان، خاصة وهي تبكي بصمت وقهر. هي لم تشعر بالضيق أو حتى لم تفكر في أن تقف لترد على كلمات زوجة عمها. هذه المعركة تخص غسان ويوسف، وإذا لم يدافع كل منهم عن حقه وكرامة زوجته، فالأفضل هو الانفصال حقًا. "أنا قلت كلمتي، واللي مش هينفذها لا هو ابني ولا أعرفه، وهغضب عليه ليوم الدين."
ظل الموقف متجمدًا لعدة ثوان. يوسف لا يستطيع تفسير جبروت والدته، وصمت والده. وغسان يشعر أن الأمور ستخرج عن السيطرة. لتكمل هي كلماتها: "ومن النهارده بنات أحمد ملهمش مكان في البيت ده. هياخدوا ورثهم ويمشوا من البيت." "فعلاً أحنا لازم نمشي من البيت لأنه كله كذب وخداع وظلم." قالت عائشة كلماتها وهي تقف أعلى السلم تنظر إلى زوجة عمها وحماتها بتحدٍ وقوة. تقابله نظرات قوية مغرورة من رقيه.
بدأت عائشة نزول الدرج بهدوء وعيناها ثابتة على رقيه. حين اقترب منها يوسف عند نهاية الدرج وقال بغضب مكتوم: "إنتِ بتقولي إيه يا عائشة؟ نظرت إليه بابتسامة صغيرة وقالت بثقة: "النهاردة يوم انكشاف الحقيقة، أو تكملة انكشاف الحقيقة." شعر أن هناك شيئًا ما خلف كلماتها، لكنه سوف يدعمها مهما حدث. فهو يثق فيها وفي رجاحة عقلها. ليظل صامتًا. لتتحرك من أمامه ووقفت أمام رقيه وقالت:
"أنا مش عارفة إنتِ بأي حق واقفة تأمري وتتآمرى فينا كلنا." قطبت رقيه حاجبيها بضيق ونظرت إلى يوسف وقالت بغضب: "إنت هتسكت لها على قلة أدبها؟ "أنا مش قليلة الأدب. أنا صاحبة حق وصاحب الحق مش قليل الأدب. وبما إنك مستقوية علينا كلنا، خلينا نجيب الحكاية من الأول بقا، ولا إيه رأيكم؟ قاطعتها عائشة قائلة بقوة وثبات، ونظرت إلى الجميع بتحدٍ. حين رفعت حلم عينها إلى أختها بابتسامة صغيرة واثقة. حين أكملت عائشة كلماتها
بنفس القوة والثبات: "تحبي نبدأ منين يا مرات عمي؟ تحبي نبدأ من وقت قصة حبك أنتِ وبابا قبل جوازك من عمي؟ واللي لما اكتشفتي إنه مفيش أي حاجة من أملاك جدي تحت إيده، حولتي العطا على عمي مصطفى وبدأتِ تشاغليه لحد ما حبك واتجوزك." شهقة مصدومة خرجت من نوار وجنة، ونظرات غير مصدقة مصدومة من مصطفى. لكنها ليست نظرات اكتشاف الحقيقة،
بل هي نظرات: "لقد فضح الأمر." ونظرات حادة من حلم التي بدأت تتذكر كلمات والدتها التي سجلتها في مذكراتها والتي خبأتها في مكان بعيد عن الجميع، خاصة أحمد ورقيه التي لم تكن تترك مكان في البيت إلا ولها لمسة فيه حتى تعلم ما يحدث من خلفها. والتي وجدتها بالصدفة البحتة وهي تبحث في أوراق والدتها التي ألقيت في غرفة صغيرة ببدروم البيت بعد وفاتها. حقيقة هي لا تعلم كيف حصلت عليها عائشة، لكن هذا رفع عن كاهلها الكثير، خاصة وأن الحقيقة سوف تظهر إلى الجميع وتعود الحقوق إلى أصحابها وسوف يرد حق المظلوم. وغضب مكتوم من رقيه وحقد يملأ عيونها وصدمة من الباقي دون ردة فعل واضحة.
"ولا تحبي نبدأ من أول ما قررتي تجوزي أمي، صحبتك اللي كنتِ بتغيري منها وبتكرهيها علشان أجمل منك، لأبويا اللي أخلاقه فاسدة، وأقنعتيها إنه هيتهدي بعد الجواز." تراجعت رقيه خطوة إلى الخلف بصدمة وحاولت أن تتحدث، لكن حلم قاطعتها وهي تكمل كلمات أختها:
"ولا تحبي نبدأ من أول ما كنتِ بتشجعي أمي إنها تخرج كل يوم ورا أبويا، علشان تقفشه وهو بيخونها وتنجرح وتتعذب بكل اللي بيحصل، وتشوفي دموعها وحسرتها وزهرة شبابها اللي بتدبل كل يوم، وتعيشي أسعد لحظات حياتك لما يرجع هو يكمل عليها ضرب وهو بيفكرها إنه عمره ما حبها وإنه أنتِ حب حياته وكل الستات الدنيا في عينيه."
