بعد مرور ستة أشهر، كانت تدلف من بوابة المؤسسة الكبيرة لرعاية كبار السن والمشردين، بعد أن أصبحت المديرة. فمنذ ما حدث معها ومع إخوتها، وهي تتخذ خطوات ثابتة لمستقبلها دون التفكير في الماضي وكل ما يحمله من ألم وخيبات. وساعدها في هذا طبيبها الذي أصبح صديقها. دلفت إلى غرفة مكتبها، وخلفها المساعد الخاص يخبريها بكل المستجدات. "لسه في قافلة واحدة مرجعتش، بس إحنا متابعينها." نظرت إليه ثم أومأت بنعم، وقالت بهدوء اعتادت عليه مع
التدريب مع طبيبها النفسي: "والناس اللي وصلت كل أمورهم تمام ومش ناقصهم حاجة." ابتسم عاصم وهو يقول بإقرار: "متقلقيش حضرتك، كل أوامرك وأوامر الوزارة بتتنفذ بالحرف وبدون تهاون." ابتسمت براحة وهي تشير له بالانصراف بعد أن قالت: "أول ما القافلة الأخيرة توصل عرفني." "أوامر حضرتك."
أجابها وغادر الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء. أخرجت هاتفها من الحقيبة حتى تتصل بنوار تطمئن عليها كعادتها اليومية. بعد عدة ثوانٍ وصلها صوت أختها السعيد منذ أنشأت تلك الحضانة. "سيادة المديرة المهمة عاملة إيه؟ لتضحك حلم بصوت عالٍ وهي تقول بمرح: "أنا حلوة أهو زي كل يوم، أنتِ بقا عاملة إيه؟ "زي الفل، بس مش فاضية دلوقتي عشان بنفخ البلالين. هبقى أكلمك بليل أو أشوفك بقا، أنتِ وحشتيني."
أجابتها نوار بمرح مشابه. وقبل أن تعلق على قصة البلالين، أكملت نوار قائلة: "اتصلي بعائشة اطمني عليها، شكلها خلاص هتعملها ونبقى خالات." اتسعت ابتسامة حلم وهي تقول: "حاضر.. وأنا يمكن أجي النهارده فعلاً، بس عايزة أفهم حكاية البلالين." لتضحك نوار بمرح وقالت بسعادة: "ده عيد ميلاد آدم. يلا بقا عشان الحق أخلص."
وأغلقت الهاتف سريعاً. لتنظر حلم إلى الهاتف باندهاش، لكنها ابتسمت براحة. أن أختها أخيراً استطاعت أن تحصل على السلام النفسي والتوازن من جديد بعد كل ما حدث مع غسان. عادت رأسها إلى الخلف وهي تتذكر كل ما حدث منذ ستة أشهر في ذلك الاجتماع الأخير الذي جمع عائلة بركات كاملة، ولآخر مرة.
حين أنهت جنه كلماتها التي تفهمتها ولا تلومها عليها، فجميعهم مخطئون في حق جنه. هي أيضاً ساهمت في جرح قلب صديقتها. وافقت على أن يتزوجها راغب وهي تعلم جيداً أنه يحبها وأنها تسكن قلبه، وأن لا يوجد مكان بقلبه لجنه. ورغم ذلك، ذهبت بنفسها لها وأخبرتها برغبة راغب في الزواج منها.
حين تركتهم جنه يشعرون بالصدمة من موقفها، وخاصة راغب ورقيه اللذان كانا يراهنان على حب جنه الكبير له. كانت تصعد درجات السلم، تغشي عيونها الدموع. لتشعر بدوار، وفي ثوانٍ كانت ممدة أرضاً أسفل الدرج، وأسفلها بركة كبيرة من الدماء. وكأن القدر يقف معها في معركتها الجديدة ويعطيها أول المفاتيح للخروج منها دون ذيول. أو وكأن القدر يؤيد قرارها ويريد أن يصفع راغب ورقيه صفعة أخيرة لم يتوقعوها أي منهم.
حملها راغب سريعاً وغادر المنزل، تاركاً والدته والجميع. والتي لحقت به كانت حلم. لكن عائشة أوقفتها وهي تقول بحيرة: "رايحة فين يا حلم؟ "مقدرش أسيب جنه يا عائشة." أجابتها حلم بإقرار، ثم نظرت إلى يوسف وقالت: "هبقى أكلمك." حاوط يوسف كتف عائشة وهو يقول: "روحي يا حلم بسرعة، جنه محتاجاكي. ومتقلقيش." بالفعل صعدت سريعاً بجانب جنه حين ابتعد راغب بعد أن وضعها في الكرسي الخلفي للسيارة.
طوال الطريق إلى المستشفى، كان الصمت سيد الموقف. فلا كلام يشفع، ولا تبرير يمحو ما حدث. تكفي نظرات الندم داخل عيون راغب، ليس لكل ما حدث، ولكن لظلم وقع على جنه دون ذنب أو سبب، سوى غروره أو أنانيته.
حين وصلا إلى المستشفى، سريعاً أخذ الأطباء جنه وبدأوا في عمل اللازم لها واللازم لإنقاذها. جلست حلم في أبعد مكان عن راغب، الذي وقف بجانب باب الغرفة التي تضم جنه. تلك الفتاة الرقيقة التي عشقته وأحبته بكل كيانها وروحه. لم تبخل عليه بشيء في وقت كان هو لا يراها، بل يحاول نسيان حلم بها وبأسوأ الطرق وأخسها.
رفع عيونه ينظر إلى حلم التي تجلس بهدوء، عليها التوتر والقلق، لكنها أكثر ثباتاً. إنها تغيرت، أصبحت أقوى، متصالحة مع نفسها ومع الجميع. تعلم الآن ماذا تريد، وهذا واضح في عيونها، خاصة خلال تلك المواجهة المريرة التي كشفت كل الحقائق وكشفت من الجاني الحقيقي. وأنه لم يكن فقط عمه، ولكن والدته هي اليد الخفية لكل ما حدث.
كانت تعلم جيداً أنه ينظر إليها، تعلم أيضاً بماذا يفكر. فحديثها مع الطبيب النفسي جعلها تستطيع استيعاب وفهم حتى النظرات. ولذلك، ومن قبل أن تكتشف مذكرات والدتها، كانت تدرك نظرات زوجة عمها جيداً وتفهم المعنى الحقيقي خلفها. ولذلك لم تعد تهتم لها، ولا لحديثها أو أفعالها. مر الوقت حتى خرج الطبيب من الغرفة بوجه غير مفسر. لتقف سريعاً أمامه جوار راغب، الذي ينظر إليه بترقب. حين قال:
"أنا آسف جداً، مدام جنه لازم تدخل العمليات لأنها بتفقد الجنين. وأي تأخير في خطر على حياتها." شهقت حلم بصوت عالٍ، لكنها تداركت نفسها سريعاً وقالت: "ومستني إيه؟ اتصرف بسرعة واعمل اللازم." ليقول الطبيب بهدوء: "محتاج الزوج يمضي على الإقرار ده."
ليأخذ راغب الورقة من الطبيب ويوقع بصمت. ليأخذها الطبيب منه، وعاد إلى الغرفة سريعاً. لتعود حلم تجلس مكانها من جديد. ظل راغب على وقفته عدة ثوانٍ، ثم نظر إليها بنظرات حادة لم تهتم لها. اقترب منها ووقف أمامها، وقال بغضب مكتوم:
"طبعاً شمتانة فيا مش كده.. أمي اتطلقت ومراتي طالبة مني الطلاق وخسرت ابني.. خسرت كل حاجة يا حلم. وأنتِ بتتعالجي دلوقتي وأبويا واقف في صفك ويوسف كمان.. أنتِ اللي كسبتي يا حلم. رغم كل العذاب اللي عشته بسببك، أنتِ اللي كسبتي."
رفعت عيونها تنظر إليه بوجه خالٍ من التعابير، وظلت تستمع إلى كلماته الحاقدة والغاضبة بهدوء شديد. هي ترى تلك النار الحارقة بداخله. لقد خسر بالفعل كل شيء. لم يبق له شيء. في الحقيقة، هي لم تكن السبب في كل هذا. لكن هو يريد الآن شماعة يعلق عليها أخطاءه، أنانيته وغباءه. وقفت أمامه، عيونها تنظر إلى عمق عينيه، وقالت بهدوء:
"أنا مش هكون الشماعة اللي تعلق عليها أخطائك، وأنانتك. ولا هكون السبب اللي انت هتمسك فيه عشان تنيم ضميرك عن أخطائك. كل اللي حصل نتيجة أفعالك. انت اللي قررت تدخل جنه دايرة انتقامك مني. وفي النقطة دي أنا مش بخلي مسؤوليتي تجاه صديقة عمري وجاهزة لأي عقاب منها. وهكون أنا الخسرانة لو قررت تبعد عني للأبد. لكن أنت ذنبك ملوش غفران. ولو هي خسرت ابنها دلوقتي، دي فرصة هايلة ليها إنها تبعد عنك وللأبد، لأنها خسارة فيك."
