ظل واقفًا في مكانه لدقائق كثيرة لم يحسبها ولم يشعر بها، وكل ذلك بسبب تلك النار التي أشعلتها حلم بكلماتها. نار لا تنطفئ أو تهدأ، ورغبة قوية في الذهاب إلى عمه وهزه بقوة والصراخ في وجهه بأعلى صوت: "لماذا تفعل كل هذا؟ لماذا قتلت بناتك وحطمت قلوبهن وأحلامهن؟ " لم يعد يحتمل، وغضبه يتصاعد، يكاد يحرق كل البيت بمن فيه.
تحرك سريعًا متوجهًا إلى غرفة جده. عليه أن يتحدث معه، لعله يجد لديه إجابة تريح قلبه وروحه المعذبة، وتساعد أيضًا روحها التي تتألم. رغم أنه يحمله بعض الذنب، ولا يبرئ ذمته أبدًا من كل ما حدث.
وقف أمام باب غرفة جده ينظر إليه وهو ينهي صلاته. لكنه شعر بالصدمة حين سمع جده يدعو الله قائلًا: "اللهم اغفر ذنبي في حق المرحومة دلال، وذنبي في حق الفتيات، وذلك الذنب الكبير الذي لا أعلمه، وبسببه رزقتني ابنًا عاقًا. اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني." اقترب راغب وجلس أمامه، ينظر إليه ليخفض بركات عينيه أرضًا، خاصة مع ذلك السؤال الواضح داخل عيون حفيده. ظل الصمت ثالثهما لدقائق، حتى قال راغب: -هو أنت ليه مش بتتصرف؟
ليه مش بتلاقي حل لكل اللي إحنا فيه ده؟ أنت الكبير وبإيدك. يُجبر بركات على شيء وظل كما هو ينظر أرضًا. ليكمل راغب من جديد، والغضب يتملكه وجعل صوته يرتعش قليلًا: -لأمتى هتفضل البنات تدفع تمن اللي عمي أحمد بيعمله؟ لأمتى هتفضل حلم تتعذب؟ وأنا بتعذب، وكلنا بندفع التمن.
رفع بركات عينيه ينظر إلى حفيده، ذلك الشاب الذي يفتخر به الجميع ويتمنى الجميع أن يكون لهم ولد مثله. لكنه أيضًا عاطفي أكثر من اللازم. الجميع يعلم بحبه لحلم، والجميع أيضًا يعلمون جيدًا ما يقوم به بالخفاء من أجلها، والوحيدة التي لا تعلم هي حلم نفسها. وهو راضٍ بكل هذا، يكفيه أن يراها بخير وفقط. أخذ بركات نفسًا عميقًا وقال بهدوء رغم ما يعتليه من إحساس بالذنب:
-رغم الوجع اللي الكل حاسس بيه، لكن يا ابني اسم العيلة أهم. اسم العيلة هو اللي خلى أخوك يوسف أشهر دكتور قلب في البلد، ومراته أشهر دكتورة نسا وكل الناس بتثق فيها وبتجيلها من كل مكان. هو اللي خلى المزرعة بتاعتنا من أكبر المزارع اللي الناس عايزة تتعامل معاها، والكل بيحلف بإنتاجها وإدارتك ليها. اسم العيلة هو اللي فاتح شركة الاستيراد والتصدير، وهو اللي مخلي للفواكه والخضار بتاعتنا اسم ومركز كبير في السوق، وأبوك قادر يصدرها لكل الدنيا. وغسان أخوك كل الدنيا بتيجي لحد عنده عشان تاخد منه الخبرة وبتجري وراه عشان تحجز المحصول.
