الفصل 2 | من 21 فصل

رواية حلم الفصل الثاني 2 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
15
كلمة
2,493
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

طرقات على باب الحمام وصوت شقيقتيها الذين يريدون الأطمئنان عليها يصل إليها. هم يعلمون حالتها جيداً ويعلمون ما تمر به الآن. وتلك الذكرى تعود إليها في كل مرة يحدث مواجهة مع والدها أو يحدث ما يذكرها بتلك الليلة، كما حدث اليوم. جميعهم كانوا يشعرون بالصدمة حين استيقظوا على ذلك المشهد. دلال ممددة أرضاً تنزف من أكثر من مكان وتحوطها حلم مغمضة العينين.

كادت قلوبهم تتوقف من الخوف من أن تكون حلم أيضاً تعرضت للضرب من والدها، فمؤكد هي لن تتحمل ذلك. ولكن حين فتحت عيونها تنفسوا الصعداء أنها بخير. لكن حين حضر الطبيب وأبلغهم بوفاة دلال، كانت الصدمة التي خلقت جرح كبير لا يندمل أو يُشفى. وكانت حلم هي أكثر المتضررين من ذلك. وعلى أثر ما حدث، ظلت حلم لمدة عام كامل لا تستطيع الحركة أو الكلام. لم تستطع أن تقف على قدميها أو تفتح الباب. لذلك قاموا بالدخول إليها.

القلق والخوف واضح في عيونهم يصل حد الرعب. وأقتربوا منها سريعاً يساعدها في الوقوف وخرجا بها إلى غرفتها. وضعوها بالسرير وجلست كل منهم في جهة يحتضنوها بحنان. وكعادتها أغمضت عينيها حتى توهمهم بأنها قد غفت وتستطيع كل منهم الذهاب وتركها بمفردها. هذا ما تحتاجه حقاً. كان هو يقف خلف بابها ينتظر خروج شقيقتيها حتى يطمئن. قلبه يؤلمه على كل ما تمر به. لكنه يتمنى أن تعطيه الفرصة فقط لكي يدعمها ويرمم ما هدمه والدها بداخلها.

ولكنها لا تسمح له بالأقتراب أو اختراق ذلك الحاجز الذي حاوطت نفسها به منذ ذلك اليوم. وقفت نوار وعائشة أمامه واستمروا هكذا لعدة ثواني ورحلوا. وذلك كان كافياً بالنسبة له ليعلم كم حالتها سيئة. حين أغلقت أختيها الباب فتحت عيونها تنظر إلى صورة والدتها الموضوعة على الكومود بجانب السرير وسالت تلك الدمعة الحبيسة. وهي تتذكر ما حدث بعد اكتشاف موت والدتها.

وكيف وقف جدها أمام والده ليصفعه عدة صفعات ثم أمسكه من ملابسه وهو يصرخ في وجهه قائلاً: "قتلت مراتك، بقيت مجرم، خلاص مبقاش في حاجة تقف قصادك، بقيت مجرم ويتيم بناتك." يجيبه أحمد بأي شيء لكن نظراته كانت باردة كالجليد. تشعرك أن ذلك الواقف أمامك إنسان نزع قلبه من مكانه ووضع بدلاً منه حجر كبير لا يشعر. وربما الوصف ظالم حقاً، فأحياناً الحجر يتشقق وينفجر ليخرج منه الماء وأحياناً النبات.

