وصلت تلك القافلة التي تتبع أحد دور الرعاية بالمشردين، حيث أرسل أحد أهالي تلك البلدة رسالة يبلغهم عن سيدة في أواخر الأربعينات وقص عليهم قصتها. فهي متواجدة في بلدتهم من ثلاث أسابيع لا يعلمون عنها شيئًا أو من هي، وأيضًا هي لا تؤذي أحد، لكنها أيضًا ترفض أي مساعدة. وهناك أيضًا من عرض عليها غرفة صغيرة لتعيش بها، لكنها رفضت بشدة.
لا تتناول الطعام الذي يحضره لها أهل البلدة، تتعفف عنه إلا من قطعة خبز صغيرة تأكلها، والدموع تملأ وجهها. بالفعل لم تتأخر تلك الدار وحضر اليوم إليها ثلاث رجال وفتاة وسيارة مجهزة صحيًا. جلس أحد الشباب أمام السيدة التي تمتلك عيون خضراء بشكل مميز وواضح، خاصة مع اتساخ وجهها واختفاء جمال ملامحها خلف تلك العلامات السوداء وخطوط الزمن، وقال بابتسامة: –إزيك يا أمي؟ أنا محسن من دار (... لرعاية كبار السن.
ظلت تنظر إليه بصمت، لم تتحدث ببنت شفة. ليكمل هو بابتسامته المريحة والبشوشة: –نتشرف أن حضرتك تنضمي لأسرتنا الصغيرة. أيضًا لم تقل شيئًا، تنظر إليه بنفس الابتسامة. ليمد يديه لها وأكمل: –يلا بينا؟! نظرت تلك المرة ليديه لتجد حول معصمه خاتم خطبة، فقالت: –بتحبها؟ قطب جبينه بحيرة. لتضع إصبعها تشير إلى المحبس وكررت سؤالها: –بتحبها؟ أومأ بنعم مع ابتسامة واسعة، وقال بصدق: –أوى أوى... هي كل عمري. أومأت بنعم ثم قالت بشرود
حزين وبه من الألم الكثير: –الحب ضمان لحاجات كتير... مفهمتش ده إلا متأخر... إلا لما كل حاجة ضاعت وراحت... لما خسرت الشخص الوحيد اللي بيحبني وخسرت صاحبة عمري وخسرت حياتي كلها. قطب محسن حاجبيه بعدم فهم وشعر وكأنها تهذي، لكنه قال بهدوء: –تعالي يلا معانا وهناك هسمع قصتك كاملة. أعادت يديها على قدميها كما كانت تجلس، وقالت بأمر طفولي: –لأ تسمع قصتي الأول.
ليجلس أرضًا أمامها، وجلست باقي القافلة التي حضرت معه أيضًا، وبدأت هي في قص كل ما حدث معها. ~~~~~ آه يا زين… آه يا زين… آه يا زين العابدين. يا وارد يا وارد مفتح بين البساتين.
كانت تتمايل بدلال وأنوثة طاغية تخطف أنظار كل من بالمكان، خاصة مع تلك "البدلة" التي تظهر الكثير من جسدها بسخاء كبير. كانت عيونه التي تتابع جسدها بشوق، وعيون تلمع ولهفة للقائهم المرتقب. بعد تلك الوصلة من الرقص التي أشعلت جسده بنار الحب والشوق واللهفة والرغبة.
وكانت هي ترسل إليه نظراتها كسهام تعلم جيدًا أين تصيب وكيف تجرح دون نقطة دماء واحدة، تجعله دائم التعلق ولا يستطيع الابتعاد عنها، يلاحق خطواتها وتتعلق روحه بجرس خلخالها. **************************
في بيت كبير عريق، لعائلة من أكبر عائلات تلك المدينة العريقة، كان الجد الكبير بركات والذي وصل عمره الآن إلى الثمانين، إلا أنه مازال صاحب الكلمة العليا في عائلته، لكن بحب واحترام واحتواء. لا يوجد لديه أغلى من عائلته وأولاده وأحفاده. لم يكن أبدًا ذلك الأب متسلط الرأي، أو الذي يريد أن يأمر والباقي يطيع دون أن يقتنع أو يكون راضي.