كان ينظر إليها بغضب عارم يجتاح كل كيانه. يود لو يصفعها أو يحطم رأسها. أو يضمها إلى صدره يروي عطش قلبه لها. هو حقاً لا يفهم نفسه. كيف يفكر بها بذلك الشكل وزوجته أكثر من أحبته في هذه الحياة تصارع الموت والفقد والخسارة. بعد أن طلبت منه الطلاق. كيف بهذا الوقت يفكر في حلم. إذا كل ما قالته حلم حقيقة، هو أناني لا يفكر سوى بنفسه فقط. هو حقاً لا يستحق جنه، حقاً لا يستحق.
ابتعد عنها سريعاً ووقف في مكان بعيد عنها. ومر الوقت بطيئاً. كان يصل إليه صوتها وهي تتحدث في الهاتف، مرة مع عائشة، ومرة مع يوسف، ومرة أخرى مع شخص لا يعلم من هو. لكن ابتسامتها الواسعة وهي تتحدث جعلته يشعر بالغضب من جديد وزاد بداخله الرغبة في تحطيم رأسها. حين خرج الطبيب من غرفة العمليات، وقفت أمامه الطبيب الصامت، كراغب الذي ينظر إليه. ثم قال بعد عدة لحظات: "طمني." اخفض الطبيب رأسه وقال:
"أنا آسف، مقدرناش ننقذ الطفل. ربنا يعوض عليكم." وقبل أن يخرج السؤال منه، سألت حلم بقلق: "المهم جنه." "مدام جنه كويسة، بس الفترة الجاية هتكون محتاجة دعم نفسي قوي. الستات بعد عمليات الإجهاض بيكونوا محتاجين كل اللي بيحبوهم جنبهم، خصوصاً حضرتك يا أستاذ راغب. وإن شاء الله تعوضوا الطفل ده. ألف سلامة على المدام." قال الطبيب كلمات، دون أن يعلم أنه يصفع راغب عدة صفعات دون أن يدري. لتخرج حلم هاتفها وهي تقول:
"هتصل بأهلها، أكيد هتكون محتاجاهم." عادت من أفكارها حين سمعت صوت طرقات على الباب ودخول عاصم الذي قال ببعض التوتر: "القافلة فيها مشكلة." وقفت سريعاً وهي تقول بقلق: "مشكلة إيه؟ ومين قائد القافلة دي؟ اقترب عاصم ومد يده بالهاتف لتأخذه حلم سريعاً وأجابت بهدوء. ليصلها صوت محسن وهو يقول: "الحالة رافضة تماماً إنها تيجي معانا. وللأسف عمالة تحكي في قصص وحكايات ومش عارفين نتعامل معاها خالص."
ظلت حلم صامتة لعدة ثوانٍ. فهذه المرة ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها إحدى القوافل لهذا الموقف. الكثير من الناس التي اعتادت العيش في الشارع، وخاصة إذا تعرضت لأذى نفسي في بيتها أو من أقربائها، تفضل البقاء في العراء على أن تتعرض من جديد لهذا النوع من الألم. "طيب يا محسن، هبعتلك دكتور إلياس حالاً. بس ابعت شير لوكيشن لعاصم." مدت يدها بالهاتف لعاصم وهي تقول: "ابعث اللوكيشن لدكتور إلياس وأنا هكلمها."
أومأ عاصم بنعم وتحرك عائداً إلى مكتبه. أخرجت هاتفها حتى تتصل بالطبيب إلياس، وحين أجابها قالت بابتسامة ناعمة: "محتاجة لخدماتك يا دكتور." "والدكتور تحت أمرك."
أجابها سريعاً. لتصمت لثوانٍ حين تلونت وجنتيها بخجل. أصبحت تشعر به كثيراً، خاصة وهي تتحدث معه. رغم أنه كان سبب تحولها وشفائها من كل أمراض الماضي وأخطائه، ويعلم عنها كل شيء. حتى أنه يعلم ما خجلت أن تخبر به أخوتها. إلا أن ذلك لم يكن سبب خجلها. هناك سبب آخر وقوي وتخشى أن تعترف به. ولكنها أيضاً تعلم إمكانياته كطبيب نفسي وتعلم جيداً أنه يستطيع أن يجعلها تعترف بكل ما تشعر به بسهولة ودون أي مجهود. لكنه يترك لها الفرصة كاملة. يريدها أن تعترف بكامل رغبتها. وهي راضية عن نفسها وعن اعترافها.
"عاصم هيبعت ليك اللوكيشن.. وهنتظر إبداعاتك." "تمام يا مديرة.. أوامرك." كلماته الرقيقة، استخدامه لكلمة "يا مديرة" والتي تجعل الحديث رسمي، رغم أنه يبدو حميمي أكثر من العادي. وذلك رغم كل شيء يسعدها بشدة. أغلقت الهاتف، بعد أن أخبرها بوصول رسالة من عاصم، وأنه سوف يتحرك إلى المكان فوراً. ***
وصل إلياس إلى المكان ليقترب منه محسن وشرح له الأمر سريعاً. ليقترب منها بهدوء، وجلس بجانبها أرضاً دون أن يهتم بملابسه الأنيقة، ولا حذائه الرياضي الأبيض. ابتسمت له حين نظرت إليه. ليقول لها برفق: "إيه يا أمي.. مالك؟ ليه مش عايزة تيجي معانا الدار؟ "هخربها.. وأدمرها وأخسر كل اللي فيها بعد ما أحبه." أجابته سريعاً ليقطب جبينه دون أن تغادر الابتسامة وجهه، وقال بهدوء:
"متقلقيش، إحنا مش هنسمح أبداً إننا نخسرك أو إنك تخسرينا. في بيتنا الكبير هتلاقي أصحاب وأولاد وأحفاد." "كان عندي ولاد كتير.. كان عندي حفيدين جايني في الطريق." جابته وعيونها تلمع من الدموع. ليمسك يديها بحنان وهو يقول: "انسى اللي حصل كله.. ولما نروح الدار، هناك احكيلي كل حاجة. ووعد مني إني أحاول بكل طاقتي أجمعك بولادك وأحفادك."
دون أن تشعر، وعيونها متعلقة بعينيه التي تحمل الكثير من الحنان والحب. وقفت معه وسارت برفق جواره. كان من داخله يشعر بالاندهاش. أن ملابسها تشير أنها من عائلة ميسورة الحال. وأيضاً ملامح وجهها وطريقة حديثها. كان عقله سارحاً فيما قد يكون حدث بها وبين أولادها حتى يصبح هذا حالها. أجلسها في سيارته. بعد أن أشار لمحسن وباقي القافلة باللحاق به. وقبل أن يصعد إلى السيارة، أرسل رسالة لحلم يخبرها أنه في الطريق مع القافلة. ***
عادت إلى البيت بعد أن انتهت حفلة آدم وهي تحمل بعض البلالين والابتسامة ترتسم على وجهها بسعادة كبيرة. صعدت مباشرة إلى غرفة أختها حتى تطمئن عليها. وكانت هي في ذلك الوقت تحاول مغادرة السرير. اليوم تشعر بألم حاد أسفل معدتها وظهرها. تعلم جيداً أنها أعراض الولادة، لذلك تريد الاستعداد. لكن ذلك الألم الشديد يجعلها لا تستطيع التحرك بمفردها. ابتسمت حين سمعت طرقات على باب غرفتها ودخول نوار، التي قالت: "أخبارك إيه النهارده؟
"تعبانة." كلمة واحدة جعلت نوار تنتفض وتترك من يدها البالونات وتقترب منها سريعاً، وقالت بلهفة: "مالك؟ في إيه؟ هتصل بيوسف عشان تروحي المستشفى." أمسكت عائشة يد أختها وهي تقول بهدوء، فهي تحتاج تركيز نوار لا أن تشعر بالخوف والتوتر ولا تستطيع التصرف: "متقلقيش، لسه شوية. دلوقتي عايزة منك تطلعي الشنطة اللي إحنا جهزناها من الدولاب." أومأت نوار بنعم وتحركت سريعاً إلى الخزانة وأخرجت الحقيبة ووضعتها جوار الباب.