كانت الصدمة واضحة على الجميع. صدمة من العيار الثقيل تشبه صدمتهم حين شاهدوا الفيديو الخاص بأحمد. كانت نوار تشعر أنها داخل كابوس كبير. أن العائلة التي كانت تتباهى بها أمام الجميع، الأم التي ضمتهم واحتوتهم طوال سنوات عمرهم، ما هي إلا أكبر عدو لهم. هي سبب عذابهم وألمهم طوال حياتهم. وغسان كان ينظر إلى الجميع وكأنه لأول مرة يراهم. جنة أخذت جانبًا بعيدًا وجلست وهي تحاوط معدتها بخوف وعقلها يدور في دوائر الحيرة
والتفكير وهي تسأل نفسها: ما هذه العائلة التي دخلتها؟ أما راغب، فكان يلوم نفسه على عدم قدرته على استيعاب كل ذلك من قبل. كيف لم يستطع أن يرى الأمر بشكله الصحيح؟ ولكن أيضًا عقله يفكر كيف استطاعت والدته أن تخدعهم طوال تلك السنوات إذا كان هذا الحديث حقيقياً. تكمل عائشة كلمات أختها:
"ولا نبدأ من وقت ما كنتِ بتلعبي في عقل جدي علشان يفضل ساكت عن اللي أبويا بيعمله، وما يدخلش ولا على كلامك مع كل واحد فينا من غير الباقي ما يعرف إننا نتجاهل حالة حلم علشان تحس إنها طبيعية، ومحدش فينا يفكر يخليها تروح للدكتور النفسي." اقترب يوسف من وقفة عائشة ينظر إلى والدته بصدمة وزهول. لتكمل عائشة كلماتها: "ولا، وما اكتفيتيش بكده، إنتِ كمان مش سايبة نوار في حالها. إهانة وذل، وكل ده وإنتِ مش عارفة العيب من مين فيهم."
ثم نظرت إلى غسان وقالت بابتسامة مستنكرة: "مش كده يا غسان؟ انتفض غسان واقفًا وهو ينظر إليها بتوتر. لتتسع ابتسامتها الشامتة، ثم عادت بنظرها إلى رقيه وقالت: "بس ربنا بقا حب يكسرك زي ما كسرتي أمي... ويذلك زي ما ذلتي أختي... ويقهرك زي ما قهرتي حلم وأنتِ بتشمتي فيها يوم فرح راغب وجنة." رفعت التقارير أمام عيونها وأكملت قائلة: "وسبحان الله يطلع العيب من ابنك... ابنك اللي عمره ما هيخلف ابنك هو المعيوب مش اختي."
لتتصلب عيون رقيه بصدمة، وعاد غسان يجلس مكانه بتهالك. حين وقفت نوار بعد أن شهقت بصوت عالٍ واقتربت من عائشة وقالت بعد تصديق: "إيه اللي بتقوليه ده يا عائشة؟ إنتِ متأكدة؟ بس... بس غسان قال... "غسان قالك إن العيب منك أنتِ، لكن الحقيقة بقا إنه هو اللي عنده العقم... هو اللي مش هيقدر يخلف... العيب منه هو يا نوار مش منك." قاطعتها عائشة قائلة بقوة وبصوت عالٍ وهي تنظر إلى غسان الذي ينظر إلى نوار بتوسل. ومع آخر كلمات عائشة،
اقترب منها وقال: "أنا... أنا... أنا... أنا آسف يا نوار، بس... بس... بس أنا كنت خايف... خايف تسبيني وتبعدي عني. أنا بحبك يا نوار ومقدرش أتخيل حياتي من غيرك." مد يده حتى يمسك يديها لتبعدها سريعًا عنه وهي تقول بقهر: "قهرتني ودبحتني وعيشتني في عذاب. استحمل إهانات أمك ونظرات الشفقة من الجميع علشان خوفت أبعد عنك. ذلتني وكسرتني علشان بتحبني." قالت كلماتها الأخيرة بصوت عالٍ رغم اختناقه بالدموع التي تغرق وجهها: "حب إيه ده؟
ده مش حب، دي أنانية. ده مش حب يا غسان، ده مرض." اقتربت منه خطوة تنظر إلى عينيه اللتين تبكيان الآن بندم وأسف، وأكملت قائلة: "مصعبتش عليك وأنت بتدبحني؟ كل يوم وأنا عيني في الأرض قدام كلام مرات عمي اللي كان بيطعني في قلبي. مكنتش بتصعب عليك وأنا بعيط كل يوم؟ وأنا شايفة نفسي ناقصة ومستاهلة أكون معاك وأحرمك من إنك تكون أب؟ خيم الصمت على الجميع. فالجميع أصبح مدانًا. الحقيقة كشفت كل المساوئ والأسرار المخفية منذ سنوات.