وكان مصطفى يقف بجانب والده صامت ينظر إلى أخيه بغضب وتقزز. يود لو يصفعه على وجهه حتى يعود إلى عقله الذي فقده مع الراقصات. نظر بركات إلى مصطفى وقال بأمر: "خده على الأوضة اللي في الجنينة ومش عايز أشوفه ولا ألمح طيف خياله طول الأسبوع ده." أومئ مصطفى بنعم دون أن يستوعب رغبة والده أو الهدف منها. وأمسك بذراع أخيه يجذبه خلفه لينفذ ما أمره به والده. نظر بركات إلى رقية وقال:

"روحي ابعتي مرزوق يجيب المغسلة على ما مصطفى يعمل تصريح الدفن." أومئت بنعم سريعاً والدموع تغرق عينيها. كانت تشعر من داخلها بغضب. هي أكثر من تعلم ما كانت دلال تعانيه مع أحمد وما رأت من ظلم. وكم من مرة حاولت قتل نفسها لولا خوفها من الله وخوفها على البنات. وكان غسان ويوسف وراغب يقفون جوار إحدى الحوائط بصمت. فالموقف لا يحتمل كلام، وأيضاً الصدمة جعلتهم جميعاً غير قادرين على الحديث.

وكانت الثلاث فتيات يجلسون في منتصف السرير يضمون حلم بحماية رغم أن أجسادهم تنتفض بخوف والدموع تغرق وجوههم. وكانت حلم تنظر إلى الأمام بصدمة، عيونها مفتوحة على اتساعها. هيبتها وهيئة أخواتها ينفطر لها القلوب. نظر إليهم بركات وبين عينيه نظرة أسف وحزن وقلبه يؤلمه حقاً عليهم. لكن اسم العائلة وسمعتها على المحك الآن وعليه أن يحافظ عليها.

وبعد ذلك سيكون هو وأفراد العائلة يحملون مسؤولية علاج كل ما حدث وكل ما تركه أحمد من أثر سلبي عليهم. أقترب من مكان جلوسهم وجلس أمامهم ينظر أرضاً يحاول أن يجد ما يقوله لهم. وظل الصمت سيد الموقف لعدة ثواني حتى قال بألم: "أنا عارف انتوا حاسين بإيه أو أقدر أتخيل الوجع والحزن اللي جوه قلوبكم. وأنا عارف أن أبوكم ذنبه كبير ومالوش عذر ولا شفاعة للي كان بيعمله واللي حصل النهارده محدش يقدر يتخيله. صدمنا كلنا. بس...

صمت يحاول تجميع كلماته أو ما يريد قوله حتى يستطيع لملمة الأمر.

"اللي أبوكم عمله ده عار وفضيحة وكارثة محدش كان متوقعها ولا يتخيلها. وأنا عايزكم تعرفوا حاجة. أنا مش هعمل كده عشان هو ابني لأ والله. لكن ده عشاننا كلنا. انتوا بنات سمعتكم وسمعة العيلة وسمعة ولاد عمكم. وعارف أن اللي هعمله صعب عليكم ووالله صعب عليا كمان لكن مفيش قدامنا حل تاني. من النهارده انتوا مسؤولية رقية. وأحمد من النهارده ملوش علاقة بيكم من قريب أو بعيد. بس اوعدوني أن اللي حصل يفضل سر. سر العيلة اللي مينفعش يطلع براها ولا حد يعرف عنه في يوم."

كانت الفتيات لا يستطعن الحديث. صدمة موت والدتهم بيد والدهم وصدمة كلمات جدهم وإحساسهم بالعجز عن أخذ حق والدتهم وترك المذنب دون عقاب من أجل اسم العائلة. وظل ذلك الصمت يخيم عليهم جميعاً وأولهم رقية طوال فترة العزاء والتي استمرت لمدة أسبوع كامل. وقيل أن أحمد كان مسافر ولم يستطع الحضور إلا في آخر يوم من أيام العزاء مجهد ومتعب وبملابس رثة.

كما أراد بركات أن يظهره أمام الناس حتى يستطيع إثبات ما قاله وإخفاء كل الأمر وإبعاد أي شبهة عن أحمد. عادت من أفكارها حين شهقت بصوت عالٍ لتكتشف أنها كانت تكتم أنفاسها وهي تتذكر ما كان ولم ينمحي يوماً من عقلها وعيونها. أحاطت ساقيها بذراعيها وهي تتذكر أن جدها قد نفذ وعده ولم يسمح لوالدها بالتدخل في حياتها أو حياة أختيها حتى في أمر زواجهم. لم يكن أكثر من وكيلهم أمام الناس من أجل سمعة العائلة وسمعتهم أيضاً.