ونظرت إلى عائشة وقالت: "إيه تاني؟ ابتسمت عائشة بألم ثم قالت: "جهزيلي هدوم عشان آخد دوش." أومأت نوار من جديد بنعم، وتحركت سريعاً لتخرج الملابس. حين صرخت عائشة بألم، ليسقط ما بيد نوار وهي تركض إلى أختها تمسك يديها وهي تقول بخوف: "مالك؟ "بولد... آآآآآآآآآآآآآه." قالت عائشة بصوت صارخ، لتبكي نوار وهي تقول: "التليفون.. يوسف." أمسكت عائشة في يديها وهي تقول بألم: "مش هنلحق.. اعملي اللي هقولك عليه... آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه."
صوت صراخها جعل نوار تنتفض سريعاً تنفذ كلمات أختها وتعليماتها التي تقولها من بين صرخاتها. ولكنها أيضاً، ودون إرادة منها، يدها المرتعشة اتصلت بيوسف، الذي وصله صوت الصراخ ليغادر المستشفى وهو يمسك بيد طبيب النسا الذي غادر غرفة العمليات منذ قليل، حتى لم يكمل تبديل ملابسه. كل ما يحدث الآن ضرب من الجنون. إذا أخبرها أحد أنها ستقوم بتوليد أختها، لاتهتم بالجنون والخرف.
كانت تتبع نصائح أختها وقلبها يرتجف خوفاً ويدها ترتعش. عيونها تبكي تأثراً وخوفاً. تدعو الله سراً وبصوت عالٍ أن يعينها ويقوي قلبها حتى تستطيع إنقاذ أختها. بعد ما حدث، ورغم أن ثلاثتهم كانوا قريبين من بعضهم متماسكين، لكن زاد هذا التماسك والقرب. وأصبحوا إخوة وأصدقاء، أمهات بالتناوب لبعضهم البعض، سند وقوة، وناصح أمين. وهي الكبيرة، هي الأم التي احتاجت دعم أخوتها حتى حصلت على الطلاق ووصلت للمعادلة الصعبة في التوازن النفسي، بين حبها الكبير لغسان الذي يتملكها بالكامل، وبين حبها لذاتها وكرامتها. وبين ذلك الجرح الكبير الذي وشمه بيديه داخل قلبها. وإحساسها حين وقف أمامها يرجوها أن تتراجع عن قرار الطلاق.
"نوار، أنا عارف إني غلطت وغلطي كبيرة ومينفعش تسامحيني عليه. بس أنا عملت ده من خوفي. خوفت إني أخسرك، خوفت إنك تسيبيني وأنا بتنفس هواكي. ومن غيرك أموت. أنا بحبك يا نوار، أرجوكي اديني فرصة. عارف إن من حقك تعيشي حياتك وتكوني أم، وإني أناني لما أطلب منك إنك تكملي معايا. بس أنا مليش غيرك يا نوار، مليش غيرك."
ظلت صامتة تستمع إلى كلماته المكررة، وبداخلها نار حارقة، وحرب بين حبها له وبين كرامتها. وبين ما فعله وبين إحساسها القوي بالأمومة ورغبتها الجارفة لذلك. رغم أنها لبضع لحظات فكرت لو كان أخبرها الحقيقة، كانت ستكتفي به. لكن ما فعله بما يحمل من أنانية يجعلها هي أيضاً تفكر بأنانية.
"انت أناني أوي يا غسان، وأنا معنديش استعداد أعيش عمري كله وأضيع حلمي عشان خاطر واحد أناني زيك. مفكرتش غير في نفسك وأنت بتوجعني وبتكسرني عشان أفضل جنبك. أنا مش عايزك. واللي انت عملته خلاني أنا كمان أنانية ومش هفكر غير في نفسي وبس."
سعادته من أفكارها على صوت صرخات أختها المتتالية المتوسلة لله أن يرحمها من ذلك الألم. ولا تعلم كيف وجدت نفسها تمسك بين يديها ذلك الكائن الملائكي الصغير وهو يصرخ بصوته الرقيق الذي يخطف الأنفاس والقلب والروح. نظرت إلى عائشة التي أغمضت عينيها بإرهاق وصدرها يعلو ويهبط سريعاً في محاولة لالتقاط أنفاسها. لتقول نوار بصوتها الباكي: "أعمل إيه يا عائشة؟ فتحت عائشة عينيها وقالت بإرهاق:
"هاتي البطانية بتاعته ولفيه فيها، واتصلي بيوسف." لم تكمل كلماتها لتجد يوسف يقتحم الغرفة والخوف يرسم على ملامحه. ليهوله المنظر أكثر حين وجدها تتصبب عرقاً وبين ساقيها الصغير يلتف بالغطاء الخاص به. ودون أن ينتبه، انحدرت تلك الدمعة التي تحمل الكثير من الخوف، الراحة، الصدمة، وسعادة كبيرة لا توصف. انتبه من صدمته وهو يقول: "اتفضل يا دكتور شريف."
دلف الطبيب ليصدم هو الآخر، ولكن تحرك سريعاً يكمل ما قامت به نوار. ولكن قبل أن يبدأ، قال لنوار: "لو سمحتي عايز مياه سخنة." أومأ نوار بنعم وغادرت الغرفة سريعاً تحضر ما طلبه. وبعد أكثر من نصف ساعة، كانت عائشة تحتضن طفلها بين ذراعيها، ويحاوطها يوسف بين ذراعيه. كانت نوار تنظر إليهم بابتسامة سعادة، ثم قالت: "ها هتسموا القمر حبيب خالته ده إيه؟ نظرت عائشة إلى يوسف الذي قال: "خالته هي اللي هتسميه."
تجمعت الدموع في عيون نوار وهي تقترب منهم، تمد يدها لأختها حتى تحمل الصغير بين ذراعيها وهي تبتسم بحنان. ثم قالت: "إيه رأيكم في حمزة؟ نظرت عائشة ليوسف الذي قال بابتسامة واسعة: "حمزة يوسف مصطفى بركات." لتضم نوار الصغير إلى صدرها وهي تشم رائحته المميزة، وعلى فمها أجمل ابتسامة. وبعيونها دمعة فرح وتمني. ***
حين وصلت القافلة إلى الدار، كانت حلم في استقبالها، كعادتها مع كل الحالات التي تحضر إلى الدار في وجودها. تحب أن تشرف على الأمر بنفسها، حتى تطمئنهم أن الجميع هنا، من أكبر مسؤول في الدار حتى أصغر عامل، سيكون في خدمتهم. لكنها وقفت مكانها تشعر بالصدمة وهي ترى رقيه تجلس جوار إلياس. وقفت مكانها تشعر بالصدمة وعدم التصديق. ماذا حدث لتصل إلى هذا الحال؟ وأين راغب؟ وكيف يتركها هكذا حتى تصل لهذا الحال؟
اقتربت خطوة وتأكدت من هندامها. حين ترجل إلياس من السيارة ونظر إليها بابتسامته المعهودة. لتلاحظ اتساخ بنطاله وحذائه، لتتسع ابتسامته وهو يتوجه إلى الباب الآخر وفتح الباب ومد يده لتضع رقيه يدها بين يديه وترجلت من السيارة. لتزداد صدمة حلم من ملابسها الرثة والممزقة من بعض الأماكن.
دار عقلها في دوائر الانتقام لثوانٍ، وهي تراها على تلك الحالة، وبين منظر والدتها يوم وفاتها أسفل قدمي والدها بعد أن ضربها بقسوة وأسمعها ما أهان كرامتها. وبين إحساسها بالشفقة. فرغم كل شيء، رقيه كانت ولفترة طويلة أم لها ولأخوتها. صحيح كل ما حدث لهم كان لها اليد العليا فيه، إلا أنها لا تستطيع نسيان تلك الضمة وتلك البسمة والربتة التي كانت تدعمها.
عادت من أفكارها على اقتراب إلياس الذي يدعم رقيه في سيرها. رسمت تلك البسمة المرحبة على محياها، تنتظر أن ترفع رقيه عيونها لها. لن تنكر ارتجافة قلبها، وتلك النبضة المرتعشة، ولن تنكر ذلك الخوف الذي يسري في أوردتها. لكنه هنا جوارها. لن تخزله اليوم. سوف يرى بعينيه مجهوده معها طوال ثمانية أشهر كاملة. وقف إلياس أمامها مباشرة، وقال بهدوئه المعتاد: "أعرفك يا أمي بمديرة الدار."
رفعت رقيه عيونها.. وارتسمت الصدمة في عيونها وتراجع جسدها إلى الخلف دون إرادة منها. وإذا لم يكن إلياس يحاوط كتفيها، من المحتمل أن تقع أرضاً. لكن حلم قررت أن تنهي الأمر وتؤد كل مخاوف رقيه. فقالت بعملية: "أهلاً بيكي في الدار. هنا كلنا تحت أمرك.. وكل الموظفين اللي في المكان موجودين عشان راحتك." ثم أشارت إلى ملك وأكملت كلماتها: "ملك هتكون المسؤولة عنك.. ومتقلقيش، إحنا هنا في الدار بنحاول بكل طاقتنا نجمعكم بأهلكم."