يجلس على رأس طاولة الطعام، دائمًا يكون أول الجالسين عليها وأيضًا أول المغادرين. كانت رقية زوجة مصطفى الابن الأكبر لهذه العائلة، والتي أصبحت سيدة البيت بعد وفاة حماتها ووالدة زوجها. أيضًا هي أصبحت أم لبنات أخو زوجها بعد وفاة والدتهم منذ أكثر من عشر سنوات. خرجت من المطبخ وهي تقول بابتسامة واسعة: –صباح الخير يا عمي… حالًا والفطار هيكون جاهز. أومأ بركات بنعم وقال بهدوء وهو يستند بيديه على عصاته الأبنوس:
–أحمد هيفطر معانا ولا زي كل يوم؟ أهتزت حدقتيها وقالت ببعض التوتر، فهي لا تستطيع أن تخفي شيئًا على والد زوجها: –أحمد لسه مرجعش… مانمش في البيت امبارح. أغمضت عيونها وارتسمت التقزز على ملامحها حين استمعت إلى ذلك الحديث صدفة، ولكن ما الجديد؟
هذا هو والدها، من تسبب في موت والدتها، أناني لا يفكر إلا بنفسه، لا يريد سوى رغباته وشهواته أهم عنده من بيته وزوجته وبناته. بناته الذي لا يكره شيئًا في الحياة كما يكرههم، من كان يعاير والدتهم بهم وبعدم قدرتها على إنجاب صبي كما فعلت زوجة أخيه، ناسياً أن المرأة ما هي إلا أرض صالحة تزرع بها بذرتك، وعلى حسب ما تزرعه تنبت.
تأخذت نفس عميق تحاول تجاهل ذلك الألم الذي يجثم فق صدرها، واقتربت من جدها تقبل يديه باحترام وجلست في مكانها تنتظر قدوم الباقي، وأولهم عمها مصطفى، أكثر الأشخاص التي تستمتع كثيرًا بحديثه ودفء مشاعره كأب يحترم أولاده وقراراتهم، وأيضًا يعطيهم المساحة الكافية ليخوض كل منهم تجربته كما يريد، وأيضًا يدعمها هو وشقيقتيها دائمًا. انتبهت من أفكارها على صوت رقية وهي تقول:
–قومي يا حلم صحي أهل الكهف اللي فوق دول مش هنفضل مستنيينهم كتير. –أنا جيت أه. قالها مصطفى وهو ينحني يقبل رأس والده ويديه وجلس في مكانه وأكمل: –آسف على التأخير يا رقة… عديها المراضي. ابتسم بركات دون أن يعقب، واعتدلت حلم تنظر أمامها بخجل، خاصة وإن عمها حين يقول لرقية "رقة" تتلون وجنتيها بخجل وتبدأ في انتقاد أي شيء يقوله أو يفعله، وهو فقط يبتسم لها ويقول: –حاضر.
ثواني قليلة وحضر غسان ونوار التي تبدو على عيونها البكاء، لتقطب حلم حاجبيها بضيق. هي تعلم حساسية نوار ودموعها القريبة التي تنهمر على أقل الأشياء، ولكن هل ضايقها غسان؟ كيف وهو يعشقها حقًا والجميع يعلم ذلك؟ إذاً تلك الدموع بسبب ذلك الموضوع الذي ينغص عليها حياتها. ابتسمت نوار في وجه أختها حتى تطمئن ذلك السؤال الواضح في عيونها، وأنهى غسان حيرة حلم حين قال بعد أن حيا والده وجده وجلس جوار زوجته:
–حلم من فضلك تنزلي النهارده مع نوار علشان تجيب فستان حلو، علشان أنا النهارده عازمها على العشا وعايزها تكون مميزة كالعادة. ابتسمت حلم وهي تومئ بنعم. حين نظرت إليه نوار بعيون حزينة ليمسك يدها المستريحة فوق طاولة الطعام ويربت عليها عدة ربتات وعيونه تخبرها بكم يعشقها.