كان يستمع لكلمات جده، وبداخله إحساس غريب. يتفهم منطق جده ويستطيع استيعابه، لكنه يرفضه وبشدة. كيف من أجل المال يتقبل خسارة حلم؟ حرك رأسه يمينًا ويسارًا وقال برفض:
-أنت غلطان يا جدي. أنت بتفكر في اسم العيلة، وعمي أحمد مش بيفكر غير في نفسه، واللي بيدفع التمن حلم. ومش حلم لوحدها. لو حضرتك شايف إن عائشة ونوار سعداء وكويسين تبقى غلطان. شوف كل واحدة فيهم لما بتيجي سيرة عمي إيه اللي بيحصلهم، والنار اللي بتحرق قلوبهم وتبقى باينة للأعمى في عينيه. ثم وقف على قدميه وأشار لجده وأكمل: -ذنب موت طنط دلال، وذنب كسرة البنات وذنب حلم. وذنبك في رقبتك يا جدي.
وغادر الغرفة سريعًا، تتابعه عيون جده التي امتلأت بالدموع. فكلمات راغب أصابت الجزء المتألم والذي لا يتوقف أبدًا عن لومه وعتابه. فتحت ذلك الباب الذي كان دائمًا يغلقه بقوة حتى يظل متمسكًا بما أخذه من قرار، وأن يظل اسم عائلة بركات دون شائبة، متغافلًا عن كل ما يسوء الاسم بسبب تصرفات أحمد التي يعلمها الجميع، والبعيد قبل القريب. ***
عاد يوسف وعائشة إلى البيت، يمسك بيدها وهي تحاوط معدتها بيديها. شعرت رقيه بالاندهاش، خاصة أنه لم يمر وقت طويل على مكالمة يوسف الذي أخبرها فيها أنهم لن يعودا باكرًا. وقفت واقتربت منهما وهي تقول ببعض القلق: -انتوا كويسين يا ولاد؟ لينتبه الجميع إلى سؤالها بين اندهاش وعدم فهم. ليبتسم يوسف وهو يقول بفخر ذكوري: -عائشة حامل. ولي العهد والحفيد الأول لعائلة بركات في الطريق.
ابتسمت نوار بسعادة كبيرة، رغم تلك الدموع التي تجمعت في عينيها. إلا أنها اقتربت من أختها تضمها بقوة وحب وحنان، وهي تقول بصدق: -اللهم بارك. اللهم بارك. مبارك يا عائشة، مبارك يا حبيبتي. ربنا يكمل حملك على خير. هتبقي أحلى ماما في الدنيا. اقتربت أيضًا حلم بسعادة كبيرة، وهي تقول بمرح: -وأخيرًا هبقى خالتو. مبروك يا عائشة، ألف مبروك يا قلبي. ثم نظرت إلى يوسف وقالت: -مبروك يا دكتور.
-الله يبارك فيكي يا حلم، عقبال ما نفرح بيكي. قال كلماته الأخيرة وهو ينظر إلى راغب، الذي كانت عيناه ثابتة على حلم. رغم حديثه مع عائشة بسعادة، خاصة وهو يقول بمرح: -وأخيرًا هبقى خالو. وأصيع أنا وابن أخويا الصياعة اللي مأصعتهاش طول حياتي. لتضحك عائشة بصوت عالٍ، وقالت بمرح: -لو هيصيع معاك أنت يا راغب، أنا كده مطمنة عليه جدًا.