ظلت رقيه صامتة أمام كلمات حلم التي لم تتوقعها. لم تكن تتخيل أن يكون لقائها بها بعد كل هذا الوقت وبعد كل ما حدث يكون بهذا الشكل، وهي على تلك الحالة المزرية. سارت مع ملك بصمت. لترفع حلم عيونها إلى إلياس الذي ينظر إليها باندهاش واستفهام. لتقول هي باستسلام: "تعالى نروح على المكتب نتكلم هنا." كسر خلفها قلب عاشق وعقل طبيب يستعد ليستمع إليها بكل حرفية. فبداخله يشعر أنها تحتاجه الآن كطبيب أكثر من أي شيء آخر.
حين دلفت إلى مكتبها، أخرجت هاتفها واتصلت بيوسف الذي أجابها سريعاً قائلاً: "أهلاً خالتو.. حمزة مستنيكي عايز يلعب معاكي." لتقول بصدمة: "عائشة ولدت.. إمتى؟ "لسه من ساعة بس.. خلصي شغلك وتعالي فوراً." أجابها بصوت يحمل الكثير من السعادة والفرح. لتقرر التراجع عن إخباره الآن بأمر والدتها. أغلقت الهاتف. والتفتت تنظر إلى إلياس الذي ينظر إليها بتفحص صامت. ثم قال: "مبروك دكتور.. عائشة ولدت؟ أومأت بنعم وقالت بسعادة: "جابت حمزة."
اختفت الابتسامة عن وجهها وتحركت لتجلس على الكرسي المواجه له. وقالت بعد عدة ثوانٍ من الصمت: "مرات عمي." قطب إلياس حاجبيه بحيرة. لتكمل هي كلماتها: "صحيح حسيت براحة كبيرة لما شفتها في الحالة دي. وكأن ربنا حب يخليني أشوف حق أمي بيرجع تاني بشكل تاني. لكن صعبت عليا جداً. قلبي وجعني. هي رغم كل شيء كانت ليا أم، بعد الأم. حتى لو كان بالكذب والنفاق، ولأغراض مريضة." اندهش إلياس من تلك الصدفة. لكن هناك سؤال مهم:
"هي إزاي تكون بالحال ده؟ فين أولادها؟ حركت كتفيها بمعنى لا أعلم. ثم قالت: "من وقت اللي حصل بين غسان ونوار، ومحدش عارف عنه حاجة. آخر حاجة يوسف قالها عنه.. إنه مش قادر يعيش في نفس البلد اللي فيها نوار وميكنش له الحق إنه يقرب منها أو يتعامل معاها. وإنه هيسافر لأي مكان بعيد." صمتت لثوانٍ ثم أكملت:
"وبالنسبة لعمي، هو بيرفض بأي شكل من الأشكال سيرتها تيجي في البيت. لكن يوسف كان على تواصل دائم مع راغب. وكان دايماً بيطمن عليها. معرفش إزاي حصل ليها كده، مش قادرة أفهم." رفعت عيونها له وقالت بإقرار: "لما أشوف يوسف، أكيد هعرف منه كل حاجة." أومأ بنعم. ثم قال بابتسامة: "بس أنا حابب أسجل إعجابي الشديد بموقفك وثباتك وقدرتك على التعامل معاها." ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت بوضوح:
"أنا كنت خايفة جداً يا إلياس. حسيت إني عايزة أهرب من قدامها ومن المواجهة ومن كل الموقف. خوفت يبان عليا شمتة أو فرح على الحالة اللي هي فيها." صمتت، لا تستطيع شرح ما بداخلها. لكنه فهمها. وفهم كل ما دار داخل عقلها. فقال بابتسامة واثقة: "قدرتي توقفي كل الحقد والغضب القديم. قدرتي تحكمي عقلك وقلبك وكمان إنسانيتك. وده نجاح كبير وحقيقي أنا فخور بيك." كانت تنظر إليه بابتسامة صغيرة. ثم قالت:
"الفضل للدكتور النفسي بتاعي. دكتور شاطر خالص على فكرة. أنصحك تروح له." ليضحك بصوت عالٍ. وكانت هي تغرق في تفاصيل وجهه البشوش دائماً، المريح للنفس من أول لحظة ذهبت إليه في العيادة بتوصية من يوسف. حين انتهى من الضحك، قال ببعض المرح: "طيب، ده الدكتور. وبالنسبة للحبيب العاشق، إمتى هيسمع بقا الكلمة اللي نفسه فيها؟ اخفضت عيونها أرضاً لعدة ثوانٍ، ثم قالت كل ما تفكر فيه: "أنا قلبي اتعلق بيك.. ارتحت جنبك.. عارف ليه؟
عشان انت قادر تفهمني، تستوعبني وتحس بقلبي. مش بتحكم عليا من تصرفاتي اللي بداري بيها خوفي وقلقي. أنا كنت عارفة إن راغب بيحبني وحبه كان باين في عينيه. بس حبه كان أناني، حب تملك، حب مسلم بيه وكأنه أمر واقع ومضمون. كان شايفني ملكه، متخيلش للحظة إني ممكن أرفضه وأرفض حبه. عارف هو مقدرش يطمني. بس معاك انت...
صمتت لثوانٍ. كان هو يتأملها بسعادة. هو يعلم صدق كلماتها. يستشعرها بكل كيانه. بعيداً تماماً عن كونه طبيبها ويفهم حالتها ومشكلتها. رفعت عيونها إليه وأكملت كلماتها الصادقة والنابعة من القلب: "معاك انت أنا مطمنة، مرتاحة وواثقة. انت صديقي، الغريب اللي أقدر أحكيله كل اللي في قلبي وأنسى إني حكيت. وانت الإنسان الوحيد اللي قلبي ارتاح جنبه قلبه." وصمتت تنظر إليه بتحدٍ. ليقول باستفهام: "و؟! "وبحبك."
لم يتكلم. لم تنتظر كلماته. فالعيون قالت كل ما يريدون. وعدها أن يظل لها كل ما تحتاجه. طبيبها، صديقها، والدها، وحبيبها الذي يخبرها كل يوم كم هو محظوظ بوجودها في حياته. وقالت عيونها كم هي تثق به. وهو كرجل يعلم جيداً معنى أن تثق فيه أنثى ولن يخون ثقتها يوماً. ***
يقف أمام البحر كعادته منذ وصل تلك المدينة الساحلية. لا يجد طاقة للقيام بأي شيء. يجلس في تلك الشقة التي استأجرها منذ وصوله ليلاً. وطوال النهار يجلس أمام البحر. حتى أنه حفظ كل رواد ذلك الكورنيش. وبدأ يعرف أيضاً قصصهم.
لكن قصته هي ما تقتله وهو يتنفس. نوار حب حياته وكل ذكرياته. رفيقة طفولته، حب الصبي وعشق الشباب. والهواء الذي يتنفسه والقلب الذي ينبض داخل صدره منذ تزوجها. والآن يعيش دون كل هذا. الآن هو مجرد جسد بلا روح ولا قلب ينبض. ويشك أيضاً أنه يتنفس.
لم يعد يتحمل ذلك الألم. لذلك أخذ هذا القرار. بعد تفكير طويل ووضع الحقيقة كاملة أمام عينيه. لقد أخطأ وكان أنانياً. الحب لا يعني الأنانية. لا يعني أن تتملك من تحب وتجعله أسيراً لذلك الحب. العصفور حين يكون حراً طليقاً تسمع منه فوق أغصان الأشجار العالية أجمل الألحان. ولكن حبه لنوار قتل روحها وخنقها. لقد ظلمها. كيف يفكر بكل تلك الأنانية؟
كيف يقول إنه يحبها وهو قد جرحها بل قتلها. كسر روحها وشوه أنوثتها. أفقدها الثقة في نفسها والحب. وإن كرهته لا يستطيع لومها. فمعها كل الحق. هو أخطأ والآن يدفع الثمن. نظر إلى ساعة يديه. ثم وقف على قدميه. وهو قد قرر عدم تفويت موعد الطبيب هذه المرة. سوف يذهب إليه. لعله يريح قلبه المتألم ويستطيع التأقلم مع فكرة أنها قد رحلت عنه إلى الأبد. وأيضاً احتمالية أن تكون لغيره في يوم من الأيام. ***
وصلت حلم إلى البيت الكبير لتجد عمها يجلس في مكانه المعتاد على ذلك الكرسي الذي كان لجدها يوماً ما. يجلس عليه الآن دائماً بين يديه كتاب الله. لكن اليوم وحين دلفت من الباب، رفع عينيه إليها وقال بابتسامة: "عائشة ولدت.. أول حفيد لعائلة بركات نور الدنيا يا حلم." "مبروك يا عمي.. يتربى في عزك."