لكن يكفي ذلك الألم التي تشعر به كلما شاهدت والدها أمامها وصورة والدتها وهي مسطحة أرضاً تحت أقدام والدها مدرجة في دمائها دون قدرة على الحركة. جلس راغب على أقرب كرسي يشعر بألم حاد في قلبه وحالة من العجز. لا يعلم ماذا عليه أن يفعل أو كيف يساعد من ملكت قلبه. لم يعد يحتمل كل ذلك الخوف الذي يشعر به كلما مروا بموقف كهذا والذي يتكرر يومياً دون توقف. توجه راغب إلى غرفته يشعر بالثقل فوق قلبه.

أنه يعشقها يتمنى قربها يحلم بها ليل نهار. هي حلمه الذي يشتاق إلى تحقيقه لكنها دائماً صعبة المنال. وقف أمام النافذة الكبيرة التي تحتل إحدى حوائط غرفته وتطل على الحديقة الخلفية للبيت الكبير كما غرفة حلم. وذلك يجعله يشعر ببعض الراحة أنه يشاركها ولو في رؤية ذلك المشهد يومياً. أخذ عدة أنفاس متلاحقة وعاد بذاكرته إلى أربع سنوات مضت.

حين قابلها صدفة وهي عائدة مع صديقتها جنة يضحكون دون أن ينتبهوا لذلك الشخص الذي يسير خلفهم ينظر إليهم بطريقة فهمها راغب جيداً وجعلت الدماء تفور في عروقه. ليقترب منهم ووقف أمامهم لتنظر إليه حلم بغضب وتقول من بين أسنانها: "إيه ده في إيه يا راغب؟ أنت مراقبني ولا إيه؟ نظر إليها بعيون غاضبة جعلتها تتراجع إلى الخلف خطوة واحدة والتصقت بصديقتها التي كانت ترتعش خوفاً خاصة حين قال: "على البيت على طول."

ليركضا سريعاً لينظر هو إلى ذلك القذر الذي ظل يتراجع إلى الخلف وكاد أن يركض إلا أن راغب أمسك به من ملابسه وحرك رقبته يميناً ويساراً ليصدر ذلك الصوت لتتمدد عظام رقبته. ليقع ذلك الشاب أرضاً على ركبتيه وأمسك بساق راغب وهو يقول: "والنبي يا عم أنا معملتش حاجة؟ كان راغب ينظر إليه بشر وأسنانه تصدر صوت عالٍ بسبب اصتكاكهم ببعض والنار تشتعل داخل قلبه. ليقول الشاب من جديد والدماء قد هربت منه: "هتاكلني يا عم ولا إيه؟

والنبي ما عملت حاجة." ليرفعه راغب من ملابسه وضربة لكمة قوية في وجهه ليرتد إلى الخلف ثم عاد إليه من أثر قوة الضربة ليضربه مرة أخرى وأخرى وأخرى حتى ملئت الدماء وجهه. ليترك ملابسه ليسقط أرضاً فاقداً للوعي. لينفض راغب يديه ورحل بعد أن ركله في معدته بقوة. حين وصل إلى البيت كانت حلم تجلس في الحديقة الخلفية تكاد تشتعل من كثرة الغضب تقطع الحديقة ذهاباً وإياباً. وقف أمامها فجأة لتقول هي بصوت عالٍ: "ممكن أفهم إيه اللي حصل؟

"كان في حيوان ماشي وراكم وأنتِ والهام التانية ولا أنتِ ولا هي واخدين بالكم منه." صمتت تنظر إليه بزهول وصدمة. ليكمل هو كلماته بغضب ومن بين أسنانه بعد أن رفع قبضة يديه في الهواء. "وبعد كده صوتك ميعلاش عليا أنتِ فاهمة؟ نظرت إلى يديه بزهول ثم تحركت من أمامه وأبتعدت عدة خطوات ثم نظرت إليه وقالت: "أنت ملكش دعوه بيا أصلا. ومتمشيش ورايا يا راغب. وأنا حرة أعمل اللي أنا عايزاه."