ليضحك الجميع، وأكمل الجميع مباركات لها وليوسف. إلا غسان، الذي ظل صامتًا. عيناه ثابتة على نوار، التي تحاول إخفاء دموعها بابتسامة سعادة كبيرة. وقلبه يؤلمه من أجلها. وضميره يعذبه مما فعل، ولا يجد حلًا الآن ليصلح ما أفسده. ولا توجد فرصة أمامه. إنه الآن خاسر بكل ما للكلمة من معنى. *** اجتمعوا جميعًا على طاولة الطعام، والسعادة تملأ وجه مصطفى، الذي قال بسعادة طفل صغير: -وأخيرًا هبقى بابا جدو. ثم نظر إلى والده وأكمل قائلًا
بنفس السعادة: -بعد إذنك يا حج، أنا هدبح عجل لله. أومأ بركات بنعم وقال بابتسامة وقورة: -أكيد طبعًا يا ابني، ده أول حفيد للعيلة. كانت نوار صامتة تمامًا، تتلاعب بطعامها. لا يشعر بها أحد غير ذلك المذنب في حقها. نظر إلى الأمام وهو يتذكر ذلك اليوم بعد ذهابهم إلى الطبيب وقيامهم بجميع التحاليل. ادعى أنه لديه عمل كثير ولن يستطيعوا الذهاب إلى الطبيب، ولكن، عاد متأخرًا وبين يديه التحاليل، وبابتسامة واسعة وقف أمامها وقال:
-متقلقيش يا ستي، إحنا الاتنين سلام وزي الفل. وتأخير الخلفه ده مسألة وقت مش أكتر. اقتربت منه، تمسك يديه بتوسل، وعيناها تبتسم بسعادة، وقالت بعدم تصديق: -بجد يا غسان؟ بجد؟ -آه يا قلب غسان. بجد. أجابها كاذبًا، وقد سار في طريق لا رجوع فيه. أوله وأوسطه وآخره خسارة. عاد من أفكاره على صوت ضحكات عائلته، ليعود بنظره لها، ومن جديد صامتة. عيناها حزينة رغم تلك الابتسامة التي ترتسم على ثغرها دون أن تصل إلى عينيها.
وحين رفعت عينيها إليه، أخفض هو عينيه. يكفي ضميره يعذبه، فهو لا يستطيع النظر إلى عينيها. يكفي عذابه لنفسه، وكل يوم الخوف داخل قلبه يزداد. *** بعد الغداء، توجهت حلم إلى الحديقة الخلفية، وتوجه راغب إلى غرفته، ومباشرة إلى النافذة ليجدها تجلس هناك على الأريكة الخشبية الكبيرة، ممددة القدمين، وبين يديها ذلك الكتاب التي لا تمل ولا تتوقف عن قراءته.
ابتسم ابتسامة مشاغبة اليوم، ليظهر بعض من مشاعره. علها تفهم وتشعر به، علها تجد فيه ما تبحث عنه، عل قلبها يميل. توجه إلى مشغل الموسيقى وأوصله بالسماعات لتصدح تلك الكلمات الرقيقة، وهو يقف أمام النافذة في مرمى بصرها مباشرة، ينظر إليها بتحدٍ وثقة وحب، ويردد الكلمات بصوت عالٍ. رغم ارتفاع صوت الأغنية الأصلية، إلا أن صوته يصل إلى أذنها، ويالا العجب. "حلوة وبتحلي أي مكان وتنوره والله ما تلاقوا زيها لفوا الدنيا ودوروا"
غمز لها بمشاغبة، ويديه تصف كلمات الأغنية بحب وصدق. كانت تنظر إليه باندهاش وعدم تصديق. ثم تلتفت حولها لترى أن كان هناك أحد يشاهد ما يقوم به ذلك المجنون. "دي جمالها معدي وإللي يشوفه بيقدره والله ما تلاقوا زيها زيها مين بتهزروا" ثم رفع يديه وهو يشير إليها ويحرك كتفيه برقصة شبابية لطيفة تخطف القلب، خاصة وهو بذلك الجمال الرجولي المميز والجسد الرياضي الممشوق. كل ذلك جعل عيونها ثابتة عليه ولا تستطيع النظر بعيدًا.