اخفض عينيه وهو يعود لكتاب الله يقرأ بهدوء دون أن يرد على كلماتها. لتغادر هي قاصدة غرفة عائشة. وقبل أن تصل إليها، وجدت يوسف يقف هناك وكأنه ينتظرها. اقتربت منه لترى توتره وقلقه الواضح على ملامحه. لتشعر بالخوف على أختها. لكنه قال: "راغب كلمني وبيقول إنه مش لاقي مامته." هدأت دقات قلبها قليلاً. ولكنها قالت بهدوء: "تعالى نبعد شوية عشان عايزة فيك موضوع مهم."
شعر بالاندهاش من كلماتها. وكاد أن ينهرها لبرودها وعدم اهتمامها. لكنها قالت ما جعله يسير معها بصمت: "أنا عارفة هي فين." وصلوا إلى تلك الشرفة الموجودة في آخر رواق الغرف والتي تطل على الحديقة الخلفية. وتكلمت هي مباشرة: "قافلة من قوافل الدار لقيتها في بلد صغيرة. هدومها مقطعة وبقالها فترة طويلة قاعدة في الشارع." كان ينظر إليها بصدمة وعدم استيعاب وقال بغضب: "إنتِ بتقولي إيه؟ مين دي اللي كانت قاعدة في الشارع؟ إزاي؟
ده راغب لسه قايل لي النهاردة." اخفضت رأسها، فهي تقدر تلك الحالة وتقدر حجم الصدمة. تركها على وقفتها وغادر الشرفة ونزل سريعاً إلى مكان جلوس والده. لم تلحق به، لكنها تعلم جيداً ما سيحدث. ويصلها الآن صوته وهو يخبر والده أنه سوف يحضرها إلى هنا. وسوف يقوم بتجهيز الملحق لها حتى لا تلتقي بأحد أو تضايق أحد. حل الصمت من جديد. ثم صوت خطواته التي تقترب منها. التفتت إليه ليقول هو بأمر: "يلا نروح لها." ظلت واقفة مكانها.
وقالت بهدوء: "اهدي يا يوسف، متقلقش عليها. دلوقتي بيتم الكشف الطبي عليها. وفي أكتر من خمس أشخاص في خدمتها." "أنا عايز أشوفها وأطمن بنفسي وأجيبها هنا. مش هسيب أمي في دار رعاية." صرخ بها بغضب وعصبية. لتقول هي بهدوء: "ومين قال إنك هتسيبها. بس قبل ما تروح لها جهز الملحق. مش هتروح تشوفها وبعدين تمشي وتقولها هبقى أجي آخدك. ولا إيه رأيك؟ صمت قليلاً ثم أومأ بنعم. ولانت نظراته وهو يقول باستفهام: "هي عاملة إيه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة حتى تطمئنه. وقالت: "متقلقش، هي كويسة. وأنا موصية عليها كل اللي في الدار. وأنت أصلاً عارف الدار عندنا بتتعامل إزاي مع كل نزلائها، ما بالك بقا بيها هي." أومأ بنعم. ثم قال: "بكرة الصبح هروح أجيبها." "أكيد." أكدت له بهدوء. لتعود ملامحه ترتسم عليها معالم الغضب وهو يتوعد راغب بأسوأ عقاب. ***
أغلق الهاتف مع أخيه وهو ينظر في جميع أرجاء ذلك المنزل الصغير الذي يسكن فيه هو ووالدته بعد كل ما حدث. يلوم نفسه إنه لم يخبر إخوته من قبل. كيف قصر في حقها كل ذلك الوقت. هو قرر أن يتحمل مسؤوليتها. وقف أمام والده يصرخ فيه بصوت عالٍ دون احترام. إنه سلبي وهو سبب جبروت والدته. واليوم تدفع هي الثمن بمفردها. لذلك قرر أنه لن يكون جزءاً من هذه العائلة. وبعد ذلك الموقف بقليل من الوقت، اتصل بيوسف يخبره أنه هو الوحيد الخاسر في كل ما حدث، وأنه يحمله ذلك الذنب الكبير. وأنه لن يعتبره أخيه من تلك اللحظة.
أغمض عينيه يتذكر ما حدث مع جنه حين عاد إليها وعيها في المستشفى وعلمت بما حدث. زاد إصرارها على الطلاق ورفضت بشدة أن تستمع إليه أو أن تعطيه فرصة أخرى. ورغم رفضها لوجود حلم. إلا أنه أيضاً كان يهرب من ذنبه الكبير ويلقيه على حلم. إذا لم ترفض حبه لها. لو لم تبتعد عنه، لم تدخل جنه دائرة انتقام لا دخل لها بها. ولم يكن كل ما حدث قد حدث. الآن يعترف. هو أخطأ. هو المذنب. هو ذلك الشيطان الذي تسبب في حدوث كل هذا.
بدأ يضحك بصوت عالٍ. وكأنه لم يكن يبكي منذ ثوانٍ قليلة. ثم جلس أرضاً يبكي بصوت عالٍ كالاطفال وهو يقول، وكأنه يتحدث لشخص آخر غيره: "إنت بتضحك على مين؟ إنت الغلطان. إنت اللي عملت كده في نفسك. إنت الغلطان. إنت الغلطان." ***
كانت تعمل بتركيز شديد. عليها أن تنهي هذه الأوراق قبل رحيلها. فمديرها شخص صعب الطباع ولا يقبل بالتقصير في العمل. وهي أيضاً لا تحب أن يقال عنها إنها مقصرة. أن هذا العمل كان من أكثر الأشياء التي ساعدتها على التخلص من ذلك الإحساس البغيض التي كانت تشعر به بعد الطلاق.
رغم محاولات راغب الكثيرة معها أن يجعلها تتراجع عن أمر الطلاق، إلا أنها ظلت مصرة على ذلك. من داخلها تشعر أن ما يقوم به مجرد كلام لا ينبع من قلبه. يمكن أنه يشعر بالذنب أو لا يريد خسارة كل شيء. أن جرح قلبها الذي أحبه بكل ذرة فيه. روحها التي كانت تهفو إلى كلمة حب صادقة منه. كانت قد اكتفت من الانتظار الذي لا يوجد في آخره أمل أو أي فرصة للنجاح.
كانت تعمل بتركيز شديد. رغم تلك الدوامات التي يدور فيها عقلها. ولم تلاحظ أن هناك عيون تنظر إليها بابتسامة رقيقة تختفي وتتحول إلى تكشيرة كبيرة حين ترفع عيونها وتلتقي به. نبهت ما كانت تقوم به. وقبل أن تغادر مكتبها، وقف أمامها زميلها في الشركة يخبريها بعض المعلومات. ويعطيها بعض الأوراق. ومن وسط حديثه قال بابتسامة: "معلش بقا بتعب عليكي. بس بصراحة مش هثق في حد غيرك يخلص لي الورق وبدقة."
ابتسمت بخجل. ولكنها حقاً سعيدة بتلك الكلمات. إنها كلمات تمتدح عملها التي أصبحت تعشقه بشدة. فقالت بخجل: "متقلقش، هيكون على مكتبك بكرة إن شاء الله." وغادرت من أمامه سعيدة. لكنها قد أشعلت النار في قلب من يتابعها طوال الوقت. وكأنها روحه. لكن تسير على قدمين. طرقات على باب غرفته. يعلم أنها هي. ولكن غضبه يتصاعد. يود أن يمسكها بقوة ويصرخ بها وهو يقول:
"لا تنظري لأحد غيري. لا تبتسمي لأحد غيري. لا تكوني جميلة في عيون أحد غيري." طرقات أخرى. ليقول من بين أسنانه: "ادخل." دلفت إلى المكتب. وتلك الابتسامة العفوية ترتسم فوق شفاهها. كعادتها. ليقف سريعاً. هو لم يعد يحتمل. كانت تنظر إليه باندهاش. ولكن تحول إلى صدمة حين وقف أمامها وقال: "عايز رقم والدك." "ليه؟ سألته بحيرة. ليرفع حاجبه ويقول من بين أسنانه وبسخرية: "هعملك استدعاء ولي أمر." لترفع حاجبيها باندهاش. ليقول هو موضحاً،
ولكن بغضب مكتوم: "عايز أحدد معاه معاد عشان أطلب إيدك." "إيدي؟ رددت خلفه بذهول. ليقول ببعض الغيظ: "أومال إيد والدك؟! نظرت إليه بحيرة لعدة ثوانٍ. ثم قالت بإقرار: "انت تشوف العمى ولا تشوفني. ده أنا ساعات كنت بحس إنك نفسك ترميني من الشباك أو تسممني مثلاً." ظل صامتاً ينظر في كل اتجاهات الغرفة حتى لا ينظر إلى عينيها. لتقول هي بشك: "انت عايز تتقدملي عشان تقدر تموتني من غير ما حد ياخد باله، صح؟
لينظر إليها باندهاش. ولأول مرة يراه يضحك. يامن الحسيني من يخشى أن يضحك حتى لا يتشقق وجهه الإسمنتي. الآن يضحك وبصوت عالٍ. لماذا قلبها تتسارع دقاته وكأنها تركض منذ أكثر من ساعة؟ لماذا تشعر أن صوت أنفاسها يصم أذنيها وبشدة؟ ظل يضحك لعدة ثوانٍ. ثم صمت ينظر إليها وقال بابتسامة رقيقة: "آه.. عايز أقتلك وأنتِ على اسمي عشان لما ندخل الجنة تفضلي مراتي بردوا." "بس انت لما تقتلني هتدخل النار."