تحرك خطوة واحدة لتركض هي إلى داخل المنزل ليضحك وهو يحرك رأسه يميناً ويساراً بمعنى لا فائدة. عاد من أفكاره ليبتسم إلى تلك الذكرى التي تعتبر من أكثر الذكريات سعادة. فذكرياته مع حلم قليلة ونادرة. أخذ نفس عميق وأخرجه بهدوء ثم توجه إلى كيس الملاكمه وبدأ في إخراج كل ما بداخله من غضب وخوف وقلق. هوايته التي يفضلها وتساعده أيضاً على التفكير بوضوح. بعد أكثر من نصف ساعة توقف وهو يلهث بشدة. ولكن كان على وجهه ابتسامة واسعة.

لقد وجد الفكرة التي تخرجها مما هي فيه. غادر غرفته وتوجه إلى الأسفل ليجد والدته تجلس على الأريكة الكبيرة التي تتوسط بهو البيت الكبير بهيئتها المميزة جلباب أسود مزين ببعض الخطوط العربية وبجانبها نوار التي تمسك أحد الكتب التي تفضلها تقرأ فيه بتمعن. ومؤكد عائشة ذهبت إلى عملها. هو اليوم لم يستطع الذهاب لعمله. لا يستطيع ترك حلم في هذه الحالة والخروج. جلس جوار والدته التي نظرت إليه بطرف عينيها وقالت:

"مش كنت روحت شوفت اللي وراك يا راغب؟ نظر إلى أمه ببعض الخجل وقال: "يا أمي مفيش حاجة مهمة وبعدين الكل خرج وراح شغله. لو حصل حاجة لحلم مين يلحقها." كانت نوار تتابع ما يحدث دون أن ترفع عيونها عن كتابها وأبتسمت ابتسامة صغيرة لم يلحظها أحد. أكملت رقية كلماتها وهي تقول بحنان: "الله يكون في عونها اللي شافتوه من وهي صغيرة مش شوية." ثم نظرت إلى نوار وقالت:

"قومي يا بنتي شوفي السواق خليه يوصلك عشان تجيبي الفستان اللي هتخرجي بيه مع جوزك النهارده." "غسان أجلها يا ماما عشان خاطر حلم." أومئت رقية بنعم وهي تتنهد بتثاقل وقالت ببعض الشرود: "كلنا بندفع تمن طيش وعدم مسؤولية أحمد. الله يرحمك يا دلال كنتي شايلة كتير عن بناتك." أنحدرت تلك الدمعة الحبيسة في عيون نوار التي قالت: "كلنا مجروحين وموجوعين وهو ولا شايف ولا حاسس."

كان راغب من داخله يغلي غضباً مما يقوم به عمه من يوم وعى على تلك الحياة وهو يرى أفعاله المشينة وأثرها الواضح على العائلة رغم محاولات جده ووالده المستميتة لتغطية تلك الأفعال حتى لا تطول العائلة سمعة سيئة. كان ممدداً على السرير غير واعٍ لما فعل أو يفعل. ولن يختلف الأمر أكثر أن كان يعني هو في الأساس لا يهتم لأحد. غارقاً في النوم بسبب ما تعاطاه من مشروبات مسكرة وأشياء أخرى مخدرة.

إن ذراعي حسن بمفردهما كافيان أن يجعلاه يسكن الجنة دون مجهود منه. بين ذراعيها يجد الراحة التي لم يجدها يوماً مع دلال أو في بيت عائلته. لا أحد يفهمه ولا أحد يرى ما يريد لذلك هو أيضاً لا يرى سوا نفسه وفقط ولن يتوقف عن ما يفعله أبداً. حتى إذا اضطر أن يقتل والده وبناته وأخيه الذي سرق حلمه قديماً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...