"تؤمر تتأمر ماهي دي إللي عليها من طبعًا حقها تدلع تتبغدد قوي تتمنع" وضع يديه فوق قلبه وانحنى قليلًا للأمام وهو يقول: "قصاد الغمزة إحنا تلامذة قصاد المشية إحنا الحاشية ودي السلطانة وتتسلطن نغني معاها ونتسلطن قصاد الغمزة إحنا تلامذة قصاد المشية إحنا الحاشية ودي السلطانة وتتسلطن نغني معاها" وبدأ في الرقص بكتفيه وذراعيه وكتفيه، وعيونه تبتسم بسعادة كبيرة وتحمل الكثير من المشاغبة. "ليل يا عين ياليل يا عين يا ليل
عين يا ليل يا عين يا ليل يا عينيا عين يا ليل يا يا ليلي يا عين يا ليل يا يا ليل" توقف عن الرقص وعاد ينظر إليها بحب ومشاغبة. "الورد اتنقّى بالواحدة عشان خدها يا جماعة مش ممكن لأه دي لا قبلها ولا بعدها مبتدلعشي ماهي دلوعة لوحدها الرقة يا ناس رباني رباني يا ناس بعدها أنا مش هاتكلم أنا رافع إيدي مسلم القد يا ناس يتدرس منه الغزلان تتعلم دانا مش هتكلم أنا رافع إيدي مسلم القد يا ناس يتدرس منه الغزلان تتعلم"
توقفت الأغنية، وتوقف هو عن الغناء والرقص، ووقف ينظر إلى عمق عينيها، رغم تلك المسافة الفاصلة بينهم. وأيضًا الابتسامة العاشقة لم تغادر شفتيه، رغم عيونها التي تنظر إليه من خلف مرآة الكبرياء والكره. لكنه أبدًا لن يستسلم. كان يردد كلمات الأغنية بقلبه قبل شفتيه. وشعرت هي به، ولاحظ ذلك من ارتباكها وخجلها وتوتر ملامحها.
وحاولت هي أن تسيطر على تلك الرجفة بجسدها حين رأته بذلك الجمال الرجولي الذي يخطف الأنفاس، يغني لها بحب. وكلمات الأغنية التي تثبت لها مكانتها لديه. أغلقت الكتاب بقوة ووقفت على قدميها وسارت بغضب لداخل المنزل. لتتسع ابتسامته وهو يتحرك ليغلق مشغل الموسيقى، وتمدد على السرير بسعادة وبعض الراحة. لقد استطاع اختراق تلك الحواجز التي تحاوط بها قلبها وروحها. ***
دَلفت رقيه إلى الغرفة لتجد مصطفى يمسك هاتفه باهتمام شديد على غير عادته. اقتربت منه وجلست جواره تنظر للهاتف حتى تكتشف بما هو منشغل. لتبتسم ابتسامة صغيرة وهي ترى تلك الملابس الصغيرة، وصوت مصطفى يقول: -هجيبهم ألوان حيادية لحد ما نعرف هو ولد ولا بنت. نظرت إليه بعشق وداعبت خصلات شعره التي بدأ الشيب يغزوها منذ سنوات، تزيده وسامة ووقار، وتزيدها عشقًا وحبًا مهما مرت السنوات، وحتى إذا أصبح لديه من الأحفاد الكثير.
-هتبقى أحلى جدو. -بجد يا رقه؟ أنا مستني اللحظة دي من سنين. صمت لثوانٍ ثم أكمل: -صحيح، كان نفسي أول حفيد يكون من غسان بس النصيب بقى. اعتدلت رقيه ووضعت رأسها على كتفه وقالت ببعض الحزن: -كله في وقته، وزي ما قال غسان قبل كده، هي مسألة وقت، وإن شاء الله ربنا كريم. أومأ بنعم وعاد من جديد بكامل تركيزه ينتقي ما يريد من ملابس الأطفال. وأغلقت رقيه عينيها ببعض الاسترخاء وهي تهمس بسعادة:
-هبقى تيته. الحمد لله. عقبال ما أفرح براغب وأشوفه عريس بقى. نظر لها مصطفى بطرف عينيه. ومن داخله شعور يزداد أنها لا تقصد حلم في كلماتها. هو أيضًا يريد أن يزوج راغب، وأن يكون أسرة ويصبح أب. ولكن كيف يتخلى عن ابنة أخيه، أكثر المظلومين في هذا البيت. تنهد بتثاقل، وهو يدعو الله أن يحل ذلك الأمر، فقد عجز الجميع عن حله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!