ردت على كلماته ببلاهة. ليضحك من جديد. ولكن قال من بين ضحكاته: "لا، القتل ده بالتحديد حلال حلال حلال." وتركها تفتح فمها على اتساعه من الصدمة. وتحرك إلى مكتبه أحضر هاتفه ومد يديه بالهاتف لها وقال: "اكتبي رقم والدك." وكالمغيبة، سجلت رقم والدها. وتحركت لتغادر المكتب دون أن تسلم الأوراق. ليوقفها وهو يقول: "رايحة فين؟ نظرت إليه بحيرة. ليمد يديه وهو يقول: "هاتي الملفات."
نظرت إلى يديها التي تحمل الملفات. ثم نظرت إليه بخجل. وعادت الخطوة التي ابتعدتها تعطيه الملفات. وكادت أن تتحرك. ليقول هو بأمر: "بطلي تضحكي لأي حد بتكلميه. بطلي تكوني حلوة عشان أنا مدخلش السجن." كانت نظرات الاندهاش والصدمة وعدم التصديق والحيرة ترتسم كلها الآن على وجهها. ولكن ما أجمل شعوره الآن، خاصة وذلك الفم الصغير المفتوح على اتساعه. ليبتسم ابتسامة صغيرة وهو يعود ليجلس خلف مكتبه قائلاً وهو يشير إلى فمها:
"اقفليه بدل ما حاجة طايرة كده ولا كده تدخل فيه." لتغلق فمها سريعاً. لكن الاندهاش والصدمة لم يغادروها. وهي تفكر: من هذا؟ هل هذا المهندس يامن الذي يخشاه الجميع؟ صاحب التكشيرة الدائمة؟ الغاضب دائماً؟ هل يضحك الآن؟ هل قال لها أن لا تضحك مع أحد؟ وما علاقة ضحكتها بدخوله السجن؟ ولكنها وجدت نفسها تبتسم بسعادة كبيرة. هل ما فهمته صحيح؟ يامن الحسيني يحبها؟ يريد أن يتزوجها؟
ولكن هل يحبها أم يريد أن ينتقم من أحد بها كما فعل بها راغب؟ أخذت نفساً عميقاً. وكان هو يتابع تعابير وجهها وتغيراته من صدمة واندهاش لخجل وابتسامة وحيرة من جديد، ثم حزن وقلق وخوف. ليعيدها بداخل قلبه أن يمحو كل تلك التعابير البغيضة عن وجهها ويجعل الابتسامة فقط فوق شفاهها والحب والسعادة داخل عيونها. ***
غادرت حلم بعد أن ظلت تداعب الصغير الكثير من الوقت. وبجانبها نوار التي لا تستطيع مغادرة الصغير وتركها. لكن عائشة ويوسف بحاجة إلى النوم والراحة. وقفت نوار عند باب الغرفة. وقالت بابتسامة صغيرة: "لو صحي ناديني أقعد أنا بيه عشان تنامي وترتاحي."
أومأت عائشة بنعم مصحوبة بابتسامة امتنان وشكر. لتغلق نوار الباب خلفها. لتنظر هي إلى يوسف التي كانت تلاحظ عليه خوفه وقلقه وتوتره. نادته بصوت هامس حتى لا يستيقظ الصغير. لينظر إليها بعيون متألمة. لتقطب حاجبيها ورفعت يديها له ليقترب منها. وتمدد جوارها كطفل صغير يبحث عن دفء والدته والأمان بين ذراعيها. لتربت على ظهره بحنان وهي تقول: "مالك يا يوسف؟ في إيه؟
أخذ نفساً عميقاً محملاً برائحتها التي أصبحت تحمل رائحة ابنه وكأنها قطعة من الجنة. وبدأ يقص عليها كل ما حدث. كانت تشعر بالصدمة وعدم التصديق. كيف صمت راغب كل تلك المدة على اختفائها؟ هل العند يجعله يقوم بهذا الفعل الذي عرض والدته للخطر بذلك الشكل؟ حين انتهى من إخبارها بكل ما حدث، قالت هي بهدوء: "بكرة الصبح روح مع حلم وهاتها على هنا. ومتقلقش، الملحق هتلاقيه جاهز من كله."
نظر إليها بابتسامة حب وتقدير. هي لم تخزله يوماً ودائماً تثبت له أنه كان على صواب. *** تجلس في مكانها المعتاد بين الحائط والخزانة. ذلك المكان الذي شهد ألمها ووجعها وخوفها لأيام وأيام. ذلك المكان التي كانت تلجأ إليه حين تريد الاختباء من كل شيء. اليوم تجلس فيه تتحدث إليه حتى تخلق في ذلك المكان ذكريات جديدة. ولكن ذكريات سعيدة. "اصبر بس يا إلياس لحد ما نخلص موضوع مرات عمي. وهحدد ليك معاد مع عمي ويوسف." أجابها بلهفة:
"بصراحة ما صدقت إنك وافقتي. وخايف ترجعي في كلامك. وعايز أطمنك." ابتسمت بسعادة. وقبل أن تقول شيء، قال هو: "تعرفي يا حلم أنا نفسي أسمع موافقتك عليا دي من امتى؟
من يوم ما كنتي بتحكيلي عن مخاوفك عن كل الأيام اللي مرت عليكي وكنتي محتاجة فيها حد يضمك ويخبيكي جوه حضنه يطمنك. ويشيل عنك خوفك وقلقك. أتمنيت أكون جنبك ومعاكي، أمسك إيدك وأقف وراكي أسند ضهرك وأحميه من غدر الزمن والناس. أحبك وأدلعك، أمسح دموعك اللي مش هيشوفها حد غيري. أفرحك وأسمع ضحكتك عالية مبسوطة وسعيدة زي الأطفال. أبني معاكي عيلة وأجيب بنات حلوة زيك. كان نفسي أحقق أحلامك وأشوف أحلامي في عيونك."
كانت تستمع إليه والدموع تغرق وجهها. لكن تلك المرة ليست دموع القهر والحزن والظلم. لكن دموع سعادة وإحساس كبير بالحرية. وكأن قلبها قد غادر صدرها وبدأ يحلق عالياً في تلك السماء الواسعة. كان يصل إليه صوت شهقاتها البسيطة التي تحاول كتمها. ليبتسم وهو يقول: "لو الدموع دي دموع سعادة وفرح، متكتيهاش وعيطي بصوت عالٍ. لكن لو دموع حزن وخوف، يبقى أنا فشلت كدكتور وكحبيب وكراجل."
لم تجبه بالكلمات. ولكن صوت بكائها بدأ يصل له بوضوح. شهقات متتالية وصرخات صغيرة. وكأنها تريد أن تخرج كل الحزن الساكن بقلبها لسنوات حتى تخلي المكان للسعادة والفرح حتى ترتاح. ظل هو صامتاً تماماً يستمع لصوت بكائها وشهقاتها. يتألم قلبه من أجلها كحبيب. ولكن كطبيب يفهم جيداً أهمية ما يحدث الآن. بعد الكثير من الوقت، هدأت شهقاتها وقالت بصوت مرتعش: "وعد يا إلياس."