وكأن رقيه لم تكتفِ بعد من كل تلك الإدانات التي ألقتها عائشة في وجهها، لتقول بكل حقد وغل: "إنتوا كدابين... ابني سليم. محدش فيكم أحسن من ولادي. لا أمكم... ولا نوار اللي الكل بيضرب بيها المثل في الأدب، ولا الدكتورة اللي على ما تفرج... ولا حتى المجنونة حلم." "بس حلم مش مجنونة يا ماما." قال يوسف بثبات وقوة. حين ابتسمت حلم ابتسامة صغيرة واثقة وساخرة. ليكمل يوسف كلماته رغم نظرات رقيه التي تشتعل بنار الغضب والحقد:
"حلم أعقل واحدة فينا. حلم عارفة مشكلتها. شايفة كل الحقيقة. هي الوحيدة اللي قدرت تشيل أول طوبة من أساس البيت الواهي اللي كلنا كنا بنداره وراه، واللي كلنا كنا فاكرين إنه كيان كبير وهو في الأساس ولا حاجة." نظر إلى راغب وقال بإقرار: "حلم بتروح لدكتور نفسي من تاني يوم جواز راغب. وأنا الوحيد اللي عارف الموضوع."
ابتسمت عائشة بسعادة وهي تنظر إلى أختها بفخر. كانت جنة تتابع ما يحدث بصدمة وكل الرسائل الخفية من بين كلمات الجميع تصل إليها واضحة تمامًا، خاصة مع نظرات راغب السعيدة حين قال يوسف أن حلم تذهب إلى طبيب نفسي. وبدأت الذكريات تعود لها في نظراته الغاضبة لحلم وعدائه في الحديث معها، خاصة حين فكرت في أن تسمي ابنتها حلم. غضبه غير المفهوم الواضح داخل عينيه، والتي تجاهلته هي، كما تجاهلت الكثير من تصرفاته السابقة بسذاجة. كلمات حماتها التي كانت تحمل الكثير من المعاني التي لم تتفهمها في وقتها، لكن الآن...
كل الأمور وضحت وفهمت زوجها يحب حلم. وتزوجها فقط لأنها صديقتها. أنه لا يراها ولم يشعر بها يومًا، ولم ولن يحبها. أكمل يوسف كلماته: "أنا هاخد مراتي وحلم وهنمشي من البيت ده." "وأنا جاية معاكم." قالتها نوار وهي تنظر إلى غسان بغضب، ثم أكملت: "بعد ما تطلقني." "لا لا لا لا لا. اعملي فيا أي حاجة... إلا إنك تسيبيني. عقبيني بأي طريقة لكن ما تبعديش عني يا نوار. لا لا أبوس إيدك متسبنيش."
قال كلماته وهو يجلس على ركبتيه أمامها يقبل يديها بين كل كلمة وأخرى. لتسحب يدها منه بقوة، ونظرت إلى الجهة الأخرى. ليمسك قدميها وهو يقول بتوسل: "أبوس رجلك يا نوار متسبنيش." لتقترب رقيه منه تجذبه لكي يقف على قدميه وهي تقول بغضب: "تبوس رجل مين؟ إنت اتهبلت؟ طلقها وأنا هجوزك ست ستين." نظر إليها غسان بعيون مليئة بالدموع، وقال وكأنه لم يستمع لكلماتها: "قولي لها متسبنيش... خليها تسامحني. أنا عملت كده علشان بحبها...
قولي لها متسبنيش." لترفع رقيه يديها تمسكه من ملابسه وتهزه بقوة وهي تقول: "متعملش كده. تغور في داهية... إنت راجل متعملش كده." جلس أرضًا يبكي كالأطفال وهو يقول: "أنا آسف... أنا بحبك. أنا آسف. أنا آسف." لم تهتم نوار له، ولم يأثر بها حديثه. اقترب يوسف من عائشة وقال: "خلينا نمشي من هنا." "لا."