في تلك اللحظة اقترب يوسف الذي يمسك بيد عائشة الأخت الوسطى والقريبة بشكل كبير من حلم، تتفهمها، تستوعب مخاوفها ودائمًا تدعمها، ولكن أيضًا أكثرهم مواجهة لها بحقيقة الأمور. يوسف طبيب القلب الصغير لكنه متفوق في عمله، وأثبت ذلك أكثر من مرة، حين أقام عمليات قلب لكثير من أطفال البلدة، بمبالغ مخفضة وأحيانًا دون أن يدفعوا أي شيء.
المرح صاحب الابتسامة المستمرة والذي لا يتوقف عن مشاغبة الجميع ويترك بداخلهم دائمًا أثر طيب لوجوده في حياتهم. خاصة مع عشقه لعائشة التي تشبهه في المرح لكن بشكل أقل وهادئ. جلسوا بعد أن حيوا الجميع وجلست رقية جوار زوجها وهي ترسل إليه من وقت لآخر نظرات تحذيريه من تكرار منادتها برقة مرة أخرى، ولكنها نظرت إلى غسان وقالت باستفهام: –راغب فين يا غسان؟
رفع غسان عيونه ينظر إلى والدته، وقبل أن يجيبها دلف راغب من باب المنزل يدعم عمه أحمد في وقفته المترنحة ليقف الجميع سريعًا ينظروا إلى ذلك المشهد الذي يتكرر كثيرًا كل يوم وآخر يحضر أحمد إلى البيت وهو يترنح، أو يذهب أحد الشباب ليحضروه من إحدى الحانات. ساعد غسان أخيه في إسناده والذهاب به إلى غرفته. كانت حلم تنظر لكل ما يحدث بعيون غاضبة مشتعلة، وأيضًا بكره شديد، كره يزداد تجاه والدها يوميًا ولا يقل.
لم تعد تحتمل، غادرت طاولة الطعام تحت أنظار الجميع الذين يتفهمون موقفها ويشفقون عليها، ولكن ليس بيدهم شيء، فقد عجز بركات ومصطفى على تقويم سلوكياته وجعله يتصرف بشكل سليم، ويراعي سمعته وسمعة عائلته وبناته، لكن لا حياة لمن تنادي وكأنه لا يسمع أو يرى أو يفهم من الأساس. **************************
يوم ذهبت مع والدتها في ذلك اليوم إلى ذلك المكان الغريب، ورأت والدها يجلس جوار سيدة جميلة شابة صغيرة، ولم يكن يرتدي شيئًا سوا ملابسه الداخلية، يتحسس جسد تلك السيدة بشكل يثير الغثيان، ويسمعها كلمات معسولة ويتغزل بمفاتنها وجسدها. جلست أرضًا تستند بظهرها على حائط الحمام وهي تتذكر ما حدث.
حين عادوا إلى البيت ووالدها يسحب والدتها من خصلات شعرها، وهي تمسك بيد ابنتها بقوة تحاول حمايتها من أن تطالها يد والدها. وحين وصلوا إلى البيت وكأنه لا يرى ابنته، إنهال على والدتها بالضرب دون رحمة. وكانت حلم الفتاة الصغيرة صاحبة الثلاثة عشر عامًا لا تستطيع فعل أي شيء تساعد به والدتها، فنزوت في إحدى أركان الغرفة تبكي بصمت، وهي ترى كل تلك الصفعات والركلات التي تلقتها والدتها بكل غضب وعنف من والدها وبدون رحمة.
وحين انتهى منها قال بتقزز: "أنتِ مفكرة نفسك ست، أنتِ هنا علشان خاطر البنات يا أم البنات، وبس، لكن أنا هجيب الولد يعني هجيب الولد، يا أرض بور نبتها عار ومرار". وغادر الغرفة وأغلق الباب خلفه بعنف كبير. كانت والدتها ممددة أرضًا وجهها ينزف بشدة وتأن بألم. اقتربت منها حلم تتمدد جوارها وتحاوطها بذراعها الصغيرة وتبكي بدون صوت. لتغفو على هذا الوضع، واستيقظت على صوت صرخات وبكاء
وكلمة نحرت قلبها وروحها: "ماتت والدتها بيد والدها".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!