"أوعدك بعمري اللي جاي كله. وبقلبي ودقاته. وروحي اللي اتعلقت بيكِ." أجابها بصدق وثقة. لتبتسم بسعادة. وبدأ هو يخبرها بما يحلم ويتمنى. وهي تستمع بكل تركيز. وبداخلها أحاسيس مختلفة، بين الحماس وتحقيق الحلم الكبير التي حرمت نفسها منه طوال حياتها. ***
في صباح اليوم التالي ومع أول خيوط النهار، كانت تقود سيارتها. يلحق بها يوسف بسيارته. لا يستطيع الانتظار كما لم يستطع النوم. تقدر مشاعره وتفهمها جيداً. في بادئ الأمر ونهايته هي أمه مهما حدث منها. وصلا إلى الدار. ليترجل من سيارته سريعاً. ودلف خلف حلم التي توجهت مباشرة إلى مكتبها. وهناك قابلها مدير مكتبها ومساعدها الخاص وهو يقول موضحاً كل النقاط التي كلمته فيها وسألته عنها قبل وصولها:
"حضرتك هي نايمة دلوقتي. وتم فحصها امبارح فحص كامل وشامل. وحالتها الصحية جيدة جداً. إلا من بعض الجروح في القدم لكنها بسيطة وتحتاج شوية فيتامينات تعوض نقص الأكل الفترة اللي فاتت." أشار يوسف إلى عاصم وهو يقول باستفهام: "هو بيتكلم عنها؟ أومأت حلم بنعم. ليأخذ نفساً عميقاً ببعض الراحة. لتقول هي موجهة حديثها إلى عاصم: "اتفضل على مكتبك. وأول ما تصحى بلغني." "تحت أمر حضرتك."
أجابها عاصم وغادر المكتب وأغلق الباب خلفه. ليجلس يوسف على أقرب كرسي ببعض الراحة. ولكن يبقى اللقاء. كيف سيكون؟ وماذا سيحدث؟ *** لم تذهب إلى الحضانة اليوم. حمزة خطف قلبها وروحها ولمس ذلك الجزء المظلم فيها بكل ما حدث قديماً. لكن ذلك الاتصال الذي ورد لها جعلها تذهب فوراً. حين وصلت إلى هناك، وجدت الصغير آدم يجلس أرضاً يبكي. وتجلس جواره إحدى المشرفات في انتظار سيارة الإسعاف بعد أن سقط وهو يلعب مع رفاقه. ويبدو أنه كسر ساقه.
في تلك اللحظة، حضر رجل ثلاثيني يبدو عليه الرقي والقلق. وحين وقعت عيناه على آدم، ركض إليه بخوف وجثى على ركبتيه بجانبه وهو يقول: "مالك يا حبيبي؟ إيه اللي حصل؟ "خير إن شاء الله. الإسعاف على وصول وإن شاء الله نطمن عليه." قالت نوار بهدوء وهي تربت على يد الصغير الذي يمسك يديها بقوة. ليرفع ذلك الرجل عينيه وهو يقول بغضب: "أنا هقفل الحضانة دي. ده إهمال. وأنا مش هسكت." ظلت نوار هادئة تماماً. فهي تقدر حالته وقلقه على الصغير.
وقالت بهدوء: "حضرتك أنا مقدرة خوفك وقلقك على ابنك. بس كمان لازم تعرف إن مفيش أي إهمال. الحضانة كلها كاميرات. وحضرتك تقدر تراجعها وتشوف كل اللي حصل. الولد وقع وهو بيلعب وبيجري مع أصحابه." "مش ابني." قطبت حاجبيها بعدم فهم. وقالت باستفهام: "حضرتك قلت إيه؟ نظر إليها وقال بهدوء: "مش ابني. آدم ابن أخويا. وهو مسافر عشان كده أنا المسؤول عنه الفترة دي."
أومأت بنعم في نفس اللحظة التي دوى فيها صوت سيارة الإسعاف. صعدت نوار مع الصغير الذي يرفض ترك يديها. وسار عمه خلفهم بسيارته حتى وصلوا المستشفى. تم الكشف على الصغير وعمل أشعة على ساقه. وبعد بعض الوقت، خرج الطبيب لهم يقول بابتسامة: "متقلقوش، الولد زي الفل. كل الموضوع عنده كدمة بسيطة. يرتاح يومين وإن شاء الله هيبقى زي الفل." غادر بعد أن دعى له بالسلامة. نظرت نوار إلى عم آدم وقالت:
"أنا هروح أدفع حساب المستشفى. وألف حمد الله على سلامته." كادت أن تتحرك من أمامه حين قال هو: "أنا آسف." نظرت إليه باندهاش. ليمد يديه وهو يقول: "مهندس حسين عبدالرحمن.. وأسف على اللي حصل مني." مدت يدها وهي تقول: "نوار أحمد. اتشرفت بمعرفتك. محصلش حاجة." ليبتسم ابتسامة صغيرة وهو يقول برجاء: "أتمنى إنك تكوني قبلتي أسفي." "مفيش حاجة حضرتك. كنت قلقان على آدم وده حقك. وحمد الله على سلامته. عن إذنك."
ابتعدت خطوة واحدة. ليقول هو سريعاً: "مفيش داعي تدفعي الحساب. الموضوع كله حاجة بسيطة وكلامي كان سوء فهم وخوف على المسؤولية اللي أنا شايلها." ابتسمت وهي تقول: "حضرتك أنا متفهمة الأمر. وحصل خير. مع السلامة." وغادرت هذه المرة بسرعة حتى لا يوقفها مرة أخرى، خاصة مع تلك النظرة التي تجعلها تشعر بالتوتر والقلق وبعض الخوف. نظرة تعرفها جيداً. لكنها غير مستعدة الآن. ***
ظلت رقيه تنظر إلى يوسف الواقف عند باب غرفتها. والدموع تغرق عيونها كما تملئ عينيه. اقترب منها بخطوات بطيئة. رغم أن قلبه من أول لحظة يجثو أسفل قدميها. ظل يقترب منها حتى وصل أمامها وجثى على ركبتيها وأمسك يديها يقبلها بلهفة وشوق وأسف. وهو يقول: "حقك عليا يا أمي.. حقك عليا.. أنا آسف.. أنا آسف.. آسف."
كانت تبكي وهي تضم رأسه بيدها الأخرى. لا تستطيع أن تتحدث. مرت عدة دقائق وهم على نفس الوضع. كانت حلم تتابعهم عبر النافذة الزجاجية، حتى تترك لهم المجال دون حرج. رفع يوسف عينيه ينظر إلى والدته وقال بابتسامة: "إحنا هنروح النهارده. حلم بتخلص الإجراءات وهنمشي على طول." ظلت تنظر إليه وهي تتأمله. وقالت بحسرة وألم: "أنا اللي آسفة يا ابني.. أنا اللي آسفة." ليضمها بقوة. وهو يبكي بأسف وتبكي بحسرة. ثم قالت:
"أنا يا ابني هفضل هنا. أنا مش عايزة أعمل مشاكل تاني." ليقطب جبينها وهي يقول: "بابا موافق. وكل اللي في البيت معترضوش. متقلقيش." لتنظر أرضاً بخجل. ليقول هو باستفهام وغضب مكتوم: "أنا بس عايز أفهم إزاي ده حصل. وراغب عملك إيه عشان تسبيه وتمشي؟ وليه مكلمتنيش؟ "معملش حاجة. هو كان في شغله وأنا كنت محتاجة أجيب أكل. ولما خرجت معرفتش أرجع البيت تاني." جابته والدموع تغرق وجنتيها. لينحني يقبل يديها من جديد.
"حقك عليا أنا.. أنا آسف.. بس متقلقيش من النهارده أنا تحت رجلك وعمري ما هقصر معاكي إن شاء الله." لتربت على وجنته وهي تبتسم. ليقول بسعادة: "بقيتي تيته.. ربنا رزقني بحمزة." لتشهق بسعادة وهي تضمه بقوة. وقالت من بين دموعها: "ألف مبروك يا حبيبي.. ألف مبروك.. ربنا يبارك لك فيه ويسعدك ويفرحك."
سعادته وتلك الابتسامة السعيدة التي ارتسمت على وجهها جعلته يشعر بالذنب أكثر. رغم كل ما كانت هي السبب فيه، إلا أنها تظل والدته. رغم كل شيء. وقصر هو في حقها وعليه تعويضها. وسوف يعوضها. *** حين وصلوا إلى البيت، كان راغب يقف هناك بسيارته أمام البوابة. لم يجرؤ على الدخول أو رؤية أي منهم. لكنه قلق عليها ويريد أن يطمئن. أن يساعد هو ويوسف ويخبروا غسان أيضاً ويبحثوا عنها في كل مكان.