قالها مصطفى بصوت قوي وواضح أمام نظرات راغب الصامت بصدمة، وجنة التي تبكي بصمت، ورقيه التي تنظر إلى الجميع وكأنها ملكة الأرض ومن عليها، رغم أنها الخاسرة الآن، إلا أنها لا تستوعب أو غرورها يمنعها من التصديق. لينظر له الجميع دون توقع واضح. لكن ظل الصمت سيد الموقف لعدة لحظات، حتى اقترب من رقيه وقال: "إنتِ اللي هتخرجي بره... إنتِ اللي ملكيش مكان بينا." ضحكت رقيه بصوت عالٍ وغرور، ثم نظرت إلى عمق عينيه
وأمسكت مقدمة ملابسه وقالت: "إنت متقدرش تمشيني. إنت متقدرش تعيش من غيري. متقدرش تبعد عني. إنت بتموت في التراب اللي بمشي عليه." ليمسك يديها ويبعدها عن ملابسه، ودفعها إلى الخلف بقوة حتى كادت أن تسقط أرضًا، وقال: "هو إنتِ فاكرة إني معرفش كل اللي قالوه ده؟ لا، أنا عارفه من فترة. أنا لقيت مذكرات دلال اللي إنتِ كنتِ مخبياها في هدومك بالصدفة. وبعد ما عرفت الحقيقة كاملة، خبأتها في المكان اللي لقيتها فيها حلم...
علشان الحقيقة تتكشف للجميع. لو معتمدة على حبك القديم في قلبي تبقي غلطانة. لو لسه مفكراني مصطفى القديم اللي بيريل قدام جمالك تبقي غلطانة." اقترب منها خطوة واحدة فقط وأكمل قائلًا: "غرقتيني في بحر عينيكي وقدرتي تلفي حواليا زي الحية لحد ما دمرتيني ودمرتي عيلتي. لكن لو فاكرة إن ليكي لسه تأثير عليا تبقي غلطانة." صمت لثوان يستمتع بنظراتها المصدومة التي تتحرك بسرعة وتوتر. ابتسم بشماتة واقترب منها وقال: "إنتِ طالق يا رقيه...
طالق... طالق." وفي خلال لحظات الصدمة التي احتلت الجميع، معاد غسان الذي يجلس في أحد الأركان، عيونه ثابتة على نوار التي لا تهتم لوجوده ولا نظراته التي تعيد إليها القليل من كرامتها المهدورة والتي استباحها هو باسم الحب. إذا فليجرب ذلك الإحساس ويرى ما كانت تراه. التفت مصطفى ينظر إلى الجميع وقال:
"البيت ده بيت بركات. واللي هيفضل فيه هما ولاد بركات وأحفاده. الخاين ملوش مكان بينا. والغدار واللي كاره الخير لينا ملوش مكان بينا." نظر إلى حلم وقال بإقرار: "وجود راغب في البيت ده قرارك يا حلم. لأنك الأولى منه إنك تفضلي في البيت ده. زي ما قرار وجود غسان في إيد نوار." اقتربت حلم من رقيه وقالت بابتسامة شامته:
"حق أمي رجع لما عمي رماكي دلوقتي زي ما أبويا رما أمي زمان. وحق أختي رجع وابنك راكع تحت رجلها يتوسل حبها ورضاها وأنها تفضل معاها." اقترب راغب وضم أمه إلى صدره وهو يقول: "مش هسمح لك تهيني أمي." نظرت إليه حلم وقالت: "تقدري تاخدها وتمشي من هنا. البيت ده مبقاش بيتي." "يلا يا أمي." نظر إليها بتحدٍ وقال: "يلا يا أمي." ثم نظر إلى جنة وقال بأمر: "يلا يا جنة." نظرت إليه جنة وقالت:
"أنا فعلاً هطلع ألم الهدوم، بس هدومي وعايزة ورقة طلاقي توصلني على بيت أبويا." قطب جبينه بحيرة وقال بغضب: "طلاق إيه؟ إيه اللي إنتِ بتقوليه ده؟ إنتِ اتهبلتي؟ ابتسمت بسخرية وهي تقول: "معتقدش إن قلبك هيوجعك لما أطلقني. ولا هتركع قدامي تتحايل عليا علشان أفضل معاك. أنا مش فارقة معاك أصلًا يا راغب. ولا هفرق أصلًا." ثم نظرت إلى حلم التي تنظر إليها باعتذار ورجاء وقالت:
"اديني فرصة أرتب أوراقي وأفكاري. أنا مش عارفة أشوف مين صاحب حق ومين مظلوم ومين ظالم. أنا مش شايفة دلوقتي غير إني أنا اللي مظلومة وسطكم وانضحك عليا." وقبل أن تتحرك خطوة واحدة، دوت صرخة عالية ولحقتها صوت سقوط ودماء كثيرة. ليشعر الجميع بالصدمة، وتحولت النظرات إلى خوف وإحساس جديد بالخسارة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!