وقفت سيارة يوسف أمام سيارته. لتجحظ عين راغب بصدمة وهو يقترب من السيارة يفتح بابها. وهو يقول: "أمي.. إنتِ كويسة؟ كنتي فين؟ وليه سبتيني؟ ربتت على وجنته وأخبرته بكل ما حدث. ليقبل يديها وهو يقول: "حقك عليا." لكنه لم يستطع أن يكمل كلماته. حين جذبه يوسف من ملابسه حتى يقف أمامه. ثم لكمه بقبضة يديه في وجهه ليسقط أرضاً. وشهقت رقيه وهي تنادي على يوسف. الذي قال بغضب:
"إنت عايش في دور المظلوم. وفاكر إن كلنا جينا عليك. على الرغم من حبك الكبير لحلم، إلا إنك عمرك محبتها أكتر من نفسك. إنت مش بتفكر في أي حد غير راغب وبس. عيد حساباتك يا راغب. مش عشان أي حاجة ولا عشان أي حد. عشان خاطر نفسك." وأغلق باب والدته وعاد إلى مكانه. ودلف بالسيارة إلى البيت. وأمر الحارس بإغلاق الباب. وحين أوقف السيارة في مكانها المخصص. نظرت له والدته وهي تقول: "أخويا." لينظر إليها بابتسامة:
"متقلقيش عليه يا أمي. أنا مش هسيبه. بس هو محتاج يفوق ومحتاج يعيد حساباته." أومأت بنعم. وهي تقول: "إنت أدرى يا ابني." ترجل من السيارة وساعدها على النزول من السيارة. وسار بها إلى الملحق وهو يقول: "متقلقيش محدش هيضايق. ولا حد هيزعلك. وفيه بنت هتيجي مخصوص تساعدك وتشوف طلباتك." ابتسمت له وهي تقول: "ربنا يرضى عنك يا ابني." ثم أكملت بخجل: "هتجيب حمزة ليا عشان أشوفه." "حمزة جه اهو يرحب بتيته."
قالتها عائشة بابتسامة واسعة وهي تقف عند باب الملحق. ليبتسم يوسف بسعادة. لم تخزله يوماً. لذلك هو يعشقها بكل ما فيها. كانت رقيه تضم الصغير إلى صدرها بحنان. ثم نظرت إلى عائشة وقالت: "أنا آسفة يا بنتي." اقتربت عائشة منها وقبلت رأسها وهي تقول: "نورتي بيتك." *** ظل واقفاً في مكانه ينظر إلى البوابة المغلقة. بعيون تملؤها الدموع. موقناً بكل كلمة قالها أخيه.
يعلم جيداً أنه يحتاج إلى أن يعيد حساباته ويقرر ماذا عليه أن يفعل. أن يلحق الباقي من حياته ويتخلص من سراب الماضي وأشباحه. عاد إلى سيارته وغادر من أمام بيت بركات. وقد أخذ قراره ولن يتراجع. *** تجلس بجوار إلياس بعد أن تمت خطبتهما. يتحدثان بسعادة وانطلاق. حين وصلت لها رسالة على إحدى تطبيقات التواصل. حين فتحتها، ابتسمت بسعادة وهي ترى صورة صديقتها تجلس جوار رجل جذاب. واتسعت ابتسامتها وهي تقرأ ما كتب أسفلها:
"أنا اتخطبت.. تخطيت راغب وكل الماضي.. لكن مش قادرة أتخطى صداقتنا ولا أقدر أفضل زعلانة منك أكتر من كده.. هستناكي في الفرح." وبالفعل، كانت حلم جوار جنه يوم عرسها كما كانت معها سابقاً. ولكن اليوم الضحكة من القلب صادقة سعيدة. *** مرت ثلاث سنوات. واليوم الجميع يقف في رواق المستشفى. ينتظرون خروج عائشة من غرفة الولادة. كانت نوار تقف بجانب حسين الذي يحاوط معدتها البارزة. وهو يقول بابتسامة:
"كلها شهر ونبقى كلنا واقفين كده عشانك يا جميل." ابتسمت بسعادة وخجل وهي تقول: "مش مصدقة إمتى أشيلها بين إيديا وأحضنها وأشم ريحتها يا حسين." كان يبتسم بسعادة وهو يرى سعادتها وانطلاقها. كان يشعر بالخوف حين طلب يديها ورفضته وأخبرته بقصتها. شعر إنه يريد أن يطيب كل جروحها. ولقد احتاج لسنتين كاملتين حتى يستطيع إقناعها بحبه لها. لكن بالنهاية حبه الصادق وإصراره حقق له مراده وأصبحت زوجته. انتبه من أفكاره على سؤالها:
"إنت لسه مصر نسميها نوار؟ "طبعاً، هو فيه أحلى من اسم نوار؟ أجابها بابتسامة واثقة وبصدق استشعرته بكل كيانه. لتحاوط يديه التي تحاوط معدتها. ثم أراحت رأسها على كتفه براحة.
وفي الجهة الأخرى، كان يقف راغب ومعه لينا. زوجته التي تعرف عليها حين قرر أن يترك كل شيء خلفه والسفر إلى الخارج. ظل ثلاث سنوات يحارب أشباحه وأفكاره وماضيه المؤلم. كانت هي جواره صديقة مخلصة. وحين عاد قلبه ينبض بالحياة من جديد بعد أن تخلص من كل ذنوب الماضي ورواسبه، طلب يدها للزواج. وبعد زواجه بشهر، قرر العودة إلى الوطن ليطمئن على والدته وإخوته.
وعلى الكرسي القريب منه، تجلس والدته. وعلى قدمها حمزة يلعب بهاتف والده وهي تطعمه وتداعب وجنته وخصلات شعره بحنان. أول أحفادها وأغلاهم. وعلى الكرسي المواجه لها، يجلس مصطفى يقرأ القرآن بهدوء كعادته. متجاهلاً الجميع كأنه في كوكب بمفرده. كعادته التي لم تتغير. لقد فقد شغفه في الحياة ويريد أن يكفر عن ذنوبه. خاصة بعد أن وصل له خبر وفاة أحمد الذي لم يخبره لأحد حتى الآن. وتم دفنه دون أن يعلم أحد أيضاً أو يصلى عليه.
على النافذة البعيدة نسبياً، تقف حلم وجوارها إلياس الذي يحمل الصغيرة رؤيا. يضحكان رغم القلق الواضح بعيون حلم على أختها الواضح من نظراتها كل لحظة وأخرى لباب غرفة العمليات. كان إلياس ينظر إليها بعشق واضح في عينيه للجميع. ليس لراغب فقط. يحاول طمأنتها وتهدئتها. وهذا الحب الواضح في حياة نوار وحلم جعل رقيه تشعر ببعض الراحة من تأنيب الضمير. خاصة وأن راغب قد بدأ في إنشاء عائلة مع فتاة رائعة وراقية ومميزة.
في تلك اللحظة، خرج الطبيب ليلتف الجميع حوله ليقول بابتسامة: "مبروك، المدام جابت بنوتة زي القمر. وعشر دقايق ويبقوا في أوضتهم. حمد الله على سلامتهم."
وغادر من أمامهم. ليبارك الجميع ليوسف بسعادة. وبدأوا في الدعاء لنوار أيضاً. وبعد أكثر من ساعة، والجميع كان يجلس في غرفة عائشة بين مزاح وضحكات واختيار اسم الصغيرة. صمت الجميع حين سمعوا طرقات على الباب. ودلف غسان ويمسك بيده طفل صغير. وبجانبه امرأة ثلاثينية تمسك في يديها فتاة جميلة تشبهها. ليشعر الجميع بالاندهاش. لكن: "السلام على من اتبع الهدى.. ألف مبروك يا عائشة. ألف مبروك يا يوسف."
كان الجميع ينظر إليه بين ضحكات سعادة وشوق. وبين حيرة وغيره تسكن عيون حسين. لكنه حين شعر بيد نوار تحتضن يديه، أجبره على النظر لعينيها ليجدها تطمئنه بروحها. اختفت الغيرة من عينيه. وارتسمت ابتسامة صغيرة واثقة على وجهه.
عرف غسان الجميع على زوجته وأولادها. وبارك له ولها الجميع. وألقى التحية على نوار بهدوء. رغم أن هناك نار حارقة اشتعلت داخل قلبه حين رأى بروز معدتها. ويديها الساكنة في حضن يد شخص آخر غيره. إنه يتقبل ذلك ويرى أنه أكثر شيء عادل قد يحدث. لكن ماذا يفعل في ذلك الجزء الذي ما زال ينبض بحبها واسمها. رغم كل محاولات الطبيب النفسي معه في غلق تلك الصفحة ومسحها من حياته وقدرته على الزواج من غيرها. إنسانة طيبة تناسب ظروفهم.
مر الوقت لطيف. رغم بعض التحفظ. لكن الأمور أصبحت في نصابها الآن. وكل منهم دفع جزءاً من ثمن الأخطاء الذي ارتكبها الجميع. في النهاية، جميعنا بشر. نخطئ ونصيب. نحن جميعنا نحمل بداخلنا الخير والشر بنفس القدر. نحمل بعض الأنانية وبعض الغرور. وأيضاً نحمل بعض من الطيبة والحنان. جميعنا بشر. لا يوجد بيننا ملائكة. تمت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!